معارك الربع الساعة الأخيرة في تونس

الصراع على السلطة مستفحل... والأزمة الليبية تلقي بظلالها على الوضع

معارك الربع الساعة الأخيرة في تونس
TT

معارك الربع الساعة الأخيرة في تونس

معارك الربع الساعة الأخيرة في تونس

بينما تبشر قيادات في قصري رئاسة الجمهورية والحكومة التونسيين، وكذلك في مقرات كبرى الأحزاب السياسية، بانفراج شامل للأزمة السياسية والاقتصادية الاجتماعية الأخطر في تاريخ تونس منذ عشرات السنين، برزت مؤشرات تصعيد جديد في الصراع على السلطة.
هذه المؤشرات برزت عشية المصادقة على ميزانية 2019، والإعلان عن تعديل الحكومة، تحضيراً للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة الخريف المقبل، إذ انطلقت زعامات سياسية ونقابية في التحضير لبناء شراكات استراتيجية جديدة تمتد لسنوات، تشمل «خصوم الأمس» المحسوبين على مختلف قوى اليسار واليمين من جهة، وعلى التيارين العلماني والإسلامي من جهة ثانية. فهل تخرج تونس من عنق الزجاجة بسلام مجدداً؟ وهل ينتصر دعاة التوافق والشراكة... أم أنصار القطيعة والصدام... ما يدفع البلاد في صراعات ربع الساعة الأخير، من أجل التحكّم في مؤسسات الدولة والبلاد في السنوات المقبلة؟
رغم اضطراب الأوضاع في كل دول ما بات يُعرف بـ«الربيع العربي» وغموض مستقبلها، خاصة في ليبيا، الجارة الجنوبية الغنية لتونس، لا يزال الرهان كبيراً في تونس على إنجاح ما سُمي «الاستثناء الديمقراطي التونسي»، ومن ثم، على حسم الصراعات على السلطة سياسياً، حسب الأزهر العكرمي، المحامي والوزير السابق في حكومة الحبيب الصيد، الذي أصبح مناصراً لرئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد ومشروعه السياسي.

التضخم... والمديونية
لكن التحدي الحقيقي، حسب تقديرات الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، هو في «مسألة إلى أي حد يمكن أن تصمد إرادة أنصار هذا الخيار في وقت استفحلت فيه الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعواصف السياسية، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في نسب التضخم والأسعار والمديونية وعجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات، مع تراجع الثقة في العملة الوطنية وفي فوائد الاستثمار والادخار».
وحقاً، استفحلت صعوبات الاقتصاد والأوضاع الاجتماعية بسبب تداعيات الأزمة الليبية، وتراجع مداخيل المبادلات معها، وتراكم ديون المؤسسات التونسية، بما فيها الفنادق السياحية والمصحات ومؤسسات التصدير، مع الجانب الليبي.
ولئن كانت القيمة الرسمية للمبادلات التونسية الليبية تحوم حول مليار دولار سنوياً، فإن قيمتها الحقيقية كانت تناهز الـ10 مليارات دولار قبل «الربيع العربي»، ثم قبل اندلاع حرب مطار طرابلس والبوابات الحدودية في صيف 2014.
كذلك، كانت السوق الليبية تساهم في توفير وظائف مباشرة وغير مباشرة لنحو مليون تونسي، كما بينت دراسات أعدها مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية، حسب مديره العام عالم الاجتماع، المنصف وناس.

مستقبل الإسلام السياسي
من جانب آخر، في ظل ازدياد الضغوط عربياً وإقليمياً ودولياً من أجل إبعاد ممثلي الجماعات الإسلامية المتشددة عن الحكم ومراكز النفوذ، فإن من بين التحديات الجديدة - القديمة التي تواجه صناع السياسة في الدول المغاربية، وخصوصاً في تونس وليبيا والجزائر، ملف ما يسمى مستقبل زعماء الإسلام السياسي.
وراهناً، ثمة علامات استفهام حول فرص حزب أنصار «حركة النهضة» التونسي، في الحفاظ على مواقعهم، وإقناع خصومهم في الداخل والخارج بقطيعتهم مع المرجعيات الفكرية والسياسية للجماعات الإخوانية والسلفية المتشددة... أم يحصل العكس، كما يتوقع الجامعي علية العلاني.
ثم هناك من يتساءل عما إذا كان إعلان الرئيس التونسي قائد السبسي وأنصاره القطيعة مع قيادة «النهضة»، ثم انتقادات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال قمة الفرنكفونية بحضوره، مَن وصفهم بـ«الظلاميين»، مؤشراً لمنعرج أمني سياسي جديد في تونس، يكون قادة «النهضة» وحلفاؤهم أبرز ضحاياه؟
«كل السيناريوهات واردة» في نظر الهاشمي نويرة، رئيس تحرير جريدة «الصحافة» الموالية للرئيس التونسي، والمعارضة بقوة لما تصفه بـ«التغوّل السياسي» لـ«حركة النهضة» في عهد حكومة الشاهد.

