تهدئة بين إسرائيل و«حماس» على أساس «هدوء مقابل هدوء.. ووقود ورواتب»

التفاهم النهائي معلّق بالمصالحة وصفقة تبادل... و«فتح» تتحدث عن «دولة مسخ» في غزة

جندي إسرائيلي يحرس مستوطنين في مدينة الخليل بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يحرس مستوطنين في مدينة الخليل بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)
TT

تهدئة بين إسرائيل و«حماس» على أساس «هدوء مقابل هدوء.. ووقود ورواتب»

جندي إسرائيلي يحرس مستوطنين في مدينة الخليل بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يحرس مستوطنين في مدينة الخليل بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

قالت مصادر فلسطينية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن اتفاق التهدئة الذي يفترض أن تصادق إسرائيل عليه اليوم يستند إلى اتفاق 2014 الذي وقع في مصر بين إسرائيل وفصائل فلسطينية، منهياً 51 يوماً من الحرب الأطول والأعنف على القطاع خلال فترة حكم «حماس».
وأكدت المصادر أن الاتفاق يقوم على قاعدة: الهدوء يقابله هدوء، مع السماح بإدخال الوقود القطري، إضافة إلى منحة قطرية مخصصة لرواتب موظفي حركة حماس.
ووصفت المصادر الاتفاق بأنه مؤقت، أو أولي، إلى حين عقد اتفاق مصالحة بين حركتي «فتح» و«حماس»، يجري بعده توقيع اتفاق هدنة رسمي وطويل، يشمل صفقة حول الجنود والمواطنين الإسرائيليين المحتجزين لدى «حماس»، ويسمح بإعادة إعمار القطاع، وفتح جميع معابره بشكل كامل.
وبحسب المصادر، فإنه جرى الاتفاق على وقف المسيرات والهجمات المتبادلة، بما في ذلك البالونات الحارقة، مقابل استمرار عمل معبري رفح للمواطنين وكرم أبو سالم للبضائع، إضافة إلى توسيع مساحة الصيد إلى 9 أميال، ثم 12 ميلاً بحرياً، إذا استمر الهدوء. وشمل الاتفاق السماح باستمرار إدخال الوقود الصناعي لمحطة كهرباء غزة، وتحويل إسرائيل أموال المنحة القطرية المخصصة لرواتب موظفي «حماس» بشكل يستمر حتى تحقيق مصالحة (خلال 6 شهور)، على أن يخضع تحويل الأموال لآلية رقابة أمنية. كما اتفقت الأطراف على أنه في حال صمد الاتفاق، سيكون من الممكن تنفيذ مشاريع إنسانية في القطاع.
وأكدت إسرائيل و«حماس» أنهما على وشك الحصول على اتفاق، فيما قال خليل الحية، نائب رئيس الحركة في القطاع، إن «الجهود توشك على النجاح»، وأضاف: «نراقب مثلما أنتم تراقبون تلك الوعود المقدمة لشعبنا، والوسطاء تحت المتابعة، والاحتلال تحت الامتحان، ونقول للعالم: مسيراتنا مستمرّة حتى ينتهي الحصار، ويأتي الخير ويعمّ على الجميع».
ويفترض أن تحسم إسرائيل المسألة اليوم عبر اجتماع للمجلس الأمني والسياسي المصغر (الكابنيت). وقال مصدر سياسي رفيع المستوى في إسرائيل إن صفقة بوساطة مصر قد تبلورت، وإن «الصفقة تشمل الوقود القطري، ورواتب موظفي (حماس)، مقابل التهدئة».
وأكد المسؤول أن إسرائيل كانت تفضل نقل تلك الأموال القطرية عبر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأن يكون مسؤولاً عن نقلها، كما كان الوضع في 2014، لكن نقلها بهذه الطريقة الآن «يهدف إلى تحقيق الهدوء».
