«العالم السريّ»... مفاصل خفيّة لا يكتمل تاريخ من دونها

كريستوفر أندرو يكتب تاريخ الاستخبارات

هتلر  -  ستالين
هتلر - ستالين
TT

«العالم السريّ»... مفاصل خفيّة لا يكتمل تاريخ من دونها

هتلر  -  ستالين
هتلر - ستالين

التجسس، يذكّرنا البروفسور البريطاني كريستوفر أندرو في كتابه الجديد «العالم السريّ: تاريخ للاستخبارات» بمهنة قديمة قدم التاريخ، لكنها مع ذلك، وبحكم طبيعتها، تلتحف العتمة وتعشوشب في الخفاء، فتفتقد إلى سجلات تاريخيّة متكاملة عنها، ويُخفق مؤرخون ومعلقون على وقائع الأيام في تدارك دورها، أو حتى تقييم مساهمتها تجاه تشكيل رحلة التاريخ عبر محطاته المختلفة. ويبدو كتاب البروفسور الموسوعي الجديد (صدر بالإنجليزيّة بعنوان The Secret World: A History of Intelligence) محاولة فردية لتدارك هذا الفراغ المتأصل عبر سجل مفصّل حد الإمتاع من الأخبار المتعلقة بفنون الجاسوسيّة ونجاحاتها، وكثير من قصص إخفاقاتها كذلك، في 800 صفحة أتبعها بملاحق ووثائق.
ينطلق أندرو، الذي اشتهر بريطانياً بكونه المؤرخ الذي كلّف بكتابة سيرة مصرّح بها لجهاز الاستخبارات البريطاني (المعروف بـMI6)، من قناعة بأن تاريخ التجسس، الذي غالباً ما يساء فهمه، هو جزء أساسي من السياق التاريخي الكلّي، وهو لذلك نظّم كتابه وفق المراحل التاريخيّة للتجربة البشريّة، كما رآها الغرب، ويستعيد قصصاً توراتيّة من العهد القديم ليدلّل على تلازم مسار السياسة والسلطة مع العمل الاستخباري، قبل أن يكيل المديح للصينيين والهنود في إمبراطورياتهم القديمة لإدراكهم قيمة العمل الاستخباري، معتبراً أن «فن الحرب» لسن تزو، وأيضاً كتاب «الأرثاشاستارا» الهندي (الذي بقي مفقوداً لألف عام)، إشارات مبكرّة على النّظرة الاستراتيجيّة التي منحها القادة السياسيون والعسكريون في الشرق للمعلومات حول الأعداء الخارجيين والداخليين لكسب الصراعات، مقابل النزعة الاستعلائيّة الرومانيّة تجاه البرابرة الجرمان مثلاً، واعتمادهم على تخرصات العرّافين التي تسببت في توقف توسع الإمبراطوريّة نحو الشّمال الأوروبيّ. لكن «العالم السري» يأخذ منحى أكثر قيمة عندما يتجاوز السردُ الحكايات التاريخيّة المتسمّة بالتعميم، وانعدام وسائل التثبت، وينتقل إلى مرحلة عصر النهضة الأوروبي، الذي تتوفر عنه وثائق كثيرة.
ومن الواضح أن شبكات الاستخبارات كانت وقتها مكوناً أساسياً من أدوات السلطة في نموذج الدولة الذي عرفته العصور الوسطى: من فينيسيا - البندقيّة إلى الفاتيكان وممالك إسبانيا وفرنسا وإنجلترا. ويسجل المؤلف هنا الدور الاستثنائي الذي لعبه فرانسيس وولسينغهام، القائم على استخبارات الملكة إليزابيث الأولى، في حفظ الحكم لآل ويندسور، من خلال مؤامرته الحاسمة لإسقاط ماري، ملكة اسكوتلندا، التي تبيّن لاحقاً أنه زوّر رسائل باسمها تسببت في مصيرها القاتم. كما يعتبر أن سرّ انتصار القائد الإنجليزي ويللينغتون على نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا وأهم عقولها العسكريّة إنما كان تحديداً بفضل شبكات المعلومات التي استمع إليها ويللينغتون جيداً، بينما تجاهلها نابليون مكتفياً بالاعتماد على ذكائه الاستراتيجي الاستثنائي فحسب.
معظم تاريخ الاستخبارات المعروف يتراكم في مرحلة القرن العشرين، بعدما تحولت شبكات التجسس إلى لازمة لعمل الدولة الحديثة عبر التقلبات والحروب والكوارث الحادة، لا سيما الحرب العالمية الأولى والثانية، ولاحقاً الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، رغم أن الحكومة البريطانية بقيت لنهاية الثمانينات تنكر بصلافة تثير السخرية أن لديها خدمة سرية. ويعتقد أندرو فيما يتوفر لديه من المعلومات عن صنعة التجسس في روسيا - وكان قد كتب تاريخاً للاستخبارات السوفياتية بالتعاون مع المنشق الروسي أولغ جورديفسكي - أن حنكة موسكو الاستخبارية تفوق بمقدار الثلث على الأقل مثيلاتها الغربية، رغم أنها عانت من بارانويا القيادة السوفياتية، وبالأخص جوزيف ستالين الذي لم يصدق تقارير وصلته بشأن عزم هتلر شن هجوم واسع النطاق على روسيا، معتبراً إياها أخباراً مضللة يروجها البريطانيون، بعدما كان قد وقّع شخصياً منذ بعض الوقت اتفاق عدم اعتداء مع ألمانيا. وقد أصدر ستالين أمراً بإعدام مرسلي تلك التقارير، وأهمل محتواها تماماً، وهو ما تسبب لاحقاً بخسارة عدة ملايين من جنود الجيش الأحمر بلا طائل في مواجهة المراحل الأولى من الهجوم الألماني الكاسح، الذي لولا عوامل لوجيستية وجغرافيّة وسوء تقدير لكان قد أسقط موسكو نفسها.
