الصراع الصيني ـ الهندي على النفوذ في جنوب آسيا

كثير منها ألغى عقود بنى تحتية بعشرات المليارات من الدولارات لئلا تصبح أسيرة ديونها

شاحنات على مدخل مركز للحاويات في مدينة شيان التي تنطلق منها قطارات مبادرة «الحزام والطريق» الصينية (إ.ب.أ)
شاحنات على مدخل مركز للحاويات في مدينة شيان التي تنطلق منها قطارات مبادرة «الحزام والطريق» الصينية (إ.ب.أ)
TT

الصراع الصيني ـ الهندي على النفوذ في جنوب آسيا

شاحنات على مدخل مركز للحاويات في مدينة شيان التي تنطلق منها قطارات مبادرة «الحزام والطريق» الصينية (إ.ب.أ)
شاحنات على مدخل مركز للحاويات في مدينة شيان التي تنطلق منها قطارات مبادرة «الحزام والطريق» الصينية (إ.ب.أ)

منذ خمس سنوات، أطلقت الصين مبادرة «طريق الحرير الجديد» التي عكست طموحاً هائلاً للقيادة الصينية، التي سعت لتنفيذ مشروعات في 60 دولة بمختلف أرجاء العالم، للفوز بموطئ قدم سياسي واقتصادي في مواقع استراتيجية في العالم. ومن الممكن أن تصل تكلفة المبادرة إلى 8 تريليونات دولار على امتداد الأعوام الـ40 القادمة؛ إلا أنها ستعود بفوائد كبرى على الاقتصاد الصيني وستترك أثراً عالمياً واسع النطاق.
ومع ذلك، يبدو أن عدداً متزايداً من الدول في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، بدأت تستفيق أخيراً للأخطار التي تنطوي عليها القروض الصينية المتاحة بسهولة لمشروعات البنية التحتية لدى هذه الدول، وذلك لإدراكها أنها ربما تسقط فريسة لدبلوماسية فخ القروض التي تمارسها بكين، وتفقد أصولاً استراتيجية لديها مقابل هذه القروض.
ولهذا فقد ألغت سريلانكا مؤخراً قراراً سابقاً لها بمنح الصين عقداً لمشروع سكني بقيمة 300 مليون دولار، ومنحته بدلاً من ذلك إلى شركة هندية. وفي الوقت ذاته، أعلن رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد أنه لن يمضي قدماً في ثلاثة مشروعات كبرى مع الصين، بتكلفة تقارب 20 مليار دولار كان قد أقرها سلفه، وحذر من أن الصين تمارس «نمطاً جديداً من الاستعمار».

الديون وسيلة نفوذ
اللافت أنه خلال الأسابيع الأخيرة، ألغيت مشروعات على صلة بالصين بقيمة تتجاوز 30 مليار دولار، في الوقت الذي تجري مراجعة قروض واستثمارات أخرى مرتبطة بها.
يذكر أن الضحية الأولى والأبرز للاستثمارات الصينية المستمرة في البنية التحتية كانت سريلانكا التي عجزت عن الوفاء بتسديد فوائد الديون التي حصلت عليها من «إكسيم بانك» الصيني، والتي تجاوزت مليار دولار من أجل تشييد ميناء. ووجدت سريلانكا نفسها مضطرة لتأجير الميناء الذي يتميز بأهمية عسكرية كبيرة لمدة 99 عاماً لشركة مملوكة للدولة الصينية لإدارة الموانئ. وانطلقت صفارات الإنذار وسادت حالة من القلق العارم نيودلهي، عندما دخلت غواصات تتبع الجيش الصيني ميناء كولومبو في سريلانكا دون سابق إخطار.
في هذا الصدد، أوضح الدبلوماسي الهندي السابق «جي. باراتهاسارتهي»، أن: «ما يثير قلق الدول الأخرى أن الصين سوف تعمد إلى استغلال عجز الدول المضيفة عن سداد ديونها، كذريعة لكسب سيطرة أكبر على مواقع استراتيجية واقتصادية كبرى».
وأضاف: «القلق لا يقتصر على العبء الاقتصادي الذي تفرضه القروض الصينية على الدول الشريكة، وإنما كذلك الوجود العسكري الصيني. ثمة قلق متنام من أن يصاحب تنفيذ مشروعات مبادرة (طريق الحرير الجديد) زيادة في الوجود العسكري الصيني لدعم وحماية الاستثمارات الاقتصادية لبكين. وقد تناول تقريران صدرا في الفترة الأخيرة عن وزارة الدفاع الصينية بوضوح، مسألة التوسع في استغلال القوات العسكرية الصينية في حماية مصالح اقتصادية بالخارج».

