ستراسبورغ... مدينة السياسة والجمال

من أكبر مسجد في فرنسا إلى قصور وكاتدرائيات من القرون الوسطى

منظر من «كولمار» التي يسميها البعض بـ«فينيسيا الفرنسية»
منظر من «كولمار» التي يسميها البعض بـ«فينيسيا الفرنسية»
TT

ستراسبورغ... مدينة السياسة والجمال

منظر من «كولمار» التي يسميها البعض بـ«فينيسيا الفرنسية»
منظر من «كولمار» التي يسميها البعض بـ«فينيسيا الفرنسية»

منذ قرون سحيقة، عُرفت ستراسبورغ بفنون التجارة والصناعة والطباعة والكتب والنشر، وإليها لجأ الألماني يوهان غوتنبرغ مخترع الطباعة الحديثة بالأحرف المتحركة الذي عمل كذلك في صناعة الأحجار الكريمة.
يسمونها «مدينة الطرق» أثراها التاريخ واختلطت فيها الثقافات وجمّلتها الطبيعة، تلك هي مدينة ستراسبورغ الفرنسية عاصمة إقليم الألزاس، وثالث مدن الاتحاد الأوروبي.
تقع ستراسبورغ في أقصى شمال شرقي فرنسا مع الحدود الألمانية. هذا البعد الجغرافي كان ولا يزال عاملاً أساسياً في حياة المدينة وجنسية حكامها وسكانها وعمرانها وموروثاتها، وبالطبع لغاتها.
سياحياً، توفر ستراسبورغ لزوارها كل ما يحتاجون إليه مهما اختلفت أذواقهم. فهي جزيرة تحدّها جبال، وتحيطها قنوات، وتختلط فيها الثقافات. طقسها متنوّع ويختلف اختلافا بيّناً، بين الحرارة صيفاً والبرودة شتاءً. وعلى الرغم من صغر مساحتها، فإنها تضجّ بالمزارات القديمة، حيث صُنع التاريخ قبل قرون، وأخرى أوروبية حديثة حيث يكتب التاريخ سطوره حالياً. الوصول إليها والتنقل فيها سهل، حيث تربطها مسارات وطرق خاصة بالمشاة والدراجات، إضافة إلى توفرها على محطة رئيسية فخمة ساهمت في تصميمها المعمارية البريطانية العراقية الأصل، زها حديد. كثر فيها خطوط الترام والعبّارات المائية المكشوفة أو المسقوفة، وهي تدور حول المدينة بجولات سياحية ممتعة ومريحة، إضافة إلى الـ«توك توك».
ورغم أنها تزخر بالمتنزهات وبالهدوء والرومانسية، فإنها لا تخلو من النوادي والملاهي لعشاق الصخب والسهر والحفلات، هذا عدا الكثير من المتاحف والقصور والقلاع وصالات الفنون والمعارض، كما أنها مدينة تسوّق ومطاعم من الدرجة الأولى. بهذا الطبق الدسم والمتنوع، تحتفي المدينة بسياحها من مختلف دول العالم.
- قبضة السياسة وأثر الحروب
عندما يتحدث المؤرخون عن تاريخ ستراسبورغ لا ينقطع الحديث عن حروب مكّنت المنتصر من فرض سيطرته على المدينة ولغتها وثقافتها لحقب كانت تطول أو تقصر إلى أن تنشب حرب وتلحق هزيمة تجيء بمنتصر وحاكم وعهد جديد. تجمع المصادر على قدم ستراسبورغ التي يقولون إنها قد ظهرت كقرية سلتية غزتها قوات القيصر الروماني يوليوس قيصر وأطلقوا عليها اسم Argentoratum، من ثمّ أطلق عليها الفرانكس (قبائل جرمانية غربية نزحت من شمال أوروبا) اسمها الحالي. كما تشير بعض المصادر إلى أن أسقف ستراسبورغ ظل دائماً صاحب نفوذ وسيطرة حتى عند اختلافه مع الوطنيين وتحالفه مع الحكام.
تتميّز المدينة بصورة خاصة جداً؛ كونها بقيت حتى مطلع تاريخها الحديث، تتقلب ما بين حكم ألماني يعقبه حكم فرنسي في صراعات دامية.
ظلت المدينة تحت سيطرة روما إبّان الإمبراطورية الرومانية وفيينا إبان إمبراطورية الهابسبورغ، ثم باريس خلال حكم الملك لويس الرابع عشر والثورة الفرنسية وما أعقبها من حروب فرنسية وسيطرة نابليون بونابرت، ثم أمست ألمانية بعد الحرب الفرنسية البروسية (الألمانية) 1870 - 1871 التي انتهت بنصر ألماني. كجزء من التسوية ضمت ألمانيا إقليم الألزاس ومدينته الكبرى ستراسبورغ.