وشدّد المسؤول الإسرائيلي، في البيان الذي وزع على وسائل الإعلام، على أن «إسرائيل لن تتنازل عن آليات المراقبة، لضمان عدم وصول الأموال إلى الإرهاب»، وأضاف: «ستكون هناك مشاريع إنسانية مقابل الهدوء، ولن يكون هناك ميناء أو مطار أو غيره لحين عودة جنودنا»، وتابع: «التهدئة من شأنها تحسين الوضع الإنساني في غزة، باعتباره أمراً ضرورياً».
وهدد المسؤول الإسرائيلي بأنه في حال فشلت الجهود، فإن إسرائيل «مستعدة لكل الخيارات والسيناريوهات، واستخدام قوة كبيرة». وتعد هذه حدود الاتفاق الأولي، من دون أن تشمل قضايا أخرى كانت مطروحة في السابق، مثل رفع الحصار وبناء مطار أو ميناء.
وقالت المصادر إن إسرائيل ربطت أي تقدم آخر بإعادة رفات جنودها ومواطنيها المحتجزين لدى حماس، وتفضل أن يوقع الاتفاق النهائي مع السلطة الفلسطينية، وليس مع أي طرف آخر. وكان هذا أحد شروط الرئيس الفلسطيني محمود عباس من أجل الموافقة على أي اتفاق تهدئة، لكن بعد أن يتم توقيع اتفاق مصالحة. ورفض عباس سابقاً محادثات التهدئة، وهدد باتخاذ إجراءات إضافية ضد قطاع غزة، إذا وقعّت «حماس» اتفاقاً منفصلاً في القطاع. ويشترط عباس مصالحة كاملة، تشمل تسليم غزة للسلطة، مع سلاح واحد وقانون واحد، ثم توقع القيادة الفلسطينية اتفاق تهدئة في غزة، وليس أي فصيل آخر.
وثمة غضب في رام الله على «الشركاء» الذين ساعدوا في توقيع اتفاق الهدنة، باعتباره قد يساهم في تقوية حركة حماس، وفصل القطاع عن الضفة الغربية. وهاجم عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، جمال محيسن، حركة حماس، قائلاً إنها «تسعى إلى إقامة دولة مسخ في غزة، تكون مركزاً لخلافة مزعومة ضمن صفقة القرن»، واتهم «حماس» بالسعي للتوصل إلى تهدئة مع حكومة الاحتلال، في سياق مخططها لإبقاء سيطرتها على غزة، مؤكداً أن التهدئة يجب أن تكون عبر القيادة الفلسطينية.
ويفسر موقف عباس وحركة «فتح» تعليق الأطراف لاتفاق نهائي باتفاق مصالحة أولاً. ومن غير المعروف ما إذا كانت السلطة ستوافق على الخوض في مباحثات جديدة من أجل توقيع اتفاق مصالحة بعد إعلان التهدئة الجديد.
ويتوقع أن يرد عباس بتشديد الإجراءات ضد القطاع، إذا لم تسلّم «حماس» قطاع غزة كما يريد. وتحوّل السلطة إلى قطاع غزة شهرياً نحو 96 مليون دولار للرواتب والمصاريف التشغيلية وبدل مشتريات ودعم. وعلى الرغم من موقف عباس المتشدد، تريد إسرائيل تجنب حرب في القطاع، والتخلص من صداع مسيرات يوم الجمعة.
وكبحت جماح مسيرات الجمعة الأخيرة، كبادرة حسن نية بانتظار موافقة إسرائيلية نهائية. ومنعت «حماس» أي متظاهرين من الوصول إلى الحدود، كما منعت شن هجمات أو إطلاق بالونات حارقة. ولأول مرة منذ انطلاق هذه المسيرات في نهاية مارس (آذار) الماضي، زار الوفد المصري «مخيّم العودة»، في جباليا، الواقع على السياج الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل، وتفقد المسيرات السلمية هناك. وسجلت الجمعة الأخيرة كأهدأ جمعة على الإطلاق، إذ أصيب فقط 7 متظاهرين بالرصاص، ونحو 25 شخصاً بحالات اختناق. وقتل 218 فلسطينياً، وجندي إسرائيلي واحد، في المواجهات المتواصلة منذ 30 مارس الماضي.



