ربيعة جلطي: لا أسلاك شائكة بين الأنواع الأدبية

الشاعرة والروائية الجزائرية ترى أن صوت الإخباري يطغى الآن على الإبداعي

ربيعة جلطي
ربيعة جلطي
TT

ربيعة جلطي: لا أسلاك شائكة بين الأنواع الأدبية

ربيعة جلطي
ربيعة جلطي

أصدرت الشاعرة والروائية الجزائرية د. ربيعة جلطي، منذ وقت مبكر، عدداً من الأعمال الشعرية والسردية التي كرستها في المشهد الثقافي الجزائري منذ أكثر من عقدين.
وفي هذا الحوار معها، تتحدث عن انتقالها من الشعر إلى الرواية، أو المزاوجة بينهما، فمن «الطبيعي أن يكون الشاعر روائيا أو مسرحيا أو صحافيا»، لأن الأنواع الأدبية متداخل بعضها مع بعض، ولأن «الكتابة أسبق من جنس الكتابة، إنها جوانية تبدأ غامضة تتبدى فينا وفي لغتنا، ثم تتجلى في هيئة الشعر أو الرواية أو القصة»، كما تقول.
هنا نص الحوار...

> عرفك القراء شاعرة، ثم تحولت إلى الرواية، كيف سحبتك «غواية السرد» من الشعر؟
- كيف أنتقل مني... كيف أهاجر من أناي؟ إنني أشعر أن الشّعر حالة، وكتابة، ورؤيا صوفية للحياة، هي المادة الأولى التي صُنعتُ منها. الشعر مكوِّن أساسي في كينونتي كلها، حتى قبل أن أمارسه كتابة. خلقت هكذا هشة منذ طفولتي أحمل جرح فطام مبكر لم يبرأ بالتقادم، وجئتُ هكذا قوية بأبٍ محبّ، فتحت عيني على مكتبته وعشقه للكتب واللغات. ثم إن الشعر مبثوث في كل شيء في الحياة، لكن أغلبنا لا يراه، ولذلك يتكئون على من يبصره بدلا عنهم، ويقوله أو يكتبه ويخبرهم عنه. هو ذا الشعر ليس ثوباً أُنضيه عني، فهو كينونتي كلها. أما الرواية فهي ذوات شخصيات أخرى، تخلقينها أنت، مستندة على التراكم المعرفي والثقافي الذي اكتسبته خلال مسار حياتك، من معرفتك البسيطة بترتيب الورد، أو نسج شال لحبيبك، أو إدراك طبائع الحيوانات، إلى ثقافتك الاجتماعية والنفسية والتاريخية والجغرافية والسياسية والفلسفية. الرواية بناء ذوات شخصيات بطبائعها وأشكالها وأفكارها، تتصرفين في مصائرها. إنه عمل فني وجهد يشترك فيه الفكري بالحدسي بالجسماني، يحتاج إلى نفس طويل، وصبر وأناة لأشهُر بل لسنوات.
> هناك من يقول إن الرواية أكثر سعة للتعبير من قصيدة شعر مكثفة. ما رأيك؟
- أنا لا أحبذ الرؤية التشطيرية التقسيمية في فنون الكتابة الإبداعية. أعتقد لو أن الجاهليين تركوا معلقات سردية، كما تركوا المعلقات الشعرية، لكانت نظرتنا مختلفة، نحن الوحيدون ربما من بين الحضارات الأدبية الإنسانية، الذين نحاول أن نضع بين الأجناس الأدبية أسلاكا مكهربة، تمنع العبور بسلام بين قارات الأدب. تشبه تلك الحدود الجمركية الموجودة بين بلداننا. جيش من الشعراء في العالم يكتبون الرواية، بل لا تكاد تعثر على روائي كبير شهير لم يكتب الشعر. ألم يكن فيكتور هيغو شاعرا وروائيا، ألم يكن شكسبير شاعرا ومسرحيا، وأراغون ألم يكن شاعرا وروائيا. وغارسيا ماركيز ألم يكن صحافيا وقصاصا وروائيا، وألفريد دي موسيه كان شاعرا ومسرحيا وروائيا. وألم يكن صاحب «الألِف» و«كتاب الرمل» خرخي لويس بورخيس شاعرا وقصاصا بارعا... أقول دوما إن الكتابة أسبق من جنس الكتابة، إنها جوانية تبدأ غامضة تتبدى فينا وفي لغتنا، ثم تتجلى في هيئة الشعر أو الرواية أو القصة.
