الصراع الصيني ـ الهندي على النفوذ في جنوب آسيا

كثير منها ألغى عقود بنى تحتية بعشرات المليارات من الدولارات لئلا تصبح أسيرة ديونها

شاحنات على مدخل مركز للحاويات في مدينة شيان التي تنطلق منها قطارات مبادرة «الحزام والطريق» الصينية (إ.ب.أ)
شاحنات على مدخل مركز للحاويات في مدينة شيان التي تنطلق منها قطارات مبادرة «الحزام والطريق» الصينية (إ.ب.أ)
TT

الصراع الصيني ـ الهندي على النفوذ في جنوب آسيا

شاحنات على مدخل مركز للحاويات في مدينة شيان التي تنطلق منها قطارات مبادرة «الحزام والطريق» الصينية (إ.ب.أ)
شاحنات على مدخل مركز للحاويات في مدينة شيان التي تنطلق منها قطارات مبادرة «الحزام والطريق» الصينية (إ.ب.أ)

منذ خمس سنوات، أطلقت الصين مبادرة «طريق الحرير الجديد» التي عكست طموحاً هائلاً للقيادة الصينية، التي سعت لتنفيذ مشروعات في 60 دولة بمختلف أرجاء العالم، للفوز بموطئ قدم سياسي واقتصادي في مواقع استراتيجية في العالم. ومن الممكن أن تصل تكلفة المبادرة إلى 8 تريليونات دولار على امتداد الأعوام الـ40 القادمة؛ إلا أنها ستعود بفوائد كبرى على الاقتصاد الصيني وستترك أثراً عالمياً واسع النطاق.
ومع ذلك، يبدو أن عدداً متزايداً من الدول في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، بدأت تستفيق أخيراً للأخطار التي تنطوي عليها القروض الصينية المتاحة بسهولة لمشروعات البنية التحتية لدى هذه الدول، وذلك لإدراكها أنها ربما تسقط فريسة لدبلوماسية فخ القروض التي تمارسها بكين، وتفقد أصولاً استراتيجية لديها مقابل هذه القروض.
ولهذا فقد ألغت سريلانكا مؤخراً قراراً سابقاً لها بمنح الصين عقداً لمشروع سكني بقيمة 300 مليون دولار، ومنحته بدلاً من ذلك إلى شركة هندية. وفي الوقت ذاته، أعلن رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد أنه لن يمضي قدماً في ثلاثة مشروعات كبرى مع الصين، بتكلفة تقارب 20 مليار دولار كان قد أقرها سلفه، وحذر من أن الصين تمارس «نمطاً جديداً من الاستعمار».

الديون وسيلة نفوذ
اللافت أنه خلال الأسابيع الأخيرة، ألغيت مشروعات على صلة بالصين بقيمة تتجاوز 30 مليار دولار، في الوقت الذي تجري مراجعة قروض واستثمارات أخرى مرتبطة بها.
يذكر أن الضحية الأولى والأبرز للاستثمارات الصينية المستمرة في البنية التحتية كانت سريلانكا التي عجزت عن الوفاء بتسديد فوائد الديون التي حصلت عليها من «إكسيم بانك» الصيني، والتي تجاوزت مليار دولار من أجل تشييد ميناء. ووجدت سريلانكا نفسها مضطرة لتأجير الميناء الذي يتميز بأهمية عسكرية كبيرة لمدة 99 عاماً لشركة مملوكة للدولة الصينية لإدارة الموانئ. وانطلقت صفارات الإنذار وسادت حالة من القلق العارم نيودلهي، عندما دخلت غواصات تتبع الجيش الصيني ميناء كولومبو في سريلانكا دون سابق إخطار.
في هذا الصدد، أوضح الدبلوماسي الهندي السابق «جي. باراتهاسارتهي»، أن: «ما يثير قلق الدول الأخرى أن الصين سوف تعمد إلى استغلال عجز الدول المضيفة عن سداد ديونها، كذريعة لكسب سيطرة أكبر على مواقع استراتيجية واقتصادية كبرى».
وأضاف: «القلق لا يقتصر على العبء الاقتصادي الذي تفرضه القروض الصينية على الدول الشريكة، وإنما كذلك الوجود العسكري الصيني. ثمة قلق متنام من أن يصاحب تنفيذ مشروعات مبادرة (طريق الحرير الجديد) زيادة في الوجود العسكري الصيني لدعم وحماية الاستثمارات الاقتصادية لبكين. وقد تناول تقريران صدرا في الفترة الأخيرة عن وزارة الدفاع الصينية بوضوح، مسألة التوسع في استغلال القوات العسكرية الصينية في حماية مصالح اقتصادية بالخارج».