القطن المصري... محاولة حكومية لاستعادة «عصره الذهبي» تواجه تحديات

مصطفى مدبولي بصحبة عدد من الوزراء خلال تفقده مصنع الغزل والنسيج في المحلة (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي بصحبة عدد من الوزراء خلال تفقده مصنع الغزل والنسيج في المحلة (مجلس الوزراء المصري)
TT

القطن المصري... محاولة حكومية لاستعادة «عصره الذهبي» تواجه تحديات

مصطفى مدبولي بصحبة عدد من الوزراء خلال تفقده مصنع الغزل والنسيج في المحلة (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي بصحبة عدد من الوزراء خلال تفقده مصنع الغزل والنسيج في المحلة (مجلس الوزراء المصري)

تراهن الحكومة المصرية على القطن المشهور بجودته، لاستنهاض صناعة الغزل والنسيج وتصدير منتجاتها إلى الخارج، لكن رهانها يواجه تحديات عدة في ظل تراجع المساحات المزروعة من «الذهب الأبيض»، وانخفاض مؤشرات زيادتها قريباً.

ويمتاز القطن المصري بأنه طويل التيلة، وتزرعه دول محدودة حول العالم، حيث يُستخدم في صناعة الأقمشة الفاخرة. وقد ذاع صيته عالمياً منذ القرن التاسع عشر، حتى أن بعض دور الأزياء السويسرية كانت تعتمد عليه بشكل أساسي، حسب كتاب «سبع خواجات - سير رواد الصناعة الأجانب في مصر»، للكاتب مصطفى عبيد.

ولم يكن القطن بالنسبة لمصر مجرد محصول، بل «وقود» لصناعة الغزل والنسيج، «التي مثلت 40 في المائة من قوة الاقتصاد المصري في مرحلة ما، قبل أن تتهاوى وتصل إلى ما بين 2.5 و3 في المائة حالياً»، حسب رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الذي أكد عناية الدولة باستنهاض هذه الصناعة مجدداً، خلال مؤتمر صحافي من داخل مصنع غزل «1» في مدينة المحلة 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

أشار مدبولي، حسب ما نقله بيان مجلس الوزراء، إلى أن مشروع «إحياء الأصول» في الغزل والنسيج يتكلف 56 مليار جنيه (الدولار يعادل 50.7 جنيها مصري)، ويبدأ من حلج القطن، ثم تحويله غزلاً فنسيجاً أو قماشاً، ثم صبغه وتطويره حتى يصل إلى مُنتج سواء ملابس أو منسوجات، متطلعاً إلى أن ينتهي المشروع نهاية 2025 أو بداية 2026 على الأكثر.

وتكمن أهمية المشروع لمصر باعتباره مصدراً للدولار الذي تعاني الدولة من نقصه منذ سنوات؛ ما تسبب في أزمة اقتصادية دفعت الحكومة إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي؛ مرتين أولاهما عام 2016 ثم في 2023.

وبينما دعا مدبولي المزارعين إلى زيادة المساحة المزروعة من القطن، أراد أن يطمئن الذين خسروا من زراعته، أو هجروه لزراعة الذرة والموالح، قائلاً: «مع انتهاء تطوير هذه القلعة الصناعية العام المقبل، فسوف نحتاج إلى كل ما تتم زراعته في مصر لتشغيل تلك المصانع».

وتراجعت زراعة القطن في مصر خلال الفترة من 2000 إلى عام 2021 بنسبة 54 في المائة، من 518 ألفاً و33 فداناً، إلى 237 ألفاً و72 فداناً، حسب دراسة صادرة عن مركز البحوث الزراعية في أبريل (نيسان) الماضي.

وأرجعت الدراسة انكماش مساحته إلى مشكلات خاصة بمدخلات الإنتاج من بذور وتقاوٍ وأسمدة، بالإضافة إلى أزمات مرتبطة بالتسويق.

أزمات الفلاحين

سمع المزارع الستيني محمد سعد، وعود رئيس الوزراء من شاشة تليفزيون منزله في محافظة الغربية (دلتا النيل)، لكنه ما زال قلقاً من زراعة القطن الموسم المقبل، الذي يبدأ في غضون 3 أشهر، تحديداً مارس (آذار) كل عام.

يقول لـ«الشرق الأوسط»: «زرعت قطناً الموسم الماضي، لكن التقاوي لم تثمر كما ينبغي... لو كنت أجَّرت الأرض لكسبت أكثر دون عناء». وأشار إلى أنه قرر الموسم المقبل زراعة ذرة أو موالح بدلاً منه.