طوال مسيرة حياتي وتجربتي، بدا لي الشعر مثل صلاة ما، أحرص عليها يوميا كتابة وقراءة بخشوع معين. أما الرواية فهي تأمل واعٍ للعالم، مقاربة سيكولوجية وسوسيولوجية ولغوية بحدس إبداعي. مشاهدة مستيقظة لما في هذا العالم من أسئلة وظواهر.
أرى اللغة الشعرية ذات صوت وعزف منفرد، لغة متأملة بهدوء أغلب الأحيان. عامودية، عميقة، مختزلة، تقول في جملة ما قد تضمه خزانة فلسفية. أما اللغة السردية فهي لغة أفقية لكنها «حافرة»، تنبسط على مساحة حقول قولٍ شائعة. تعجّ بالحيوات، والأصوات، مثل سفينة ضخمة تتنقل بمن فيها وعليها فوق مياه بحر متقلب، تماما مثل لغة السرد، كي تصل إلى الضفة الأخرى.
> كان الشاعر لسان قبيلته، ثم لسان حال قضايا تحررية، مفدي زكريا شاعر ثورة الجزائر، محمود درويش شاعر الثورة الفلسطينية، التشيلي بابلو نيرودا شاعر الفقراء التشيليين... إلام نعزو تراجع الشعر مفسحاً المكان للرواية؟
- نحن نعيش بداية عصر أدبي ولغوي جديد، مختلف عما سبقه. تتفكّكُ عناصرُه الأولى شيئا فشيئا لتستقيم على إثرها أخرى. عصر سريع بما يثير الدهشة والدوخة، يبدو لنظرتنا التي أضحت قديمة بأنه مفكك العناصر، بما أن القبيلة لم تعد في حاجة إلى لسان حال يتحدث باسمها، ولم تعد في حاجة إلى أن تعلق قصيدته على أستار الكعبة، في زمن انتشار وسائط التواصل الاجتماعي المتزايدة والمتطورة والمتجاوِزة، وبما أنه قد أصبح لكل فرد من أفراد القبيلة لسان حال، ملكه وحده، يعلق عليه صورته وأقواله وأحواله، وله صوت بمكبِّر يصل إلى أبعد ركن من أركان الأرض الأربعة.
فما على المتخصصين سوى إعادة الحساب في إحصاء كم من نيرودا، وكم من مفدي زكريا، وكم من محمود درويش، ضمن ما يزيد عن 7 مليارات من سكان هذه الأرض. هذه القبيلة الكبيرة.
> درج في الساحة الشعرية الحديثة ما سمي «الشعراء الشباب»، كثير منهم غارق في قضايا ذاتية، خلاف جيل الشعراء الرواد في الخمسينات والستينات الذين تبنّوا قضايا كبيرة. هل تتفقين مع هذا الرأي؟
- لكل عصر شعراؤه الشباب، وموجاته الشابة الساخطة على ما سبق في كل شيء. ذاك هو تكوين الكينونة وطبيعتها الأولى. الخلايا الجديدة تطارد الميتة لتستقيم الحياة. لكن الجديدة منها قد تكون حاملة لموتها الجيني.
لا يأتي التجديد من فراغ يا عزيزتي. رواد الخمسينات ارتكزوا على ما قبلهم، فعلى أي شيء يستند الشعراء المعاصرون لكي يأتوا بـ«الخوارق» الشعرية؟ أنت تعلمين أن القرن الهجري الرابع الذي كان علامة قوية في تاريخ الحضارة العربية، وأنتج المعري وأبا حيان التوحيدي والفارابي وابن سينا وأبا حسن المسعودي وإخوان الصفا وغيرهم من مصابيح الفكر بمختلف ألوانه، ما كان ليحدث لو لم يمر قبلهم زمن «محراث» عبد الله المأمون، الخليفة المثقف، فهيّأ لهم التربة المثلى لحقل المعارف.
المبدعون الجدد في عصرنا هذا، استفادوا كثيرا من وسائط الاتصال والإعلام التي اخترعها الغرب، إلا أن ذلك لم يكن مرفقا بحمولة معرفية كافية، لذلك ظل صوت الإخباري الجاف يطغى على الصوت الثقافي الإبداعي... الشباب في القصيدة وليس في الشاعر.
