محمد بن سلمان: حادث خاشقجي «بشع وغير مبرر» وسينال منفذوه العقاب الرادع

بحث مع إردوغان تطورات القضية وأكد صلابة العلاقات مع أنقرة وأكد هيكلة الأجهزة الأمنية

الأمير محمد بن سلمان يتوسط قادة وزعماء من المشاركين في منتدى مستقبل الاستثمار في الرياض أمس (تصوير: بندر الجلعود)
الأمير محمد بن سلمان يتوسط قادة وزعماء من المشاركين في منتدى مستقبل الاستثمار في الرياض أمس (تصوير: بندر الجلعود)
TT

محمد بن سلمان: حادث خاشقجي «بشع وغير مبرر» وسينال منفذوه العقاب الرادع

الأمير محمد بن سلمان يتوسط قادة وزعماء من المشاركين في منتدى مستقبل الاستثمار في الرياض أمس (تصوير: بندر الجلعود)
الأمير محمد بن سلمان يتوسط قادة وزعماء من المشاركين في منتدى مستقبل الاستثمار في الرياض أمس (تصوير: بندر الجلعود)

وصف الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي مقتل الصحافي جمال خاشقجي بـ«الحادث البشع والمؤلم»، متعهداً بتقديم المذنبين للعدالة، مشددا في الوقت نفسه على صلابة العلاقات مع تركيا، وأكد تمسكه بالإصلاح ومكافحة التطرف.
وقال الأمير محمد بن سلمان خلال مشاركته في منتدى «مبادرة مستقبل الاستثمار» المنعقد في الرياض، أمس: «الحادث مؤلم جدا لجميع السعوديين... ولأي شخص في العالم... إنه حادث بشع وغير مبرر تماما». وأضاف أن المملكة «تقوم باتخاذ كل الإجراءات القانونية لتحقيق واكتمال التحقيقات بالعمل مع الحكومة التركية للوصول إلى النتائج وتقديم المذنبين إلى المحاكمة، وأخذ العقاب الرادع، وهذا إجراء تأخذه أي حكومة يقع فيها مثل هذا الأمر».
وتابع أن هناك محاولات لـ«إحداث شرخ» في العلاقات مع أنقرة، لكنه شدّد على أنهم «لن يستطيعوا عمل ذلك». وقال: «بلا شك أن التعاون اليوم بين الحكومة السعودية والتركية، يسير بشكل مميز... والكل يعرف أن كثيرين يحاولون استغلال هذا الظرف المؤلم لإحداث شرخ بين السعودية وتركيا»، وأضاف: «أريد أن أرسل لهم رسالة من خلال هذا المنبر، لن يستطيعوا عمل ذلك، طالما يوجد ملك اسمه سلمان بن عبد العزيز وولي عهد اسمه محمد بن سلمان في السعودية, ورئيس في تركيا اسمه إردوغان... لن يحدث هذا الشرخ وسنثبت للعالم أن الحكومتين متعاونتان لمعاقبة أي مجرم وأي مذنب والعدالة في الأخير سوف تظهر».
وأكد الأمير محمد بن سلمان أن الأوان آن لـ«إعادة هيكلة قطاعات الأمن الوطني لترتقي إلى مستوى القطاعات الأخرى في السعودية».
وأجرى ولي العهد السعودي، في وقت سابق أمس، محادثة هاتفية مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، تناولا خلالها الخطوات اللازمة والجهود المشتركة لتسليط الضوء على قضية المواطن جمال خاشقجي حسب وكالة الأنباء السعودية (واس).
في السياق ذاته، أكد الرئيس إردوغان أن بلاده ستعلن عن أي أدلة جديدة يتم التوصل إليها حول مقتل خاشقجي، للرأي العام العالمي، بشكل فوري. وقال في كلمة ألقاها خلال مشاركته في ندوة حول النظام القضائي في تركيا بالقصر الرئاسي في أنقرة، أمس، إن التحقيقات لم تنته، وإن بلاده تقوم بالتفتيش وجمع الأدلة، لافتا إلى أن العالم يتابع قضية خاشقجي من كثب.
في غضون ذلك، قالت الشرطة التركية إنها حصلت على إذن بتفتيش بئر يقع في الحديقة التابعة للقنصلية السعودية في إسطنبول بشكل مشترك مع فريق التحقيق السعودي. وكانت تقارير صحافية محلية في تركيا من بينها وكالة «الأناضول»، زعمت أن أجزاء من جثة خاشقجي موجودة في البئر الذي يبلغ عمقه 25 مترا، وأن السعودية رفضت تفتيشها، لكنها عادت ونفت هذه الرواية. وسبق أن قام الفريق التركي - السعودي المشترك، بتفتيش القنصلية ومقر إقامة القنصل، إضافة إلى مركبات تابعة للقنصلية. من جهتها، ذكرت قناة «تي آر تي» الرسمية التركية أن «فريقاً خاصاً ضمن التحقيقات فحص مواد التقطت من 137 كاميرا مراقبة في 62 نقطة في إسطنبول».