خطوة إلى الأمام
هذا، ولقد كان من بين أبرز نتائج فتور علاقات رئيسي الجمهورية والحكومة من جهة، ورئاسة الجمهورية وقيادة «حركة النهضة» من جهة ثانية، خلط الأوراق وتشكيل تحالفات جديدة، وفتح باب المشاورات تحضيراً لما سماه محسن مرزوق، الوزير السابق وزعيم «حزب المشروع» اليساري الوسطي: «شراكة استراتيجية» مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، والأطراف السياسية المتحالفة معه حالياً في البرلمان. والقصد هنا الكتلة المعروف بـ«الائتلاف الوطني»، بزعامة النقابي مصطفى بن أحمد، والطبيب الصحبي بن فرج، والناشطة النسائية ليلى الشتالي... الذين كانوا جميعاً من أكبر معارضي حزب «حركة النهضة» عندما كان في الحكم عامي 2012 و2013.
تشكل هذه الكتلة نواة ائتلاف برلماني سياسي حزبي جديد، يضم عشرات المنشقين عن حزب الرئيس ونواب حزبي «مشروع تونس» وكتلة «حركة النهضة» بنوابها الـ68. ولا يستبعد المحلل السياسي والإعلامي منذر بالضيافي أن تتوسع هذه النواة إلى كيان سياسي أوسع. ومن جهته، ذهب محسن مرزوق، زعيم حزب «المشروع» وعبد الكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى «النهضة» إلى حد الحديث عن كون الأمر يتعلق بآلية تهدف إلى تحقيق شراكة واسعة مفتوحة على «كل الأطراف السياسية الوطنية».

التمديد ليوسف الشاهد
مؤقتاً، تهدف هذه الشراكة إلى دعم التمديد ليوسف الشاهد على رأس الحكومة، رغم مطالبات رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، وزعماء حزب «نداء تونس»، وأمين عام اتحاد نقابات العمال، نور الدين الطبوبي، وقيادات اتحاد النقابات، بإقالته وتغيير غالبية فريقه. وكذلك تهدف إلى تشكيل اتفاق سياسي واسع يمكن أن يؤدي إلى خوض الانتخابات المقبلة ضمن ائتلاف سياسي جديد، يتفق زعماؤه الآن على طريقة تقاسم المواقع المهمة في الدولة بعدها، مثلاً عبر إسناد رئاسة الجمهورية إلى يوسف الشاهد، ورئاسة البرلمان إلى زعيم «حركة النهضة» راشد الغنوشي، أو أحد نوابه، ورئاسة الحكومة وبقية وزارات السيادة لزعماء الأحزاب المشاركة في الائتلاف، وبينهم محسن مرزوق.
لكن ماذا لو فاجأ الرئيس الباجي قائد السبسي الجميع بإعلان الترشح في انتخابات العام المقبل، أو اختار أن يدعم مرشحاً آخر، مثل وزير الخارجية والدفاع الأسبق وزعيم حزب المبادرة كمال مرجان؟
الخيار ممكن؛ وخصوصاً أن كمال مرجان أعلن رسمياً استعداده للترشح للرئاسة إذا تحقق قدر من التوافق السياسي الوطني حوله. ولقد سبق لمرجان أن ترشح للرئاسة في 2014، ولم يسعفه الحظ رغم حصوله على دعم سياسي إقليمي ودولي. ويومذاك، تفوق عليه بفارق كبير الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي، الذي صوت لفائدته أنصار النظام السابق والليبراليون واليساريون المعارضون لـ«النهضة». وحصل على المرتبة الثانية الرئيس السابق الدكتور محمد المنصف المرزوقي، الذي صوتت له غالبية محافظات الجنوب والوسط والجهات المهمّشة، وأنصار التيارات الإسلامية والقومية.

شراكة بين «النهضة» ويسار الوسط
عبد الكريم الهاروني، وزير النقل، والقيادي الثاني في «حركة النهضة»، كشف أخيراً أنه عقد سلسلة من جلسات التشاور مع قيادة حزب «المشروع» اليساري، تمهيداً لتأسيس شراكة واسعة، من بين أسسها القطع مع المعارك الآيديولوجية القديمة بين اليساريين الاشتراكيين والشيوعيين والإسلاميين. وسار في الاتجاه ذاته القيادي اليساري محسن مرزوق الذي كان قياديون في «النهضة» يتهمونه بتزعم تيار العداء لهم؛ بل وبالدفاع عن خيار «استئصال» الإسلاميين من المشهد السياسي.
وأبرزت التصريحات الجديدة الصادرة عن مرزوق والمقربين منه داخل حزبه وخارجه نزوعاً واضحاً نحو البراغماتية، والحرص على تجاوز الصراعات الآيديولوجية والعقائدية بين الزعامات السياسية، خصوصاً بين المكوّنات الثلاثة للمشهد السياسي التونسي: اليسار الاجتماعي بفروعه النقابية والحزبية، والتيار الوطني الذي يتزعمه قادة الحزب الحاكم منذ 60 سنة، وتيار الهوية بمكوّناته العروبية والإسلامية.

اعتراضات وتخوّفات
لكن هذا التطور النوعي لم يخل من مفاجآت، وأفرز صراعات جديدة داخل أبرز الأقطاب السياسية.
- أولاً، داخل القطب الذي يرمز إليه حزب «نداء تونس» بزعامة حافظ قائد السبسي، نجل رئيس الجمهورية، ورضا بالحاج، الوزير السابق، وسليم الرياحي، رئيس حزب الوطني الحر سابقاً. وتكشف تصريحات هؤلاء الزعماء والقياديين عن أنهم ينظرون بعين الريبة إلى تحالف حزب «المشروع» اليساري الوسطي، مع «حركة النهضة» ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، وأنصاره داخل البرلمان وخارجه. ومن بين المفارقات أن بعض قادة هذا القطب السياسي الذي يعتبر من أكبر داعمي الرئيس قائد السبسي، لا يخفون رغبة في أن يقدم خصمهم الشاهد وأنصار حزب «المشروع» في تحالف استراتيجي مع «حركة النهضة»، لتسهل عملية محاربتهم إعلامياً، واتهامهم بخيانة ما يسمونه المشروع المجتمعي وقيم الحداثة والمعاصرة. وفي هذا الصدد بادر رضا بالحاج، المنسق العام لحزب «نداء تونس»، إلى انتقاد تحالف يوسف الشاهد ومحسن مرزوق ورفاقه، مع من يسمونهم المتشددين ونشطاء الإسلام السياسي.
- أما القطب الثاني المعارض لكل صيغ الشراكة مع «حركة النهضة» فيضم أحزاب المعارضة التي تقف على يسار الائتلاف الحاكم الحالي بقيادة «النداء» و«النهضة»، مثل «الجبهة الشعبية» بزعامة حمة الهمامي، التي تضم 15 حزباً من حركات ماركسية وقومية، وحزب الائتلاف الديمقراطي الفائز بالمرتبة الثالثة في الانتخابات البلدية في مايو (أيار) الماضي، بزعامة المحامي الحقوقي محمد عبو، والبرلماني غازي الشواشي، والبرلمانية المثيرة للجدل سامية عبو. وقد انطلق سياسيون من هذا القطب في انتقاد تقارب حزب «مشروع تونس» مع «حركة النهضة» من جهة، ومع حكومة الشاهد من جهة ثانية.
- إلى يمين هذه الأطراف، يوجد قطب ثالث أكثر حدّة في العداء لحزب «حركة النهضة» وشركائه الافتراضيين، وللمسار السياسي لرئيس الحكومة يوسف الشاهد وأنصاره من جهة، وللزعيم اليساري السابق محسن مرزوق ورفاقه من جهة ثانية. المحامية عبير موسى هي زعيمة هذا التيار الذي يعدّ امتداداً للحزب الحاكم في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. ولقد ذهبت موسى – صراحة – إلى حد المطالبة بحظر «حركة النهضة» ومحاكمة رئيس الحكومة وعدد من مساعديه. لكن المسكوت عنه هو أن هذا الحزب يحظى بدعم قطاع من رجال الأعمال والسياسة البارزين في البلاد، وبينهم مئات من رموز الدولة قبل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، ممن لا يزالون محل ملاحقة قضائية ومنع من السفر.

التعديل الوزاري
ويزداد المشهد السياسي غموضاً بالنسبة لكثيرين بعد الإعلان رسمياً عن احتمال إقدام رئيس الحكومة يوسف الشاهد على إدخال تعديل كبير على حكومته، وعرض التشكيلة الجديدة على البرلمان، فيضرب بذا عدة عصافير بحجر واحد.
فإذا صادق نحو نصف أعضاء البرلمان عليها، وعلى قانون المالية لعام 2019، فسيكون الشاهد وحلفاؤه قد قطعوا الشوط الحاسم في اتجاه كسب معركة ربع الساعة الأخير مع القطب المعارض لهم، بزعامة رئيس الدولة الباجي قائد السبسي وحزب «النداء» وأنصاره. أيضاً، ستمنح هذه المصادقة يوسف الشاهد وشركاءه فرصة الفوز بالشرعية البرلمانية مجدداً، إلى جانب حصولهم على حرية أكبر في المناورة السياسية، والاختيار بين فرضية البقاء في الحكم حتى استكمال انتخابات العام المقبل، أو الانسحاب منه من موقع قوي، والإعلان عن تأسيس حزب جديد أو ائتلاف سياسي لخوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

ربع الساعة الأخير
لا يستبعد المراقبون أن يتحرّر الشاهد وأنصاره، بعد كسب ورقة تزكية البرلمان لموازنة 2019 وللحكومة الجديدة، من الضغوط السياسية التي يمارسها عليه حالياً قادة حزب «نداء تونس» الذي سبق أن أوصلهم إلى الحكم.
كذلك يمكنهم أن يعلنوا فك الارتباط السياسي مع «حركة النهضة» ونوابها؛ بل يمكن أن يدفعوا باتجاه تهميش دور البرلمان في العام المقبل، وتحويله إلى مجرد غرفة مكلفة بالمصادقة على بعض مشروعات القوانين المستعجلة، على غرار ما حصل في السنة الانتخابية 2014 في عهد «حكومة التكنوقراط» برئاسة المهندس المهدي جمعة. وللعلم، سبق لقياديين من «النهضة»، مثل سيد الفرجاني، أن حذّروا في وسائل الإعلام وفي رسالة مفتوحة وجهوها إلى رئيس الحركة، من «سيناريو» تمرّد الشاهد سياسياً عليهم في مطلع العام الجديد، بعد أن يكون قد استغنى عن خدمات كتلتهم البرلمانية، في ربع الساعة الأخير.
لكن عوامل داخلية وخارجية كثيرة تؤثر بقوة في المستجدات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في تونس، ويمكن أن تدفع البلد في كل لحظة خطوات إلى الوراء.
«يتصدر الملف الليبي بمستجداته العسكرية والسياسية والأمنية هذه العوامل»؛ حسب الإعلامي والمحلل السياسي المختص في الشؤون الليبية، علي اللافي. في حين يعتقد رئيس مؤسسة «دراسات دولية» التونسية، السفير عز الدين قرقني، أن «تطورات الأوضاع في كل من ليبيا والجزائر سوف تكون لديها انعكاسات كبيرة جداً على تونس، التي يزورها سنويا 4 ملايين سائح جزائري وليبي، وتربطها حدود برية مشتركة، جبلية حيناً وصحراوية حيناً آخر، يصعب تأمينها، تفوق الألف كيلومتر».
بل لقد ذهب الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، ووزير الخارجية خميس الجهيناوي بعيداً، عندما صرّحا أخيراً على هامش «القمة الفرنكفونية» في أرمينيا، بأن «تونس وليبيا شعب واحد في دولتين»، ثم استطردا واعتبرا أن ليبيا ليس فيها دولة موحّدة ومخاطب واحد لجيرانها، وخاصة بالنسبة لتونس، التي تربطها بها 450 كيلومتراً من الحدود الصحراوية المشتركة.

مفاجآت أخرى مرتقبة في المشهد السياسي
- على الصعيد الداخلي، لا يستبعد المراقبون أن تشهد المرحلة القامة مفاجآت بالجملة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. ولئن تتمسك أبرز الأطراف حتى الآن بالتوافق والشراكة السياسية، فإن الطرف السياسي الأقوى في البلاد كان ولا يزال الاتحاد العام التونسي للشغل.
لقد ألغى اتحاد الشغل قبل أيام إضراباً عاما كان سيشنه في المؤسسات العمومية المفلسة، التي طالب الصندوق الدولي بالتفويت فيها أو إصلاحها؛ لأنها تكلف الدولة سنوياً أكثر من عشر موازنتها. وحقاً، جنب قرار إلغاء الإضراب العام البلاد خسائر مالية وسياسية ومشكلات أمنية؛ لكن ثمنه كان موافقة رئاسة الحكومة على زيادات عامة في الأجور، ستكون قيمتها نحو 5 في المائة من الموازنة الإجمالية لعام 2019. ومن المقرر أن توافق الحكومة على زيادات مماثلة في قطاع الوظيفة العمومية؛ لكن انفجار سلسلة جديدة من الإضرابات وأعمال العنف وارد جداً في ظل تدهور القدرة الشرائية ونسب الفقر والبطالة، وفقدان الدينار التونسي نحو نصف قيمته منذ 2011.
وختاماً، يزيد الأمر تعقيداً تعقد الأجندات السياسية والانتخابية، وإصرار بعض القيادات النقابية والسياسية، مثل سمير الشفي، الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل، وقيادات نقابات التعليم، على تغيير رئيس الحكومة وبعض وزراء «النهضة» و«النداء» واليسار الاجتماعي، وهو ما يمكن أن يزيد من تعقيدات معارك الربع ساعة الأخير من أجل السلطة، في مناخ إقليمي ودولي غير عادي.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.