> دخلت اللهجات العامية في السرد الروائي، كما عند عبد الرحمن منيف في رواية، ورشيد بوجدرة، وفي رواياتك أيضاً. ألا يؤثر ذلك على انتشار الرواية؟
- تحضرني كلمة لريجيس دوبري يقول فيها، إن غاب الشيء فإن الكلمة تعوضه... في هذا المضمار تبدو لي اللهجة العامية بكل حمولتها الرمزية، وامتلاكها لجينات ضاربة في القدم، وحدها القادرة على التعبير عن الشيء المراد، الذي أحيانا لا تستطيع اللغة العالمة «العاقلة» «المدرسية» أن تعوضه.
كم قرأنا من العاميات نحن المغاربيين بين مفاصل الروايات المشرقية، حقا كان تفكيك العامية متعة أحيانا، تضيف إلى النص الفصيح بهارات أخرى. فإذا كنا استطعنا أن نفهم المراد منها، فهم أيضا ليسوا أقل فطنة، لكي يفهموا ما ترمي إليه بعض الحوارات الضرورية بالعامية المغاربية.
كتابات الطيب صالح في «دومة ود حامد» أو «عرس الزين» أو «موسم الهجرة إلى الشمال» مدهشة بلغتها، و50 في المائة من لغتها لهجة سودانية صعبة ولكنها جميلة وشعرية.
> يتساءل البعض ما جدوى الكتابة في زمن السوشيال ميديا؟
- الأدب والعلم لا يتناقضان في الحالة الطبيعية، بل إنهما يتكاملان. عبر العصور نعرف أن المبدعين في شتى حقول الفنون والآداب استعملوا ما تيسر لهم من وسائل. فالروائيون استعملوا المداد، ثم أقلام الرصاص، ثم الأقلام الجافة، ثم الآلات الراقنة الكلاسيكية. في زمن السوشيال ميديا هذا، صار الاقتراب من القارئ أسهل ولكنه أخطر في الوقت نفسه. والحقيقة أنه على الرغم من بعض الشطحات الإعلامية، التي يقوم بها بعض الروائيين على حساب النص، فإن القارئ المعاصر يتجذر وعيه الجمالي أكثر فأكثر. قارئ الرواية الحالي ليس هو ذاك الذي كان قبل 10 سنوات، لقد صار وعيه الجمالي والفكري أعمق لأنه أضحى أكثر اطلاعا على ما ينتج من إبداع روائي في العالم.
> تكتبين بحنين للأمكنة، دمشق درست بها، وهران مسقط رأسك، مدينتان حاضرتان في رواياتك، خاصة روايتك «حنين بالنعناع»، ماذا يعني المكان للروائية ربيعة جلطي؟
- المكان حياة. لم نر بعد حقل برتقال ينبت في اللامكان. حتى الفضاء المفترض أصبح بمثابة مكان مادي، ففي روايتي «حنين بالنعناع» نجد القارة السادسة العائمة في الفضاء التي يأوي إليها العلماء والأدباء والفلاسفة والفنانون الذين مروا عبر العصور القديمة والحديثة، وهم يشاهدون كوكب الأرض يدور بجنون، ينفض من على ظهره كل شيء، يغرق كل شيء، ثم يعيد تشكيل اليابسة في مكان آخر منه. وقبلها في رواية «الذروة» التي يصبح المكان بها محنة، نجد ذلك اليهودي ذا الأصول الأندلسية، وهو يقطع البحر الأبيض المتوسط ذهابا وإيابا يبحث عن مكان، لا هو له، ولا هو ليس له. كذلك في روايتي «عرش معشق»، وروايتي «نادي الصنوبر»، وروايتي «عازب حي المرجان»، حيث البطولة المطلقة لمدينة وهران لشوارعها ومقاهيها. وفي روايتي «قوارير شارع جميلة بوحيرد» المدينة البحرية «عشقانة» وشوارعها التي أُنثت أسماؤها من طرف النساء، قد تكون العاصمة أو وهران أو بجاية. نعم في رواياتي المكان أساسي، له طاقة، وهندسة، وفلسفة وجود، وذاكرة، وله تاريخ، وله لسان.