ما بين سيطرة هذا أو ذاك، كانت أحوال ستراسبورغ ومسيرتها تتغير حسب ما يوليه لها الحاكم من اهتمام وكيفية تخطيطه للاستفادة من موقعها معبراً حدودياً ومائياً يقع على نهر إيل، رافد نهر الراين بالغ الأهمية، ولا سيما من الناحية التجارية، ناهيك عن جبالها التي كانت خطوطاً دفاعية. بلا شك، فقد أثّرت تلك التغييرات السياسية في نفسية شعوب المنطقة وحركة نزوحهم، كما أكسبتهم خبرات مختلفة؛ فأمسوا مهرة في كثير من أمور المعيشة، وبخاصة الصناعة والطباعة والزراعة والرّي، كما برعوا أيضاً في الصيد.
> مدينة التصالح
في عام 1949، وقّعت الدول الأوروبية في ستراسبورغ النظام الأساسي لمجلس أوروبا كبلورة لفكرة الوحدة الأوروبية والمصالحة.
وفي هذا السياق، اختيرت ستراسبورغ مقراً للمجلس الأوروبي ولمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية والبرلمان الأوروبي؛ مما زاد من أهميتها وثرائها.
وفي عام 1988 أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) قلب المدينة منطقة ستراسبورغ الكبرى بأكملها إلى قائمتها للتراث العالمي.
- أهم معالمها السياحية
> كاتدرائية سيدة ستراسبورغ
لم تسلم ستراسبورغ من النزاعات الدينية بين البروتستانت والكاثوليك، وإن اعتنقت كغيرها من المدن الفرنسية، الكاثوليكية مع فصل قاطع بين الدين والدولة؛ ما يجعل كاتدرائيتها العريقة من أهم معالم المدينة سياحياً.
بدأ تشييد الكاتدرائية في عام 1015 من الحجر الرملي الأحمر المأخوذ من جبال الفوج، (هي مجموعة من الجبال المنخفضة في شرق فرنسا، بالقرب من الحدود مع ألمانيا). لعبت أيضاً دوراً أساسياً في مصير المدينة؛ إذ كانت بمثابة خطوط دفاعية بين ألمانيا وفرنسا ومصدر نزاع لثرائها بالمعادن وحقول الماشية والقوة المائية للمحركات الكهربية ومصانع الخشب والفحم والزجاج.
تتميز الكاتدرائية التي بُنيت على مدى أربعة قرون، بالنمط القوطي الذي يحرص حرصاً بالغاً على التفاصيل والتماثيل وكثافة النحت. طولها 455 قدماً؛ مما جعلها أطول مبنى أوروبي لما بعد منتصف القرن الـ19.
مجّد الأديب الفرنسي فيكتور هوغو إبداعها المعماري ووصفها بأنها «أعجوبة عملاقة» في حين قال عنها الأديب الألماني يوهان وولفغانغ فون غوته، إنها «شاهقة وأنيقة مثل شجرة».
للكاتدرائية برج واحد فقط، للوصول إليها على السائح أن يصعد 350 عتبة في سلم حلزوني ضيق. رغم التعب سيتمكن من الاستمتاع بغروب الشمس ومنظر بانورامي للمدينة من أعلى سطحها المنبسط.
تغلق الكاتدرائية أبوابها قبل منتصف النهار ليدخلها لأقل من ساعة من يحملون بطاقات لمشاهدة ساعتها الفلكية الشهيرة، التي أضحت أُتوماتيكية تتحرك مصدرة أصواتاً في مشهد ديني درامي.
الآن تعتبر الكاتدرائية قلب المدينة ومركزها وتشهد جادتها الكثير من المناسبات والفعاليات والأسواق المفتوحة
> فرنسا الصغيرة
خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت منطقة فرنسا الصغيرة عبارة عن أبنية عسكرية ذات طابع دفاعي وثكنات للجنود، بما في ذلك مستشفى لعلاج مرض السيفلس أو الزهري الذي انتشر بكثرة فترة الحروب المتتالية. تضمّ المنطقة أيضاً، أحياء شعبية سكنها عمّال المصانع والدباغون والمزارعون والصيادون.
احتفظت المدينة، رغم تنوع الصناعات وحاجاتها لمصانع أوسع، بمبانيها الخشبية القديمة التي يغلب عليها المعمار الألماني والأبنية منخفضة العلو من طابقين أو ثلاثة المطلية بألوان مختلفة تزينها قطع وألواح من الخشب المتقاطعة والمنفردة.
أكثر ما يميز هذا الجزء من المدينة أزقتها، وجسورها التي تربط بينها وتجعلها منطقة سياحية من الدرجة الأولى خاصة لعشّاق المشي.
وكما قام صينيون بنسخ وتقليد حرفي لمدينة هالشتات النمساوية ومساكنها الصغيرة المتراصة فوق تلة الجبل على ضفة البحيرة توجد في Hoben - ro Cheongpyeong - Myeon في كوريا الجنوبية منطقة مقتبسة عن فرنسا الصغيرة بكل معالمها وأجوائها، وإن أضافوا إليها بعض النماذج من برج إيفل.
> قصر روهان