التحركات الصينية تثير قلق الهند
في الفترة الأخيرة، شكلت التحركات الصينية لتوسيع رقعة نفوذها داخل جنوب آسيا والمحيط الهندي، تحدياً مباشراً للمصالح الاستراتيجية للهند. المعروف أن دول جنوب آسيا تتميز بأهمية محورية لمبادرة «طريق الحرير الجديد» الصينية؛ نظراً لأنها توفر سبيلاً للوصول إلى منطقة المحيط الهندي. وفي هذا الإطار، اتبعت بكين دبلوماسية قوية على مدار السنوات الخمس الماضية للتعاون مع جيرانها بجنوب آسيا، ومحاولة دفع «أصدقائها» إلى مواقع السلطة داخل هذه البلاد. وأثارت المبادرة مخاوف هندية كبيرة، ذلك أن استثمارات بكين في بناء طرق وسكك حديدية وموانئ في نيبال، وبناء جسور ومطارات في باكستان وسريلانكا والمالديف، من الممكن استخدامها لأغراض عسكرية واستراتيجية.
ويقول المعلق الهندي مانوي ميشرا: «واجه النفوذ الهندي في جنوب آسيا تحدياً من جانب الصين في الفترة الأخيرة، وذلك مع إغراء الأخيرة الدول المجاورة للهند بأموالها. أما اليوم، فنجد أن ثمة تنامياً لمشاعر العداء تجاه الصين داخل هذه الدول، مع إدراكها لحقيقة الأخطار وراء السقوط في فخ الديون. والآن، عادت الهند إلى الصورة من جديد».
الملاحظ أنه خلال الشهور القليلة الأخيرة، قامت دول مثل ميانمار والمالديف وبنغلاديش ونيبال، إما بإلغاء وإما بتجميد عدة مشروعات لديها، على صلة بمشروع ربط هائل على مستوى القارة.

