جيل ضائع من الأطفال.. أحد أخطر عواقب الحرب السورية

تلميذان سوريان يبحثان عن حاجياتهما في مدرستهما التي تعرضت لأضرار بعد غارة شنتها قوات النظام في أطراف حلب أمس (أ.ف.ب)
تلميذان سوريان يبحثان عن حاجياتهما في مدرستهما التي تعرضت لأضرار بعد غارة شنتها قوات النظام في أطراف حلب أمس (أ.ف.ب)
TT

جيل ضائع من الأطفال.. أحد أخطر عواقب الحرب السورية

تلميذان سوريان يبحثان عن حاجياتهما في مدرستهما التي تعرضت لأضرار بعد غارة شنتها قوات النظام في أطراف حلب أمس (أ.ف.ب)
تلميذان سوريان يبحثان عن حاجياتهما في مدرستهما التي تعرضت لأضرار بعد غارة شنتها قوات النظام في أطراف حلب أمس (أ.ف.ب)

وقف خالد ناجي، اللاجئ السوري ابن الـ13، أمام فصله الدراسي ممسكا بقلم أحمر لينقل بصعوبة إلى السبورة البيضاء بعض العبارات الإنجليزية كتبها في كراسه.
ويهدف برنامج خيري في هذه المنطقة الريفية من وسط لبنان، إلى إعداد اللاجئين السوريين الصغار للالتحاق بالمدارس العامة، التي يعتمد التعليم فيها على اللغة الإنجليزية أو الفرنسية وهو ما يمثل تحديا كبيرا بالنسبة للسوريين الذين تلقوا تعليمهم باللغة العربية.
جلس خالد مزهوا بنفسه وهو يقول إن اللغة الإنجليزية لغة سهلة، لكن والدته، منال ناجي، قالت إن ابنها رسب عاما دراسيا العام الماضي في المدرسة العامة اللبنانية التي يدرس بها، وأرجعت السبب في ذلك إلى أنه: «لا يفهم ما يقوله المعلم، ولا يزال غير قادرة على الاستيعاب. أنا قلقة، فقد كان متفوقا في دمشق».
غير أن ابنها محظوظ بالتحاقه بالمدرسة. فلم يتمكن سوى 70 في المائة من الأطفال السوريين الذين يقدر عددهم بنحو 865.000 طفل، من بين 2.3 مليون لاجئ، من الالتحاق بالدراسة، بحسب إحصاءات اليونيسيف. لكن الرقم الحقيقي أعلى بكل تأكيد، فلا يزال مئات الآلاف من اللاجئين ينتظرون تسجيلهم من قبل الأمم المتحدة، وخصوصا في لبنان وتركيا والأردن. ولا يتوقع أن يتلقى الأطفال الذين يشكلون ثلث أعداد هؤلاء اللاجئين أي نوع من التعليم، فلم يتمكن الكثير منهم من الالتحاق بنظام تعليمي يجاهد للتعامل مع طوفان اللاجئين السوريين.
كثير من الأطفال الذين التحقوا بالمدارس اللبنانية، لا ينتظمون في صفوفهم الدراسية إما بسبب التكلفة أو المخاوف بشأن سلامتهم. وآخرون، ممن تخلفوا بالفعل عاما أو عامين دراسيين بسبب الصراع في سوريا، فأصبحوا غير قادرين على التأقلم مع البيئة والمناهج الجديدة، واللغة الجديدة، في حالة لبنان. فيما يعمل آخرون لمساعدة والديهم الذين أوشكت مدخراتهم على النفاد.
ويتلقى بعض الأطفال دروسا خاصة خارج المدرسة، لكن الكثيرين يقضون معظم أيامهم في القيام بأعمال بسيطة في المخيمات أو في المجتمعات التي تستضيف اللاجئين السوريين في لبنان والأردن وتركيا والعراق ومصر. ومع اقتراب الحرب السورية من نهاية عامها الثالث، يحذر الخبراء من ظهور جيل ضائع للأطفال السوريين قد يشكل أحد أخطر عواقب الحرب السورية.
وتقول ماريا كالفيس، المدير الإقليمي لليونيسيف التي تشرف على تعامل المنظمة مع الأزمة: «ما لم يتم التعامل مع المشكلة، سيفقد الأطفال الأمل، وخصوصا المراهقون منهم، الذين سيحاولون تكرار هذا العنف وإطالة أمده، وسيفتقدون المهارات والمعرفة اللازمة لإعادة بناء سوريا». قبل الحرب، كان نسبة التحاق الأطفال بالتعليم في سوريا تقترب من 80 في المائة، وهو رقم مرتفع نسبيا بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط. وأشارت كالفيس إلى أن الحكومة السورية جعلت من زيادة معدلات التحاق التلاميذ، خصوصا الفتيات، بالمدارس وبناء مدارس جديدة في المناطق الفقيرة أولوية بالنسبة لها خلال العقد الماضي.
وتسبب الصراع في تخلف 1.9 مليون طالب من المدارس أو نحو 40 في المائة من الأطفال السوريين الحاليين في عمر الدراسة، بحسب اليونيسيف.