قصر على النمط الباروكي شُيد للأسقف أرماند غاستون دي روهان، الذي، وفقاً لرواية مؤرخين، كان ابناً غير شرعي للإمبراطور لويس الرابع عشر. وقد عُرفت العائلة بكونها عائلة أرستقراطية ثرية قدمت للكنيسة عدداً من الكرادلة الذين سكنوا القصر. تجدر الإشارة إلى أنه القصر نفسه الذي استضاف لويس الرابع عشر، ونابليون بونابرت، وماري أنطوانيت، ولا يزال يستقبل كبار زوار ستراسبورغ من الملوك والحكام.
يتكون من طوابق ثلاثة تحولت أجزاء منها إلى متاحف تعرض أسلوب الحياة بالمنطقة وفنونها، منها متحف عن تاريخ إقليم الألزاس ونماذج لكيفية المعيشة والسكن وأساليب العمل اليومي، إلى جانب متحف لكبار الفنانين الفرنسيين والفنون الجميلة، ومتحف آثار يضمّ أثاثات ومجوهرات وفنون زخرفية.
وعلى الرغم من أن التجوال حول ستراسبورغ وفي طرقاتها يُعتبر متعة لا تضاهى، فإن المتاحف والمعارض وصالات الفنون تستحق الزيارة، ولا سيما متحف الفنون الحديثة والمعاصرة. يضم أكثر من ألف لوحة ورسمة، ومنحوتة وتمثال وغرافيك، وتصميم وعرض لوسائط متعددة، وصور فوتوغرافية.
تختلف معروضاته من حيث فترتها الزمنية؛ إذ يعود بعضها إلى الفترة الانطباعية، بينما هناك لوحات للفنان مونييه إلى جانب أعمال حديثة عن نيويورك وزخمها. المشهد يؤكد روعة طرق العرض وكيفية توزيع اللوحات على الجدران والإضاءة والتماثيل. وتوجد للمتحف محطة ترام باسمه كما يضم مكتبة ومتجراً ومقهى. ويستحق المتحف الزيارة؛ لما يحتويه من فنون وديكورات رائعة.
> الحي الأوروبي
تشارك ستراسبورغ كل من بروكسل ولكسمبورغ استضافة أهم المقار التشريعية والسياسية التابعة للاتحاد الأوروبي؛ مما زاد من ألق المدينة وأهميتها، وأدخل عليها تحديثات عصرية والكثير من الحيوية.
بدورها، تضيف المباني الأوروبية ذات المعمار الحديث والجدران الزجاجية، الكثير على المدينة. ورغم أن الحي الأوروبي يبعد عن وسط المدينة، فإن الوصول إليه سهل.
ولمن لا يرغب في زيارة ميدانية والاكتفاء بمجرد رؤية المقار الأوروبية من الخارج، يمكنه الاكتفاء بالجولات السياحية الدائرية على متن العبارات التي تلف في النهر حول المدينة ويقدم مرشدوها بعض المعلومات.
> لمسجد الكبير
في عام 2012، افتتح في ستراسبورغ أكبر مسجد في فرنسا بقبة ترتفع 20 متراً. يعمل المسجد منارةً إسلاميةً حديثةً وجميلةً تنظم دروساً دينية ومحاضرات، كما يوفر خدمات اجتماعية ورمضانية. كونها مدينة سياحية أولاً، وثانياً كونها تحضن فعاليات كثيرة واجتماعات أوروبية، فإن فنادقها كثيراً ما تكون فنادق محجوزة؛ مماّ يتطلب تأكيد حجز فندقي مبكراً، كما يستحسن معرفة إن كان إلغاء الحجز مكلفاً. وفي المدينة الكثير من الفنادق التي تتفنن في جذب النزلاء باستخدامها مباني تاريخية وأخرى لاستحداثها طرق ديكور وأثاثاً حديثاً، والاستعانة بفنانين تطلق لهم الخيار في تزيين الغرف بإبداعاتهم ولوحاتهم.
> التسوق والمطاعم
لصغر حجم المدينة وسهولة الانتقال فيها وتنوع منتجاتها يحلو التسوق فيها، سواء للتبضع أو لمجرد النزهة والاطّلاع على آخر الصيحات، ولا سيما أن محالها الصغيرة أنيقة وفاخرة. ويوجد فيها فرع من المتجر الفرنسي المعروف غاليري لا فاييت.
أما فيما يتعلق بالمطاعم، فحدّث من دون حرج. منها الشهير والشعبي والتقليدي، وتلك التي تنتشر في مختلف الميادين وحول الكاتدرائية.
- جغرافياً
تبعد ستراسبورغ 500 كيلومتر من العاصمة باريس، وتلك مسافة يقطعها القطار الفرنسي السريع «تي جي في» خلال ساعتين وعشرين دقيقة. ولا تتجاوز المسافة بينها ومدينة شتوتغارت سوى 170 كيلومتراً و230 كيلومتراً من لوكسمبورغ و220 من فرانكفورت، وكذلك من زيوريخ.
ذلك القرب والمهارة في ربطها بطرق سريعة بتلك المدن وغيرها، إضافة إلى خدمات السكك الحديدية الأوروبية المميزة والجوية، جعل الوصول إليها سهلاً وجذّاباً.