المكاسب الهندية
بدت التطورات السياسية الأخيرة داخل منطقة الجوار الهندي، تحديداً المالديف وبوتان، إيجابية بالنسبة لنيودلهي. وجاءت الهزيمة الأخيرة التي منيت بها الحكومة الموالية لبكين داخل المالديف، لتضيف إلى قائمة الدول التي تنامى داخلها الخطاب المعادي للصين على مستوى جنوب آسيا.
وفي وقت سابق، رأى خبراء هنود أن ثمة نصراً دبلوماسياً كبيراً لبلادهم في مواجهة الصين تحقق داخل المالديف، عندما أطيح بالرئيس يامين من السلطة، في إطار ما اعتبرته الصين تحركات تقودها الهند. يذكر أنه على مدار حكمه الذي استمر خمسة أعوام، كدس يامين الديون على بلاده لحساب الصين بقيمة بلغت 1.3 مليار دولار، أو ربع إجمالي الناتج الداخلي لبلاده، وذلك في صورة 17 مشروعاً تتولى بكين تمويلها. ونظراً للمكانة الحيوية التي تحتلها المالديف في استراتيجية الهند تجاه منطقة المحيط الهندي، فإن ميل المالديف تجاه الصين شكل انتكاسة كبرى للأمن البحري الهندي. وأعلنت صحيفة «ذي نيو إنديان إكسبريس» أن: «فوز محمد صالح في انتخابات المالديف، يعتبر انتصاراً في وجه دبلوماسية فخ الديون الصينية. ويدرس صالح تجميد كثير من المشروعات التي تمولها الصين داخل المالديف، في الوقت الذي تخضع مشروعات أخرى لدراسة دقيقة».
وبالمثل، جرت مراقبة الانتخابات التي أجريت في الفترة الأخيرة داخل بوتان عن قرب داخل الهند. وحتى اليوم، لا تزال بوتان تقاوم محاولات الصين التودد إليها، وتؤكد أن علاقات الصداقة التي تربطها بالهند لا تقبل التفاوض.
جدير بالذكر هنا أن حالة الاستنفار التي استمرت طيلة 72 يوماً بين قوات هندية في مواجهة قوات صينية في منطقة دوكلام، الصيف الماضي، عززت أهمية بوتان كمنطقة عازلة بين الجارتين الكبيرتين.
وتبعاً لما أكده «مركز التنمية العالمية»، ومقره واشنطن، وهو منظمة بحثية غير هادفة للربح، فإن الدول المشاركة في مبادرة «طريق الحرير الجديد» التي ستعجز عن الوفاء بديونها لبكين، سينتهي بها الحال تحت رحمة الأخيرة. وحذر المركز من أن ثماني دول على وجه التحديد تتحمل اليوم ديوناً فوق المستوى المتوسط، وتبدو عرضة للخطر: جيبوتي، وقرغيزستان، ولاوس، والمالديف، ومنغوليا، ومونتينغرو، وباكستان، وطاجيكستان.
تجدر الإشارة إلى أن رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، من المقرر أن يزور نيبال (الثالثة هذا العام) وكذلك بوتان والمالديف (الأولى له منذ أن تولى رئاسة الوزراء) في وقت لاحق من العام، قبل شهور من سعيه للفوز بإعادة انتخابه.

عدة دول تلغي صفقات مع الصين
على الجانب الآخر، منيت حلقة وصل جوهرية في «طريق الحرير الجديد» بانتكاسة، عندما جمدت حكومة بنغلاديش خططاً لبناء الصين ميناء في منطقة سوناديا بها، في الوقت الذي منحت تعاقداً بقيمة 1.6 مليار دولار خاص بمشروع طاقة للهند. والواضح أن عوامل جيوسياسية لعبت دوراً في الأمر، ذلك أن الهند واليابان والولايات المتحدة تشعر بقلق إزاء الوجود الصيني المتزايد في منطقة المحيط الهندي، وثمة أقاويل حول ممارسة الدول الثلاث ضغوطاً على حكومة بنغلاديش لإلغاء مشروع سوناديا. اللافت أن بنغلاديش تسمح للهند باستخدام ميناءي شيتاغونغ ومونغلا في نقل شحنات إلى ولاياتها الواقعة شمال شرقي البلاد.
وتتركز الأنظار اليوم على بنغلاديش، في إطار مساعي رئيسة الوزراء الشيخة حسينة للفوز بإعادة انتخابها. ويرى محللون أن النفوذ الهندي داخل بنغلاديش ربما يكون مرتفعاً في الوقت الحاضر؛ لكن هذا الوضع قد يتبدل حال خسارة «اتحاد أوامي» الانتخابات.
من ناحيتها، حرصت سريلانكا على إعادة بعض التوازن لسياساتها الخارجية، وأكدت للهند أن العمليات الحساسة داخل الموانئ، بما في ذلك الإدارة الأمنية، ستضطلع بها شركة سريلانكية، وأن ميناء هامبانتوتا الذي استأجرته الصين لن يستخدم في أغراض عسكرية. كما رفضت طلبات متكررة لاحقاً من الجيش الصيني لدخول ميناء كولومبو. وقد تركت رسالة نيودلهي أصداءً بمختلف أرجاء المنطقة، دفعت حكومات أخرى بها لتقديم تأكيدات غير معلنة للهند، بأن الاستثمارات الصينية لن تكتسب طابعاً عسكرياً.
وبالمثل، تأمل ميانمار في الفوز بمشروعات البنية التحتية المطلوبة، دون الحاجة للوقوع في فخ دبلوماسية الديون الصينية، ما دفعها لاستخدام التهديد بالإلغاء في مفاوضاتها لتقليص تكلفة إنشاء ميناء كيوكبيو من 7.3 مليار دولار إلى 1.3 مليار دولار. وقد صدم العالم عندما أشاحت واحدة من أفقر دول العالم، سيراليون، بوجهها عن قطعة من الكعكة الصينية، وذلك عندما ألغى الرئيس يوليوس مادو بيو اتفاقاً بقرض وقعه سلفه مع الصين لبناء ميناء دولي جديد بتكلفة 400 مليون دولار.