نقيب الفلاحين المصري حسين أبو صدام (صفحته بفيسبوك)

على بعد مئات الكيلومترات، في محافظة المنيا (جنوب مصر)، زرع نقيب الفلاحين حسين أبو صدام، القطن وكان أفضل حظاً من سعد، فأزهر محصوله، وحصده مع غيره من المزارعين بقريته في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكن أزمة أخرى خيَّبت أملهم، متوقعاً أن تتراجع زراعة القطن الموسم المقبل مقارنة بالماضي (2024)، الذي بلغت المساحة المزروعة فيه 311 ألف فدان.

تتلخص الأزمة التي شرحها أبو صدام لـ«الشرق الأوسط» في التسويق، قائلاً إن «المحصول تراكم لدى الفلاحين شهوراً عدة؛ لرفض التجار شراءه وفق سعر الضمان الذي سبق وحدَّدته الحكومة لتشجيع الفلاح على زراعة القطن وزيادة المحصول».

ويوضح أن سعر الضمان هو سعر متغير تحدده الحكومة للفلاح قبل أو خلال الموسم الزراعي، وتضمن به ألا يبيع القنطار (وحدة قياس تساوي 100 كيلوغرام) بأقل منه، ويمكن أن يزيد السعر حسب المزايدات التي تقيمها الحكومة لعرض القطن على التجار.

وكان سعر الضمان الموسم الماضي 10 آلاف جنيه، لمحصول القطن من الوجه القبلي، و12 ألف جنيه للمحصول من الوجه البحري «الأعلى جودة». لكن رياح القطن لم تجرِ كما تشتهي سفن الحكومة، حيث انخفضت قيمة القطن المصري عالمياً في السوق، وأرجع نقيب الفلاحين ذلك إلى «الأزمات الإقليمية وتراجع الطلب عليه».

ويحدّد رئيس قسم بحوث المعاملات الزراعية في معهد بحوث القطن التابع لوزارة الزراعة، الدكتور مصطفى عمارة، فارق سعر الضمان عن سعر السوق بنحو ألفي جنيه؛ ما نتج منه عزوف من التجار عن الشراء.

وأكد عمارة أن الدولة تدخلت واشترت جزءاً من المحصول، وحاولت التيسير على التجار لشراء الجزء المتبقي، مقابل أن تعوض هي الفلاح عن الفارق، لكن التجار تراجعوا؛ ما عمق الأزمة في السوق.

يتفق معه نقيب الفلاحين، مؤكداً أن مزارعي القطن يتعرضون لخسارة مستمرة «سواء في المحصول نفسه أو في عدم حصول الفلاح على أمواله؛ ما جعل كثيرين يسخطون وينون عدم تكرار التجربة».

د. مصطفى عمارة رئيس قسم بحوث المعاملات الزراعية (مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار المصري)

فرصة ثانية

يتفق المزارع ونقيب الفلاحين والمسؤول في مركز أبحاث القطن، على أن الحكومة أمامها تحدٍ صعب، لكنه ليس مستحيلاً كي تحافظ على مساحة القطن المزروعة وزيادتها.

أول مفاتيح الحل سرعة استيعاب أزمة الموسم الماضي وشراء المحصول من الفلاحين، ثم إعلان سعر ضمان مجزٍ قبل موسم الزراعة بفترة كافية، وتوفير التقاوي والأسمدة، والأهم الذي أكد عليه المزارع من الغربية محمد سعد، هو عودة نظام الإشراف والمراقبة والعناية بمنظومة زراعة القطن.

ويحذر رئيس قسم بحوث المعاملات الزراعية في معهد بحوث القطن من هجران الفلاحين لزراعة القطن، قائلاً: «لو فلاح القطن هجره فـلن نعوضه».

أنواع جديدة

يشير رئيس غرفة الصناعات النسيجية في اتحاد الصناعات محمد المرشدي، إلى حاجة مصر ليس فقط إلى إقناع الفلاحين بزراعة القطن، لكن أيضاً إلى تعدد أنواعه، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن القطن طويل التيلة رغم تميزه الشديد، لكن نسبة دخوله في المنسوجات عالمياً قليلة ولا تقارن بالقطن قصير التيلة.

ويؤكد المسؤول في معهد بحوث القطن أنهم استنبطوا بالفعل الكثير من الأنواع الجديدة، وأن خطة الدولة للنهوض بصناعة القطن تبدأ من الزراعة، متمنياً أن يقتنع الفلاح ويساعدهم فيها.