مقالات ذات صلة

رحلة عبر معالم ومواقع تصوير الفيلم الملحمي «الأوديسة»

يوميات الشرق جيمي غونزاليس في دور «سيفيوس» ومات دايمون في دور «أوديسيوس» وهيميش باتيل في دور «يوريلوخوس» في مشهد من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

رحلة عبر معالم ومواقع تصوير الفيلم الملحمي «الأوديسة»

فيلم «الأوديسة» يعيد إحياء «سينما الواقع»: جولة خلف كواليس التصوير الملحمي وخرائط الوصول إلى مواقعها التاريخية.

كوثر وكيل (لندن)
سفر وسياحة موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)

السفر إلى أوروبا خلال الصيف... إليك ما ينبغي معرفته

يبحث سكان أوروبا والمسافرون إليها خلال فصل الصيف عن وسائل تحافظ على سلامتهم وتقيهم الحر، في وقت تعاني فيه القارة من موجة حر تاريخية هذا الصيف

رايلي أوبر (نيويورك)
سفر وسياحة شرم الشيخ من الوجهات المحببة (إنستغرام)

الإجازات القصيرة أم الطويلة؟ دليلك لاختيار الرحلة المثالية

يختلف كثيرون حول المدة المثالية التي ينبغي أن تستغرقها رحلة السفر؛ فقد أظهرت دراسات حديثة أن لطول الإجازة دوراً أساسياً في حجم الفوائد النفسية والجسدية

فيفيان حداد (بيروت)
شمال افريقيا مسافرون عبر مطار القاهرة الدولي (الصفحة الرسمية لميناء القاهرة الجوي)

رسم مغادرة المسافرين يثير جدلاً في مصر

أثار بدء تفعيل السلطات المصرية تعديلاً تشريعياً يتعلق برسم مغادرة الأراضي المصرية جدلاً واسعاً، وسط تساؤلات عن آلية تحصيله.

علاء حموده (القاهرة)
سفر وسياحة تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)

جامع شفِتسينغن... لقاء التنوير الأوروبي بجمال العمارة الإسلامية

في قلب ولاية بادن-فورتمبيرغ الألمانية، وبين حدائق قصر شفِتسينغن Schwetzingen الساحرة التي تُعدّ من أجمل الحدائق التاريخية في أوروبا، يقف مبنى استثنائي...

عادل عبد الرحمن (شفِتسينغن - ألمانيا)

السفر إلى أوروبا خلال الصيف... إليك ما ينبغي معرفته

موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)
موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)
TT

السفر إلى أوروبا خلال الصيف... إليك ما ينبغي معرفته

موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)
موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)

يبحث سكان أوروبا والمسافرون إليها خلال فصل الصيف عن وسائل تحافظ على سلامتهم وتقيهم الحر، في وقت تعاني فيه القارة من موجة حر تاريخية هذا الصيف، تسببت في اضطرابات واسعة، شملت تعطيل خطوط السكك الحديدية في بريطانيا، وإغلاق عدد من أبرز المعالم السياحية، بينها متحف اللوفر وبرج إيفل، قبل مواعيدها المعتادة. كما شهدت فرنسا أعطالاً في شبكة الكهرباء أدت، حتى الأربعاء، إلى انقطاع التيار عن أكثر من 68 ألف منزل. وتتفاقم آثار الحر بسبب محدودية انتشار أجهزة تكييف الهواء في عدد من الدول الأوروبية. وفي فرنسا، لقي ما لا يقل عن 40 شخصاً.

ينصح بالتوجه الى الحدائق في الايام الحارة (نيويورك تايمز)

ويتوقع خبراء الأرصاد أن تستعد دول شرق القارة لاستقبال أيام حارة ، ورغم ذلك، فإن ذروة موسم السفر إلى أوروبا عادة ما تكون خلال شهري آب (تموز) ة أغسطس (آب)، حيث ترتفع درجات الحرارة غالباً إلى مستويات أعلى مما هي عليه في يونيو (حزيران).

وقد يجد السياح القادمون من دول تنتشر فيها أجهزة التكييف على نطاق واسع، مثل الولايات المتحدة واليابان والخليج، أنفسهم أقل استعداداً للتأقلم مع هذه الأجواء مقارنة بالسكان المحليين. وفيما يلي أبرز ما ينبغي معرفته عند التخطيط لرحلة إلى أوروبا.

لا تنتشر أجهزة تكييف الهواء في أوروبا بالقدر المعروف في الولايات المتحدة أو شرق آسيا. ففي فرنسا، لا تتجاوز نسبة المنازل المزودة بالتكييف ربع المساكن، بينما يُعد وجوده في المنازل البريطانية رفاهية، نظراً إلى أن معظمها صُمم للاحتفاظ بالحرارة.

فرنسا من بين البلدان التي تعاني من موجة الحر(نيويورك تايمز)

وتقول كاتي ويغنال، المرشدة السياحية في شركة «لوك أب لندن تورز»، إن معظم الفنادق توفر تكييف الهواء، لكنها تنصح المسافرين الذين يختارون الإقامة في شقق للإيجار القصير بالتأكد مسبقاً من توافره؛ لأن أغلب المنازل لا تضم وسائل تبريد.

وبعد الاستقرار في مكان الإقامة، توصي ويغنال باستخدام خطوط «سيركل» و«ديستريكت» و«إليزابيث» في مترو أنفاق لندن، إضافة إلى شبكة «لندن أوفرغراوند»، إذ يُرجح أن تكون جميعها مكيفة. أما الحافلات، فبعضها مزود بالتكييف، بينما يكون بعضها الآخر، بحسب تعبيرها، «أشد حرارة من الشمس»، لذلك تنصح بالاعتماد على المترو.

وفي روما، يقول فابيو كوبولا، مالك سلسلة بيوت الشباب «يلو سكوير» في روما وميلانو وفلورنسا، إضافة إلى أثينا، إن الفنادق المصنفة ثلاث نجوم فما فوق توفر التكييف في العادة، لكنه ينصح أيضاً بالتحقق من ذلك عند الحجز عبر «إير بي إن بي»؛ لأن السكان المحليين غالباً لا يستخدمون أجهزة التكييف.