في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.


الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، إلى إعطاء «فرصة للسلام» في الشرق الأوسط، وحضّ الأطراف المتحاربة على الهدوء، في اليوم السابع من الحرب الإسرائيلية - الأميركية مع إيران.

وقال فولكر تورك للصحافيين، إن «على العالم اتخاذ خطوات عاجلة لاحتواء هذا الحريق وإخماده، لكننا لا نشهد سوى المزيد من الخطاب التحريضي والعدائي، والمزيد من القصف، والمزيد من الدمار والقتل والتصعيد».

وأضاف: «أدعو الدول المعنية إلى التحرك فوراً لخفض التصعيد، وإعطاء فرصة للسلام، وأحثّ بقية الدول على مطالبة الأطراف المتحاربة بوضوح بالتراجع. ولا بد من التزام ضبط النفس لتجنب المزيد من الرعب والدمار الذي يطال المدنيين».

في سياق متصل، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ​إن إنذارات الإخلاء واسعة النطاق التي أصدرها الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي.

وأضاف فولكر تورك: «أوامر الإخلاء الشاملة هذه تتعلق بمئات الآلاف من الأشخاص». وتابع قائلاً: «هذا الأمر يثير مخاوف شديدة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا ‌النقل القسري».

وشنت إسرائيل ‌ضربات جوية مكثفة ​على ‌الضاحية ⁠الجنوبية لبيروت خلال ​الليل، ⁠بعد أن أصدرت إنذارات إخلاء للسكان، كما أصدرت جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران إنذارات للإسرائيليين بإخلاء بلدات وقرى على جبهة المواجهة.

وقال متحدث عسكري إسرائيلي، الخميس، لسكان الضاحية الجنوبية إن عليهم الانتقال إلى الشرق ⁠والشمال، ونشر خريطة تظهر أربعة أحياء كبرى ‌من العاصمة عليهم ‌مغادرتها بما شمل مناطق ​محاذية لمطار بيروت.

وانجر ‌لبنان للحرب في الشرق الأوسط، الاثنين، ‌عندما فتح «حزب الله» النار وردت إسرائيل بتنفيذ هجمات، مع تركيز الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب وشرق لبنان.

وقال تورك في جنيف بعد ‌التراشق المتبادل للصواريخ بين الجانبين: «لبنان أصبح منطقة توتر رئيسية. أشعر بقلق ⁠عميق ⁠ومخاوف من التطورات الأحدث».

وحذّر «حزب الله» في رسالة نشرها باللغة العبرية على قناته على «تلغرام»، الجمعة، الإسرائيليين في نطاق خمسة كيلومترات من الحدود بأن عليهم المغادرة.

وخلال حرب 2024 بين الجانبين، أجلت إسرائيل عشرات الآلاف من بلدات في المنطقة الحدودية، لكن عاد الكثيرون منذ ذلك الحين. ونفى مسؤولون إسرائيليون من قبل وجود خطط لإجلائهم مجدداً حالياً.