قمة الخرطوم بين البشير والسيسي تفتح صفحة جديدة وتمهد لعودة التكامل

12 وزيراً مصرياً وقعوا مع نظرائهم السودانيين 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم... وإنهاء الحظر التجاري على المنتجات المصرية

الرئيس السوداني عمر البشير مستقبلاً نظيره المصري عبد الفتاح السيسي لدى وصوله إلى الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
الرئيس السوداني عمر البشير مستقبلاً نظيره المصري عبد الفتاح السيسي لدى وصوله إلى الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

قمة الخرطوم بين البشير والسيسي تفتح صفحة جديدة وتمهد لعودة التكامل

الرئيس السوداني عمر البشير مستقبلاً نظيره المصري عبد الفتاح السيسي لدى وصوله إلى الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
الرئيس السوداني عمر البشير مستقبلاً نظيره المصري عبد الفتاح السيسي لدى وصوله إلى الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

بحثت القمة السودانية المصرية التي عقدت في الخرطوم، أمس، بين الرئيسين عمر البشير وضيفه المصري عبد الفتاح السيسي، آفاق التعاون بين البلدين، وكسرت الجمود في العلاقات الذي ساد الفترات الماضية، لتفتح صفحة جديدة من العلاقات، تمهد لعودة التكامل بين البلدين مرة أخرى.
وتُوجت القمة بتوقيع بيان ختامي و12 اتفاقية تعاون وتفاهم، بعد سلسلة من اللقاءات والاجتماعات، شارك فيها 12 وزيراً مصرياً، بجانب الرئيس السيسي الذي وصل البلاد في زيارة استغرقت ساعات، وهو ما وصفه البشير بأنه انعقاد لمجلس الوزراء المصري في الخرطوم، بقوله: «أنا أعد هذا مجلس وزراء مصر في الخرطوم».
واعتبر البشير زيارة السيسي خطوة نحو تمتين «علاقات قديمة وأواصر متواصلة، وتعبير عن مشاعر أهل السودان ومصر وتطلعاتهم في التكامل والوحدة والوئام»، وتعهد بمتابعة تنفيذ الاتفاقيات التي وقعت والاتفاقيات السابقة بالاشتراك مع نظيره المصري بصورة لصيقة.
وأعلن البشير في مؤتمر صحافي مشترك مع ضيفه السيسي، إلغاء الحظر التجاري الذي فرضه على المنتجات المصرية منذ أكثر من عام، وإزالة العوائق أمام حركة السلع والمواطنين عبر حدود الدولتين. وأضاف أن القرار بأثر فوري. وتابع: «من جانبنا وقّعنا اتفاقية الحريات الأربع لتسهيل حركة المواطنين».
وأوضح الرئيس السوداني أن القاهرة والخرطوم تعملان على ربط البلدين عبر الوسائل المختلفة، وقال: «الآن الربط الكهربائي على وشك الاكتمال، ونعمل على ربط سكك حديد مصر بسكك حديد السودان، لتيسير حركة المواطنين والسلع في البلدين»، وأضاف: «مع بعضنا البعض يمكن أن نحقق كثيرا من المصالح لشعبي البلدين، وأن نلبي الرغبة العارمة لدى المسؤولين والمواطنين في ذلك».
بدوره، قال الرئيس السيسي إن الإرادة السياسية بين القيادتين، تعد قوة دفع كبيرة لتطوير علاقات البلدين، وإن الدورة الثانية من اجتماعات اللجنة الرئاسية العليا توّجت هذه الإرادة المشتركة، وأضاف: «الحقيقة الثابتة تظهر أن الأيام والسنين تُكسب علاقتنا، الأخوية والرسوخ والثبات والقدرة على التصدي لأي خلافات خارجية ومعالجة المشكلات المصطنعة»، وتابع: «إن ما تمتلكه الدولتان من موارد بشرية وثروات طبيعية، ندر أن تتوفر لأي دولتين جارتين في العالم».