التحركات الصينية تثير قلق الهند
في الفترة الأخيرة، شكلت التحركات الصينية لتوسيع رقعة نفوذها داخل جنوب آسيا والمحيط الهندي، تحدياً مباشراً للمصالح الاستراتيجية للهند. المعروف أن دول جنوب آسيا تتميز بأهمية محورية لمبادرة «طريق الحرير الجديد» الصينية؛ نظراً لأنها توفر سبيلاً للوصول إلى منطقة المحيط الهندي. وفي هذا الإطار، اتبعت بكين دبلوماسية قوية على مدار السنوات الخمس الماضية للتعاون مع جيرانها بجنوب آسيا، ومحاولة دفع «أصدقائها» إلى مواقع السلطة داخل هذه البلاد. وأثارت المبادرة مخاوف هندية كبيرة، ذلك أن استثمارات بكين في بناء طرق وسكك حديدية وموانئ في نيبال، وبناء جسور ومطارات في باكستان وسريلانكا والمالديف، من الممكن استخدامها لأغراض عسكرية واستراتيجية.
ويقول المعلق الهندي مانوي ميشرا: «واجه النفوذ الهندي في جنوب آسيا تحدياً من جانب الصين في الفترة الأخيرة، وذلك مع إغراء الأخيرة الدول المجاورة للهند بأموالها. أما اليوم، فنجد أن ثمة تنامياً لمشاعر العداء تجاه الصين داخل هذه الدول، مع إدراكها لحقيقة الأخطار وراء السقوط في فخ الديون. والآن، عادت الهند إلى الصورة من جديد».
الملاحظ أنه خلال الشهور القليلة الأخيرة، قامت دول مثل ميانمار والمالديف وبنغلاديش ونيبال، إما بإلغاء وإما بتجميد عدة مشروعات لديها، على صلة بمشروع ربط هائل على مستوى القارة.

المكاسب الهندية
بدت التطورات السياسية الأخيرة داخل منطقة الجوار الهندي، تحديداً المالديف وبوتان، إيجابية بالنسبة لنيودلهي. وجاءت الهزيمة الأخيرة التي منيت بها الحكومة الموالية لبكين داخل المالديف، لتضيف إلى قائمة الدول التي تنامى داخلها الخطاب المعادي للصين على مستوى جنوب آسيا.
وفي وقت سابق، رأى خبراء هنود أن ثمة نصراً دبلوماسياً كبيراً لبلادهم في مواجهة الصين تحقق داخل المالديف، عندما أطيح بالرئيس يامين من السلطة، في إطار ما اعتبرته الصين تحركات تقودها الهند. يذكر أنه على مدار حكمه الذي استمر خمسة أعوام، كدس يامين الديون على بلاده لحساب الصين بقيمة بلغت 1.3 مليار دولار، أو ربع إجمالي الناتج الداخلي لبلاده، وذلك في صورة 17 مشروعاً تتولى بكين تمويلها. ونظراً للمكانة الحيوية التي تحتلها المالديف في استراتيجية الهند تجاه منطقة المحيط الهندي، فإن ميل المالديف تجاه الصين شكل انتكاسة كبرى للأمن البحري الهندي. وأعلنت صحيفة «ذي نيو إنديان إكسبريس» أن: «فوز محمد صالح في انتخابات المالديف، يعتبر انتصاراً في وجه دبلوماسية فخ الديون الصينية. ويدرس صالح تجميد كثير من المشروعات التي تمولها الصين داخل المالديف، في الوقت الذي تخضع مشروعات أخرى لدراسة دقيقة».
وبالمثل، جرت مراقبة الانتخابات التي أجريت في الفترة الأخيرة داخل بوتان عن قرب داخل الهند. وحتى اليوم، لا تزال بوتان تقاوم محاولات الصين التودد إليها، وتؤكد أن علاقات الصداقة التي تربطها بالهند لا تقبل التفاوض.
جدير بالذكر هنا أن حالة الاستنفار التي استمرت طيلة 72 يوماً بين قوات هندية في مواجهة قوات صينية في منطقة دوكلام، الصيف الماضي، عززت أهمية بوتان كمنطقة عازلة بين الجارتين الكبيرتين.
وتبعاً لما أكده «مركز التنمية العالمية»، ومقره واشنطن، وهو منظمة بحثية غير هادفة للربح، فإن الدول المشاركة في مبادرة «طريق الحرير الجديد» التي ستعجز عن الوفاء بديونها لبكين، سينتهي بها الحال تحت رحمة الأخيرة. وحذر المركز من أن ثماني دول على وجه التحديد تتحمل اليوم ديوناً فوق المستوى المتوسط، وتبدو عرضة للخطر: جيبوتي، وقرغيزستان، ولاوس، والمالديف، ومنغوليا، ومونتينغرو، وباكستان، وطاجيكستان.
تجدر الإشارة إلى أن رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، من المقرر أن يزور نيبال (الثالثة هذا العام) وكذلك بوتان والمالديف (الأولى له منذ أن تولى رئاسة الوزراء) في وقت لاحق من العام، قبل شهور من سعيه للفوز بإعادة انتخابه.

