معارك الربع الساعة الأخيرة في تونس

الصراع على السلطة مستفحل... والأزمة الليبية تلقي بظلالها على الوضع

معارك الربع الساعة الأخيرة في تونس
TT

معارك الربع الساعة الأخيرة في تونس

معارك الربع الساعة الأخيرة في تونس

بينما تبشر قيادات في قصري رئاسة الجمهورية والحكومة التونسيين، وكذلك في مقرات كبرى الأحزاب السياسية، بانفراج شامل للأزمة السياسية والاقتصادية الاجتماعية الأخطر في تاريخ تونس منذ عشرات السنين، برزت مؤشرات تصعيد جديد في الصراع على السلطة.
هذه المؤشرات برزت عشية المصادقة على ميزانية 2019، والإعلان عن تعديل الحكومة، تحضيراً للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة الخريف المقبل، إذ انطلقت زعامات سياسية ونقابية في التحضير لبناء شراكات استراتيجية جديدة تمتد لسنوات، تشمل «خصوم الأمس» المحسوبين على مختلف قوى اليسار واليمين من جهة، وعلى التيارين العلماني والإسلامي من جهة ثانية. فهل تخرج تونس من عنق الزجاجة بسلام مجدداً؟ وهل ينتصر دعاة التوافق والشراكة... أم أنصار القطيعة والصدام... ما يدفع البلاد في صراعات ربع الساعة الأخير، من أجل التحكّم في مؤسسات الدولة والبلاد في السنوات المقبلة؟
رغم اضطراب الأوضاع في كل دول ما بات يُعرف بـ«الربيع العربي» وغموض مستقبلها، خاصة في ليبيا، الجارة الجنوبية الغنية لتونس، لا يزال الرهان كبيراً في تونس على إنجاح ما سُمي «الاستثناء الديمقراطي التونسي»، ومن ثم، على حسم الصراعات على السلطة سياسياً، حسب الأزهر العكرمي، المحامي والوزير السابق في حكومة الحبيب الصيد، الذي أصبح مناصراً لرئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد ومشروعه السياسي.

التضخم... والمديونية
لكن التحدي الحقيقي، حسب تقديرات الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، هو في «مسألة إلى أي حد يمكن أن تصمد إرادة أنصار هذا الخيار في وقت استفحلت فيه الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعواصف السياسية، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في نسب التضخم والأسعار والمديونية وعجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات، مع تراجع الثقة في العملة الوطنية وفي فوائد الاستثمار والادخار».
وحقاً، استفحلت صعوبات الاقتصاد والأوضاع الاجتماعية بسبب تداعيات الأزمة الليبية، وتراجع مداخيل المبادلات معها، وتراكم ديون المؤسسات التونسية، بما فيها الفنادق السياحية والمصحات ومؤسسات التصدير، مع الجانب الليبي.
ولئن كانت القيمة الرسمية للمبادلات التونسية الليبية تحوم حول مليار دولار سنوياً، فإن قيمتها الحقيقية كانت تناهز الـ10 مليارات دولار قبل «الربيع العربي»، ثم قبل اندلاع حرب مطار طرابلس والبوابات الحدودية في صيف 2014.
كذلك، كانت السوق الليبية تساهم في توفير وظائف مباشرة وغير مباشرة لنحو مليون تونسي، كما بينت دراسات أعدها مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية، حسب مديره العام عالم الاجتماع، المنصف وناس.

مستقبل الإسلام السياسي
من جانب آخر، في ظل ازدياد الضغوط عربياً وإقليمياً ودولياً من أجل إبعاد ممثلي الجماعات الإسلامية المتشددة عن الحكم ومراكز النفوذ، فإن من بين التحديات الجديدة - القديمة التي تواجه صناع السياسة في الدول المغاربية، وخصوصاً في تونس وليبيا والجزائر، ملف ما يسمى مستقبل زعماء الإسلام السياسي.
وراهناً، ثمة علامات استفهام حول فرص حزب أنصار «حركة النهضة» التونسي، في الحفاظ على مواقعهم، وإقناع خصومهم في الداخل والخارج بقطيعتهم مع المرجعيات الفكرية والسياسية للجماعات الإخوانية والسلفية المتشددة... أم يحصل العكس، كما يتوقع الجامعي علية العلاني.
ثم هناك من يتساءل عما إذا كان إعلان الرئيس التونسي قائد السبسي وأنصاره القطيعة مع قيادة «النهضة»، ثم انتقادات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال قمة الفرنكفونية بحضوره، مَن وصفهم بـ«الظلاميين»، مؤشراً لمنعرج أمني سياسي جديد في تونس، يكون قادة «النهضة» وحلفاؤهم أبرز ضحاياه؟
«كل السيناريوهات واردة» في نظر الهاشمي نويرة، رئيس تحرير جريدة «الصحافة» الموالية للرئيس التونسي، والمعارضة بقوة لما تصفه بـ«التغوّل السياسي» لـ«حركة النهضة» في عهد حكومة الشاهد.