يحاجج الكاتب بافتقاد الممارسة الاستخبارية المعاصرة للحس التاريخي، على نحو يتسبب فيما يرى بتكرار أخطاء تكون فادحة أحياناً. ويحمل مسؤولية ذلك النقصان بشكل جزئي ربما لغياب النصوص التاريخية التي تفكك التجارب الاستخبارية على المدى الطويل، لكنه يرى أن التكنولوجيا الجديدة، وتشظي المعارف على الإنترنت، وفرت للجيل الجديد من الاستخباريين معلومات كثيرة، بل ومنهم كثيرون مؤهلون في علوم التاريخ، لكن سعة الاطلاع تلك لم تكسبهم الحس التاريخي بسبب اشتراك معظمهم في الخطأ المعرفي حول «أن الظروف مختلفة هذه المرّة».
ويكشف الكاتب أن العالم السري لأجهزة الاستخبارات اليوم ما هو إلا ماكينات بيروقراطية ضخمة تجمع كمَّ معلومات هائلاً من مصادر متقاطعة، وتستخلص استنتاجات تكتسب قيمتها الاستراتيجية من خلال عدم معرفة الطرف موضوع التجسس باطلاع تلك المكائن عليها، والأهم دائماً قدرة متخذ القرار على استيعاب أبعاد التعامل معها. وهو لذلك عالم ممل بطيء محمي من العيون، رغم الصورة البراقة عنه التي يحمّل أندرو مسؤوليتها إلى الروائيين الإنجليز في القرن العشرين الذين أضفوا على شبكات التجسس والعملاء هالة سحر وتفوق جمّلَت صورتها أمام العامة، بعدما كانت تُعاب دائماً لأدوارها القذرة في مراقبة الناس، وملاحقة بريدهم، بوصفها «مهنة لا تليق بإنجليزي متحضّر».
عند المؤلف، لم تتغير أساسيات العمل الاستخباري كثيراً عبر العصور، وإن اكتسبت مزيداً من ثراء المعلومات المتوفرة لها مع كل تطور في صناعة تكنولوجيا الاتصالات، لا سيما مرحلة اختراع التليغراف، ولاحقاً تطور الحواسيب وأنظمة الهاتف والإنترنت وقواعد البيانات الضخمة. فهو يقول مثلاً إن أحدث تقنيات التعذيب لاستخلاص المعلومات، التي كُشف عام 2007 عن أن المخابرات المركزيّة الأميركيّة تستعملها، هي طرائق كانت متداولة في محاكم التفتيش الإسبانية سيئة السمعة، التي تعتبر مناهجها بمثابة أدلة عمل تلهم الاستخباريين المعاصرين، ويتطرق بتوسع للخبرة الأميركية في العمل التجسسي بوصفها الدولة الحديثة الأعظم، وهي خبرة بدأت أيام جيل الآباء المؤسسين، ويَذكر أن جورج واشنطن خصص ما معدله 12 في المائة من الميزانية الفيدرالية للإنفاق على الأنشطة الاستخباريّة المتنوعة. وينتقد الكاتب بشدة تنازع الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية المختلفة في الولايات المتحدة، الأمر الذي يرى أنه تسبب - وما زال - في وقوع فجوات تغطية أمنية خطيرة فيما بينها. ويعتبر أن حادثة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) كان يمكن تجنبها، لو امتلكت المخابرات المركزية الأميركية الخيال الكافي لتوقع هجوم رمزي كبير، بعد تعدد الإشارات الواضحة على وجود ذلك التوجه، بما فيها هجوم فاشل سابق على ذات مركز التجارة العالمي المستهدف لاحقاً بهجوم الطائرات المدنية المختطفة.
ومع كثرة تفاصيله، وتعدد ما يرويه من اللطائف والنوادر في دهاليز الاستخبارات الخفية عبر حقب التاريخ ومحطاته، فإن «العالم السريّ: تاريخ للاستخبارات» سيكون بمثابة أنسايكلوبيديا بريطانية متخصصة في موضوعها، تكتفي بتسجيل الحوادث دون امتلاكها نظرية شاملة لنقد التجارب المختلفة للعمل الاستخباري عبر تاريخ العالم بنجاحاته وإخفاقاته، المعروف منها والمخفي. فالمعلومات وحدها، دون القدرة على استخلاص استنتاجات عامة للاستفادة منها في اتخاذ القرار، تبقى مجرد نشاط بيروقراطي ممل آخر، كما يرى البروفسور أندرو نفسه، ولذا فإن هذا السِفر العظيم القيمة سيبقى ناقصاً دون نص لاحق ينظرّ لإطارات كلية تفسّر حراك التاريخ العلني بالاستفادة من حراك التاريخ السري الموازي.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».