كريستوف كاستانير... علاقة ثقة وولاء مع ماكرون

كريستوف كاستانير... علاقة ثقة وولاء مع ماكرون
TT

كريستوف كاستانير... علاقة ثقة وولاء مع ماكرون

كريستوف كاستانير... علاقة ثقة وولاء مع ماكرون

إذا كانت ثمة حاجة للكلمة السرّية التي تفسر احتلال كريستوف كاستانير مقعد وزير الداخلية، في التعديل الوزاري الأخير الذي أجراه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الحكومة إدوار فيليب، فإنها موجودة في الجملة التالية التي قالها كاستانير في مقابلة صحافية مع مجلة «لو بوان» بتاريخ 29 سبتمبر (أيلول) 2017، عندما كان وزيراً لشؤون البرلمان، وناطقاً باسم الحكومة. إذ قال الوزير الجديد متحدثاً عن الرئيس ماكرون: «كل شيء في هذا الرجل مدهش وساحر: ذكاؤه، وحيويته، وقوته البدنية، ومساره (السياسي)».
كان باستطاعة كريستوف كاستانير، وزير الداخلية الفرنسي الجديد، أن يغدق كثيراً من الصفات على الرئيس إيمانويل ماكرون.
كان اللقاء الأول بين الرجلين عندما كان ماكرون مساعداً للرئيس السابق فرنسوا هولاند في قصر الإليزيه، وجاءه كاستانير - النائب الاشتراكي وقتها - ليطلب مساعدته من أجل إنقاذ مصنع كائن في دائرته الانتخابية في جبال الألب، بالجنوب الشرقي الفرنسي.
يومذاك خرج كاستانير من اللقاء منبهراً من اتساع معارف ماكرون، وتمكنه من ملفاته. ولذا، عندما أعلن الرئيس الحالي في العام 2016 إطلاق «حركته» السياسية التي سماها «إلى الأمام»، وأعقبها باستقالته من الحكومة تهيؤاً للمعركة الرئاسية، كان كاستانير من أوائل السياسيين الذين التحقوا به، وراهنوا على نجاح مشروعه السياسي الذي أراده تخطياً لليمين واليسار.
ولا شك في أن الذين ساروا وراء ماكرون في بداية الطريق كانوا بمعنى ما من «المغامرين». فالرجل لم يكن قد بلغ الأربعين من العمر، ولم يكن قد خاض أي معركة انتخابية، لا محلية ولا نيابية. ورغم ذلك، فإن كاستانير وعدداً ليس كبيراً من السياسيين، بينهم رئيس البرلمان الحالي ريشار فران، ووزير الداخلية المستقيل جيرار كولومب، التفوا حول ماكرون، وشكلوا «النواة الصلبة» لمشروعه الرئاسي.
من هنا، لم تكن تسمية كاستانير ناطقاً باسم «المرشح» ماكرون، إبان الحملة الرئاسية ربيع عام 2017 من قبيل المصادفة. ذلك أنه كان من القلائل المحيطين بـ«المرشح» ماكرون الذين يتمتعون بخبرة سياسية واسعة، وقد اكتسبها في صفوف الحزب الاشتراكي ناشطاً حزبياً، ثم من عمله في عدة وزارات قبل أن ينتخب عمدة لإحدى المدن المتوسطة الحجم، ثم نائباً. بيد أن كاستانير يتمتع بمزايا كثيرة، ربما أهمها اثنتان: تملكه لحجة قوية وقدرة على المقارعة، وهدوء طبيعي حتى في أقسى اللحظات حرجاً. ولكن الأهم من ذلك كله أن كاستانير حاز على ثقة ماكرون، وتحوّل إلى أحد بارونات «الماكرونية» المنتصرة التي أحدثت انقلاباً في الحياة السياسية الفرنسية؛ حيث إنها همشت أحزاباً عريقة، كالحزب الاشتراكي وحزب «الجمهوريون» اليميني الكلاسيكي. ثم إن «الماكرونية» شكلت حاجزاً منيعاً حال دون وصول مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان إلى الإليزيه، في السباق الرئاسي العام الماضي.

استقالة كولومب
في بداية الشهر المنتهي، استقال جيرار كولومب، وزير الداخلية، من منصبه، متذرعاً برغبته في العودة إلى مدينته ليون، ثاني المدن الفرنسية، وعزمه على الترشح مجدداً لاستعادة المنصب الذي شغله 12 سنة عمدة لها، ونائباً عن إحدى دوائرها.
استقالة الرجل الثاني، بروتوكولياً، في حكومة إدوار فيليب، شكلت ضربة سياسية قاسية لماكرون؛ لأن كولومب كان أحد الوزراء القلائل الذين يتمتعون بوزن سياسي، ولأنه - كما كاستانير - كان من أوائل الذين وقفوا بقوة إلى جانب ماكرون، ووفّروا له قاعدة شعبية ودعماً سياسياً. والأسوأ من ذلك أن استقالته، التي جاءت على خلفية خلاف سياسي ونظرة سلبية لما آلت إليه الرئاسة ولأسلوب الرئيس، فُرضت فرضاً على الأخير. وهي تشبه إلى حد بعيد استقالة وزير البيئة نيكولا هولو، الذي سبقه بأسابيع ثلاثة فقط.
هولو لم يخبر ماكرون سلفاً برغبته في الاستقالة؛ بل أعلنها في مقابلة صحافية صباحية. أما كولومب فقد جاء عليها في حديث لصحيفة «لو فيغارو». ورغم سعي ماكرون لثني كولومب عن ترك الحكومة، فإن الأخير أصر عليها؛ لا بل إنه وضع رئيس الجمهورية أمام الأمر الواقع. وفي الحالتين، اهتزّ وضع الرئيس سياسياً. فبعد الصيف الرديء الذي هيمنت عليه «فضيحة ألكسندر بنعالا» ومعها تراجعت شعبية الرئيس إلى الحضيض، وغياب النتائج المنتظرة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة الضرائب، وتواتر الاحتجاجات المطلبية، وبقاء البطالة عند مستويات مرتفعة (نحو 10 في المائة) جاءت الاستقالات المتلاحقة لتجعل الرئيس والحكومة في وضع بالغ الهشاشة؛ ما فتح الباب للمعارضة، يميناً ويساراً، لتستعيد عافيتها «على ظهر» الحكومة والرئاسة.
من هنا، كان من المهم جداً بالنسبة لماكرون، أن تكون عملية إعادة صياغة الحكومة فرصة لتوفير دفعة سياسية تخرجه من كبوته الراهنة. وبعكس ما درجت عليه العادات السياسية في فرنسا، فإن تأخير التعديل الحكومي أثار جملة من الانتقادات، ومن بينها تلك الآتية من صفوف المعارضة، التي اعتبرت أن سببها الأول هو «نضوب» الشخصيات القوية والموثوقة داخل الحزب الرئاسي «الجمهورية إلى الأمام» التي يستطيع الرئيس إيكال وزارة رئيسية لها.

أهمية وزارة الداخلية
ليست وزارة الداخلية في فرنسا كبقية الوزارات؛ ذلك أن شاغل المنصب يحتل وزارة سيادية لها الوزن الأهم على صعيد الحياة الداخلية. فهي من جهة، من بين الوزارات الأهم؛ لأن شاغلها صاحب «آذان طويلة»، باعتبار أن كل تقارير الاستخبارات تحط على مكتبه كل صباح، ولأنه يعمل بشكل وثيق مع رئيسي الجمهورية والحكومة، ولأن وزارته لصيقة جغرافياً بقصر الإليزيه الذي لا يفصلها عنه سوى شارع فوبور سانت هونوريه. ثم إن وزير الداخلية مسؤول عن أمن البلاد والمواطنين، وفرنسا تعتبر أن التهديد الإرهابي ما زال قوياً. وإضافة إلى ذلك كله، فإن وزير الداخلية مسؤول عن الانتخابات، وعن تقسيم الدوائر الانتخابية، والبلاد مقبلة على انتخابات أوروبية الربيع القادم، ثم بلدية في العام الذي يليه. وأخيراً، فإن وزير الداخلية هو أيضاً وزير شؤون العبادة، وبالتالي، فإنه يمثل الدولة في علاقتها بالأديان؛ خصوصاً بالديانة الإسلامية. وليس سراً أن ماكرون أجّل أكثر من مرة الكشف عن خططه لتمثيل مسلمي فرنسا، بعدما تبين أن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الذي رأى النور في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي - عندما كان وزيراً للداخلية - يتعين إعادة النظر في تركيبته ووظائفه.

مطلوب شخصية موثوقة
لكل هذه الأسباب، كان الرئيس ماكرون بحاجة إلى أن يجد الشخص المناسب الذي يثق به ثقة عمياء، تضمن له ألا يتحول لاحقاً إلى منافس له. فوزارة الداخلية، لما لها من أهمية، توفر لصاحبها منصة تمكنه من التطلع إلى مناصب أرفع. الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي استخدمها رافعة للوصول إلى رئاسة الجمهورية. ومانويل فالس، المرشح اليوم لترؤس بلدية مدينة برشلونة الإسبانية، احتل هذا المنصب في بداية عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند، ومنه انتقل إلى رئاسة الحكومة قبل أن يبدأ مناوراته لمنع هولاند من الترشح لولاية ثانية، وليطرح نفسه مرشحاً عن الاشتراكيين. إلا أن طموحات فالس وحساباته خابت بسبب أخطاء عهد هولاند واستفحال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى أخطائه الشخصية. وبطبيعة الحال، كان كاستانير «رجل المرحلة» الذي يبحث عنه الرئيس، والذي سبق أن أوكل له مهمات سياسية رئيسية.
في أول حكومة للعهد الجديد التي شكلها إدوار فيليب، أعطي كاستانير حقيبة وزير دولة لشؤون البرلمان، وهي مهمة بالغة الأهمية والحساسية؛ لأنها تشكل صلة الوصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. بيد أن ماكرون أضاف إليها مهمة لا تقل أهمية عن الأولى، وهي أن يكون ناطقاً باسم الحكومة. وهذه المهمة ليست في متناول أي وزير أو سياسي؛ لأنه يتوجب على صاحبها التمكن من كل الملفات التي يتحدث عنها، وأن ينجح في «شرح» سياسة الرئيس والحكومة، وتبيان انسجامها مع الوعود التي أطلقها المرشح الرئاسي. وهكذا، أصبح كاستانير صورة مألوفة بالنسبة للطبقة السياسية والإعلاميين والفرنسيين بشكل عام.

وجه مألوف للفرنسيين
كل يوم أربعاء، بعد اجتماع مجلس الوزراء في قصر الإليزيه، كان كاستانير يطل على الصحافيين ليشرح القرارات والمشروعات الحكومية، وليقارع المعارضة. كما أنه أصبح ضيفاً شبه دائم على شاشات التلفزة والوسائل الإعلامية. ويمكن القول إنه نجح في مهمته، والدليل على ذلك أن الوزير بنجامان غريفو - الذي خلفه في هذه المهمة - لم يصب النجاح الذي أصابه كاستانير.
كان الأخير سعيداً في مهماته؛ إلا أنه عندما احتاج الرئيس ماكرون رجلاً يمحضه كامل ثقته، ويضع بين يديه مصير الحزب الذي أسسه «الجمهورية إلى الأمام»، استدار نحو كاستانير. فالمهمة بالغة الأهمية؛ لأن الحركة السياسية «إلى الأمام» التي حملت ماكرون إلى قصر الإليزيه كانت بحاجة للتحول إلى حزب. غير أن هذا الحزب بقي هامشياً لأنه لا يملك الهياكل والأطر التنظيمية التي تجعل منه «ماكينة» سياسية، وخصوصاً الماكينة الحزبية السياسية المنظمة والمتجذرة في المناطق الفرنسية.
يضاف إلى ذلك أن ماكرون كان يريده - ولا يزال - درعاً سياسية، تقف بوجه المعارضة، وتوفر له الحماية السياسية، وتروج لإنجازاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن يكون عوناً للأكثرية التي يتمتع بها في البرلمان.
وفي نهاية المطاف، لم يعثر ماكرون على أفضل من كاستانير ليكلفه بهذه المهمة، رغم أن الأخير، وفق ما يؤكده عارفوه، ليس رجل أجهزة حزبية، ولم يكن لاهثاً أبداً وراء هذه المهمة. مع هذا قبل القيام بها؛ «لأن الرئيس طلب منه ذلك».
لكن العارفين ببواطن الأمور يؤكدون أن ما كان يطمح إليه ويحلم به كاستانير - المسمى «كاستا» - منذ فوز ماكرون بالرئاسة، هو الجلوس في مقعد وزير الداخلية، ليكون خليفة لجوزيف فوشيه، وزير الشرطة الشهير في عهد الإمبراطور نابليون بونابرت، الذي يقال عنه إنه كان يعرف كل صغيرة وكبيرة في الإمبراطورية.
هذه المرة، ومع شغور منصب وزير الداخلية، وفّر ماكرون لصديقه وحليفه الوفي الفرصة لكي يحقق حلمه، ويصبح جاره جغرافياً في وزارة الداخلية، رغم أنه لا يتمتع بأي خبرات في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب، كما أنه يفتقر لشبكات وعلاقات داخل أجهزة الشرطة.