وبحسب الرئيس المصري، فإن الأشهر الستة الماضية، شهدت انعقاد كثير من الاجتماعات واللجان المشتركة بين البلدين بمستويات مختلفة؛ «الاجتماع الرباعي، اجتماع لجنة التشاور السياسي، اجتماع الهيئة الفنية الدائمة لمياه النيل، ولجنة المنافذ البرية، واللجنة القنصلية» وغيرها، معتبرا تلك الاجتماعات فرصاً للعمل المشترك تصب في تنفيذ وثيقة الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين البلدين عام 2016.
ووصف السيسي بدء ربط شبكتي الكهرباء في البلدين بأنه مشروع من شأنه «نقل علاقات التعاون بين البلدين إلى مرحلة جديدة، تتأسس على تنفيذ المشروعات الاستراتيجية، وتعزز من فرص التبادل التجاري والاستثماري».
وقطع الرئيس المصري بأن انعقاد اجتماعات اللجنة الرئاسية بالخرطوم، سيحدد مستقبل التكامل بين البلدين، وأن زمانه أتى في «توقيت تشهد فيه منطقتنا تطورات وعقودا من الصراعات والنزاعات التي أزهقت آلاف الأرواح وسببت دمارا بالغا بمقدرات شعوبنا».
وجدد السيسي تأكيد دعم بلاده الكامل وترحيبه بالجهود السودانية لتحقيق الأمن والاستقرار في الإقليم، التي أسفرت عن توقيع اتفاقية سلام جنوب السودان، وتعهد بتواصل تلك الجهود لـ«تحقيق الأمن في منطقة البحر الأحمر بالتنسيق مع الدول العربية والإفريقية المتشاطئة»، وأشاد بما أسماه التطورات الإيجابية في منطقة القرن الأفريقي المتسارعة، التي اعتبرها مؤشرا لعهد جديد من الرخاء والسلام والتنمية. وبحسب الرئيس السيسي فإن اجتماعات اللجنة الرئاسية العليا القادمة ستعقد في العاصمة المصرية، في مواعيد لم يحددها الطرفان بعد.
وقال السيسي إن ما يجمع بين الشعبين المصري والسوداني من روابط ثقافية واجتماعية وطيدة ممتدة عبر التاريخ، يشكل قاعدة انطلاق جديدة نحو تنفيذ ما تم التوقيع عليه من اتفاقيات، مشيرا إلى اعتزاز مصر بعلاقاتها الاستراتيجية والتاريخية بالسودان، والحرص على مواصلة تعزيز تلك العلاقات والارتقاء بمحاورها المختلفة، ولا سيما على الصعيد التنموي، مثمناً نجاح اجتماعات لجان وآليات التعاون بين الوزارات من الجانبين، والاجتماعات التحضيرية للجنة الرئاسية، في التوصل إلى قرارات واتفاقات تخدم مصالح الدولتين وشعب وادي النيل.
من جهته، ذكر المتحدث الرسمي للرئاسة المصرية، السفير بسام راضي، أن «اجتماعات اللجنة الرئاسية المصرية السودانية المشتركة شهدت استعراض أوجه التعاون الثنائي بين البلدين، وذلك في إطار تنفيذ وثيقة الشراكة الاستراتيجية التي تم التوقيع عليها بين البلدين في 2016، حيث رحب الجانبان في هذا الصدد بالخطوات التي تم اتخاذها لتفعيل المشروعات الاستراتيجية الكبرى التي تم الاتفاق عليها بين البلدين، بما فيها مشروعات الربط الكهربائي وخطوط السكك الحديدية، وهي المشروعات التي من شأنها أن تحدث نقلة نوعية في العلاقات بين مصر والسودان، وتشجع على تنفيذ مزيد من المشروعات الإنتاجية والخدمية المشتركة بين البلدين الشقيقين.
كما تشاور الجانبان حول سبل تعزيز التبادل التجاري والمشروعات التنموية والاستثمارية المشتركة بين البلدين، تحقيقا للمنفعة المتبادلة بين الشعبين الشقيقين وتوفير مزيد من فرص العمل.