من ناحية أخرى، تئن مدارس المنطقة المكتظة بالفعل تحت وطأة أعداد الأطفال السوريين الذين يضاعفون في بعض الأحيان من أعداد طلاب المدارس، الذين يتدافعون لبدء فترة ما بعد الظهيرة، والبحث عن فصول دراسة إضافية واستقدام مدرسين جدد بين السكان أو اللاجئين السوريين. وفي وقت بداية العام القادم، يأمل مسؤولو الأمم المتحدة في التوصل إلى اتفاق مع حكومات المنطقة لتوثيق شهادات الأطفال السوريين.
وفي لبنان، الذي استقبل مليون لاجئ سوري، أي ما يوازي ربع سكانها، لم يتمكن سوى 13 في المائة فقط من الأطفال السوريين، أو نحو 53.000 من الالتحاق بالمدارس العامة، وهو الرقم الأدنى بين الدول التي تستقبل لاجئين سوريين، بحسب اليونيسيف.
ويذكر أن نحو 70 في المائة من الأطفال اللبنانيين يدرسون في المدارس الخاصة في لبنان، وهذا إرث الحرب الأهلية التي استمرت لنحو 15 عاما، تاركا مجموعة من المدارس العامة التي تعاني من سوء التمويل. وتفوق أعداد الأطفال السوريين في عمر المدرسة في لبنان، 400.000 طفل، أعداد الأطفال اللبنانيين في المدارس العامة والذين تقدر أعدادهم بنحو 300.000 طالب. كما تضطر المدارس اللبنانية، التي تفتقر إلى التجهيز للتعامل مع الأطفال السوريين واحتياجاتهم الخاصة، للعمل فترات بعد الظهيرة في تعليم الأطفال السوريين، وهو ما يجري تنفيذه في الوقت الراهن في الأردن وتركيا.
وفي المدرسة الابتدائية في ديده، قرية صغيرة شمال لبنان، يشكل الطلاب السوريون 59 طالبا من بين طلاب المدرسة البالغ عددهم 549 طالبا، ويجري تدريس التاريخ والجغرافيا باللغة الإنجليزية فيما تستخدم اللغة الفرنسية لتدريس اللغات الأخرى. وتقول إلهام غالياني، مساعدة مدير المدرسة: «الأطفال السوريون لا يفهمون اللغة الفرنسية مطلقا، الأمر غير مجد على الإطلاق، الأطفال في رياض الأطفال هم الذين يتمكنون فقط من التعلم».
وفي طرابلس، يحاول المعلمون الذين يعملون مع منظمة «أنقذوا الأطفال» إعداد الأطفال السوريين للحاق بالمدارس العامة. فيدرب أحد المعلمين فصلا من 10 إلى 12 طالبا على المصطلحات الأساسية باللغة الفرنسية. وعندما سأل المعلم الطلبة بالفرنسية عن المضاعف المشترك لعددين، رد الطلبة بطلاقة، لكن المعلم عندما سأل سؤالا آخر لا علاقة له بالمادة لم يحرك الطلاب ساكنا.
ويواجه الكثير من الأطفال السوريين عقبات أخرى غير اللغة، للالتحاق بالمدارس العامة، بحسب هاني جسري، المسؤول في «مؤسسة جسور»، منظمة دعم خاصة أسسها مغتربون سوريون، ففي بيروت تقدم «مؤسسة جسور» دروس اللغة الإنجليزية للأطفال السوريين بهدف تأهيلهم للالتحاق بالمدارس اللبنانية.
وكحال الكثير من الأطفال السوريين، خسرت نور، ابنة الـ11 التي التحقت بمدرسة جسور قبل يوم، عامين من الدراسة. ورغم انتقالها إلى الصف الثالث الابتدائي في سوريا فإنها لم تعد قادرة على تذكر شكل الحروف ولم تتمكن من كتابة اسمها. ويقول محمد ابن الـ10 إنه «بعد حضوره الدروس في جسور، يذهب إلى بناية بعيدة حيث تسكن عائلته ويرتاح لساعة ثم ينزل لبيع الورود في شارع الحمرا، الشارع التجاري الرئيس في بيروت، حتى الساعة الواحدة صباحا».
وقال: «عندما أصل إلى منزلي، أخلد إلى النوم على الفور، ثم أستيقظ في السابعة صباحا لحضور الصف الدراسي».
على النقيض من ذلك يأتي مركز الشام، مدرسة خاصة في غازي عنتاب بتركيا. إذ تستقبل المدرسة أبناء السكان السوريين الأثرياء وتتقاضى منهم نحو 1.000 دولار شهريا. وتشغل المدرسة عدة أدوار في بناية إدارية، وتساعد المدرسة في تأهيل الطلاب لاجتياز اختبارات اللغة الإنجليزية أو امتحان التويفل.
* خدمة «نيويورك تايمز»



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.