وفي هذا السياق، قال وزير العدل التركي عبد الحميد غل، إن النيابة العامة بدأت تحقيقاتها في القضية منذ اختفاء خاشقجي, في 2 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وإنها ما زالت متواصلة، مؤكدا أنه لن يتم إهمال أو التستر على أي معلومة مهما كانت صغيرة، في قضية خاشقجي، مشيرا إلى وجود استنفار كامل للكشف عن كل ملابسات القضية.
وحول اقتراح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أول من أمس، محاكمة المشتبه بهم الـ18 الموقوفين بالسعودية في تركيا، أوضح غل أن التحقيقات لا تجري بكل أبعادها من قبل النيابة العامة، ما دام بعض الأسماء موجودين في بلد آخر.
ولفت إلى أنهم ينتظرون الرد من الجانب السعودي على اقتراح الرئيس إردوغان خلال الأيام المقبلة.
بدوره، شدد وزير الداخلية التركي سليمان صويلو على أن بلاده لم تتخلّ أبدأ عن الشفافية والوضوح والقانون في قضية خاشقجي. وأضاف: «أدعو العالم إلى تحمل المسؤولية كي يتسنى الكشف عن ملابسات الحادثة».
إلى ذلك، أفادت مصادر صحافية تركية قريبة من الحكومة، أمس، بأن أجهزة الاستخبارات التركية أطلعت مديرة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) جينا هاسبل، على العناصر التي جمعتها في إطار التحقيق بقضية خاشقجي خلال زيارتها لتركيا أول من أمس.
وفي واشنطن، أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أن وزارة الخارجية الأميركية تنسق مع وزارة الخزانة لأخذ خطوات بشأن إلغاء تأشيرات دخول وإجراءات أخرى ضد الأفراد المشتبه في تورطهم في حادثة خاشقجي، في إشارة إلى 18 شخصا تم توجيه أصابع الاتهام لهم.
وقال بومبيو في مؤتمر صحافي بمقر الخارجية الأميركية، إن بلاده تجمع المعلومات من الجانب التركي والسعودي وتتحقق من الحقائق والمعلومات وتوصلت إلى أن بعض الأفراد في كل من الاستخبارات السعودية والخارجية قد تورطوا في هذه الجريمة، ولذا تأخذ الولايات المتحدة خطوات بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأميركية لوقف بعض التأشيرات وإجراءات أخرى ضد هؤلاء الأفراد والبحث عن إجراءات أخرى لمحاسبة المتورطين في هذا الأمر، كما تبحث إمكانية فرض عقوبات تستهدف المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان.
وشدد بومبيو على أن الرئيس ترمب، يولي أهمية للعلاقات مع المملكة العربية السعودية، وقال: «سنستمر في علاقات جيدة مع المملكة العربية السعودية ولسنا سعداء لا أنا ولا الرئيس ترمب بما حدث لكننا سنستمر في حماية مصالح الولايات المتحدة ومحاسبة المسؤولين عن مقتل خاشقجي».
من جهتها، أعلنت الحكومة البريطانية أمس، سحب أي تأشيرات دخول بريطانية يحملها المشتبه بهم في قضية جمال خاشقجي. وقالت رئيسة الوزراء تيريزا ماي أمام البرلمان، إن «وزارة الداخلية تتخذ تدابير ضد جميع المشتبه بهم لمنعهم من دخول المملكة المتحدة»، مضيفة: «هؤلاء الأفراد إن كانوا يحملون تأشيرات دخول، فسيتم إلغاؤها اليوم».
وأجرت ماي مساء أمس، اتصالا بخادم الحرمين الشريفين، بحسب ما أعلنته رئاسة الحكومة البريطانية.
من جهته، قال مصدر من مكتب الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، إن فرنسا لن تتخذ أي قرار بشأن مستقبل علاقتها مع السعودية إلى أن تتضح الحقائق حول حادثة مقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي. وأضاف المصدر: «إذا كانت قرارات ستتخذ في المستقبل فإنها ستتخذ استنادا إلى حقائق تكون قد اتضحت ومسؤوليات تحددت بشكل واضح». وأضاف: «لن نتخذ أي قرار متعجل بشأن مستقبل علاقاتنا الاستراتيجية».
الموقف نفسه اتخذته الحكومة الألمانية، حينما تعهدت المستشارة أنجيلا ميركل، بأنها لن تتخذ أي إجراءات بشأن صادرات السلاح للسعودية حتى تتضح ملابسات قضية جمال خاشقجي. لكن رئيس وزراء إسبانيا، بيدرو سانشيز، قال إن بلاده لن توقف صادرات الأسلحة إلى السعودية. وأضاف سانشيز، في كلمة أمام البرلمان أمس، أنه يجب أن «نحمي مصالح إسبانيا».



«التعاون الإسلامي» تؤكد دعمها وتضامنها مع الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل

شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
TT

«التعاون الإسلامي» تؤكد دعمها وتضامنها مع الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل

شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)

أعربت الأمانة العامة لمنظمة «التعاون الإسلامي» عن بالغ القلق إزاء تدهور أوضاع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، البالغ عددهم أكثر من 9500 أسير، من بينهم 73 أسيرة و350 طفلاً، علاوة على المعتقلين من قطاع غزة الذين لا يُعرَف عددهم.

وحذّرت الأمانة العامة من خطورة ما يتعرّض له الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي «من جرائم ممنهجة وغير إنسانية، وآخرها المصادقة على عقوبة الإعدام بحقهم، وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية التي كفلها لهم القانون الدولي الإنساني، من تعليم وعلاج واتصال بالعالم الخارجي، علاوةً على إخضاعهم للتعذيب والاعتداء عليهم بشكل متعمَّد ومنهجي، والتجريد من الإنسانية والإرهاب النفسي، والعنف الجنسي، والاغتصاب، والتجويع، والحبس الانفرادي، وغيرها من الإجراءات التي ترتقي إلى مستوى جريمة حرب وجريمة إبادة جماعية، بموجب القانون الجنائي الدولي»، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية (واس)».

وأكدت الأمانة العامة أن هذه الإجراءات، التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي، «تشكل انتهاكاً لجميع المعايير والقواعد التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني، وميثاق حقوق الإنسان، واتفاقيات جنيف، وغيرها من المواثيق الدولية ذات الصلة؛ الأمر الذي يتطلب مضاعفة الجهود لملاحقة ومساءلة إسرائيل، وفق القانون الجنائي الدولي».

وحمّلت الأمانة العامة للمنظمة إسرائيل «المسؤولية الكاملة عن حياة جميع الأسرى الفلسطينيين، لا سيما الأطفال والنساء والمرضى وكبار السن». وجدَّدت دعوتها جميع أطراف المجتمع الدولي إلى «تحمّل مسؤولياتها وإلزام الاحتلال الإسرائيلي باحترام واجباته تجاه حقوق الأسرى الفلسطينيين».


السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».