وشهد الرئيسان التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، تشمل بروتوكولا تنفيذيا لإنشاء مزرعة نموذجية مشتركة لإنتاج المحاصيل البستانية، ومذكرة تفاهم بين وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي بمصر ووزارة الزراعة والغابات بالسودان في مجال مكافحة دودة الحشد الخريفية، ومذكرة تفاهم للتعاون في مجال تبادل الخبرات بين حكومتي مصر والسودان، ومذكرة تفاهم بين معهد الدراسات الدبلوماسية بوزارة الخارجية بمصر ومركز التدريب ودعم القرار الدبلوماسي بوزارة الخارجية بالسودان، والبرنامج التنفيذي للتعاون الفني بين وزارة القوى العاملة بمصر ووزارة العمل والإصلاح الإداري والتنمية البشرية بالسودان لعامي 2019 – 2020، ومذكرة تفاهم للتعاون في مجالات الهجرة وإشراك المغتربين بالتنمية بين وزارة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج في مصر وجهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج بالسودان. وكذا برنامج تنفيذي في المجال الصحي بين حكومة مصر والسودان للأعوام من 2018 إلى 2020، والبرنامج التنفيذي للتعاون في مجال الشباب والرياضة بين البلدين، والبرنامج التنفيذي لاتفاقية التعاون في مجال التعليم العالي والبحث العلمي بين البلدين للأعوام من 2018 إلى 2021. وأيضا مذكرة تفاهم بين الهيئة المصرية لتنمية الصادرات ونقطة التجارة الخارجية بوزارة الصناعة والتجارة السودانية، وبرنامج تنفيذي للأعوام من 2018 إلى 2020 في مجال الإذاعة والتلفزيون بين الهيئة الوطنية للإعلام بمصر والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بالسودان.
وشهدت الخرطوم اعتبارا من الثلاثاء الماضي اجتماعات اللجنة الفنية المشتركة المصرية السودانية التي أوصت بتوقيع 12 اتفاقية، فيما انعقدت أول من أمس اجتماعات اللجنة الوزارية برئاسة وزيري الخارجية الدرديري محمد أحمد وسامح شكري، وأجازت الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم توقيعها بحضور الرئيسين.
ولم يكشف الرئيسان للصحافيين ما إن كانت اجتماعاتهما قد ناقشت قضايا حساسة تهم البلدين، مثل قضية النزاع الحدودي على مثلث حلايب، أو قضية سد النهضة الإثيوبي، أو ممتلكات المعدنيين السودانيين التي تقول مصادر سودانية إن السلطات المصرية صادرتها منذ أكثر من عام، بيد أن وزير الخارجية كان قد أعلن أن كل قضية مطروحة بين البلدين قابلة لـ«الحوار والتفاهم»، وأن هناك ملفات إقليمية ودولية تم بحثها والتنسيق بشأنها، وأبرزها «الملف الليبي».
وشهدت العلاقات السودانية ذروة توترها بسحب الخرطوم سفيرها من القاهرة في يناير (كانون الثاني) الماضي دون إعلان أسباب، ولكن الخارجية المصرية أرجعت سبب سحب السفير من القاهرة إلى النزاع على «مثلث حلايب وشلاتين» الحدودي.
بيد أن علاقات البلدين عادت إلى طبيعتها بعودة السفير إلى القاهرة في مارس (آذار) الماضي، عقب اجتماعات اللجنة الرباعية المكونة من وزيري الخارجية ورئيسي المخابرات في البلدين بالقاهرة، وتتالت بعد ذلك الزيارات المتبادلة بين رئيسي البلدين، وكانت آخرها زيارة الرئيس السيسي المفاجئة للخرطوم في يوليو (تموز) الماضي.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.