3 سيناريوهات محتملة لنتيجة الانتخابات النصفية الأميركية

الجمهوريون يتمسّكون بغالبيتهم في «الشيوخ»... والديمقراطيون يقتربون من انتزاع «النواب»

هاجم الرئيس ترمب سياسيين جمهوريين في مقدمتهم رئيس مجلس النواب بول ريان الذي رفض الترشح (رويترز)
هاجم الرئيس ترمب سياسيين جمهوريين في مقدمتهم رئيس مجلس النواب بول ريان الذي رفض الترشح (رويترز)
TT

3 سيناريوهات محتملة لنتيجة الانتخابات النصفية الأميركية

هاجم الرئيس ترمب سياسيين جمهوريين في مقدمتهم رئيس مجلس النواب بول ريان الذي رفض الترشح (رويترز)
هاجم الرئيس ترمب سياسيين جمهوريين في مقدمتهم رئيس مجلس النواب بول ريان الذي رفض الترشح (رويترز)

عشية انتخابات التجديد النصفي تترقب واشنطن نتائج اقتراع وُصف باستفتاء على رئاسة دونالد ترمب والبرنامج التشريعي الجمهوري. وتتجه الأنظار إلى عدّة ولايات «مصيرية»، ستعكس أصواتها مدى رضا الناخبين عن أداء رئيس خارج عن المألوف، سبّب حالة من الاستقطاب لم تشهده الولايات المتحدة منذ عقود. والأهم من ذلك، فإن الفائزين بمقاعد الشيوخ والنواب وحكام الولايات سيكشفون ما إذا كانت حالة الاستياء العام في البلاد مجرّد فقاعة اجتماعية وإعلامية تستخدمها نخبة واشنطن للدفاع عن توجهاتها، أم أن الإنجازات الاقتصادية التي حققها الرئيس ترمب وخطاباته التي كثيراً ما توصف بـ«الشعبوية» ستُكرّس تفوّقه على توقعات الخبراء واستطلاعات الرأي مرة أخرى.
وقبل أيام من توجّه الناخبين إلى مكاتب الاقتراع، أعلنت الحكومة الأميركية أن معدل البطالة لا يزال مستقراً عند مستوى 3.7 نقطة مئوية، وهو أدنى المستويات المسجلة منذ ما يقرب من خمسة عقود. كما ارتفعت الأجور بوتيرة صحية، وزادت ثقة المستهلكين، ما يعزز النمو الاقتصادي السريع، ويشجع أرباب الأعمال على مواصلة التوظيف. ورغم ذلك، فإن الرئيس ترمب فضّل التركيز في تجمعاته الانتخابية الحماسية على التهديدات التي تطرحها الهجرة غير القانونية وقافلة المهاجرين التي تشمل «شرق أوسطيين وربما أعضاء من (داعش)»، أكثر منها التباهي بإنجازاته الاقتصادية.
وقال الرئيس في مهرجان انتخابي عقده بغرب فرجينيا مساء الجمعة: «يسألون لماذا لا يتحدّث عن الاقتصاد؟ لماذا يتحدّث عن الهجرة والقافلة؟ نستطيع الحديث عن الاقتصاد، فكلّنا يعلم أن أداء اقتصادنا جيّد. لكن أحياناً لا يكون الكلام عن الاقتصاد حماسياً». ويسجّل الرئيس بذلك قطيعة مع استراتيجيته السابقة، التي كان يتباهى من خلالها بأداء سوق المال وارتفاع معدلات التوظيف والنمو الاقتصادي. ويشير استطلاع رأي لـ«واشنطن بوست» و«إي بي سي» إلى أن ثلثي الأميركيين و71% من الناخبين المسجّلين يُقيّمون الاقتصاد الأميركي بـ«جيد» أو «ممتاز».
اعتماد ترمب على أساليب «تخويف» من الهجرة غير القانونية والحدود المفتوحة بدل خطاب إيجابي حول الاقتصاد، يدلّ على سعيه لعرقلة تقدم الديمقراطيين في ولايات انتزعها عام 2016. ويتوقع أحدث استطلاعات الرأي أن ينجح الديمقراطيون في الهيمنة على مجلس النواب، بينما يحظى الجمهوريون بفرصة جيدة للحفاظ على غالبيتهم في «الشيوخ»، وربّما تعزيزها. وفي ما يلي ثلاثة سيناريوهات محتملة لنتائج الاستحقاق النصفي، وما ستعنيه للرئيس ترمب وفرصه في تجديد ولايته بعد سنتين:

الديمقراطيون يستعيدون مجلس النواب

أرجح نتيجة متوقّعة للانتخابات النصفية هو حفاظ الجمهوريين على غالبيتهم في مجلس الشيوخ، وسيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب. في هذه الحالة، سيسعى ديمقراطيو مجلس النواب إلى توسيع نطاق نظام الرعاية الصحية «أوباماكير»، وفرض ضرائب على الشركات الكبيرة، فضلاً عن إعادة فرض قواعد تنظيمية صارمة على المؤسسات المالية.
وفي إطار هذا السيناريو، سيسعى النواب الديمقراطيون إلى عرقلة المقترحات التشريعية لبرنامج «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً»، وفي ومقدّمتها سياسات الهجرة المثيرة للجدل مثل فصل الآباء عن أبنائهم عند الحدود، وإلغاء سياسات بيئية صادق عليها الكونغرس تحت إدارة باراك أوباما. لكن أبرز أزمة تشريعية قد يواجهها الرئيس الأميركي بمجرد عودة انعقاد الكونغرس في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) سيكون التصويت على الميزانية العامة، التي ربطها ترمب مباشرة بتمويل الجدار الحدودي مع المكسيك. لكن القضايا الساخنة الأخرى لن تُناقش قبل بداية العام المقبل، عندما يباشر المنتخبون الجدد مهامهم في الكونغرس.
ويرى حسين إبيش، كبير الباحثين في معهد دول الخليج العربي في واشنطن، أن الديمقراطيين لن يستطيعوا تمرير قوانين لا تحظى بدعم الحزبين، لأنهم لن يحصلوا على دعم مجلس الشيوخ. وبالتالي، فإنهم سيلعبون في هذه الحالة «دوراً سلبياً بالدرجة الأولى، عبر معارضة سياسات الإدارة». وأضاف إبيش في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الكونغرس بحاجة إلى هذا الدور إذا أراد القيام بالمهمة التي حدّدها له الدستور الأميركي، وهي مراقبة سياسات البيت الأبيض. وتابع أن الكونغرس عمل خلال السنتين الماضيتين كأنه امتداد للبيت الأبيض، باستثناء بعض القضايا التي شكلت قطيعة مع موقف ترمب مثل فرض عقوبات على روسيا.
وبدأ ترمب في التحضير لهذا السيناريو، واعترف بأن فقدان «النواب» احتمال وارد. ووجّه الرئيس اللوم الأسبوع الماضي إلى أحداث «أوقفت الزخم الجمهوري»، في إشارة إلى سلسلة الطرود المتفجرة التي استهدفت شخصيات سياسية معارضة له، وإطلاق النار في كنيس يهودي أودى بحياة 11 شخصاً. وقال ترمب في مهرجان انتخابي في ميزوري قبل أيام: «تسبب مجنونان اثنان في وقف زخم جمهوري رائع، ولم يتحدّث أحد عن الانتخابات لمدّة سبعة أيام!».
إلى ذلك، هاجم الرئيس سياسيين جمهوريين في مجلس النواب، وفي مقدمتهم بول راين رئيس مجلس النواب الذي رفض الترشح لفترة أخرى. وهاجم ترمب راين في تغريدة، بعدما رفض الأخير اقتراح الرئيس وقف العمل بالتعديل الـ14 من الدستور الأميركي الذي يمنح أبناء المهاجرين المولودين في الأراضي الأميركي حق المواطنة. وكتب ترمب الأربعاء الماضي: «يُستحسن أن يركّز راين على الحفاظ على الغالبية، بدل الإدلاء برأيه في قضية حق المواطنة، قضية لا يعرف عنها أي شيء». بهذا الصدد، يقول آري فليتشر وهو ناطق سابق باسم الرئيس جورج بوش، لصحيفة «يو إس إيه توداي» إن «حدس السياسيين الذين يواجهون نتائج سيئة هو لوم بعضهم البعض، بما في ذلك زملاؤهم في الحزب. في المقابل، إن جاءت النتائج إيجابية، فإنهم سيقولون: جميعنا توقّع هذه النتيجة منذ البداية».
رغم ذلك، فإنه من المستبعد أن تؤثر نتيجة الانتخابات النصفية سلباً على فرص إعادة ترشيح الرئيس ترمب عام 2020، وفق جيمس ريدلسبيرغر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس المسيحية. ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الانتخابات النصفية هي عادةً مؤشر سيئ لنتيجة الانتخابات الرئاسية. معظم الرؤساء يحصلون على نتائج سلبية في الانتخابات النصفية، لكنهم يفوزون بفترة رئاسية ثانية». واستخلص: «بغض النظر عن النتيجة، فإن ترمب يبقى المرشح المفضل في اقتراع 2020».

الجمهوريون يحافظون على غرفتي الكونغرس

سيسمح هذا السيناريو للجمهوريين بمواصلة تطبيق برنامجهم السياسي، وحماية مكاسبهم على الصعيدين التشريعي والقضائي. وبعد دقائق من صدور النتائج، يُتوقع أن ينشر ترمب سلسلة تغريدات تحتفل بفوز حزبه بغالبية غرفتي الكونغرس ويتباهى فيها بالتأثير الإيجابي لمشاركته الكثيفة في الحملات الانتخابية. كما قد يعقد مؤتمراً صحافياً صباح الأربعاء، يؤكد خلاله عزيمة الجمهوريين على استكمال أهمّ أهدافهم السياسية، التي تشمل إلغاء نظام الرعاية الصحية «أوباماكير»، وتشديد قوانين الهجرة والحصول على تمويل كافٍ لبناء جدار حدودي مع المكسيك، والمصادقة على إعفاء جديد من الضرائب وتليين القواعد التنظيمية على المؤسسات المالية.
حفاظ الجمهوريين على مجلس الشيوخ، أو حتى تعزيز سيطرتهم عليه عبر انتزاع مقاعد ديمقراطية، سيدعم الحزب في مسعاه للمصادقة على أكبر عدد ممكن من القضاة «المحافظين» على المستوى الفيدرالي، ما سيصبح أحد أهمّ إنجازات رئاسة ترمب. إلى ذلك، فإن تعزيز هيمنة الجمهوريين على غرفتي الكونغرس سيُترجم بإنهاء معظم التحقيقات في الصلات المزعومة بين حملة ترمب ومسؤولين روس في الانتخابات الرئاسية الماضية. كما سيتمتّع ترمب بهامش حرية أكبر لإقالة وزراء داخل إدارته تَحدّوه في قضايا جدلية، مثل وزير العدل جيف سيشنز، ووزير الدفاع جيمس ماتيس. كما ستتيح هذه النتيجة للجمهوريين فرصة التحضير للانتخابات الرئاسية المقبلة انطلاقاً من يناير (كانون الثاني)، عبر إعادة توجيه البوصلة السياسية باتّجاه القضايا التي تهمّ غالبية الناخبين، وفي مقدمتها الرعاية الصحية وتحسين متوسط الرواتب والتعليم.
وعلى مستوى الخريطة السياسية للبلاد، فإن هذه النتيجة تعني أن ترمب نجح في قلب نهج تصويت المناطق الحضرية في الولايات المتحدة. ووفق أحدث استطلاعات الرأي، تتركز أكثر السباقات تنافسية على مقاعد الشيوخ والنواب في المناطق الحضرية، فيما يحظى ترمب والمرشحون الذين يدعمهم بشعبية كبيرة في الكثير من المناطق الريفية. ويرى إبيش أن هذه النتيجة ستدفع بالخطاب السياسي القريب من أفكار القوميين البيض، بعد أن أثبت ترمب فاعليته في تجييش الناخبين. ويضيف: «في الوقت الحالي، يبدو أن جميع الجمهوريين الذين استخدموا أسلوب ترمب الانتخابي (خصوصاً المتعلق بالهجرة) خسروا (شعبيتهم)، باستثناء المقاعد الجمهورية القوية». وقد أثار إعلان انتخابي وزّعته حملة ترمب قبل أيام غضباً بين الديمقراطيين والجمهوريين على حدٍّ سواء، لما يمثّله من إساءة للمهاجرين اللاتينيين. كما فضّل الجمهوريون في مناطق قد تميل لصالح منافسيهم، التركيز على القضايا المحلية بدل اعتماد أسلوب الرئيس ومواقفه المثيرة للجدل.

سيطرة ديمقراطية على «النواب» و«الشيوخ»

هذا السيناريو هو الأقل ترجيحاً، لكنّه «ليس مستحيلاً» وفق ريدلسبيرغر. وإن تحقق، فإنه سيمثّل كابوساً لكلٍّ من ترمب والجمهوريين، وتأكيداً للاستياء الشعبي العام من سياسات الإدارة الحالية. وستتجسّد أبرز تداعيات هذا السيناريو في تعميق الشرخ بين الديمقراطيين، وتأجيج الاستقطاب السياسي في البلاد عبر حملات إعلامية سلبية وخطابات حادة من الجانبين. وتحت تركيبة تشريعية يسيطر فيها الديمقراطيون على مجلسي النواب والشيوخ، سيجد الرئيس نفسه أمام تحقيقات جديدة في علاقته -وعلاقة حملته- بالكرملين، كما سيحظى المحقق الخاص روبرت مولر بصلاحيات أكبر. إلى ذلك، فإن سياسات الرئيس وتصريحاته الحالية والسابقة ستخضع لتمحيص خاص، كما أنه قد يتردد في طرد وزير العدل ونائبه رود روزنستين تحت طائلة التدخل في القضاء. كما سيكون الرئيس مجبراً على اختيار قضاة يحظون بموافقة كلا الحزبين، إن سيطر الديمقراطيون على مجلس الشيوخ، ولو بغالبية بسيطة.
وتشمل الولايات التي قد يخسرها الديمقراطيون لصالح الجمهوريين في مجلس الشيوخ داكوتا الشمالية، وإنديانا وميزوري ومونتانا. وقد تردد ترمب مراراً على هذه الولايات خلال الأيام الماضية لتعزيز قاعدته الانتخابية، والتحذير من عواقب التصويت لصالح التمديد للديمقراطيين. في المقابل، تشير استطلاعات الرأي إلى أن الديمقراطيين سينجحون في الحفاظ على مقاعدهم في ولايات انتزعها ترمب في نتيجة مفاجئة عام 2016، بينها ميشيغان وبنسلفانيا وويسكونسن. كما يأملون في قلب موازين القوى لصالحهم في سباقي أريزونا ونيفادا (على مجلس الشيوخ)، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».
ويقول إبيش إن التأثير الأكبر لفوز الديمقراطيين بغرفتي الكونغرس سينعكس على الحزب الجمهوري نفسه. ويوضّح: «إنْ حافظ الجمهوريون على مجلس النواب، فإن ترمب لن يواجه أي معارضة اليوم أو خلال السباق التمهيدي للانتخابات الرئاسية. وإذا سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب، فمن المرجّح أن يشهد ترمب منافسة في الانتخابات التمهيدية لحزبه». أما في السيناريو الثالث والأبعد الذي يسيطر خلاله الديمقراطيون على غرفتي الكونغرس، يتوقع إبيش أن ينتعش الجناح الجمهوري المحافظ، وأن يعبّر عن معارضته القوية للاتجاه الذي أخذه الحزب بقيادة دونالد ترمب.


مقالات ذات صلة

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس متحدثاً في البيت الأبيض يوم 27 مارس (أ.ب)

إطالة أمد الحرب في إيران تعيد توزيع الأدوار داخل إدارة ترمب

في الوقت الذي تتحدّث فيه الإدارة الأميركية عن استمرار حرب إيران بضعة أسابيع أخرى، برز اسم نائب الرئيس جي دي فانس كأحد اللاعبين الأساسيين في المسار الدبلوماسي.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر ميامي بالطائرة الرئاسية (أ.ف.ب)

ترمب: كوبا هي التالية

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنّ «كوبا هي التالية»، رافضاً فكرة أنّ العمليات العسكرية التي نفذتها واشنطن أخيراً تكلّفه قاعدة مؤيديه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ متظاهر يحمل لافتة كُتب عليها «لا للملوك» مع رسم تاج مشطوب خلال احتجاج ضد سياسات ترمب أمام مبنى بلدية لوس أنجليس في 18 أكتوبر (رويترز)

رفضاً لـ«نزعته السلطوية»... ترقب لاحتجاجات أميركية واسعة ضد ترمب اليوم

يتوقع أن تشهد الولايات المتحدة اليوم (السبت) احتجاجات واسعة النطاق ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ثالث تحرك من نوعه في أنحاء مختلفة من البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية يعمل رجال الإطفاء الإيرانيون على إخماد حريق في مبنى سكني متضرر جنوب طهران (إ.ب.أ)

باكستان تستضيف اجتماعاً رباعياً الأحد لبحث جهود التهدئة في المنطقة

أعلنت باكستان عن عقد اجتماع رباعي يضم وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر في إسلام آباد غداً الأحد، في إطار الجهود الدبلوماسية لتهدئة التوتر في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (اسلام آباد)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام، والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة، أو تجعلها ضحايا، والشركاء التجاريين إلى خصوم، وتُسبب اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.