خطوة إلى الأمام
هذا، ولقد كان من بين أبرز نتائج فتور علاقات رئيسي الجمهورية والحكومة من جهة، ورئاسة الجمهورية وقيادة «حركة النهضة» من جهة ثانية، خلط الأوراق وتشكيل تحالفات جديدة، وفتح باب المشاورات تحضيراً لما سماه محسن مرزوق، الوزير السابق وزعيم «حزب المشروع» اليساري الوسطي: «شراكة استراتيجية» مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، والأطراف السياسية المتحالفة معه حالياً في البرلمان. والقصد هنا الكتلة المعروف بـ«الائتلاف الوطني»، بزعامة النقابي مصطفى بن أحمد، والطبيب الصحبي بن فرج، والناشطة النسائية ليلى الشتالي... الذين كانوا جميعاً من أكبر معارضي حزب «حركة النهضة» عندما كان في الحكم عامي 2012 و2013.
تشكل هذه الكتلة نواة ائتلاف برلماني سياسي حزبي جديد، يضم عشرات المنشقين عن حزب الرئيس ونواب حزبي «مشروع تونس» وكتلة «حركة النهضة» بنوابها الـ68. ولا يستبعد المحلل السياسي والإعلامي منذر بالضيافي أن تتوسع هذه النواة إلى كيان سياسي أوسع. ومن جهته، ذهب محسن مرزوق، زعيم حزب «المشروع» وعبد الكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى «النهضة» إلى حد الحديث عن كون الأمر يتعلق بآلية تهدف إلى تحقيق شراكة واسعة مفتوحة على «كل الأطراف السياسية الوطنية».

التمديد ليوسف الشاهد
مؤقتاً، تهدف هذه الشراكة إلى دعم التمديد ليوسف الشاهد على رأس الحكومة، رغم مطالبات رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، وزعماء حزب «نداء تونس»، وأمين عام اتحاد نقابات العمال، نور الدين الطبوبي، وقيادات اتحاد النقابات، بإقالته وتغيير غالبية فريقه. وكذلك تهدف إلى تشكيل اتفاق سياسي واسع يمكن أن يؤدي إلى خوض الانتخابات المقبلة ضمن ائتلاف سياسي جديد، يتفق زعماؤه الآن على طريقة تقاسم المواقع المهمة في الدولة بعدها، مثلاً عبر إسناد رئاسة الجمهورية إلى يوسف الشاهد، ورئاسة البرلمان إلى زعيم «حركة النهضة» راشد الغنوشي، أو أحد نوابه، ورئاسة الحكومة وبقية وزارات السيادة لزعماء الأحزاب المشاركة في الائتلاف، وبينهم محسن مرزوق.
لكن ماذا لو فاجأ الرئيس الباجي قائد السبسي الجميع بإعلان الترشح في انتخابات العام المقبل، أو اختار أن يدعم مرشحاً آخر، مثل وزير الخارجية والدفاع الأسبق وزعيم حزب المبادرة كمال مرجان؟
الخيار ممكن؛ وخصوصاً أن كمال مرجان أعلن رسمياً استعداده للترشح للرئاسة إذا تحقق قدر من التوافق السياسي الوطني حوله. ولقد سبق لمرجان أن ترشح للرئاسة في 2014، ولم يسعفه الحظ رغم حصوله على دعم سياسي إقليمي ودولي. ويومذاك، تفوق عليه بفارق كبير الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي، الذي صوت لفائدته أنصار النظام السابق والليبراليون واليساريون المعارضون لـ«النهضة». وحصل على المرتبة الثانية الرئيس السابق الدكتور محمد المنصف المرزوقي، الذي صوتت له غالبية محافظات الجنوب والوسط والجهات المهمّشة، وأنصار التيارات الإسلامية والقومية.

شراكة بين «النهضة» ويسار الوسط
عبد الكريم الهاروني، وزير النقل، والقيادي الثاني في «حركة النهضة»، كشف أخيراً أنه عقد سلسلة من جلسات التشاور مع قيادة حزب «المشروع» اليساري، تمهيداً لتأسيس شراكة واسعة، من بين أسسها القطع مع المعارك الآيديولوجية القديمة بين اليساريين الاشتراكيين والشيوعيين والإسلاميين. وسار في الاتجاه ذاته القيادي اليساري محسن مرزوق الذي كان قياديون في «النهضة» يتهمونه بتزعم تيار العداء لهم؛ بل وبالدفاع عن خيار «استئصال» الإسلاميين من المشهد السياسي.
وأبرزت التصريحات الجديدة الصادرة عن مرزوق والمقربين منه داخل حزبه وخارجه نزوعاً واضحاً نحو البراغماتية، والحرص على تجاوز الصراعات الآيديولوجية والعقائدية بين الزعامات السياسية، خصوصاً بين المكوّنات الثلاثة للمشهد السياسي التونسي: اليسار الاجتماعي بفروعه النقابية والحزبية، والتيار الوطني الذي يتزعمه قادة الحزب الحاكم منذ 60 سنة، وتيار الهوية بمكوّناته العروبية والإسلامية.