«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
TT

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)

كان دخول الدراما الكورية وموسيقى الـK-Pop (كي بوب) إلى قلوب الناس حول العالم سريعاً. سبقَ التبنّي الجماهيري لتلك المسلسلات والأغاني الناطقة بلغةٍ غير مفهومة، اعترافَ المحافل الفنية العالمية بالصناعة الترفيهية الكورية الجنوبية.

لكن خلال السنوات القليلة الماضية، توالت الإنجازات الدرامية والموسيقية الكورية على منابر عريقة مثل حفلَي جوائز «إيمي» و«غرامي». من فريق BTS الغنائي المحبوب، مروراً بمسلسل «لعبة الحبّار Squid Game»، وليس انتهاءً بفيلم «فرقة البوب الكورية: صائدات الشياطين K-Pop Demon Hunters».

K-Pop Demon Hunters أحدث إنجازات الآلة الترفيهية الكورية (نتفليكس)

الـ«كي بوب» إلى الأوسكار

هذا الفيلم الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وحقق أرقاماً مليونيّة عليها، يتّجه صوب الأوسكار منافساً على جائزتَين: أفضل فيلم رسوم متحركة وأفضل أغنية. وإذا جاءت الجائزتان أو إحداهما من نصيب الفيلم، فإنه سيحقق بذلك إنجازاً تاريخياً للبوب الكوري في هوليوود.

كل الذين تبنّوا الموسيقى الكورية أو أيّ محتوى ترفيهي آتٍ من سيول، وهُم بمعظمهم من «الجيل زد»، يظنّون أنّ تلك الظاهرة حديثة العهد. لكن فيلم «صائدات الشياطين» حَرص في مقدّمته على التذكير بأنّ لهذا الفنّ رائدات مؤسِّسات. في مشهدٍ افتتاحيّ يرجع الفيلم 65 سنة إلى الوراء، ليقدّم تحية مصوّرة إلى فريق «الشقيقات كيم The Kim Sisters».

إعدامات ولجوء وجوع

ألهمَت تلك الفتيات الثلاث أجيالاً من مغنّي البوب الكوري، بمَن فيهم البطلات الافتراضيات لفيلم «صائدات الشياطين». فمَن هنّ «الشقيقات كيم» اللواتي أسّسن البوب الكوري وصدّرنه إلى العالم، قبل حتى أن يصير اسمه K-Pop؟ وكيف تحوَّلت حكايةُ القهر التي طلعن منها إلى قصة مجدٍ على الأراضي الأميركية؟

بدأ كل شيء في مطلع خمسينيات القرن الماضي، بينما كان الاجتياح الكوري الشمالي يعصف بكوريا الجنوبية. وجدت المغنّية الشهيرة لي نان يونغ نفسها بلا مالٍ ولا مأوىً، بعد إعدام زوجها المايسترو كيم ها سونغ على أيدي قوات كوريا الشمالية. لم تكن يونغ بمفردها، بل كانت مسؤولة عن أولادها السبعة، ومن بينهم ابنتَاها سو وآيجا، وابنة عمّهما ميا التي توفّي والدُها الموسيقيّ هو الآخر فتبنّتها يونغ.

في المخزن الذي لجأت إليه بعد أن أحرق الشماليون بيتها، عاشت يونغ وأولادها في مساحة ضيّقة مع 22 شخصاً لا تربطها بهم أي صِلة. أمضوا أياماً من دون طعام وتشاركوا الحمّام ذاته مع اللاجئين الآخرين، وفق ما توثّق سو كيم في حوار مع منصة «هيستوري». بقيت الأوضاع على حالها إلى أن حلّ يونيو (حزيران) 1950 وجلبَ معه الجيش الأميركي إلى سيول، بعد أن انضمّت واشنطن إلى الحرب الكورية مسانِدةً الجنوبيين.

الشقيقات كيم كما ظهرن في فيلم K-Pop Demon Hunters (يوتيوب)

سو وآيجا وميا يغنّين للمارينز

وجدت يونغ الخلاص في «المارينز» فاسترجعت صوتها وبدأت بإقامة الحفلات في المخيّمات العسكرية الأميركية. سرعان ما جلبَ ذلك طعاماً إلى المائدة وسدّ جوع الأولاد، فالجنود كانوا يقدّمون لها صناديق المشروبات الكحولية بدلاً عن أتعابها فتستبدلها بالأرزّ والمواد الغذائية في السوق السوداء.

من السوق السوداء، أحضرت يونغ كذلك أسطوانات لأغانٍ أميركية معروفة. من بين الأولاد انتقت سو وآيجا وميا لتدرّبهنّ على حفظ تلك الأغاني من دون أي معرفةٍ للّغة الإنجليزية. وهي أيضاً لم تكن تنطق بتلك اللغة. كانت الفتيات حينها بين الـ8 والـ9 من العمر، لكنّ ذلك لم يَحُل دون اعتلائهنّ الخشبة والغناء والعزف أمام الجنود.

