«اختبار» لقدرة الأوروبيين على مقاومة تدابير ترمب

دول الاتحاد تتهرب من استضافة {صندوق العمليات الخاصة} خوفاً من إغضاب واشنطن

«اختبار» لقدرة الأوروبيين على مقاومة تدابير ترمب
TT

«اختبار» لقدرة الأوروبيين على مقاومة تدابير ترمب

«اختبار» لقدرة الأوروبيين على مقاومة تدابير ترمب

أكثر من أربعين يوم مرت منذ أن أعلنت فيدريكا موغيريني، «وزيرة» خارجية الاتحاد الأوروبي، من نيويورك، وإلى جانبها محمد جواد ظريف ووزراء خارجية بعض الدول الأوروبية، عن عزم الاتحاد على إيجاد بنية شبيهة بـ«غرفة مقاصة» للالتفاف على العقوبات الأميركية وتمكين إيران من الاستمرار في تصدير نفطها والقيام بعمليات تجارية.
جاء القرار الأوروبي كثاني تدبير قام به الاتحاد لمقاومة ما يسميه الأوروبيون «استبداداً» اقتصاديا أميركياً، وذلك بعد إعادة تفعيل قانون يعود لعام 1996، من شأنه توفير الحماية القانونية والمالية للشركات التي تطالها العقوبات الأميركية بسبب استمرار تعاملها مع طهران. وخارج هذين التدبيرين، فإن ما جاء به الاتحاد هو التعبير عن مواقف سياسية رافضة لقرار الرئيس دونالد ترمب الخروج من الاتفاق النووي مع طهران المبرم صيف عام 2015 وفرض عقوبات عليها تريدها الإدارة الأميركية «الأقسى في التاريخ»، وذلك على دفعتين أهمها الدفعة الثانية التي دخلت حيز التنفيذ أمس (الاثنين)، إذ إنها تطال تصدير النفط والغاز والنظام المالي الإيراني.
حقيقة الأمر أن التدابير الأوروبية بقيت حبراً على ورق. فصندوق العمليات الخاصة «SPV»، أو غرفة المقاصة «المفترض أن تكون على شكل صندوق توضع فيه قيمة مبيعات البترول الإيرانية وتُسحب منه قيمة البضائع أو الخدمات المصدّرة إلى إيران بعيداً عن استخدام الدولار الأميركي»، من المقدر له أن يتيح للشركات الأوروبية التي ليست لها مصالح في الولايات المتحدة وبالتالي لا يمكن أن تتعرض لعقوبات أميركية أن تشتري النفط الإيراني وأن تصدّر ما تريد إلى السوق الإيرانية ما دام سيف العقوبات لا يمكن أن يطالها. والحال أن هذا الصندوق ما زال قيد الدرس. وفي البيان المشترك الصادر يوم الجمعة الماضي عن وزراء خارجية ومالية الدول الأوروبية الموقِّعة على الاتفاق «فرنسا وبريطانيا وألمانيا إضافة إلى موغيريني»، جاء أن هذه الدول بالتعاون مع روسيا والصين وأطراف أخرى «كثفت جهودها في الأسابيع الأخيرة» من أجل إيجاد الصندوق المذكور. وينبه البيان إلى أن «أعمالاً إضافية» يتعين القيام بها من أجل إنجازه لغرض «مساعدة وطمأنة» الجهات الاقتصادية الراغبة في إدامة علاقاتها التجارية «المشروعة» مع إيران. والخلاصة الأوروبية تشدد على وجود «عزم جماعي» للسير في هذه الأعمال حتى النهاية. وما يشبه الصدى للإعلان الجماعي، فقد قال الناطق باسم الحكومة الألمانية شتيفن زابيرت، أمس، إن برلين «تدرس كيف ستتمكن من حماية أسس ارتباطاتها التجارية» مع إيران وحماية الشركات المتضررة من العقوبات لاعتبارها أن هذه العلاقات «مشروعة».