وفي فرنسا، يتيح الموقع الرسمي لإقليم «إيل دو فرانس»، الذي يضم باريس، للسكان والزوار البحث عن ملاجئ مناخية أو مناطق تبريد تقع على بُعد عشر دقائق سيراً على الأقدام. كما تتوافر خدمات مماثلة في برشلونة وبرلين وفيينا، فيما يوفر مكتب السياحة في باريس قائمة بأحواض السباحة العامة.

يجب اتخاذ الحذر خلال رحلاتكم الى اروبا خلال موجة الحر (نيويورك تايمز)

وتنصح المرشدة السياحية المستقلة صوفي غاشيني زوار باريس بتجنب أحواض السباحة العامة المزدحمة ونهر السين، والتوجه بدلاً من ذلك إلى قناة «سان مارتان»، التي فُتحت للسباحة بسبب موجة الحر. وهناك يمكن الاستمتاع بنسمات الهواء الباردة المنبعثة من المياه، بل والسباحة أيضاً، مع الالتزام بالمناطق المخصصة لذلك.

وفي لندن، يمكن للعائلات التوجه إلى نوافير «سومرست هاوس» أو «غراناري سكوير» في منطقة كينغز كروس. كما توصي ويغنال بالتجول في شوارع حي بلومزبري المظللة بالأشجار، أو زيارة المقابر التاريخية المعروفة باسم «السبعة العظماء»، التي تعود إلى القرن التاسع عشر وتوفر مساحات مجانية غالباً ما يغفل عنها الزوار للتنزه بين الأشجار ومشاهدة قبور شخصيات شهيرة.

وسائل النقل تضررت من موجة الحر (نيويورك تايمز)

أما في روما، فيُنصح بالابتعاد عن وسط المدينة والتجول في حدائق «فيلا بورغيزي» أو «جياردينو ديغلي أرانتشي». كما يمكن استقلال القطار لمدة نصف ساعة إلى مدينة أوستيا الساحلية للسباحة مجاناً في مياه البحر المتوسط، أو التوجه إلى «سانتا مارينيلا» التي يصفها كوبولا بأنها خيار أكثر سحراً وأقل ارتياداً من قبل السياح. أما في ميلانو، فيعد مسبح «باني ميستيريوزي» التاريخي من أبرز الأماكن المناسبة للسباحة.

وتنخفض درجات الحرارة بطبيعتها في المواقع الواقعة تحت سطح الأرض. ففي برلين، يمكن للزوار العودة بالزمن واستكشاف أحد الملاجئ التي تعود إلى الحرب العالمية الثانية، أو أنفاق الهروب التي حفرت في ستينات القرن الماضي بين شطري المدينة.

من المفضل الذهاب الى المتاحف في الايام الحارة (نيويورك تايمز)

وفي براغ، تتيح الجولات تحت الأرض التعرف إلى السجون القديمة والصهاريج والممرات المقببة التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر، والتي شُيدت قبل رفع مستوى المدينة بنحو خمسة إلى 25 قدماً لمواجهة أخطار الفيضانات.

وفي باريس، يوفر «متحف مجاري باريس»، المعروف أيضاً باسم متحف الصرف الصحي، منظوراً مختلفاً لتاريخ العاصمة الفرنسية من باطن الأرض. كما تمثل سراديب الموتى خياراً آخر، رغم أنها تشهد ازدحاماً كبيراً في العادة.

تتعرض أوروبا لدرجات حرارة عالية جدا (نيويورك تايمز)

وفي باريس، تفتح كاتدرائية نوتردام أبوابها عند الثامنة صباحاً، وهو التوقيت الذي تعدّه غاشيني الأنسب للزيارة. أما خلال فترة ما بعد الظهر، فتوصي بزيارة متحف الفن الحديث في باريس أو متحف كارنافاليه، حيث يمكن التعرف إلى تاريخ باريس لمدة تصل إلى ست ساعات داخل قصر أرستقراطي مكيف. وتنصح أيضاً بالاطلاع على المواقع الإلكترونية للمتاحف قبل التوجه إليها؛ إذ قد تغلق أبوابها مبكراً خلال موجات الحر الشديدة.

وفي لندن، تقول ويغنال إن الطوابق العليا في متحف فيكتوريا وألبرت من أفضل الأماكن التي يمكن اللجوء إليها، كما توصي بزيارة كنيسة سانت بارثولوميو الكبرى وكاتدرائية سانت بول، اللتين تكونان أقل ازدحاماً من المتحف البريطاني أو دير وستمنستر.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الإجازات القصيرة أم الطويلة؟ دليلك لاختيار الرحلة المثالية

شرم الشيخ من الوجهات المحببة (إنستغرام)
شرم الشيخ من الوجهات المحببة (إنستغرام)
TT

الإجازات القصيرة أم الطويلة؟ دليلك لاختيار الرحلة المثالية

شرم الشيخ من الوجهات المحببة (إنستغرام)
شرم الشيخ من الوجهات المحببة (إنستغرام)

يختلف كثيرون حول المدة المثالية التي ينبغي أن تستغرقها رحلة السفر؛ فقد أظهرت دراسات حديثة أن لطول الإجازة دوراً أساسياً في حجم الفوائد النفسية والجسدية التي يجنيها المسافر. وعادة ما يلجأ المرء إلى السفر لاستعادة نشاطه والتخلص من ضغوط العمل وتحسين حالته المزاجية بعد فترة طويلة من الانشغال اليومي.

