التحالف العسكري بين طوكيو ونيودلهي في مواجهة التمدد العسكري لبكين

يمكّن الهند من استخدام قاعدة عسكرية يابانية في جيبوتي التي تحوي قاعدة صينية

مودي (يسار) خلال قمة في طوكيو مع نظيره الياباني شينزو آبي (رويترز)
مودي (يسار) خلال قمة في طوكيو مع نظيره الياباني شينزو آبي (رويترز)
TT

التحالف العسكري بين طوكيو ونيودلهي في مواجهة التمدد العسكري لبكين

مودي (يسار) خلال قمة في طوكيو مع نظيره الياباني شينزو آبي (رويترز)
مودي (يسار) خلال قمة في طوكيو مع نظيره الياباني شينزو آبي (رويترز)

تنشئ كل من الهند واليابان تحالفاً عسكرياً جديداً ووثيقاً بغيةَ موازنة توسّع المصالح الاستراتيجية الصينية في منطقة الهند والمحيط الهادي. وللمرة الأولى على الإطلاق، تجري القوات البرية اليابانية المناورات مع نظيرتها الهندية في الكلية الهندية لمكافحة التمرد خلال الشهر المقبل.
وقبل أسبوعين فقط، أجرت اليابان مناورات بحرية ثنائية مع الهند، وهي وفق المحللين من الإشارات الواضحة على الطفرة التي تشهد العلاقات الدفاعية بين البلدين إضافة إلى الجهود المتواصلة المبذولة من كلتا الحكومتين للعمل عن كثب بهدف تعزيز أمن وسلامة منطقة الهند والمحيط الهادي.
وكان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قد عقد في الآونة الأخيرة قمة مع نظيره الياباني شينزو آبي على غرار القمة التي عقدها من قبل مع نظرائه في كل من روسيا والصين خلال العام الحالي. وكان رئيس الوزراء الياباني، الذي وصف نظيره الهندي بقوله: «أكثر الأصدقاء الموثوقين»، قد استضاف مودي في فيلا خاصة تقع بالقرب من بحيرة كاواغوشي في إقليم ياماناشي، في حفل عشاء خاص، وهو امتياز لم يحظَ به من قبل أي ضيف أجنبي على الدولة اليابانية، الأمر الذي يؤكد على الصلة الوثيقة التي تربط بين الزعيمين الكبيرين. كما قام الزعيمان أيضًا بزيارة إلى أحد المصانع اليابانية مستقلين القطار معاً. وخلال القمة التي شهدها عام 2017، استقبل مودي نظيره الياباني في مدينة أحمد آباد الهندية باحتفاء شعبي كبير على طول الطريق، بالإضافة إلى زيارات خاصة إلى المواقع التاريخية.
ووفقاً للصحافي الهندي هارش بانت: «من النادر أن نشهد ذلك التقارب الاستراتيجي بهذه الدرجة الوثيقة بين أي دولتين على مستوى العالم. ولقد بنى كل من مودي وآبي على هذا التقارب مستغلين العلاقات الشخصية الوثيقة فيما بينهما. وتعتبر الهيمنة الصينية في منطقة المحيط الهندي، وما وراءها، المحفز الحقيقي لهذا التقارب الوثيق والدافع إلى إقامة علاقات الدفاعية الراسخة. ومع حالة التوتر الراهنة التي تخيِّم على أفق المشهد الاستراتيجي في منطقة الهند والمحيط الهادي، فمن الضروري على البلدين الكبيرين مواصلة العمل الوثيق معاً كدولتين ديمقراطيتين رئيسيتين في المنطقة. وبصرف النظر عن صياغة توازن القوى الإقليمي في المنطقة، سوف يتعين عليهما الاضطلاع بالأعباء اللازمة لتشكيل البنية المعيارية والمؤسسية فيها».
وعلى الرغم من حقيقة أن العلاقات الهندية - اليابانية المتنامية على مر السنوات الماضية كانت مرتبطة بالأساس بمواجهة المد الصيني الاقتصادي والسياسي في قارة آسيا، فإن المباحثات الأخيرة بين مودي وآبي سبقتها زيارة رسمية لرئيس الوزراء الياباني لبكين، وهي الأولى له منذ سبع سنوات بهدف إزالة حالة التوتر بين البلدين بسبب خلال على جزر والتوسع العسكري في منطقة الهند والمحيط الهادي، وتاريخ الحرب العالمية الثانية.
يقول خبراء الشأن الآسيوي إن آبي، كان يجري توازناً دقيقاً للأمور في تلك المنطقة، ويعمل على تحسين العلاقات مع الصين مع المحافظة في الوقت ذاته على العلاقات الثنائية مع الهند. وقال آبي في المؤتمر الصحافي المشترك الذي جمعه بمودي عقب المحادثات الرسمية في طوكيو: «إن العلاقات القوية بين اليابان والهند هي الأساس الراسخ الذي سوف يدعم هذه المنطقة في المستقبل».