والحقيقة أن البيانات شيء والواقع شيء آخر. فوفق مصدر اقتصادي فرنسي تحدثت إليه «الشرق الأوسط»، فإن ولادة الصندوق تعاني من صعوبة قوامها أن أياً من بلدان الاتحاد الـ28 «لم يبدِ حتى الآن رغبة في استضافة الصندوق» مخافة إغضاب واشنطن. وفي حال تبرع أحد البلدان باستضافته فإنه لن يكون متأكداً من تضامن الأوروبيين الـ27 الآخرين إذا ما قررت واشنطن معاقبته. ويضيف هذا المصدر أن واشنطن «غاضبة» على الأوروبيين الذين رفضوا، من جهة، السير في ركابها في موضوع العقوبات لا بل إنهم عمدوا إلى محاربتها وحاولوا استنباط الوسائل للالتفاف عليها. ومن جهة ثانية، دافعوا بقوة عن اتفاق اعترفوا أنفسهم بأنه «ناقص». ودليل واشنطن على ذلك أن مقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإبقاء على الاتفاق واستكماله باتفاق أوسع يأخذ بعين الاعتبار نشاطات إيران النووية لما بعد عام 2025، إضافة إلى «لجم» برنامجها الباليستي، ووضع حد لسياستها المزعزعة للاستقرار في الإقليم، «اعتراف» بصحة المقاربة الأميركية. وهذا الوضع يفسر سبب رفض واشنطن القاطع لإعفاء بلدان أو شركات أوروبية من العقوبات ومنحها لثمانية بلدان ليس بينها سوى بلدين أوروبيين هما اليونان وإيطاليا، علماً بأن الأخيرة هي المشتري الأول للنفط الإيراني داخل أوروبا لكنّ مشترياتها تناقصت من 167 ألف برميل في اليوم، في أبريل (نيسان)، إلى 132 ألف برميل في اليوم، في سبتمبر (أيلول). وبشأن الصندوق المذكور، فقد وصفه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بأنه «سيفضي إلى أسوأ النتائج المعكوسة التي يمكن تصورها لأجل السلام والأمن في العالم».
وأمس، نقلت صحيفة «لو فيغارو» عن غونترام وولف، مدير مركز الأبحاث «برويجل» الأوروبي الذي مقره بروكسل، قوله: «تصوروا أن مدير الصندوق الموعود ذهب إلى الولايات المتحدة للاستجمام وَلْنَقُلْ في ميامي. ماذا سيحل به هناك؟ سيُلقى القبض عليه»، في إشارة إلى الصعوبات التي تواجه ولادة الصندوق. وفي أي حال، فإن الأوروبيين لم يحددوا موعداً زمنياً لإطلاقه وهو أمر طبيعي لأنه لا اتفاق اليوم على تفاصيل آليات عمله ولا على مركزه ولا على المسؤولين عنه. أما إذا نجحوا في نهاية المطاف في إيقافه على قدميه، فإن ثمة إجماعاً على أن تأثيره سيكون «محدوداً» لأنه لن يهم إلا الشركات التي لا علاقة لها بالسوق الأميركية، وهو بالتالي شبيه، من حيث فاعليته، بقانون 1996 الذي أُعيد تفعيله. وحسب ما قالته مصادر رسمية فرنسية لـ«الشرق الأوسط»، فإن الحكومات الأوروبية رغم تمسكها بالاتفاق واقتناعها بالحاجة إلى الإبقاء عليه من أجل ألا تخرج طهران منه ولاستمرار الرقابة الدولية على نشاطاتها النووية ومنع انزلاق المنطقة إلى المجهول، فإنها «لا تستطيع فرض إرادتها على الشركات الخاصة التي تعمل وفق مصالحها وليس وفق توجيهات دولها». وتشكل دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة ثاني مستورد للنفط الإيراني بعد الصين، فيما تحلّ الهند في المرتبة الثالثة، وتركيا في المرتبة الرابعة. وحتى ما قبل البدء بتطبيق العقوبات، تراجعت الصادرات النفطية الإيرانية من 2,5 مليون برميل في اليوم، في أبريل، إلى 1,6 مليون برميل في اليوم، في سبتمبر. ومن بين أسباب التراجع انخفاض الواردات النفطية الأوروبية بنسبة عالية، كما في حال إيطاليا.