اعتراضات وتخوّفات
لكن هذا التطور النوعي لم يخل من مفاجآت، وأفرز صراعات جديدة داخل أبرز الأقطاب السياسية.
- أولاً، داخل القطب الذي يرمز إليه حزب «نداء تونس» بزعامة حافظ قائد السبسي، نجل رئيس الجمهورية، ورضا بالحاج، الوزير السابق، وسليم الرياحي، رئيس حزب الوطني الحر سابقاً. وتكشف تصريحات هؤلاء الزعماء والقياديين عن أنهم ينظرون بعين الريبة إلى تحالف حزب «المشروع» اليساري الوسطي، مع «حركة النهضة» ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، وأنصاره داخل البرلمان وخارجه. ومن بين المفارقات أن بعض قادة هذا القطب السياسي الذي يعتبر من أكبر داعمي الرئيس قائد السبسي، لا يخفون رغبة في أن يقدم خصمهم الشاهد وأنصار حزب «المشروع» في تحالف استراتيجي مع «حركة النهضة»، لتسهل عملية محاربتهم إعلامياً، واتهامهم بخيانة ما يسمونه المشروع المجتمعي وقيم الحداثة والمعاصرة. وفي هذا الصدد بادر رضا بالحاج، المنسق العام لحزب «نداء تونس»، إلى انتقاد تحالف يوسف الشاهد ومحسن مرزوق ورفاقه، مع من يسمونهم المتشددين ونشطاء الإسلام السياسي.
- أما القطب الثاني المعارض لكل صيغ الشراكة مع «حركة النهضة» فيضم أحزاب المعارضة التي تقف على يسار الائتلاف الحاكم الحالي بقيادة «النداء» و«النهضة»، مثل «الجبهة الشعبية» بزعامة حمة الهمامي، التي تضم 15 حزباً من حركات ماركسية وقومية، وحزب الائتلاف الديمقراطي الفائز بالمرتبة الثالثة في الانتخابات البلدية في مايو (أيار) الماضي، بزعامة المحامي الحقوقي محمد عبو، والبرلماني غازي الشواشي، والبرلمانية المثيرة للجدل سامية عبو. وقد انطلق سياسيون من هذا القطب في انتقاد تقارب حزب «مشروع تونس» مع «حركة النهضة» من جهة، ومع حكومة الشاهد من جهة ثانية.
- إلى يمين هذه الأطراف، يوجد قطب ثالث أكثر حدّة في العداء لحزب «حركة النهضة» وشركائه الافتراضيين، وللمسار السياسي لرئيس الحكومة يوسف الشاهد وأنصاره من جهة، وللزعيم اليساري السابق محسن مرزوق ورفاقه من جهة ثانية. المحامية عبير موسى هي زعيمة هذا التيار الذي يعدّ امتداداً للحزب الحاكم في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. ولقد ذهبت موسى – صراحة – إلى حد المطالبة بحظر «حركة النهضة» ومحاكمة رئيس الحكومة وعدد من مساعديه. لكن المسكوت عنه هو أن هذا الحزب يحظى بدعم قطاع من رجال الأعمال والسياسة البارزين في البلاد، وبينهم مئات من رموز الدولة قبل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، ممن لا يزالون محل ملاحقة قضائية ومنع من السفر.

التعديل الوزاري
ويزداد المشهد السياسي غموضاً بالنسبة لكثيرين بعد الإعلان رسمياً عن احتمال إقدام رئيس الحكومة يوسف الشاهد على إدخال تعديل كبير على حكومته، وعرض التشكيلة الجديدة على البرلمان، فيضرب بذا عدة عصافير بحجر واحد.
فإذا صادق نحو نصف أعضاء البرلمان عليها، وعلى قانون المالية لعام 2019، فسيكون الشاهد وحلفاؤه قد قطعوا الشوط الحاسم في اتجاه كسب معركة ربع الساعة الأخير مع القطب المعارض لهم، بزعامة رئيس الدولة الباجي قائد السبسي وحزب «النداء» وأنصاره. أيضاً، ستمنح هذه المصادقة يوسف الشاهد وشركاءه فرصة الفوز بالشرعية البرلمانية مجدداً، إلى جانب حصولهم على حرية أكبر في المناورة السياسية، والاختيار بين فرضية البقاء في الحكم حتى استكمال انتخابات العام المقبل، أو الانسحاب منه من موقع قوي، والإعلان عن تأسيس حزب جديد أو ائتلاف سياسي لخوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