- نمو العلاقات الدفاعية الهندية اليابانية
تُعدّ الهند من الدول الرئيسية التي تواصلت معها اليابان بهدف تشكيل الشراكة الدفاعية الثنائية. إذ تسعي طوكيو إلى توسيع مجال التعاون العسكري لما هو أبعد من تحالفها التقليدي مع الولايات المتحدة الأميركية في ظل الوجود العسكري الصيني المتزايد في المنطقة.
وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، اتخذ التعاون الأمني بين الجانبين عدة خطوات مهمة؛ إذ تعقد نيودلهي وطوكيو حواراً سنوياً على مستوى الوزراء، وحوارَ مستشاري الأمن القومي وحوار السياسات الدفاعية المشترك، ومحادثات موظفي الأجهزة الأمنية لدى البلدين.
كما قررت قيادة البلدين تعزيز العلاقات في هذا المجال من خلال تحسين المعدات الدفاعية والتعاون التكنولوجي في مجالات عدة تشمل المراقبة والاستطلاع وتقنيات الأنظمة الآلية، وأنظمة الروبوتات.
وقال الصحافي سوميت كومار معلقاً: «بالنسبة إلى اليابان، من شأن نقل التكنولوجيا المتقدمة إلى الهند أن يُعدّ بمثابة تحسين لصورتها الدولية كمزود موثوق به للأسلحة والتكنولوجيات الدفاعية. ويمكن الوقوف على ذلك من واقع تصريحات هيراماتسو السفير الياباني إلى الهند، التي جاء فيها أن بلاده قد استجابت بكل إيجابية حيال مشروع تطوير الغواصات الهندية المستمر، وهي حريصة على مزيد من التعاون مع نيودلهي في هذا المجال. وفي الماضي، كانت اليابان يساورها قدر من التردد بشأن توفير التكنولوجيا الدفاعية إلى الخارج. ولكن التوقيع المقترح على اتفاق بشأن الوعي المشترك بالمجال البحري بين البلدين أثناء زيارة مودي إلى اليابان قد أضاف بعداً جديداً للروابط الدفاعية بين الهند واليابان، على اعتبار موقف اليابان كرائد دولي في مجال الحرب ضد الغواصات والعتاد البحري المتطور».
ومن التطورات الأخرى المعنية بالتبادل العسكري بين الجانبين تأتي اتفاقية الاستحواذ والتدريب متعدد التخصصات المقبلة، التي من شأنها السماح بتقاسم الإمدادات والذخائر بين الجيشين كوسيلة من أهم وسائل تعزيز العمق الاستراتيجي للتعاون الدفاعي والأمني المشترك. وكانت الهند قد وقَّعت على اتفاقيات مشابهة مع قوى أخرى، مثل الولايات المتحدة وفرنسا، ومن المهم توسيع نطاق الوجود الهندي في منطقة الهند والمحيط الهادي الكبير.
ووفقاً لبنود الاتفاقية، سوف يتمكن الجيش الهندي من استخدام المرافق العسكرية في اليابان، بما في ذلك القاعدة العسكرية اليابانية في جيبوتي. وبصرف النظر عن الولايات المتحدة واليابان، أقامت الصين أيضاً قاعدتها العسكرية الخاصة في جيبوتي خلال العام الماضي، التي توجَد في مكان وسيط بين خليج عدن والبحر الأحمر، وبالتالي فهي تتخذ موقعاً طبيعياً مطلّاً على الممر البحري بالغ الحيوية والأهمية لمختلف القوى الدولية.
ولطالما كانت الهند حريصة ومنذ فترة طويلة على تأمين موطئ قدم لها في جيبوتي في ظل الأهمية الجيو - استراتيجية لتلك الدولة الصغيرة، ومحاولات الصين المستمرة لتحويلها إلى «لؤلؤة» أخرى من لآلئ سياساتها الرامية إلى تطويق الهند.
وتأتي الاتفاقية الهندية اليابانية الأخيرة في وقت تزيد اليابان فيه من قدراتها الدفاعية. ولقد عززت في السنوات الأخيرة من علاقاتها الدفاعية مع أستراليا، ونيوزيلندا، والفلبين، ودول آسيوية أخرى في المحيط الهادي.