وترى بعض النظريات أن الإجازة يجب ألا تقل عن 15 يوماً كي يتمكن الشخص من تجديد طاقته والاحتفاظ بأثر الراحة لفترة أطول. فيما يذهب خبراء آخرون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن 18 يوماً هي الحد الأدنى لإجازة ناجحة؛ لأن اكتشاف بلدٍ جديدٍ والتأقلم مع عاداته وإيقاع الحياة فيه يحتاجان إلى هذا القدر من الوقت.

باريس من الوجهات الجميلة (إنستغرام)

غير أن دراسة أُجريت في فنلندا جاءت لتقلب هذه المفاهيم رأساً على عقب؛ إذ خلصت إلى أن المدة المثالية للإجازة، سواء كانت داخلية أم خارجية، ينبغي ألا تتجاوز ثمانية أيام.

الإجازة المتقطعة... الحل الأفضل

تشير دراسات عدة إلى أن فوائد الإجازة، مهما طالت أو قصرت، لا تدوم إلى الأبد. فما إن يعود الشخص إلى روتينه اليومي حتى يبدأ تدريجياً باستعادة ضغوطه المعتادة. فالعمل ومتطلبات المنزل والالتزامات المالية تعيده سريعاً إلى واقع كان يسعى إلى الابتعاد عنه، ولو مؤقتاً، خلال رحلته.

لذلك، ينصح خبراء السفر باعتماد مبدأ الإجازات القصيرة والمتكررة على مدار السنة. فبدلاً من تخصيص عطلةٍ طويلةٍ واحدةٍ، يمكن التخطيط لرحلتين أو ثلاث إلى وجهات قريبة نسبياً، الأمر الذي يمدّ المسافر بجرعات متجددة من الحماس والطاقة الإيجابية. بل إن مجرد التفكير باقتراب موعد الرحلة المقبلة يبعث في النفس شعوراً بالراحة والطمأنينة.

ولا يشترط الأمر دائماً السفر إلى الخارج؛ إذ يمكن للسياحة الداخلية أن تحقق الفائدة نفسها عبر اكتشاف مناطق جديدة وغير مألوفة. كما يوصي الخبراء بالتخفيف قدر الإمكان من الاتصالات المهنية والانشغالات اليومية في أثناء الإجازة، بهدف الاستمتاع الكامل بالرحلة واستعادة التوازن النفسي.

اليابان وجهة سفر ممتازة في أبريل (إنستغرام)

السفر المناسب في الوقت المناسب

يشكل اختيار التوقيت المناسب للسفر أحد أهم العوامل التي تضمن نجاح الرحلة. فزيارة الوجهة في موسمها الأمثل يتيح الاستفادة من أفضل الظروف المناخية والأنشطة السياحية. كما أن السفر خلال فصلي الربيع والصيف يخفف غالباً من أعباء الأمتعة الثقيلة ويمنح المسافر فرصة أكبر للاستمتاع بالهواء الطلق.

فعلى سبيل المثال، يعد شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من أفضل الأوقات لزيارة تايلاند؛ إذ تنخفض فيه درجات الحرارة ونسبة الرطوبة، ما يوفر أجواءً أكثر اعتدالاً وراحة. أما شرم الشيخ في مصر، فيعتبر شهر أكتوبر (تشرين الأول) مثالياً لزيارتها، حيث تتراوح درجات الحرارة بين 25 و30 درجة مئوية، ما يتيح الاستمتاع بالشواطئ والأنشطة البحرية والتنزه في ظروف مناخية مريحة.

وفي أوروبا، يُنصح بزيارة مدن مثل باريس ومدن إسبانيا خلال شهر مايو (أيار)، حيث يجمع هذا التوقيت بين اعتدال الطقس وتفتح الحدائق بالأزهار، فضلاً عن تجنب الازدحام السياحي الذي يميز أشهر الصيف. كما تظل الأسعار أكثر اعتدالاً مقارنة بموسم الذروة.

أما لندن، فيرى خبراء السياحة أن شهري يونيو (حزيران) وسبتمبر (أيلول) يشكلان الخيار الأمثل لزيارتها؛ إذ يوفران توازناً مثالياً بين الطقس المعتدل وساعات النهار الطويلة، مع تفادي الازدحام الشديد وارتفاع أسعار الإقامة الذي تشهده المدينة خلال منتصف الصيف.وفيما يتعلق باليابان، تعد أشهر أبريل (نيسان) وأكتوبر ونوفمبر الأفضل للزيارة، لما توفره من مناخ معتدل ومشاهد طبيعية آسرة. ويحتل أبريل مكانة خاصة بفضل موسم تفتح أزهار الكرز الشهير، الذي يحوّل الحدائق والشوارع إلى لوحات طبيعية خلابة. كما يشكل مارس (آذار) بداية هذا الموسم، فيما يتميز مايو بطقس لطيف ومعتدل، مع ضرورة تجنب فترة «الأسبوع الذهبي» في بدايته، حيث تشهد البلاد ازدحاماً كبيراً وارتفاعاً في أسعار الفنادق ووسائل النقل.

لا تجعل السفر سباقاً مع الوقت

يرتكب كثيرون خطأ تحويل الإجازة إلى برنامج مزدحم بالمواعيد والزيارات، فيسعون إلى رؤية أكبر عدد ممكن من المعالم خلال أيام قليلة. إلا أن خبراء السفر يشددون على أن جودة الرحلة لا تُقاس بعدد الأماكن التي نزورها، بل بمدى استمتاعنا بها. فالتنقل المتواصل والاستيقاظ المبكر يومياً قد يحولان الإجازة إلى مصدر إضافي للتعب بدلاً من الراحة.

وينصح الخبراء بترك مساحة للمرونة في برنامج الرحلة، وتخصيص أوقات للاسترخاء واكتشاف المكان بهدوء، سواء عبر الجلوس في مقهى محلي أو التنزه في شوارع المدينة بعيداً من الوجهات السياحية المكتظة. فهذه اللحظات العفوية غالباً ما تترك أجمل الذكريات لدى المسافر.

التخطيط المسبق نصف متعة الرحلة

لا تبدأ متعة السفر عند الوصول إلى الوجهة المقصودة، بل منذ لحظة التخطيط لها؛ فالبحث عن الأماكن التي ستتم زيارتها وحجز الفنادق وترتيب النشاطات يخلق شعوراً بالحماسة والترقب. وتؤكد دراسات نفسية أن انتظار حدث سعيد، كرحلة سفر مرتقبة، ينعكس إيجاباً على المزاج ويخفف من ضغوط الحياة اليومية.

لذلك ينصح الخبراء بالتخطيط المبكر للإجازات، ليس فقط للاستفادة من أسعار أفضل، بل أيضاً للاستمتاع بفترة الترقب التي تسبقها.


جامع شفِتسينغن... لقاء التنوير الأوروبي بجمال العمارة الإسلامية

تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)
تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)
TT

جامع شفِتسينغن... لقاء التنوير الأوروبي بجمال العمارة الإسلامية

تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)
تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)

في قلب ولاية بادن-فورتمبيرغ الألمانية، وبين حدائق قصر شفِتسينغن Schwetzingen الساحرة التي تُعدّ من أجمل الحدائق التاريخية في أوروبا، يقف مبنى استثنائي يثير دهشة الزوار منذ أكثر من قرنين من الزمن. إنه «جامع شفِتسينغن» أو ما يُعرف باسم «مسجد الحديقة»، وهو مَعلم فريد لا يشبه المساجد التقليدية التي شُيّدت لأداء الشعائر الدينية، بل يمثل قصة معقدة ومثيرة تجمع بين الفن والسياسة والتاريخ والتسامح الثقافي.

فعلى الرغم من مآذنه الشاهقة وقبته الكبيرة وزخارفه العربية الواضحة، فإن هذا المبنى لم يُبنَ في الأصل ليكون مسجداً للصلاة، بل كان جزءاً من رؤية فكرية وفنية ولدت في أوروبا خلال عصر التنوير في القرن الثامن عشر، وهي المرحلة التي شهدت تحولات عميقة في النظرة إلى العالم والثقافات الأخرى.

لقاء التصميم مع الطبيعة (الشرق الأوسط)

تقع مدينة شفِتسينغن بين هايدلبرغ ومانهايم في جنوب غرب ألمانيا، واشتُهرت منذ القرن الثامن عشر بقصرها الصيفي الفخم الذي اتخذه أمراء إقليم بالاتينات مقراً للإقامة والاستجمام.

لم يكن القصر مجرد مقر للحكم، بل كان مشروعاً ثقافياً ضخماً أراد أصحابه من خلاله تجسيد صورة مصغرة للعالم. ولهذا السبب؛ امتلأت حدائقه بالمعابد والآثار الاصطناعية والمنشآت المستوحاة من حضارات متعددة، في محاولة لخلق رحلة فكرية وجمالية للزائر وهو يتنقل بين أرجاء المكان.

وسط هذا المشهد المتنوع برز المسجد بوصفه أكثر المباني إثارة للاهتمام، ليس فقط بسبب مظهره الشرقي، وإنما بسبب الرسالة التي حملها في زمن كانت أوروبا تعيد فيه اكتشاف الشرق والعالم الإسلامي.

تعود فكرة إنشاء المسجد إلى الأمير الألماني كارل تيودور، حاكم إقليم بالاتينات وأحد أبرز رعاة الفنون والثقافة في عصره. ففي النصف الثاني من القرن الثامن عشر كانت أوروبا تعيش حالة من الفضول تجاه الشرق، خصوصاً الدولة العثمانية التي كانت تمثل قوة سياسية وثقافية مؤثرة.

المسجد من الخارج (الشرق الأوسط)

انتشرت آنذاك موضة معمارية عُرفت باسم «الطراز التركي» أو «الاستشراق المعماري»، حيث بدأت القصور الأوروبية تستعير عناصر من العمارة الإسلامية والصينية والهندية لتزيين حدائقها ومبانيها.

لكن مشروع شفِتسينغن تجاوز مجرد التقليد الزخرفي. فقد أراد كارل تيودور أن يقدم نفسه بوصفه حاكماً متنوراً يؤمن بالتسامح والانفتاح على الثقافات المختلفة، وهي أفكار كانت تشكل جوهر فلسفة عصر التنوير الأوروبي.

أوكل الأمير المهمة إلى المهندس المعماري الفرنسي نيكولا دو بيغاج، أحد أبرز معماريي البلاط في ذلك الوقت.

بدأ العمل على المشروع عام 1779 واستمر حتى عام 1796، وهي فترة طويلة نسبياً تعكس حجم العناية التي أُعطيت لهذا المبنى.

استلهم بيغاج تصميمه من العمارة العثمانية ومن التصورات الأوروبية عن الشرق الإسلامي، فأنشأ مبنى يتوسطه فضاء مقبب تحيط به أروقة وقاعات جانبية، في حين ترتفع على جانبيه مئذنتان تمنحانه هيئة مسجد حقيقي.

ومن الخارج يبدو المبنى وكأنه قادم من إسطنبول أو إحدى مدن الشرق الإسلامي، غير أن التدقيق في تفاصيله يكشف عن مزيج فريد بين العمارة الأوروبية الباروكية والعناصر الشرقية، في انعكاس واضح للحوار الثقافي الذي كان يطمح إليه مصمموه.

المفارقة الكبرى أن المبنى، رغم اسمه وشكله، لم يُصمم ليكون مسجداً مكتمل الوظائف.

روعة في التصميم (الشرق الأوسط)

فهو يفتقر إلى بعض العناصر الأساسية الموجودة في المساجد التقليدية مثل المحراب والمنبر وموضع الوضوء؛ ما يؤكد أن الغرض الأساسي منه كان رمزياً وجمالياً أكثر منه دينياً.

كان المسجد جزءاً من المشهد البصري للحدائق، ومكاناً للتأمل والاستمتاع بالفن والعمارة، كما كان رسالة سياسية وثقافية تعكس رؤية الأمير للعالم ولعلاقته بالثقافات الأخرى.

ولهذا يعدّه كثير من المؤرخين أحد أوائل النُّصب الأوروبية التي حملت مفهوم الاعتراف بقيمة الديانات غير المسيحية داخل الفضاء الثقافي الأوروبي.

ورغم أنه لم يُبنَ للعبادة، فإن التاريخ منح المسجد فرصة ليؤدي هذا الدور لفترات محدودة.فبعد الحرب الفرنسية البروسية في سبعينات القرن التاسع عشر، نُقل عدد من الجنود والأسرى المسلمين القادمين من شمال أفريقيا إلى مناطق قريبة من شفِتسينغن، وتشير مصادر تاريخية إلى أنهم استخدموا المبنى للصلاة.

كما شهد المكان مناسبات دينية متفرقة خلال العقود اللاحقة؛ ما أضفى عليه بعداً روحياً لم يكن جزءاً من الخطة الأصلية لبنائه.

وهكذا تحوّل المبنى، ولو مؤقتاً، من رمز ثقافي إلى فضاء ديني حقيقي، في مفارقة تاريخية تضيف إلى قصته مزيداً من التميز.

يحمل جامع شفِتسينغن أهمية استثنائية في تاريخ العمارة الأوروبية؛ إذ يُعدّ أقدم مبنى ذي طراز مسجدي في ألمانيا، ومن أندر «مساجد الحدائق» التي ما زالت قائمة في أوروبا حتى اليوم.

وخلال القرنين الماضيين تعرَض المبنى لعوامل الزمن والإهمال، إلا أن السلطات الألمانية أطلقت برامج ترميم واسعة للحفاظ عليه، استمرت سنوات طويلة وأعادت إليه رونقه الأصلي.

واليوم، يبدو المسجد كما لو أنه خرج للتو من القرن الثامن عشر، بألوانه وزخارفه وتفاصيله الدقيقة التي تعكس مهارة البنّائين والفنانين الذين شاركوا في إنشائه.

لا يمكن فهم جامع شفِتسينغن بعيداً عن ظاهرة «الاستشراق» التي طبعت الثقافة الأوروبية في تلك الحقبة.

ففي زمن كانت فيه أوروبا تنظر إلى الشرق بوصفه عالَماً غامضاً ومليئاً بالسحر والرمزية، أصبحت العمارة الإسلامية مصدر إلهام للكثير من الفنانين والمهندسين.

لكن مسجد شفِتسينغن يختلف عن كثير من المباني الاستشراقية الأخرى؛ إذ لم يكن مجرد ديكور غريب لإبهار الزوار، بل حمل أيضاً مضموناً فلسفياً يرتبط بقيم التسامح والتعددية والانفتاح على الآخر.

ولهذا السبب ينظر إليه المؤرخون اليوم بصفته شاهداً على لحظة نادرة حاولت فيها النخب الأوروبية بناء جسور فكرية مع العالم الإسلامي بدل الاكتفاء بالنظر إليه من مسافة بعيدة.

في الوقت الحاضر يستقبل قصر وحدائق شفِتسينغن آلاف الزوار سنوياً، ويظل المسجد أكثر معالمه جذباً للانتباه.

فالسائح الذي يتجول بين الأشجار والبحيرات الصغيرة والحدائق الهندسية لا يتوقع أن يعثر فجأة على مسجد ذي مآذن وقبة وسط المشهد الألماني الكلاسيكي.

هذا التناقض البصري هو بالضبط ما يمنح المكان سحره الخاص.

وبينما تغيرت أوروبا والعالم مرات عدّة منذ بناء المسجد، بقيت رسالته الأساسية حاضرة: أن الفن قادر على تجاوز الحدود، وأن العمارة يمكن أن تتحول لغةً مشتركة بين الشعوب والثقافات.

وفي الختام، يمكن لنا القول إن جامع شفِتسينغن ليس مجرد مبنى جميل داخل حديقة ملكية، بل وثيقة تاريخية تحكي قصة علاقة معقدة بين الشرق والغرب في زمن التحولات الفكرية الكبرى.