ربع الساعة الأخير
لا يستبعد المراقبون أن يتحرّر الشاهد وأنصاره، بعد كسب ورقة تزكية البرلمان لموازنة 2019 وللحكومة الجديدة، من الضغوط السياسية التي يمارسها عليه حالياً قادة حزب «نداء تونس» الذي سبق أن أوصلهم إلى الحكم.
كذلك يمكنهم أن يعلنوا فك الارتباط السياسي مع «حركة النهضة» ونوابها؛ بل يمكن أن يدفعوا باتجاه تهميش دور البرلمان في العام المقبل، وتحويله إلى مجرد غرفة مكلفة بالمصادقة على بعض مشروعات القوانين المستعجلة، على غرار ما حصل في السنة الانتخابية 2014 في عهد «حكومة التكنوقراط» برئاسة المهندس المهدي جمعة. وللعلم، سبق لقياديين من «النهضة»، مثل سيد الفرجاني، أن حذّروا في وسائل الإعلام وفي رسالة مفتوحة وجهوها إلى رئيس الحركة، من «سيناريو» تمرّد الشاهد سياسياً عليهم في مطلع العام الجديد، بعد أن يكون قد استغنى عن خدمات كتلتهم البرلمانية، في ربع الساعة الأخير.
لكن عوامل داخلية وخارجية كثيرة تؤثر بقوة في المستجدات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في تونس، ويمكن أن تدفع البلد في كل لحظة خطوات إلى الوراء.
«يتصدر الملف الليبي بمستجداته العسكرية والسياسية والأمنية هذه العوامل»؛ حسب الإعلامي والمحلل السياسي المختص في الشؤون الليبية، علي اللافي. في حين يعتقد رئيس مؤسسة «دراسات دولية» التونسية، السفير عز الدين قرقني، أن «تطورات الأوضاع في كل من ليبيا والجزائر سوف تكون لديها انعكاسات كبيرة جداً على تونس، التي يزورها سنويا 4 ملايين سائح جزائري وليبي، وتربطها حدود برية مشتركة، جبلية حيناً وصحراوية حيناً آخر، يصعب تأمينها، تفوق الألف كيلومتر».
بل لقد ذهب الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، ووزير الخارجية خميس الجهيناوي بعيداً، عندما صرّحا أخيراً على هامش «القمة الفرنكفونية» في أرمينيا، بأن «تونس وليبيا شعب واحد في دولتين»، ثم استطردا واعتبرا أن ليبيا ليس فيها دولة موحّدة ومخاطب واحد لجيرانها، وخاصة بالنسبة لتونس، التي تربطها بها 450 كيلومتراً من الحدود الصحراوية المشتركة.

مفاجآت أخرى مرتقبة في المشهد السياسي
- على الصعيد الداخلي، لا يستبعد المراقبون أن تشهد المرحلة القامة مفاجآت بالجملة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. ولئن تتمسك أبرز الأطراف حتى الآن بالتوافق والشراكة السياسية، فإن الطرف السياسي الأقوى في البلاد كان ولا يزال الاتحاد العام التونسي للشغل.
لقد ألغى اتحاد الشغل قبل أيام إضراباً عاما كان سيشنه في المؤسسات العمومية المفلسة، التي طالب الصندوق الدولي بالتفويت فيها أو إصلاحها؛ لأنها تكلف الدولة سنوياً أكثر من عشر موازنتها. وحقاً، جنب قرار إلغاء الإضراب العام البلاد خسائر مالية وسياسية ومشكلات أمنية؛ لكن ثمنه كان موافقة رئاسة الحكومة على زيادات عامة في الأجور، ستكون قيمتها نحو 5 في المائة من الموازنة الإجمالية لعام 2019. ومن المقرر أن توافق الحكومة على زيادات مماثلة في قطاع الوظيفة العمومية؛ لكن انفجار سلسلة جديدة من الإضرابات وأعمال العنف وارد جداً في ظل تدهور القدرة الشرائية ونسب الفقر والبطالة، وفقدان الدينار التونسي نحو نصف قيمته منذ 2011.
وختاماً، يزيد الأمر تعقيداً تعقد الأجندات السياسية والانتخابية، وإصرار بعض القيادات النقابية والسياسية، مثل سمير الشفي، الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل، وقيادات نقابات التعليم، على تغيير رئيس الحكومة وبعض وزراء «النهضة» و«النداء» واليسار الاجتماعي، وهو ما يمكن أن يزيد من تعقيدات معارك الربع ساعة الأخير من أجل السلطة، في مناخ إقليمي ودولي غير عادي.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.