- الدستور الياباني يحد من التوسع العسكري الخارجي
يحدد الدستور الياباني في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية الأعمال العسكرية بالأعمال الدفاعية فقط، وينص صراحة على أن «القوات البرية، والبحرية، والجوية، فضلاً عن الإمكانات الحربية الأخرى، عليها أن تبقى ضمن مفهوم الدفاع عن البلاد». غير أن هذه القيود الدستورية قد صارت غامضة التفسير بشكل متزايد، مع احتفاظ اليابان بما يعتبر المرتبة الخامسة من تقييم أفضل جيوش العالم، الذي بات يواجه تحديات الأسلحة المتقدمة من الخصوم التقليديين مثل كوريا الشمالية والصين منذ أمد بعيد. وفي ضوء هذه التحديات القائمة، وضع آبي هدفاً استراتيجياً لعام 2020 بتعديل الدستور الياباني للاعتراف بالقوات المسلحة الوطنية في البلاد.
وسلطت الورقة الدفاعية اليابانية البيضاء الصادرة في أغسطس (آب) الأضواء على المخاوف بشأن الصين في تلك البيئة الأمنية دائمة التغير. وفي ظل وجود ما يقارب 50 ألف جندي أميركي في اليابان، كانت الولايات المتحدة الركن الركين للدفاع عن البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم. ووفقاً لتقارير كيودو الإخبارية، شرعت طوكيو في نشر وحدات الصواريخ في جزيرة ايشيغاكي. وهناك خطط قيد التطوير بشأن نشر 500 إلى 600 جندي ياباني هناك قبالة المياه الإقليمية التي تشهد تحركات السفن الحربية الصينية التي اعترضتها القطع البحرية اليابانية في مياهها الإقليمية في أكثر من مناسبة.
ووجهت القيادة الصينية الانتقادات للحكومة اليابانية بشأن الابتعاد عن الدستور السلمي الياباني الذي اعتمدته البلاد في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وتنظر القيادة الصينية إلى آبي بوصفه قائداً عسكرياً يميل إلى النزعة الحربية، وسياسياً رجعي الآيديولوجية، وزعيماً سياسياً يحمل أجندة قومية مناهضة للصين.

- الصين والتوازن الاستراتيجي الآسيوي
على الرغم من تصريحات آبي العلنية التي تشير إلى ضرورة إقامة علاقات جيدة مع الصين، فقد اتخذ جملة من الخطوات التي من شأنها ضمان أن تطلعات الهيمنة الصينية لا تعصف بالتوازن الاستراتيجية في القارة الآسيوية. وهذا هو السبب الرئيسي في الجهود التي يبذلها من أجل زيادة الاستعدادات العسكرية للبلاد وإقامة التحالفات الاستراتيجية مع دول الجوار، بما في ذلك الهند.
والأمر الأكثر إثارة لمخاوف اليابان المحاولات الصينية المستمرة لبسط الهيمنة الكاملة على بحر الصين الشرقي، والمطالبة بجزر سينكاكو غير المأهولة بالسكان في اليابان. وفي وقت سابق من العام الحالي، أرسلت الصين غواصة نووية هجومية رفقة فرقاطة حربية إلى الجزيرة مما اعتُبِر انتهاكاً لوحدة الأراضي اليابانية. ومن شأن السيطرة على هذه الجزر أن تؤدي إلى توسيع الحدود البحرية الصينية بصورة كبيرة وتقليص الحدود اليابانية. وكانت القوات الجوية الصينية تجري طلعات اختبارية لليابان من خلال اختراق المجال الجوي الياباني بصورة منتظمة.
وضمن هذا السياق، تحاول الهند واليابان التفاعل مع رابطة دول جنوب آسيا، بما في ذلك فيتنام وإندونيسيا. ويعتقد المحللون الأمنيون أن الهند واليابان سوف تدعمان القدرة البحرية لفيتنام لمواجهة الصين في بحر الصين الجنوبي، حيث تخوض فيتنام نزاعاً إقليمياً مع الصين. وتقول الخبيرة المستقلة في شؤون الأمن والمخاطر السياسية، إنديرانيل بانرجي: «مع ازدياد نزعة الحزم والعداء الصينية، تتزايد حاجة آسيا إلى التوازن الاستراتيجي المعاكس. ويقف استقلال كل البلدان الآسيوية تقريباً على المحك. كما تخلت اليابان عن مقاومتها التقليدية لفكرة التعاون العسكري الخارجي مع أي دولة أخرى غير الولايات المتحدة. ويعتقد خبراء الاستراتيجية في اليابان أن الهند بوسعها أن تنمو لتكون قوة بحرية كبيرة وقادرة على حماية الممرات البحرية في منطقة المحيط الهادي».
وقال السفير الياباني السابق في الهند ياسوكوني إنوكي: «يعتمد أمن الطاقة الياباني على الأسطول الهندي. وهناك ممرات بحرية مهمة للغاية في المحيط الهندي. وليس لدينا سوى القوات البحرية الهندية التي يمكننا الوثوق بها. والقوات البحرية الأخرى في المنطقة ليست محل ثقة كبيرة لدينا. وبالنسبة لأمن الطاقة اليابانية، فإن هناك حاجة ماسة إلى توثيق العلاقات مع الهند».
ويرغب كلا البلدين في صياغة نظام إقليمي مبني على القواعد. ومع ذلك، لا توجد دولة حريصة على استعداء الصين. ومع التعامل الكبير الذي يجمع بين اليابان والصين على الصعيد الاقتصادي، فإن الصين هي أكبر شريك تجاري لدى اليابان.
أما بالنسبة إلى نيودلهي، وعلى الرغم من تحذيرها من حركة القوات البحرية الصينية في المحيط الهندي، فإنها تعلِّق أهمية خاصة على علاقاتها مع الصين، التي تُعد أكبر شريك تجاري لديها. وتتعاون الهند مع الصين باعتبارها من الدول الأعضاء في مجموعة «البريكس» الدولية الناشئة، وهي عضو منضمّ على نحو رسمي في منظمة شنغهاي للتعاون اعتباراً من العام الماضي.



متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.


سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن واشنطن لا تمانع عودة تركيا إلى برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35»، متوقعاً أن يتم معالجة مسألة العقوبات الأميركية المفروضة عليها بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس - 400» قريباً.

وفي تكرار لتصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال براك، خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي انطلقت دورته الخامسة، الجمعة، في مدينة أنطاليا جنوب تركيا،: «أعتقد أن مشكلة منظومة (إس – 400) ستحل قريباً، ومن وجهة نظر رئيسي (دونالد ترمب)، لا مانع من قبول تركيا في برنامج طائرات (إف - 35)».

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف - 35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، عقب حصولها على منظومة «إس - 400» في صيف عام 2019، لتعارضها مع منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض عليها ترمب عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات «إف - 35».

منظومة «إس - 400» الروسية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف - 35».

وفي ديسمبر الماضي، قال براك، إن أنقرة باتت أقرب إلى التخلي عن المنظومة الروسية، متوقعاً إمكانية حل هذا الملف خلال فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، لافتاً إلى أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة المنظومة الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

واقترحت تركيا، في مارس (آذار) الماضي، تشغيل منظومة «إس - 400» بشكل مستقل عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لحل الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنهاء أزمة استبعادها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35» والحصول عليها.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

ولم تفعّل تركيا المنظومة الروسية منذ حصولها عليها، بموجب الصفقة التي وقعت مع روسيا في عام 2017، أو نقلها إلى مكان آخر أو بيعها لدولة أخرى.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، «إن الحل الذي اقترحته تركيا بات واضحاً، تم إبلاغ نظرائنا الأميركيين بفكرة تشغيل منظومة (إس – 400) كنظام مستقل، دون دمجها في أنظمة الناتو، وإن هذا هو الحل الأمثل».

وعن مسار العلاقات التركية - الأميركية، قال براك إن العلاقات بين أنقرة وواشنطن شهدت تقدماً ملحوظاً خلال الـ16 شهراً الماضية يفوق ما تحقق خلال الـ15 عاماً الماضية.

ولفت إلى إحراز تقدم في مجالات السياسة الخارجية والاستخبارات والشؤون العسكرية والتجارية، لا سيما في ظل العلاقات الجيدة بين الرئيسين، رجب طيب إردوغان ودونالد ترمب.

براك متحدثاً عن العلاقات التركية - الأميركية خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (إعلام تركي)

وأضاف براك: «يجري إعادة تشكيل التحالف بين البلدين، ما حدث في سوريا (منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024) كان في صالح تركيا إلى حد كبير، تستحق تركيا والسعودية ثناءً كبيراً لدعمهما هذا «الهيكل الناشئ» في سوريا.

وتابع أنه «حتى مع وجود بعض العيوب؛ في الواقع، كانت تركيا العامل الحاسم في هذه العملية، العلاقات بين البلدين أفضل من أي وقت مضى، أعتقد أنه سيتم التوصل إلى حل لمسألة منظومة (إس – 400) قريباً، ومن وجهة نظري، فإن إعادة قبول تركيا في برنامج (إف - 35) أمر ممكن أيضاً».