الشقيقات سو وآيجا وميا كيم (إنستغرام)

المنتج الأميركي في كوريا من أجلهنّ

بآلاتهنّ الموسيقية المتعددة وأصواتهنّ البريئة، لفتن الأنظار والأسماع وأيقظن الحنين إلى الأرض رغم اللكنة الكورية في أداء الأغاني. كبرت الفتيات بين صفوف الجنود واحتكرن الترفيه الفنيّ عنهم، فاستحققنَ اسماً رسمياً عام 1953: The Kim Sisters أي «الشقيقات كيم».

استمرت الحال هذه حتى 1958 وكانت قد بلغت شعبية الأخوات الثلاث ذروتها بين الجنود، الذين خطّوا رسالة للمنتج الأميركي طوم بال مطالبين إياه بزيارة كوريا الجنوبية لمشاهدة عرضٍ للفرقة. لبّى بال الطلب، وكما جنود بلاده، أُعجب كثيراً بهنّ فقدّم لهنّ عقدَ عمل في الولايات المتحدة.

تميزت الشقيقات كيم في الغناء والعزف على آلات متعددة (إنستغرام)

من لاس فيغاس إلى التلفزيون

تأخّر الحصول على فيزا لكن بحلول 1959، حطّت الشقيقات كيم رحالهنّ في لاس فيغاس. بدأت هناك رحلة الغناء في الفنادق من دون أي ضمانات لناحية الحصول على إجماع الحاضرين. فالجنود الأميركيون في كوريا الجنوبية تعلّقوا بهنّ لأنهن جلبن إليهم نفحةً من هواء الوطن، لكنّ التحدّي في لاس فيغاس كان التميّز بين عشرات الفنانين الأميركيين والعالميين الذين لا يتعثّرون في اللغة الإنجليزية.

لم تكن المهمة صعبة، إذ أسرت الفتيات قلوب الجماهير، وسرعان ما انتقلن من فنادق لاس فيغاس وقاعات الرقص فيها، إلى شاشات التلفزة الأميركية. ظهرن في 22 حلقة من «برنامج إد سوليفان» والذي كان يُعدّ الأكثر جماهيريةً حينذاك. بالزيّ التقليديّ الكوريّ أو الـ«هانبوك»، كرّرن الإطلالات التلفزيونية إلى أن بتنَ وجوهاً وأصواتاً معروفة على امتداد الولايات الأميركية.

قصة نجاح أو دعاية سياسية؟

غير أنّ الرحلةَ لم تَخلُ من الصعوبات، فالشقيقات كيم واجهنَ العنصريّة حيال العرق الآسيويّ والنظرة الدونيّة تجاه المرأة ذات البشرة الصفراء. مع ذلك، هنّ تصدّرن أغلفة أهمّ المجلّات كـ«نيوزويك» و«لايف»، وأصدرن ألبومهنّ الأول عام 1963 ليصبحن بذلك أول فريق آسيوي ينتج الموسيقى داخل الأراضي الأميركية.

كانت المنفعةُ متبادلة، فمع تراجع الدعم الشعبي الأميركي للحرب الكورية، جرى استخدام قصة نجاح الشقيقات كيم كبروباغندا أو دعاية سياسية ساعدت في تبرير القرار الأميركي بالدفاع عن كوريا الجنوبية. كما شكّلن الدليل القاطع على أنّ تحقيق «الحلم الأميركي» ليس مستحيلاً، مما أدّى إلى نشوء ظواهر مشابهة في سيول من دون أن تحقّق النجاح ذاته.

الشقيقات كيم على غلاف مجلة «لايف» عام 1960 (إنستغرام)

جدّات الكي بوب

في حوارها مع «هيستوري» عام 2019، أي بعد 44 سنة على اعتزال الفريق، تقول سو كيم إنها «متأكدة من أن الشقيقات كيم مهّدن الطريق أمام نجوم الـK-Pop الحاليين».

صحيح أنّ الموسيقى الكورية المعاصرة لا تُشبه في شيء ما كانت الشقيقات يقدّمنه، غير أنّ ثمة نقاطاً مشتركة. تجتمع النسختان القديمة والجديدة على مسار المثابرة والقصة الملهمة التي يطلع منها الفنانون. كما أنّ المظهر الموحّد أساسي في الإطلالة. ليست الأصوات الجميلة مهمة بقَدر أهمية الصورة البرّاقة والقدرات الاستعراضية.

ليس مُستغرباً إذن أن تؤدّي بطلات «صائدات الشياطين» التحيّة لجدّاتهنّ «الشقيقات كيم»، وذلك نيابةً عن سائر نجوم الكي بوب الذين يغزون العالم بأغانيهم ورقصاتهم وألوانهم.


97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».