عدة دول تلغي صفقات مع الصين
على الجانب الآخر، منيت حلقة وصل جوهرية في «طريق الحرير الجديد» بانتكاسة، عندما جمدت حكومة بنغلاديش خططاً لبناء الصين ميناء في منطقة سوناديا بها، في الوقت الذي منحت تعاقداً بقيمة 1.6 مليار دولار خاص بمشروع طاقة للهند. والواضح أن عوامل جيوسياسية لعبت دوراً في الأمر، ذلك أن الهند واليابان والولايات المتحدة تشعر بقلق إزاء الوجود الصيني المتزايد في منطقة المحيط الهندي، وثمة أقاويل حول ممارسة الدول الثلاث ضغوطاً على حكومة بنغلاديش لإلغاء مشروع سوناديا. اللافت أن بنغلاديش تسمح للهند باستخدام ميناءي شيتاغونغ ومونغلا في نقل شحنات إلى ولاياتها الواقعة شمال شرقي البلاد.
وتتركز الأنظار اليوم على بنغلاديش، في إطار مساعي رئيسة الوزراء الشيخة حسينة للفوز بإعادة انتخابها. ويرى محللون أن النفوذ الهندي داخل بنغلاديش ربما يكون مرتفعاً في الوقت الحاضر؛ لكن هذا الوضع قد يتبدل حال خسارة «اتحاد أوامي» الانتخابات.
من ناحيتها، حرصت سريلانكا على إعادة بعض التوازن لسياساتها الخارجية، وأكدت للهند أن العمليات الحساسة داخل الموانئ، بما في ذلك الإدارة الأمنية، ستضطلع بها شركة سريلانكية، وأن ميناء هامبانتوتا الذي استأجرته الصين لن يستخدم في أغراض عسكرية. كما رفضت طلبات متكررة لاحقاً من الجيش الصيني لدخول ميناء كولومبو. وقد تركت رسالة نيودلهي أصداءً بمختلف أرجاء المنطقة، دفعت حكومات أخرى بها لتقديم تأكيدات غير معلنة للهند، بأن الاستثمارات الصينية لن تكتسب طابعاً عسكرياً.
وبالمثل، تأمل ميانمار في الفوز بمشروعات البنية التحتية المطلوبة، دون الحاجة للوقوع في فخ دبلوماسية الديون الصينية، ما دفعها لاستخدام التهديد بالإلغاء في مفاوضاتها لتقليص تكلفة إنشاء ميناء كيوكبيو من 7.3 مليار دولار إلى 1.3 مليار دولار. وقد صدم العالم عندما أشاحت واحدة من أفقر دول العالم، سيراليون، بوجهها عن قطعة من الكعكة الصينية، وذلك عندما ألغى الرئيس يوليوس مادو بيو اتفاقاً بقرض وقعه سلفه مع الصين لبناء ميناء دولي جديد بتكلفة 400 مليون دولار.



مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم، العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

وأضافت اللجنة، في تقريرها السنوي، أن 2025 كان العام الثاني على التوالي الذي يشهد عدداً قياسياً مرتفعاً من القتلى الصحافيين، والثاني على التوالي أيضاً الذي تتحمل فيه إسرائيل مسؤولية مقتل ثلثيهم. واللجنة منظمة مستقلة، مقرها نيويورك، توثق الهجمات على الصحافيين، حسبما أفادت به وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت اللجنة إن نيران إسرائيل أودت بحياة 86 صحافياً في 2025، معظمهم من الفلسطينيين في قطاع غزة. وأضافت أن 31 آخرين من العاملين قُتلوا في هجوم على مركز إعلامي لجماعة الحوثيين في اليمن، فيما مثل ثاني أكثر الهجمات إزهاقاً للأرواح التي سجّلتها اللجنة على الإطلاق.

وكانت إسرائيل أيضاً مسؤولة عن 81 في المائة من 47 حالة قتل صنّفتها لجنة حماية الصحافيين على أنها استهداف متعمّد أو «قتل». وأضافت اللجنة أن الرقم الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك، بسبب قيود الوصول التي جعلت التحقق صعباً في غزة.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب للتعليق. وسبق له القول إن قواته في غزة تستهدف المسلحين فقط، لكن العمل في مناطق القتال ينطوي على مخاطر كامنة. واعترفت إسرائيل باستهداف المركز الإعلامي باليمن، في سبتمبر (أيلول)، واصفة إياه في ذلك الوقت بأنه ذراع دعائية للحوثيين.


أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended