كريستوف كاستانير... علاقة ثقة وولاء مع ماكرون

كريستوف كاستانير... علاقة ثقة وولاء مع ماكرون
TT

كريستوف كاستانير... علاقة ثقة وولاء مع ماكرون

كريستوف كاستانير... علاقة ثقة وولاء مع ماكرون

إذا كانت ثمة حاجة للكلمة السرّية التي تفسر احتلال كريستوف كاستانير مقعد وزير الداخلية، في التعديل الوزاري الأخير الذي أجراه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الحكومة إدوار فيليب، فإنها موجودة في الجملة التالية التي قالها كاستانير في مقابلة صحافية مع مجلة «لو بوان» بتاريخ 29 سبتمبر (أيلول) 2017، عندما كان وزيراً لشؤون البرلمان، وناطقاً باسم الحكومة. إذ قال الوزير الجديد متحدثاً عن الرئيس ماكرون: «كل شيء في هذا الرجل مدهش وساحر: ذكاؤه، وحيويته، وقوته البدنية، ومساره (السياسي)».
كان باستطاعة كريستوف كاستانير، وزير الداخلية الفرنسي الجديد، أن يغدق كثيراً من الصفات على الرئيس إيمانويل ماكرون.
كان اللقاء الأول بين الرجلين عندما كان ماكرون مساعداً للرئيس السابق فرنسوا هولاند في قصر الإليزيه، وجاءه كاستانير - النائب الاشتراكي وقتها - ليطلب مساعدته من أجل إنقاذ مصنع كائن في دائرته الانتخابية في جبال الألب، بالجنوب الشرقي الفرنسي.
يومذاك خرج كاستانير من اللقاء منبهراً من اتساع معارف ماكرون، وتمكنه من ملفاته. ولذا، عندما أعلن الرئيس الحالي في العام 2016 إطلاق «حركته» السياسية التي سماها «إلى الأمام»، وأعقبها باستقالته من الحكومة تهيؤاً للمعركة الرئاسية، كان كاستانير من أوائل السياسيين الذين التحقوا به، وراهنوا على نجاح مشروعه السياسي الذي أراده تخطياً لليمين واليسار.
ولا شك في أن الذين ساروا وراء ماكرون في بداية الطريق كانوا بمعنى ما من «المغامرين». فالرجل لم يكن قد بلغ الأربعين من العمر، ولم يكن قد خاض أي معركة انتخابية، لا محلية ولا نيابية. ورغم ذلك، فإن كاستانير وعدداً ليس كبيراً من السياسيين، بينهم رئيس البرلمان الحالي ريشار فران، ووزير الداخلية المستقيل جيرار كولومب، التفوا حول ماكرون، وشكلوا «النواة الصلبة» لمشروعه الرئاسي.
من هنا، لم تكن تسمية كاستانير ناطقاً باسم «المرشح» ماكرون، إبان الحملة الرئاسية ربيع عام 2017 من قبيل المصادفة. ذلك أنه كان من القلائل المحيطين بـ«المرشح» ماكرون الذين يتمتعون بخبرة سياسية واسعة، وقد اكتسبها في صفوف الحزب الاشتراكي ناشطاً حزبياً، ثم من عمله في عدة وزارات قبل أن ينتخب عمدة لإحدى المدن المتوسطة الحجم، ثم نائباً. بيد أن كاستانير يتمتع بمزايا كثيرة، ربما أهمها اثنتان: تملكه لحجة قوية وقدرة على المقارعة، وهدوء طبيعي حتى في أقسى اللحظات حرجاً. ولكن الأهم من ذلك كله أن كاستانير حاز على ثقة ماكرون، وتحوّل إلى أحد بارونات «الماكرونية» المنتصرة التي أحدثت انقلاباً في الحياة السياسية الفرنسية؛ حيث إنها همشت أحزاباً عريقة، كالحزب الاشتراكي وحزب «الجمهوريون» اليميني الكلاسيكي. ثم إن «الماكرونية» شكلت حاجزاً منيعاً حال دون وصول مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان إلى الإليزيه، في السباق الرئاسي العام الماضي.

استقالة كولومب
في بداية الشهر المنتهي، استقال جيرار كولومب، وزير الداخلية، من منصبه، متذرعاً برغبته في العودة إلى مدينته ليون، ثاني المدن الفرنسية، وعزمه على الترشح مجدداً لاستعادة المنصب الذي شغله 12 سنة عمدة لها، ونائباً عن إحدى دوائرها.
استقالة الرجل الثاني، بروتوكولياً، في حكومة إدوار فيليب، شكلت ضربة سياسية قاسية لماكرون؛ لأن كولومب كان أحد الوزراء القلائل الذين يتمتعون بوزن سياسي، ولأنه - كما كاستانير - كان من أوائل الذين وقفوا بقوة إلى جانب ماكرون، ووفّروا له قاعدة شعبية ودعماً سياسياً. والأسوأ من ذلك أن استقالته، التي جاءت على خلفية خلاف سياسي ونظرة سلبية لما آلت إليه الرئاسة ولأسلوب الرئيس، فُرضت فرضاً على الأخير. وهي تشبه إلى حد بعيد استقالة وزير البيئة نيكولا هولو، الذي سبقه بأسابيع ثلاثة فقط.
هولو لم يخبر ماكرون سلفاً برغبته في الاستقالة؛ بل أعلنها في مقابلة صحافية صباحية. أما كولومب فقد جاء عليها في حديث لصحيفة «لو فيغارو». ورغم سعي ماكرون لثني كولومب عن ترك الحكومة، فإن الأخير أصر عليها؛ لا بل إنه وضع رئيس الجمهورية أمام الأمر الواقع. وفي الحالتين، اهتزّ وضع الرئيس سياسياً. فبعد الصيف الرديء الذي هيمنت عليه «فضيحة ألكسندر بنعالا» ومعها تراجعت شعبية الرئيس إلى الحضيض، وغياب النتائج المنتظرة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة الضرائب، وتواتر الاحتجاجات المطلبية، وبقاء البطالة عند مستويات مرتفعة (نحو 10 في المائة) جاءت الاستقالات المتلاحقة لتجعل الرئيس والحكومة في وضع بالغ الهشاشة؛ ما فتح الباب للمعارضة، يميناً ويساراً، لتستعيد عافيتها «على ظهر» الحكومة والرئاسة.
من هنا، كان من المهم جداً بالنسبة لماكرون، أن تكون عملية إعادة صياغة الحكومة فرصة لتوفير دفعة سياسية تخرجه من كبوته الراهنة. وبعكس ما درجت عليه العادات السياسية في فرنسا، فإن تأخير التعديل الحكومي أثار جملة من الانتقادات، ومن بينها تلك الآتية من صفوف المعارضة، التي اعتبرت أن سببها الأول هو «نضوب» الشخصيات القوية والموثوقة داخل الحزب الرئاسي «الجمهورية إلى الأمام» التي يستطيع الرئيس إيكال وزارة رئيسية لها.

أهمية وزارة الداخلية
ليست وزارة الداخلية في فرنسا كبقية الوزارات؛ ذلك أن شاغل المنصب يحتل وزارة سيادية لها الوزن الأهم على صعيد الحياة الداخلية. فهي من جهة، من بين الوزارات الأهم؛ لأن شاغلها صاحب «آذان طويلة»، باعتبار أن كل تقارير الاستخبارات تحط على مكتبه كل صباح، ولأنه يعمل بشكل وثيق مع رئيسي الجمهورية والحكومة، ولأن وزارته لصيقة جغرافياً بقصر الإليزيه الذي لا يفصلها عنه سوى شارع فوبور سانت هونوريه. ثم إن وزير الداخلية مسؤول عن أمن البلاد والمواطنين، وفرنسا تعتبر أن التهديد الإرهابي ما زال قوياً. وإضافة إلى ذلك كله، فإن وزير الداخلية مسؤول عن الانتخابات، وعن تقسيم الدوائر الانتخابية، والبلاد مقبلة على انتخابات أوروبية الربيع القادم، ثم بلدية في العام الذي يليه. وأخيراً، فإن وزير الداخلية هو أيضاً وزير شؤون العبادة، وبالتالي، فإنه يمثل الدولة في علاقتها بالأديان؛ خصوصاً بالديانة الإسلامية. وليس سراً أن ماكرون أجّل أكثر من مرة الكشف عن خططه لتمثيل مسلمي فرنسا، بعدما تبين أن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الذي رأى النور في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي - عندما كان وزيراً للداخلية - يتعين إعادة النظر في تركيبته ووظائفه.

مطلوب شخصية موثوقة
لكل هذه الأسباب، كان الرئيس ماكرون بحاجة إلى أن يجد الشخص المناسب الذي يثق به ثقة عمياء، تضمن له ألا يتحول لاحقاً إلى منافس له. فوزارة الداخلية، لما لها من أهمية، توفر لصاحبها منصة تمكنه من التطلع إلى مناصب أرفع. الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي استخدمها رافعة للوصول إلى رئاسة الجمهورية. ومانويل فالس، المرشح اليوم لترؤس بلدية مدينة برشلونة الإسبانية، احتل هذا المنصب في بداية عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند، ومنه انتقل إلى رئاسة الحكومة قبل أن يبدأ مناوراته لمنع هولاند من الترشح لولاية ثانية، وليطرح نفسه مرشحاً عن الاشتراكيين. إلا أن طموحات فالس وحساباته خابت بسبب أخطاء عهد هولاند واستفحال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى أخطائه الشخصية. وبطبيعة الحال، كان كاستانير «رجل المرحلة» الذي يبحث عنه الرئيس، والذي سبق أن أوكل له مهمات سياسية رئيسية.
في أول حكومة للعهد الجديد التي شكلها إدوار فيليب، أعطي كاستانير حقيبة وزير دولة لشؤون البرلمان، وهي مهمة بالغة الأهمية والحساسية؛ لأنها تشكل صلة الوصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. بيد أن ماكرون أضاف إليها مهمة لا تقل أهمية عن الأولى، وهي أن يكون ناطقاً باسم الحكومة. وهذه المهمة ليست في متناول أي وزير أو سياسي؛ لأنه يتوجب على صاحبها التمكن من كل الملفات التي يتحدث عنها، وأن ينجح في «شرح» سياسة الرئيس والحكومة، وتبيان انسجامها مع الوعود التي أطلقها المرشح الرئاسي. وهكذا، أصبح كاستانير صورة مألوفة بالنسبة للطبقة السياسية والإعلاميين والفرنسيين بشكل عام.

وجه مألوف للفرنسيين
كل يوم أربعاء، بعد اجتماع مجلس الوزراء في قصر الإليزيه، كان كاستانير يطل على الصحافيين ليشرح القرارات والمشروعات الحكومية، وليقارع المعارضة. كما أنه أصبح ضيفاً شبه دائم على شاشات التلفزة والوسائل الإعلامية. ويمكن القول إنه نجح في مهمته، والدليل على ذلك أن الوزير بنجامان غريفو - الذي خلفه في هذه المهمة - لم يصب النجاح الذي أصابه كاستانير.
كان الأخير سعيداً في مهماته؛ إلا أنه عندما احتاج الرئيس ماكرون رجلاً يمحضه كامل ثقته، ويضع بين يديه مصير الحزب الذي أسسه «الجمهورية إلى الأمام»، استدار نحو كاستانير. فالمهمة بالغة الأهمية؛ لأن الحركة السياسية «إلى الأمام» التي حملت ماكرون إلى قصر الإليزيه كانت بحاجة للتحول إلى حزب. غير أن هذا الحزب بقي هامشياً لأنه لا يملك الهياكل والأطر التنظيمية التي تجعل منه «ماكينة» سياسية، وخصوصاً الماكينة الحزبية السياسية المنظمة والمتجذرة في المناطق الفرنسية.
يضاف إلى ذلك أن ماكرون كان يريده - ولا يزال - درعاً سياسية، تقف بوجه المعارضة، وتوفر له الحماية السياسية، وتروج لإنجازاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن يكون عوناً للأكثرية التي يتمتع بها في البرلمان.
وفي نهاية المطاف، لم يعثر ماكرون على أفضل من كاستانير ليكلفه بهذه المهمة، رغم أن الأخير، وفق ما يؤكده عارفوه، ليس رجل أجهزة حزبية، ولم يكن لاهثاً أبداً وراء هذه المهمة. مع هذا قبل القيام بها؛ «لأن الرئيس طلب منه ذلك».
لكن العارفين ببواطن الأمور يؤكدون أن ما كان يطمح إليه ويحلم به كاستانير - المسمى «كاستا» - منذ فوز ماكرون بالرئاسة، هو الجلوس في مقعد وزير الداخلية، ليكون خليفة لجوزيف فوشيه، وزير الشرطة الشهير في عهد الإمبراطور نابليون بونابرت، الذي يقال عنه إنه كان يعرف كل صغيرة وكبيرة في الإمبراطورية.
هذه المرة، ومع شغور منصب وزير الداخلية، وفّر ماكرون لصديقه وحليفه الوفي الفرصة لكي يحقق حلمه، ويصبح جاره جغرافياً في وزارة الداخلية، رغم أنه لا يتمتع بأي خبرات في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب، كما أنه يفتقر لشبكات وعلاقات داخل أجهزة الشرطة.

أسماء أخرى طرحت
وخلال الأيام العشرة التي انتظرها ماكرون قبل الكشف عن تفاصيل تعديل الوزراء، وعن الأسماء التي خرجت وتلك التي دخلت إلى الوزارة، طرحت أسماء منافسين على رئيس الجمهورية، وسرب أن إدوار فيليب، رئيس الحكومة، كان يدفع بوزير الخزانة جيرار دارمانان - وهو قريب منه سياسياً - لتسلم الداخلية. كما أن أسماء أخرى جرى تداولها، ومن بينها فرنسوا مولينس، مدعي عام باريس المتخصص في شؤون الإرهاب، وفريدريك بيشنار، مدير جهاز الشرطة السابق، وهو مقرب من ساركوزي. بيد أن ماكرون فضل الثقة والولاء الكاملين على غيرهما من المؤهلات. إلا أنه في الوقت عينه، سمى إلى جانب كاستانير، لوران نونيز، وزير دولة لمساعدته في مهماته. وحتى الأمس، كان نونيز مديراً للمديرية العامة للأمن الداخلي (المخابرات الداخلية). ويفترض الآن بهذا الثنائي أن يعمل يداً بيد، وأن يتقاسم المسؤولية لمواجهة التحديات والمهمات الكبرى التي تترتب على الوزارة.
لكن هذا الثنائي لا يبدو أنه يرضي المعارضة. إذ سارع حزب «الجمهوريون» اليميني إلى اعتبار أن وجود كاستانير في منصبه الجديد «لا يجعل الفرنسيين مطمئنين لأمنهم، ولا للدفاع عن العلمانية، ولا للوقوف بوجه الطوائفية الإسلامية». ورداً على هذا، يقول فرنسوا باتريا، رئيس مجموعة «فرنسا إلى الأمام» في مجلس الشيوخ، وأحد المقربين من ماكرون، إن كاستانير «يتمتع بكثير من المؤهلات، كما أنه يحوز ثقة رئيس الجمهورية، والقدرة على فرض نفسه، إضافة إلى معرفته بالشؤون العسكرية».
حتماً، المهمة الموكولة للوزير الجديد ليست سهلة، ولا تتعلق فقط بمحاربة الإرهاب. ويبدو للفرنسيين اليوم أن أولى المهمات يجب أن تكون إعادة فرض هيبة الدولة في المناطق التي تخرج إلى حد ما عن سلطتها. فخلال الأيام الأخيرة، قتل ثلاثة فتيان في باريس وإحدى ضواحيها، في معارك شوارع بين عصابات متنافسة من الشبان. كذلك، فإن أعمال اللصوصية مع استخدام العنف إلى ازدياد. ثم إن المعضلة الأكبر تتناول كيفية التعاطي مع الهجرات غير الشرعية، وتوفير التعاون بين وزارات الداخلية الأوروبية من جهة، وبين الأجهزة المختلفة المولجة مهمات الأمن داخل فرنسا.
صحيح أن كاستانير حصل على ما تاق إليه؛ لكن السؤال اليوم يدور حول قدراته على أن يكون «رجل المرحلة». والجواب سيحمله الآتي من الأيام.

كاستانير... في سطور
- ولد في بلدة أوليول بجنوب شرقي فرنسا يوم 3 يناير (كانون الثاني) 1966، أي إنه اليوم في الثانية والخمسين من عمره.
- درس في جامعة إيكس - مرسيليا بجنوب فرنسا، وتخرج محامياً.
- انتسب للحزب الاشتراكي الفرنسي ونشط في صفوفه منذ شبابه وحتى العام 2016، وبعدها صار من قادة حركة «إلى الأمام» (التي أسسها الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون).
- تولى منصب عمدة بلدة فوركالكيه بجنوب شرق فرنسا بين 2001 و2017.
- دخل مجلس النواب (الجمعية الوطنية) نائباً عن الدائرة الثانية في محافظة الألب - عالي البروفانس بجنوب شرقي فرنسا عام 2017، وعيّن خلال السنة ناطقاً باسم الحكومة.
- تولى منصب وزير الشؤون البرلمانية بين مايو (أيار) 2017 وحتى تعيينه أخيراً وزيراً للداخلية.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».