رشيد الضعيف لـ«الشرق الأوسط»: لم تعلمني والدتي كيف أكون مواطناً

بعد فيلم «غود مورنينيغ» تطلّ رواية «خطأ غير مقصود»

رشيد الضعيف
رشيد الضعيف
TT

رشيد الضعيف لـ«الشرق الأوسط»: لم تعلمني والدتي كيف أكون مواطناً

رشيد الضعيف
رشيد الضعيف

رواية جديدة للأديب اللبناني رشيد الضعيف، تحمل عنوان «خطأ غير مقصود» تبصر النور قريباً. وهي استكمال لما بدأه في روايته الجريئة «ألواح» التي فيها بوح والتقاط لحظات هاربة من عمر مضى، أو من عمر متخيَّل.
المؤلَّف الجديد أشبه بشذرات من سيرة ذاتية، فيه الكثير من الكشف والمصارحة أيضاً. ويقول رشيد الضعيف في حديث لنا معه إنه هذه المرة، ذهب إلى أبعد مما قرأناه في «ألواح» حيث يتابع: «القصّ حول أمور حدثت بالفعل، لكن أيضاً عن أمور أخرى لم تحدث، لكنها لو حدثت لكان حدوثها كما وصفتُه. وأخبرت فيها عن أمور أخرى كنت أتمنّى أن تحدث كما أخبرتها».
هذه اللقطات من حياته أو ما يُفترض أنها حياته التي وزعها رشيد الضعيف على كتابين، هل ستسد الباب مستقبلاً أمام كتابة سيرة ذاتية مكتملة؟ «لا أعرف إذا كان بمقدور المرء أن يكتب سيرته. فعندما يتحول أي حدث إلى نص يصبح نصاً يخضع لشروط الكتابة».
هو روائي مثير للجدل، لا شك. ثمة من يرى في كتاباته جرأة وجرعة حرية مطلوبة لكسر المحظور، وهناك من يتهمه بالبذاءة والابتذال. وتجد من يعتبر رواياته متعة للقراءة بفضل سلاستها، ومن يرى فيها نصوصاً سهلة لا تستحق الوقت الذي يُهدر في قراءتها. وفي كل الأحوال فإن الأديب لا يزعجه أن تتنوع الآراء حوله، وأن يختلف القراء والنقاد في تقييم نصوصه، ويمضي في إصدار مؤلفاته التي وصلت إلى ما يقارب العشرين، حيث تجد لها طلاّبها في العربية والراغبين في ترجمتها إلى لغات العالم، حتى أصبح له كتب في 14 لغة بينها الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية والبرتغالية وحتى الفيتناميّة.
البدايات كانت مع الشعر، لكنه لم يجد في القصائد غايته وذهب إلى كتابة روايات تنبش في طبقات الذات، وأخذ يتنقل في الموضوعات والأساليب ويخوض غمار الرواية التاريخية، ومن ثم عالم السينما مع المخرج بهيج حجيج، حيث كتب قصة فيلم «غود مورنينغ» ومن ثم تعاون مع مخرج الفيلم على كتابة السيناريو وخرج العمل قبل أيام إلى الصالات. الفيلم يروي حكاية مسنَّين اثنين تخطيا الثمانين من العمر، وهما متقاعدان يذهبان كل يوم إلى نفس المقهى، ويتسليان بحل الكلمات المتقاطعة لتقوية الذاكرة وتنشيطها. وهما إذ يقومان بهذه التمارين اليومية لإبعاد شبح النسيان، يقرآن وهما يجلسان في الشارع، هموم المدينة والناس والمآلات، وكيف انتقل البلد من حال إلى حال. العمر المديد يشغل حيزاً من روايات عديدة كتبها رشيد الضعيف مثل بطليه في «ألواح» أو «أوكيه مع السلامة» ذلك لأن هذه الشريحة التي تقدمت في العمر، كما يقول، «باتت مهمة جداً في المجتمع اللبناني، وهي أيضاً فئة فعالة ونشيطة، تشمل رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ومديري بنوك وأساتذة جامعات، لذلك على الأدب أن يضيء على هذا الواقع الذي بات يفرض نفسه».
رغم أن الأنا هي الطاغية في كتابات رشيد الضعيف فإنها أحياناً مخادعة، ولا تعدو أن تكون وسيلته للقصّ الأقرب إلى مزاجه. «لا أعرف على وجه التحديد عما أحب أن أكتب. ربما أنني أكتب ما يؤلمني، وأكتب عمّا أعتبره مبادئ أخلاقية أساسيّة تحكم سلوكنا في يومياتنا وفي السياسة ويجب مساءلتها وإلقاء الضوء عليها بقوّة وبلا خجل. الأم، مثلاً، في ثقافتنا هي الحنان والحب والتضحية. أحاول أن أقول: إن هذا لا يوصلنا إلى فهم واقعنا. الأم كائن مركب، وهي لا تُختزل بالحب والحنان فقط لأن كل الميكروبات التي تمنعنا من بناء وطن ومواطن ومؤسسات نقلتْها لنا أمهاتنا وآباؤنا. لم تعلمني والدتي، على سبيل المثال، كيف أكون مواطناً، كيف يمكن أن أتزوج من امرأة من دين أو طائفة أخرى. كل هذه الأمور تمنعنا من بناء دولة. الأم تؤنّب ابنها ربما، حين لا يقوم بواجب ديني، لكنها لا تفعل الشيء نفسه حين يرمي ورقة في الطريق». يطرح رشيد الضعيف أسئلته على الأمومة والأبوة والصداقة، والأخلاق الأساسية التي تحكم سلوكنا خصوصاً تلك التي تُبنى عليها سياساتنا كدول.