أسماء أخرى طرحت
وخلال الأيام العشرة التي انتظرها ماكرون قبل الكشف عن تفاصيل تعديل الوزراء، وعن الأسماء التي خرجت وتلك التي دخلت إلى الوزارة، طرحت أسماء منافسين على رئيس الجمهورية، وسرب أن إدوار فيليب، رئيس الحكومة، كان يدفع بوزير الخزانة جيرار دارمانان - وهو قريب منه سياسياً - لتسلم الداخلية. كما أن أسماء أخرى جرى تداولها، ومن بينها فرنسوا مولينس، مدعي عام باريس المتخصص في شؤون الإرهاب، وفريدريك بيشنار، مدير جهاز الشرطة السابق، وهو مقرب من ساركوزي. بيد أن ماكرون فضل الثقة والولاء الكاملين على غيرهما من المؤهلات. إلا أنه في الوقت عينه، سمى إلى جانب كاستانير، لوران نونيز، وزير دولة لمساعدته في مهماته. وحتى الأمس، كان نونيز مديراً للمديرية العامة للأمن الداخلي (المخابرات الداخلية). ويفترض الآن بهذا الثنائي أن يعمل يداً بيد، وأن يتقاسم المسؤولية لمواجهة التحديات والمهمات الكبرى التي تترتب على الوزارة.
لكن هذا الثنائي لا يبدو أنه يرضي المعارضة. إذ سارع حزب «الجمهوريون» اليميني إلى اعتبار أن وجود كاستانير في منصبه الجديد «لا يجعل الفرنسيين مطمئنين لأمنهم، ولا للدفاع عن العلمانية، ولا للوقوف بوجه الطوائفية الإسلامية». ورداً على هذا، يقول فرنسوا باتريا، رئيس مجموعة «فرنسا إلى الأمام» في مجلس الشيوخ، وأحد المقربين من ماكرون، إن كاستانير «يتمتع بكثير من المؤهلات، كما أنه يحوز ثقة رئيس الجمهورية، والقدرة على فرض نفسه، إضافة إلى معرفته بالشؤون العسكرية».
حتماً، المهمة الموكولة للوزير الجديد ليست سهلة، ولا تتعلق فقط بمحاربة الإرهاب. ويبدو للفرنسيين اليوم أن أولى المهمات يجب أن تكون إعادة فرض هيبة الدولة في المناطق التي تخرج إلى حد ما عن سلطتها. فخلال الأيام الأخيرة، قتل ثلاثة فتيان في باريس وإحدى ضواحيها، في معارك شوارع بين عصابات متنافسة من الشبان. كذلك، فإن أعمال اللصوصية مع استخدام العنف إلى ازدياد. ثم إن المعضلة الأكبر تتناول كيفية التعاطي مع الهجرات غير الشرعية، وتوفير التعاون بين وزارات الداخلية الأوروبية من جهة، وبين الأجهزة المختلفة المولجة مهمات الأمن داخل فرنسا.
صحيح أن كاستانير حصل على ما تاق إليه؛ لكن السؤال اليوم يدور حول قدراته على أن يكون «رجل المرحلة». والجواب سيحمله الآتي من الأيام.

كاستانير... في سطور
- ولد في بلدة أوليول بجنوب شرقي فرنسا يوم 3 يناير (كانون الثاني) 1966، أي إنه اليوم في الثانية والخمسين من عمره.
- درس في جامعة إيكس - مرسيليا بجنوب فرنسا، وتخرج محامياً.
- انتسب للحزب الاشتراكي الفرنسي ونشط في صفوفه منذ شبابه وحتى العام 2016، وبعدها صار من قادة حركة «إلى الأمام» (التي أسسها الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون).
- تولى منصب عمدة بلدة فوركالكيه بجنوب شرق فرنسا بين 2001 و2017.
- دخل مجلس النواب (الجمعية الوطنية) نائباً عن الدائرة الثانية في محافظة الألب - عالي البروفانس بجنوب شرقي فرنسا عام 2017، وعيّن خلال السنة ناطقاً باسم الحكومة.
- تولى منصب وزير الشؤون البرلمانية بين مايو (أيار) 2017 وحتى تعيينه أخيراً وزيراً للداخلية.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.