وواضح اليوم، وفق القراءة الفرنسية، أن انطلاق السلة الثانية الأكثر إيلاماً للعقوبات الأميركية سيكون بمثابة «اختبار» لقدرة أوروبا على مقاومة التدابير الأميركية وبالتالي الدفاع عن مصالحها، لا بل عن نجاحها في ردع طهران عن التخلي عن الاتفاق. وتتخوف باريس، ومعها عواصم أوروبية، من أن واشنطن «تسعى لدفع طهران لتمزيق الاتفاق ولمعاودة تخصيب اليورانيوم»، كما أن بعض الشكوك يساورها لجهة ما تسعى إليه واشنطن حقيقةً بين إلزام طهران بالعودة مجدداً إلى طاولة المفاوضات، كما تقول رسمياً من خلال الضغوط الاقتصادية، أو استخدام هذه الضغوط لدفع الإيرانيين للتحرك ضد النظام. من هنا، فإن البيان الأوروبي المشترك الأخير حضّ طهران على المضي في تنفيذ التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق. كما أن مصادر فرنسية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن باريس نصحتها بـ«الابتعاد عن الاستفزازات». وبين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني، تجهد الدبلوماسية الأوروبية في المحافظة على مقاربة وسطية. لكن ما قد يدفعها إلى التخلي عن حماستها في الدفاع عن طهران وعن الاتفاق هو ما حصل في باريس نهاية يونيو (حزيران)، وفي كوبنهاغن مؤخراً لجهة تخطيط إيران لعمليات إرهابية على الأراضي الأوروبية. فهل ستستمر أوروبا في الفصل بين التزاماتها إزاء الاتفاق النووي وبين ما تقوم به الأجهزة الإيرانية أم أنها ستأخذ مساراً آخر وتخطو خطوات باتجاه المقاربة الأميركية؟
وفي زيوريخ، أوردت وكالة «رويترز» أن الحكومة السويسرية قالت إنها تُجري محادثات مع واشنطن وطهران بشأن تدشين قناة مدفوعات للأغراض الإنسانية لضمان استمرار تدفق الطعام والأدوية إلى إيران بعد إعادة فرض العقوبات الاقتصادية الأميركية عليها. وقالت أمانة الدولة للشؤون الاقتصادية في بيان عبر البريد الإلكتروني: «سويسرا ملتزمة بحماية مصالحها الاقتصادية وتتابع عن كثب تطور الموقف. السلطات في اتصال مباشر مع السلطات المختصة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإيران».
وفي لندن، قال المتحدث باسم رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي: «ما زلنا مقتنعين بأن الاتفاق النووي الإيراني يجعل العالم أكثر أماناً. وما دامت إيران تنفذ التزاماتها بموجب الاتفاق فستلتزم بريطانيا به كذلك».
وفي بكين، قالت وزارة الخارجية الصينية إنه يجب احترام تعاونها التجاري «المشروع» مع إيران. وأعربت عن أسفها لإعادة فرض العقوبات الأميركية.
وفي القدس، أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بما وصفه بقرار الرئيس الأميركي «الشجاع» بإعادة فرض العقوبات على إيران. وأضاف أمام نواب حزبه «الليكود»: «اليوم هو يوم تاريخي، إنه اليوم الذي فرضت فيه الولايات المتحدة بقيادة الرئيس (ترمب) عقوبات شديدة جداً على إيران، عقوبات هي الاقسى التي تُفرض على إيران منذ بدء الجهود لوقف عدوانها».



ترمب يتحدث عن «هدية» إيرانية... وطهران تنفي أي مسار تفاوض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي اليوم (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي اليوم (إ.ب.أ)
TT

ترمب يتحدث عن «هدية» إيرانية... وطهران تنفي أي مسار تفاوض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي اليوم (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي اليوم (إ.ب.أ)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن إيران قدّمت «تنازلاً كبيراً» للولايات المتحدة في مجال الطاقة، واصفاً ذلك بأنه تطور إيجابي، من دون تقديم تفاصيل، في وقت فتحت فيه إشارات متضاربة من واشنطن وطهران مساراً دبلوماسياً هشاً لإنهاء الحرب، من دون أن تبدد الشكوك بشأن تحوله إلى مفاوضات فعلية.

ونفت طهران إجراء أي مفاوضات مباشرة، مؤكدة أن الرسائل التي تلقتها عبر وسطاء لا تعني دخولها في مسار تفاوضي.

وأشار ترمب إلى أن هذه «الهدية» قد تكون مرتبطة بمضيق هرمز، الممر المائي الحيوي لنقل النفط الذي تسعى الولايات المتحدة إلى إبقائه مفتوحاً.

وقال ترمب للصحافيين في المكتب البيضاوي: «لقد قدّموا لنا هدية، وقد وصلت اليوم، وكانت هدية كبيرة جداً، تساوي مبلغاً هائلاً من المال».

وأضاف: «لم تكن مسألة نووية، بل كانت مرتبطة بالنفط والغاز، وكان ما قاموا به أمراً إيجابياً للغاية».

وأكد ترمب مجدداً أنه يشعر بأن الولايات المتحدة «فازت بالفعل بالحرب»، مشيراً إلى أن وزير الدفاع بيت هيغسيث كان يشعر بخيبة أمل إزاء سرعة سير الحملة. وقال: «لم يكن بيت يريد أن تُحسم بهذه السرعة»، من دون أن يقدّم تفاصيل إضافية.

وأضاف ترمب أن الولايات المتحدة تتحدث إلى «الأشخاص المناسبين» في إيران من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي الأعمال العدائية، مشيراً إلى أن الإيرانيين «يرغبون بشدة» في التوصل إلى اتفاق. وقال: «نحن في مفاوضات الآن» بشأن إيران، لكنه لم يكشف عن تفاصيل، خصوصاً حول ما إذا كان المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يخططان لإجراء محادثات هذا الأسبوع. وأشار إلى أن ويتكوف وكوشنر ونائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو يشاركون في هذه المفاوضات.

وساطات متعددة

وتحركت على هذا الخط دول متعددة في المنطقة أبرزها باكستان، وسط عروض لاستضافة لقاءات مباشرة أو نقل رسائل، فيما قالت مصادر إيرانية وإسرائيلية وأوروبية إن الفجوة لا تزال واسعة، وإن احتمالات التوصل إلى اتفاق سريع تبقى محدودة رغم النشاط الدبلوماسي المكثف.

وبرزت باكستان باعتبارها أبرز المرشحين لاستضافة أي لقاء مباشر. وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الثلاثاء، إن بلاده مستعدة لاستضافة محادثات بين الولايات المتحدة وإيران، بعد تأجيل ترمب ضربات الطاقة. وأضاف في منشور على منصة «إكس» أن باكستان ترحب بالجهود الجارية لمواصلة الحوار بشأن إنهاء الحرب، وأنها مستعدة، إذا وافق الطرفان، لتيسير «حوار هادف وحاسم» من أجل تسوية شاملة.

ونقلت «رويترز» عن مسؤول باكستاني أن محادثات مباشرة ربما تعقد في إسلام آباد خلال أيام. كما أفاد مسؤول باكستاني آخر بأن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إلى جانب ويتكوف وكوشنر، قد يلتقي مسؤولين إيرانيين في العاصمة الباكستانية هذا الأسبوع، وذلك بعد اتصال بين ترمب وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير.

لكن وزارة الخارجية الباكستانية التزمت الحذر، وقالت إنها «لا تزال ملتزمة بحل الصراع عبر الدبلوماسية»، داعية وسائل الإعلام إلى الامتناع عن التكهنات وانتظار الإعلانات الرسمية.

وقال ترمب، الاثنين، إن محادثات «جيدة وبناءة للغاية» جرت للتوصل إلى «حل نهائي وشامل للأعمال القتالية في الشرق الأوسط»، وإنه قرر تأجيل خطته لقصف محطات الطاقة الإيرانية خمسة أيام لإعطاء هذه الاتصالات فرصة.

لكن إيران نفت هذا الوصف. وقال رئيس البرلمان محمد باقر قالیباف إنه «لم تجر أي مفاوضات مع الولايات المتحدة»، معتبراً الحديث عن ذلك «أخباراً زائفة» تُستخدم للتلاعب بأسواق المال والنفط، ولخروج واشنطن وتل أبيب من «المستنقع» الذي تواجهانه. كما قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن رسائل أميركية نُقلت عبر دول «صديقة»، لكن طهران لم تجرِ محادثات خلال الأيام الماضية.

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر رفيعة في طهران أن إيران شددت موقفها من التفاوض منذ بدء الحرب مع تزايد نفوذ «الحرس الثوري» في عملية صنع القرار، وأنها ستطلب تنازلات كبيرة إذا تطورت الوساطات إلى مفاوضات جادة.

وبحسب المصادر التي نقلت عنها «رويترز»، فإن إيران لن تطالب فقط بوقف الحرب، بل أيضاً بضمانات بعدم شن أي هجمات مستقبلية، وتعويضات عن الخسائر الناجمة عن الحرب، وترتيبات تتصل بالسيطرة الرسمية على مضيق هرمز.

وأضافت المصادر أن طهران سترفض التفاوض على أي قيود على برنامجها للصواريخ الباليستية، الذي تعتبره خطاً أحمر.

وقالت المصادر نفسها إن أي قرار نهائي سيصب في النهاية عند «الحرس الثوري»؛ في دلالة على حجم نفوذه في هذه المرحلة. كما أشارت إلى أن إيران أجرت محادثات أولية فقط مع باكستان وتركيا ومصر لبحث ما إذا كانت هناك أسس لمحادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

وفي السياق نفسه، نقلت «طهران تايمز» عن مصدر مطلع أن الإشارات الدبلوماسية الأميركية تُعد «خطة خداع»، وأن طهران لا تثق بهذه الرسائل، معتبرة أن الانتشار العسكري المعادي لم يتغير، وأن هناك مؤشرات إلى أعمال إيذائية أو برية جديدة.

وربما لا يثق الخبراء الاستراتيجيون الإيرانيون أيضاً في الاتفاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل بعد تعرض البلاد للهجوم عقب اتفاق سابق العام الماضي وبعدما شاهدوا إسرائيل أيضاً تواصل قصف لبنان وغزة بعد وقف إطلاق النار.

وذكرت المصادر الإيرانية أن المخاوف داخل إيران تحد أيضاً من مساحة المناورة المتاحة لها في المفاوضات.

وتتضمن هذه المخاوف زيادة نفوذ «الحرس الثوري»، وحالة الغموض بشأن رأس النظام لأن المرشد الجديد مجتبى خامنئي لم يظهر في أي صور أو مقاطع مصورة منذ تعيينه، والرواية العامة عن الصمود في الحرب.

قاليباف وعراقجي

تقاطعت تقارير عدة حول هوية الممثل الإيراني المحتمل في أي محادثات. فقد نقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني أن واشنطن طلبت لقاء رئيس البرلمان محمد باقر قالیباف، من دون تحديد مكان، وأن المجلس الأعلى للأمن القومي لم يحسم الأمر بعد، ولم ترد طهران حتى الآن.

كما قالت ثلاثة مصادر إيرانية لـ«رويترز» إن طهران سترسل قالیباف ووزير الخارجية عباس عراقجي إذا تم ترتيب المحادثات. وفي المقابل، ذكرت تقارير أخرى أن المسؤولين في طهران يخشون أن تتحول أي مفاوضات مباشرة إلى «فخ»، بما في ذلك احتمال استهداف قالیباف نفسه، وهو ما أوردته «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين إيرانيين وعرب.

وقالت الصحيفة إن طهران تخشى أن يكون إعلان ترمب تأجيل ضرب البنية التحتية للطاقة مجرد محاولة لخفض أسعار النفط قبل استئناف الضربات.

وساطات متعددة

قال مسؤول أوروبي لوكالة «رويترز»، إن مصر وباكستان ودولاً خليجية تنقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة رغم عدم وجود مفاوضات مباشرة. وأضاف أن مصر وباكستان ودولاً خليجية تتحرك على خط الرسائل، بينما يجري بحث ترتيبات أوسع لخفض التصعيد.

وفي القاهرة، قالت وزارة الخارجية المصرية إن الوزير بدر عبد العاطي ناقش «المفاوضات المحتملة» بين الولايات المتحدة وإيران في اتصال هاتفي مع ويتكوف، في إطار جهود لإحياء «المسار الدبلوماسي» باعتباره السبيل الوحيد لتجنب فوضى شاملة في المنطقة. وأضافت الوزارة أن عبد العاطي أجرى أيضاً اتصالات مع وزراء خارجية تركيا وباكستان وعُمان والسعودية والإمارات وفرنسا وقبرص.

وفي مسقط، قالت الخارجية العمانية إن الوزير بدر البوسعيدي أجرى سلسلة اتصالات مع 18 من كبار الدبلوماسيين من أنحاء العالم، من بينهم وزراء خارجية إيران والسعودية ومصر والعراق وفرنسا، في إطار دعم الجهود الرامية إلى احتواء الحرب والعودة إلى الدبلوماسية.

أما قطر، فأكدت دعمها «لكل الجهود الدبلوماسية» لإنهاء الحرب، لكن المتحدث باسم الخارجية ماجد الأنصاري قال إنه «لا يوجد حالياً أي جهد قطري مباشر» يتعلق بوساطة بين الطرفين، مضيفاً أن تركيز الدوحة ينصب على الدفاع عن أراضيها والتعامل مع الخسائر الناجمة عن الهجمات.

تشكيك إسرائيلي وحذر أوروبي

قال ثلاثة مسؤولين إسرائيليين كبار، بحسب «رويترز»، إن ترمب يبدو مصمماً على التوصل إلى اتفاق مع إيران، لكنهم استبعدوا أن توافق طهران على المطالب الأميركية، التي يرجح أن تشمل قيوداً على البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية.

وأضافت المصادر الإسرائيلية أن إسرائيل لم تكن طرفاً في المحادثات الأميركية - الإيرانية، وأن احتمالات نجاحها ضئيلة في ظل تمسك إيران بأوراقها الرئيسية، وعلى رأسها الصواريخ الباليستية والقدرة على إغلاق مضيق هرمز.

ويشكل مضيق هرمز إحدى العقد الرئيسية في أي مسار تفاوضي. فإيران تعتبر أن السيطرة على العبور مسألة سيادية وأمنية، بينما ترى واشنطن وحلفاؤها أن إعادة فتح المضيق شرط أساسي لخفض التصعيد واستقرار الطاقة العالمية.

في هذا الصدد، ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» نقلاً عن رسالة أن ‌إيران ‌أبلغت الدول ‌الأعضاء ⁠في المنظمة البحرية ⁠الدولية بأنه سيُسمح «للسفن غير المعادية» ⁠بعبور ‌مضيق ‌هرمز إذا قامت بالتنسيق ‌مع ‌السلطات الإيرانية.

وقالت مصادر إيرانية لـ«رويترز» إن السيطرة الرسمية على المضيق ستكون جزءاً من أي تفاهم، في حين قال عراقجي إن حرية الملاحة لا يمكن فصلها عن حرية التجارة، وإن تجاهل أحدهما يعني عدم توقع الآخر. كما قالت طهران إن أي سفينة لا ترتبط بالولايات المتحدة أو إسرائيل يمكنها العبور بأمان بالتنسيق مع السلطات الإيرانية.

وفي البعد الاقتصادي، تطلب طهران أيضاً تخفيفاً محدداً للعقوبات. لكن المصادر أشارت إلى أن الولايات المتحدة كانت قبل الحرب تربط أي تخفيف للعقوبات بتنفيذ إيران التزاماتها النووية وغيرها.

حتى الآن، لا تبدو هذه الاتصالات قد تجاوزت مرحلة جس النبض ونقل الرسائل. فبين إعلان ترمب وجود محادثات «مثمرة»، ونفي طهران أي تفاوض مباشر، وشروطها المشددة، وتحفظ إسرائيل على فرص النجاح، تبدو الدبلوماسية تتحرك تحت سقف الميدان لا فوقه.


تقرير: إيران تسمح للسفن «غير المعادية» بعبور مضيق هرمز

خريطة توضح موقع مضيق هرمز في هذه الصورة الملتقطة 23 مارس 2026 (رويترز)
خريطة توضح موقع مضيق هرمز في هذه الصورة الملتقطة 23 مارس 2026 (رويترز)
TT

تقرير: إيران تسمح للسفن «غير المعادية» بعبور مضيق هرمز

خريطة توضح موقع مضيق هرمز في هذه الصورة الملتقطة 23 مارس 2026 (رويترز)
خريطة توضح موقع مضيق هرمز في هذه الصورة الملتقطة 23 مارس 2026 (رويترز)

ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» نقلاً عن رسالة، أن إيران أبلغت الدول الأعضاء في «المنظمة البحرية الدولية» بأنه سيُسمح «للسفن غير المعادية» بعبور مضيق هرمز إذا قامت بالتنسيق مع السلطات الإيرانية.

وبحسب الصحيفة، قالت إيران في الرسالة إن السفن المرتبطة بأميركا وإسرائيل فضلاً عن «المشاركين الآخرين في العدوان» لا يحق لها المرور.

إلى ذلك، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، أن واشنطن تُجري مفاوضات مع إيران التي «لم يتبقّ لديها قادة»، وأن التفاوض يجري مع «الأشخاص المناسبين وهم يريدون إبرام اتفاق» لوقف الأعمال القتالية. وجزَم بأن القوات الأميركية تحقق «نجاحاً هائلاً في إيران، ونحن نُحلق بحُرّية فوق طهران».

وتواصلت الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران والهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل، الثلاثاء، بعد إعلان ترمب المفاجئ عن مباحثات بين واشنطن وطهران.


وزير خارجية فرنسا: على إسرائيل اغتنام «لحظة تاريخية» للحوار مع لبنان

وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في مبنى وزارة الخارجية في باريس 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في مبنى وزارة الخارجية في باريس 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزير خارجية فرنسا: على إسرائيل اغتنام «لحظة تاريخية» للحوار مع لبنان

وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في مبنى وزارة الخارجية في باريس 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في مبنى وزارة الخارجية في باريس 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

حث وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إسرائيل، الثلاثاء، على اغتنام «لحظة تاريخية» لإجراء حوار مع السلطات اللبنانية، في وقت «تُترجم» بيروت «أقوالها إلى أفعال» لمواجهة تدخّل إيران في لبنان، على حد تعبيره.

في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، دعا بارو الذي زار لبنان وإسرائيل، الأسبوع الماضي، الجيش الإسرائيلي إلى «الامتناع» عن إرسال قوات للسيطرة على منطقة في جنوب لبنان.

تصريحات بارو جاءت تعليقاً على إعلان إسرائيل عزمها إقامة ما تسميه «منطقة أمنية» تمتد حتى نهر الليطاني، أي لمسافة 30 كيلومتراً من الحدود، مؤكدة أنها لن تسمح لسكان تلك المنطقة بالعودة اليها.

من جانب آخر، رحّب بارو بـ«القرار الشجاع» للبنان بطرد السفير الإيراني من بيروت.

وفي وقت سابق، الثلاثاء، أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية إبلاغها السفير الإيراني المعيّن حديثاً في بيروت سحب الموافقة على اعتماده. وطالبته بالمغادرة في مهلة أقصاها، الأحد المقبل.

وأشار الوزير الفرنسي إلى أنّ بيروت طردت أيضاً «عدداً من ممثلي (الحرس الثوري) في لبنان»، مؤكداً أنّ «هذا ليس بالأمر الهيّن، بل هي قرارات مهمّة».

وطالت الحرب في الشرق الأوسط لبنان في 2 مارس (آذار)، بعدما أطلق «حزب الله» صواريخ على الدولة العبرية رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في أول أيام الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط). وتردّ إسرائيل بشنّ غارات واسعة النطاق على لبنان بينما توغلت قواتها في جنوبه.

وأسفرت الضربات الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 1000 شخص ونزوح أكثر من مليون آخرين.

أشار بارو إلى أنّ الرئيس اللبناني جوزيف عون كرر دعوته إلى هدنة وإلى إجراء مفاوضات مع إسرائيل.

وأكد أنّ «هناك لحظة يجب اغتنامها، إنها تاريخية، وهذه اللحظة هي الآن».

ورداً على سؤال بشأن السبيل للمضي قدماً في ظل تحرّكات القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، قال وزير الخارجية الفرنسي إنّه يجب التأكيد باستمرار أنّ «من مصلحة إسرائيل أن تعيش في سلام وأمن مع جيرانها».

وأضاف أنّ «الخطوة الأولى لذلك، هي حوار سياسي رفيع المستوى مع الحكومة اللبنانية»، مشيراً إلى أنّه من الضروري التذكير «بالطابع التاريخي للتصريحات والقرارات الصادرة عن الحكومة اللبنانية، بينما يمر البلد في وضع هش للغاية».

استعادة السلطة

وتابع بارو: «لقد دعوت السلطات اللبنانية والإسرائيلية، من خلال نظيرَي، لاغتنام الفرصة... وفي أسرع وقت ممكن»، وذلك في حين «تُظهر» خطوات الحكومة اللبنانية أنها «تترجم أقوالها إلى أفعال».

ورأى الوزير الفرنسي أنّه لم يكن هناك أي خطأ في التقدير في ما يتعلق بعملية نزع سلاح «حزب الله».

وقال: «لست أنا من يقول إنّها (هذه العملية) كان لها تأثير، بل الجيش الأميركي وحتى السلطات الإسرائيلية، اعترفوا بذلك مرة خلال الأشهر التسعة التي استمرّت فيها عملية نزع السلاح هذه».

وفي يناير (كانون الثاني)، أعلن الجيش اللبناني إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع السلاح هذه التي تشمل المنطقة الواقعة بين الحدود الإسرائيلية ونهر الليطاني.

ويقع نهر الليطاني نحو 30 كيلومتراً شمال الحدود الإسرائيلية.

وقال وزير الخارجية الفرنسي: «الأرقام التي قدّمها الجيش الأميركي معبّرة: الكثير تم إنجازه»، مضيفاً: «هل كان كافياً لاعتبار أنّه تم إنجاز نزع السلاح؟ من الواضح لا، لأنّه كان مجرد المرحلة الأولى من خطة من 5 مراحل».

وتابع: «هناك إذا الكثير من العمل الذي يتعيّن القيام به لاستعادة سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها. وهدفنا هو دعم السلطات اللبنانية، وتعزيز الجيش اللبناني».

من جهة أخرى، حذّر من مواصلة التصعيد في لبنان، مشيراً إلى أنّه «سيصبح من الصعب للغاية إجراء مناقشات كتلك التي نأمل أن نشهدها، وذلك بحكم طبيعة الوضع الراهن».

وبشأن محادثات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، رفض بارو الإفصاح عمّا إذا كانت فرنسا مشاركة خلف الكواليس في مناقشات محتملة بوساطة باكستانية.

والاثنين، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنّ واشنطن تجري محادثات «جيدة جداً» مع طهران لإنهاء الحرب. وقال إنها تتواصل مع زعيم إيراني لم يذكر اسمه، مشيراً إلى أنّه «الرجل الذي أعتقد أنه أكثر الشخصيات التي تحظى بالاحترام وهو الزعيم»، لكنه أوضح أنه ليس المرشد مجتبى خامنئي، المصاب وفق الإعلام الرسمي.

وبينما يبدو أنّ سلطنة عُمان أُصيبت بخيبة أمل جراء تجاربها السابقة كوسيط في المفاوضات بين الطرفين، تدخّلت دول أخرى تربطها علاقات ودية مع طهران وواشنطن لتمرير الرسائل بين الجانبين، وعلى الأخص مصر وباكستان وربما تركيا.

وأكد وزير الخارجية الفرنسي مجدداً موقف فرنسا في حال إجراء مفاوضات جوهرية، والمتمثّل في أنّه «سيتعيّن على النظام الإيراني تقديم تنازلات كبيرة وتغيير جذري في الموقف يسمح بالتوصل إلى حل سياسي... ويؤدي إلى تمكين إيران من العيش بسلام مع جيرانها والتوقف عن تشكيل تهديد لإسرائيل والمنطقة، وصولاً إلى أوروبا».