يعترض الضعيف بقوة حين نلفته إلى أن ثمة من يعتبر أنه هو آخر من يحق له أن يتكلم عن الأخلاق لأنه جعل المحظورات جزءاً من ثيماته الأثيرة في رواياته، ويجيب: «لا مشكلة عندي في أن أُنتقد بسبب ما أكتب، هذا موضوع آخر. الأخلاق التي تعنيني هنا هي المواطنة الصالحة التي نحتاج إليها كي نبني مجتمعاً يتسع لنا جميعاً. أما عن خياري في الكتابة، فأقول دائماً إن الكتابة نوعان: هناك الرواية (الفصحى) التي يختارها الأب لابنته وينصحها بقراءتها، وأنا لا أكتب هذا النوع. وهناك رواية أسمّيها (الرواية الدنيا)، وتتناول أمور حياتنا المنخفضة، وهذا ما أكتبه أحياناً. بهذا المعنى فإن كثيراً من كتبي لا تُقرأ في الساحات العامة. فما يُقرأ وسط العموم، يبدو لي غالباً، أنه يساير السائد وأقرب إلى البروباغندا».
يرى رشيد الضعيف أن ما كل ما يُكتب وُجد ليقرأه كل الناس، فمجتمعاتنا تمارس الكثير من النفاق، ومن واجب الكاتب أن يضيء على ما يرى ويشاهد، وهو ما قد يزعج البعض. فليس الهدف في النهاية عند كسر المحظورات أو تجاوز الخطوط الحمراء هو الإثارة «أنا لا أكتب مشاهد تستدعي الإثارة. ذلك أن هذه الأمور تأتي في نصوصي لأن لها وظيفتها، ومن دون ذكرها لا يمكن للرواية أن تكتمل. ليس من أدب في العالم ليس فيه مشاهد من هذا النوع».
يذكر أديبنا وهو يتحدث عما تمتلئ به كتب الأدب العربي من كلام عن العشق والغلمان والجواري، يمر على أشعار عمر بن أبي ربيعة، وامرئ القيس. يقول: إنهم «كانوا يكتبون بحرية وبلا خجل. كتاب الأغاني يستخدم مفردات (فجة) ما عدنا نستطيع الإتيان على ذكرها. العرب في عزّ مجدهم، يوم كانوا يحكمون الدنيا، كانوا أحراراً. وأنا حين أكتب بهذه اللغة، إنما أستوحي من الناثرين العرب الكبار ومن الشعراء. فأهم شاعر عربي هو أبو نواس. وأنا أكرر دائماً بأن من يجد في كتابي جرأة لا يحتملها أنصحه بألا يقرأه. فواحد من أكثر الكتب المقروءة بالعربية هو (ألف ليلة وليلة)، ومع ذلك لا يُعلّم في المدارس ولا الجامعات، ويحاولون محاصرته، لكنه موجود».
الأسلوب الحيادي الذي غالباً ما نلحظه في روايات رشيد الضعيف لا يأتيه عفو الخاطر، فكل قصة لها ما يناسبها. «رواية (أهل الظل) هي قصيدة في رواية أو رواية في قصيدة. وروايتي (ألواح) لغتها ليست حيادية على الإطلاق. وحين نقرأ (معبد ينجح في بغداد) ندخل إلى مكان تعبيري آخر. اللغة في نصوصي متوارية خلف الحدث، لغة شفافة نرى عبرها ما نريد قراءته. لكن مرات أخرى لا تكون كذلك. فاللغة أحياناً، تصبح شخصية من شخصيات الرواية، أعمل عليها بعناية. في (تقنيات البؤس) لم أستعمل أي فعل لا يمكن تصويره أو تجسيده. لم أستعمل كلمة تذكّر أو فكّر. لم أستخدم أحبّ أو كره. كنت أسعى إلى تلمس نمط وجود الخوف بدل أن أستعمل الفعل خاف مثلاً. كأن أقول (خرج من بيته، تلمّس حبة الأعصاب في جيبه، تدفقت الدماء إلى صدغيه...)، هنا اشتغلت على اللغة بهذا الشكل. فلكل أسلوب وظيفة ولكل حدث أسلوب ولكل حالة أسلوبها».
منذ البداية كان يشعر بحاجة إلى الخروج من البلاغة الغبية، متيقناً أن اللغة العربية قادرة على استنباط بلاغات حديثة. أما سهولة الأسلوب وسلاسته في الروايات «فهذا ليس لأنني لا مبالٍ أو أميل إلى الخفة، بل بالعكس لأنني أبذل جهداً كبيراً في سبيل هذه الغاية. فالهدف أن يشعر القارئ بقدرة على قراءة الرواية بيسر. وأنا أعمل على التشذيب والحذف، والمراجعة لأصل إلى لغة تبدو للوهلة الأولى شديدة البساطة».
يبدو لك أن رشيد الضعيف الذي ينشر كتبه الأدبية منذ ما يناهز الأربعين سنة، من يوم أصدر مجموعته الشعرية «حين حلّ السيف على الصيف»، هو من المرّاس في الكتابة بحيث يحتفظ بمسافة مشغولة أيضاً كأسلوبه ولغته، بين شخصه وما يكتب، فبقدر ما يبدو جاداً يستطيع أن يصبح ساخراً في نصوصه، ومع أنه يوهمك ببساطة الجملة يشرح لك كم أن الوصول إلى هذه النتيجة يحتاج إلى تفكير ونحت وتخطيط. وهو جريء حقاً، وغالباً ما يثير تساؤلات حول موضوعات يكتب عنها، إلا أنه يعترف بأنه في الحياة خجول، وأن الأمر في الكتابة يستدعي منه الكثير من الإقدام والثبات، لا بل والثقة بالنفس. وهنا يتسلح بقول عربي قديم يقول: «من ألّف استهدف»، أي وضع نفسه هدفاً (أما المعنى الآخر الشائع فهو وضع لنفسه هدفاً).



مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
TT

مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)

فشلت عزة حمدي، وهي موظفة في الأربعين من عمرها تعيش في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، في شراء سبيكة ذهبية صغيرة، بعدما سحبت جزءاً من مدخراتها المالية لشراء سبيكتين يزن كل منهما غراماً واحداً، مستفيدة من التراجع الجزئي في سعر الذهب. واضطرت في النهاية إلى دفع أموالها والانتظار نحو أسبوعين لتتسلم السبائك الخاصة بها.

طافت عزة محلات الصاغة في مدينتها، لكنها بعد جولة شملت أكثر من 10 محلات لم تجد ما تريد، وعادت إلى منزلها بعدما أخبرها عاملون بعدم وجود سبائك أو جنيهات ذهبية، وأن المتاح يقتصر على أوزان كبيرة من السبائك الذهبية فقط، يتراوح وزنها بين 20 غراماً و100 غرام، وهو ما يفوق قدرتها المالية.

تقول عزة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض زميلاتها اشترين الذهب الشهر الماضي بعد انتهاء شهادات بنكية ذات عائد مرتفع، وحققن أرباحاً عند إعادة البيع عقب الارتفاع الكبير في الأسعار. وتشير إلى أنها قررت شراء سبائك صغيرة بجزء من مدخراتها، لكنها لم تتمكن من العثور عليها، ما اضطرها إلى الموافقة على دفع المبلغ والانتظار مدة تصل إلى أسبوعين، وفق ما أبلغها الصائغ، لتتسلم ما طلبته، بغضّ النظر عن ارتفاع سعر الذهب أو انخفاضه.

اختفت السبائك الذهبية ذات الأوزان الصغيرة من الأسواق (شركة بي تي سي)

بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن في عام 2025، متراجعة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024، مع تسجيل زيادة في الربع الأخير من 2025 بنسبة 4 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وهي الفترة التي شهدت قفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 27 في المائة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون» الشهر الماضي.

وعلى عكس المشغولات الذهبية التي انخفضت مشترياتها بنسبة 18 في المائة في 2025 مقارنة بعام 2024، سجلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الفترة نفسها تراجعاً بنحو 2 في المائة فقط.

يقول مجدي موريس، أحد العاملين في محلات الذهب، لـ«الشرق الأوسط» إن «السبائك اختفت بسبب زيادة الطلب عليها بشكل كبير في الأسابيع الماضية، مع دخول الشهر الثالث على التوالي من تركيز المواطنين على شرائها؛ نظراً لإمكانية إعادة بيعها دون خصم أي نسبة، على عكس المشغولات التي تتراوح نسبة الخصم عند إعادة بيعها بين 1 و3 في المائة، حسب المحل وحالة المشغولات نفسها».

وأضاف أن «السبائك الصغيرة هي الأكثر إقبالاً عليها، وأصبح من الصعب الحصول عليها مع تأخر الشركات في التوريد، مما دفع بعض التجار إلى الاتفاق على تنفيذ عمليات بيع بأسعار اليوم، على أن يجري التسليم في وقت لاحق»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر قد يؤدي إلى مشكلات عند تغيّر السعر في ظل حالة الاضطراب صعوداً وهبوطاً بشكل يومي، وقد حدثت بسببه خلافات بين بعض التجار والزبائن».

ولفت موريس إلى أنهم، على مدى 3 أيام تقريباً، لم يستقبلوا شخصاً واحداً يرغب في إعادة بيع سبيكة يملكها، مقابل مئات الاستفسارات اليومية عن الشراء، في حين لم تسلِّمهم الشركة التي يتعاملون معها أي سبائك جديدة منذ 5 أيام تقريباً. وأشار إلى وجود فارق سعري بين البيع والشراء للسبائك يصل إلى 300 جنيه (الدولار يعادل 46.9 جنيه في البنوك)، في إطار سعي التجار إلى تجنب الخسارة بسبب تذبذب الأسعار.

وسجلت أسعار الذهب تذبذباً عالمياً في الأسابيع الماضية، مع تسجيل أرقام قياسية لسعر «أونصة الذهب» التي اقتربت من حاجز 5600 دولار، قبل أن تتراجع بأكثر من ألف دولار. كما تشهد الأسواق العالمية تبايناً في السعر اليومي يصل أحياناً إلى 300 دولار، ما يجعل التسعير في محلات الذهب المصرية يتغير مرات عدّة خلال اليوم الواحد.

تعاني السوق المصرية من نقص في توافر السبائك (شركة بي تي سي)

أرجع رئيس «شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية» هاني ميلاد، نقص المعروض من السبائك في الأسواق إلى الزيادة الكبيرة في الطلب على الشراء، بما يتجاوز القدرات الإنتاجية والطاقة التشغيلية للمصانع. وأوضح أن هذا النقص ظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في السبائك صغيرة الحجم والجنيهات الذهبية؛ نظراً لكونها الأكثر جذباً للمشترين.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يُعد في الأساس أداة استثمارية طويلة الأجل، لكن موجة الصعود الأخيرة في الأسعار دفعت بعض المتعاملين إلى الشراء بغرض المضاربة قصيرة الأجل، مع تركيز واضح على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها الأقل من حيث تكلفة «المصنعية»، مع إمكانية استرداد جزء منها عند إعادة البيع.

ونفى ميلاد وجود توجّه لإيقاف أو تعليق التعاملات في محلات الذهب بسبب التذبذب في الأسعار العالمية، مؤكداً أن عمليات البيع والشراء تسير بصورة اعتيادية في معظم الأوقات، رغم التقلبات السعرية.


7 دول عربية تسعى لحصر التقاليد الحرفية التراثية

الملتقى ناقش الحفاظ على التقاليد الحرفية التراثية العربية (وزارة الثقافة المصرية)
الملتقى ناقش الحفاظ على التقاليد الحرفية التراثية العربية (وزارة الثقافة المصرية)
TT

7 دول عربية تسعى لحصر التقاليد الحرفية التراثية

الملتقى ناقش الحفاظ على التقاليد الحرفية التراثية العربية (وزارة الثقافة المصرية)
الملتقى ناقش الحفاظ على التقاليد الحرفية التراثية العربية (وزارة الثقافة المصرية)

تسعى 7 دول عربية لحصر التقاليد الحرفية في الوطن العربي، من خلال فعاليات الملتقى الإقليمي الذي تنظمه وزارتا الثقافة والتعليم العالي بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألسكو» واللجنة المصرية للتربية والعلوم والثقافة، بهدف تعزيز آليات حصر التراث غير المادي عربياً.

ويأتي هذا الملتقي «تفعيلاً لمنهجية مصر إزاء صون التراث الثقافي غير المادي وحمايته بوصفه من ركائز الهوية الوطنية وذاكرة الشعوب»، وفق بيان لوزارة الثقافة المصرية، الخميس. وأكد وزير الثقافة المصري، الدكتور أحمد فؤاد هنو، أن التراث الثقافي غير المادي لا يُمثل ماضياً يحتفى به فقط، بل هو طاقة حية تُشكّل الوعي، وتعزز الهوية، وتمنح المجتمعات القدرة على الاستمرار والتجدد. مؤكداً في بيان صحافي أن «صوت التراث لا يتحقق إلا من خلال بناء القدرات، وتراكم الخبرات، وإتاحة الفرص أمام جيل واعٍ ومؤهل يدرك قيمة هذا التراث»، لافتاً إلى الثراء الاستثنائي الذي تمتلكه مصر والعالم العربي في مجال التراث غير المادي، ومن المنتظر أن تسفر أعمال الملتقى عن مبادرات ومشروعات وملفات جادة تعكس تنوع التراث العربي وعمقه.

فيما أشار الدكتور محمد ولد أعمر، المدير العام للمنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة (الألكسو)، إلى «انعقاد الملتقى في ظرف ثقافي دقيق تتعاظم فيه الحاجة إلى حماية التراث الثقافي غير المادي، وتثبيت حضوره في وجدان المجتمعات العربية، وصون مقوماته بوصفه ركيزة أصيلة من ركائز الهوية العربية».

الملتقى شارك فيها باحثون ومسؤولون من 7 دول عربية (وزارة الثقافة المصرية)

مؤكداً أن المنظمة تولي الحرف التقليدية والتقاليد الحرفية عناية خاصة، ليس فقط من زاوية الصون والحماية، بل أيضاً من منظور التثمين والإدماج في مسارات التنمية المستدامة، وخلق فرص العمل، وتمكين الشباب والنساء، وتعزيز الاقتصاد الثقافي في الدول العربية، معرباً عن تمنيه أن يخرج الملتقى بنتائج ترتقي إلى التطلعات المشتركة في صون التقاليد الحرفية في العالم العربي.

وأشار الدكتور رامي مجدي، مساعد الأمين العام للجنة الوطنية المصرية للتربية والعلوم والثقافة لشؤون منظمتي الألكسو والإيسيسكو، إلى أن مصر تزخر بإرث غني من التراث الثقافي غير المادي، يعكس الدور الريادي للمصري القديم في بناء الحضارات، لافتاً إلى إدراج عدد من عناصر هذا التراث على قوائم التراث الإنساني العالمي، في ظل اهتمام متزايد بحفظه وتوثيقه وتشجيع إنتاج المحتوى التراثي.

مؤكداً أن الحرف التقليدية تمثل تعبيراً حياً عن تاريخ الشعوب وخصوصيتها الثقافية، وأن التحولات المتسارعة تفرض ضرورة حصرها وتوثيقها لصيانتها ودعماً للتنمية المستدامة.

وسجلت مصر 11 عنصراً باسمها ضمن قوائم اليونسكو للتراث الحضاري غير المادي كان أحدثها «الكشري» في العام الماضي، كما سجلت «الحناء» و«السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة» و«التحطيب» و«فن الخط العربي» و«الأراجوز» و» النسيج اليدوي في صعيد مصر»، كما سجلت «السمسمية» كتراث مشترك مع المملكة العربية السعودية.

وأشار أبحاث الملتقى إلى أهمية تعزيز التعاون العربي وتبادل الخبرات في مجال حصر وصون التراث الثقافي غير المادي، بما يحافظ على التقاليد الحرفية العربية، وضمان استدامتها، ونقلها إلى الأجيال القادمة كمكون أصيل من مكونات الهوية الثقافية العربية.


أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)
أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)
TT

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)
أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)

بعد عرض جزء من أوبرا «توت عنخ آمون» في السفارة الإيطالية بالقاهرة، يستعد العمل لجولة عالمية تشمل عدة مدن إيطالية، إلى جانب ترتيبات لعرضه في أماكن أخرى مثل أوبرا القاهرة وعند سفح الأهرامات.

يدعم هذه الأوبرا «جراند أوبرا إيطاليا»، وتتناول قصة الملك توت عنخ آمون، الملقب بـ«الملك الذهبي»، الذي حاز شهرة خاصة لكونه صاحب أول مقبرة تُكتشف كاملة في وادي الملوك بالأقصر على يد عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر عام 1922.

يُسلط العرض الضوء على جوانب مختلفة من الحياة السياسية والروحية في مصر القديمة، من خلال قصة كتبها عالم الآثار المصري زاهي حواس، وصاغها للأوبرا الكاتب الإيطالي فرانشيسكو سانتوكوني، ووضع موسيقاها الملحن الإيطالي لينو زيمبوني. وقد قُدِّمت نصف ساعة من الأوبرا بأداء التينور دافيدي بياجيو والسوبرانو كيارا ساليرنو.

وأوضح الدكتور زاهي حواس، مؤلف القصة، أن فكرة الأوبرا راودته قبل نحو 5 سنوات، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «فكرت كثيراً في تقديم أوبرا مستوحاة من الحضارة المصرية القديمة، خصوصاً بعد أن أصبحت أوبرا (عايدة) التي قدمت من قبل مستلهمة من الحضارة المصرية، قديمة وعُرضت كثيراً، وربما حان الوقت لعمل جديد يسلط الضوء على الآثار والحضارة المصرية».

وأضاف أن الفكرة تُذكّر بأوبرا «عايدة» التي كتبها الموسيقار الإيطالي فيردي بالتعاون مع أوغست مارييت باشا، مؤسس المتحف المصري، وكانت معدة لافتتاح قناة السويس، لكن عرضها تأجل حتى عام 1871. وبالمثل، قرر حواس كتابة قصة عن الملك توت عنخ آمون لتقديمها لمؤلف الأوبرا الإيطالي ليحوِّلها إلى نص أوبرالي، ومن ثَمَّ تلحينها وعرضها على المسرح.

جانب من أوبرا «توت عنخ آمون» بالسفارة الإيطالية في مصر (فيسبوك)

وأضاف حواس: «فكرت في إعادة التجربة بأن يُقدِّم عالم مصريات قصة أوبرا بالتعاون مع موسيقي إيطالي. كتبت الأوبرا بشخصيات حقيقية، لكن القصة درامية من وحي أفكاري، وعندما انتهيت من كتابتها أعطيتها للكاتب فرانشيسكو سانتوكوني ليحوّلها إلى سيناريو أوبرالي بالإيطالية، ثم سلمناها إلى المؤلف الموسيقي الإيطالي لينو زيمبوني، الذي قدم موسيقى رائعة».

وأشار عالم المصريات إلى أن العرض الأول للأوبرا في السفارة الإيطالية اقتصر على جزءٍ منها، نصف ساعة فقط، في حين أن مدتها الكاملة ساعتان، وستُعرض في 3 مدن إيطالية، مع خطط لعرضها في منطقة الأهرامات أو في الأوبرا المصرية.

العرض الخاص لجزء من الأوبرا بحضور عدد من الفنانين (فيسبوك خبير الآثار علي أبو دشيش)

وأكد حواس أن اختيار توقيت تقديم الأوبرا جاء بالتزامن مع الزخم الذي شهده افتتاح «المتحف المصري الكبير»، موضحاً: «لذلك اخترت شخصية توت عنخ آمون ليكون البطل في افتتاح المتحف». وأضاف أن هناك خطة لجولة عالمية موسعة للأوبرا، مشيراً إلى أن جميع أبطال العمل من إيطاليا، مع الاستعانة بمطربتين من الأوبرا المصرية في العرض الكامل.

الملك توت عنخ آمون هو من أشهر ملوك الأسرة الثامنة عشرة، وتُرجح الدراسات والكتب التاريخية أنه ابن الملك أمنحتب الرابع (أخناتون) صاحب الثورة الدينية الشهيرة في مصر القديمة. تولى توت عنخ آمون الحكم بين عامي 1335 و1325 قبل الميلاد، وتوفي عن عمر ناهز 19 عاماً. وعُرضت مقتنياته كاملة للمرَّة الأولى في «المتحف المصري الكبير»، الذي افتتح في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وتضم أكثر من 5 آلاف قطعة.