25 اتفاقية بقيمة 50 مليار دولار في أول أيام «مستقبل الاستثمار» بالسعودية

15 شركة عالمية من ثماني دول... ومذكرة لربط الخليج العربي بالبحر الأحمر براً

جانب من توقيع اتفاقيات {أرامكو السعودية} أمس (تصوير: أحمد فتحي)
جانب من توقيع اتفاقيات {أرامكو السعودية} أمس (تصوير: أحمد فتحي)
TT

25 اتفاقية بقيمة 50 مليار دولار في أول أيام «مستقبل الاستثمار» بالسعودية

جانب من توقيع اتفاقيات {أرامكو السعودية} أمس (تصوير: أحمد فتحي)
جانب من توقيع اتفاقيات {أرامكو السعودية} أمس (تصوير: أحمد فتحي)

دفع منتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في دورته الثانية، الذي افتتح أمس بالرياض، باتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاعات الطاقة والنقل والخدمات اللوجيستية، وجرى الكشف فيها عن الخطة السعودية لربط موانئ البحر الأحمر بموانئ الخليج العربي، عبر مسار «الجسر البري» بقيمة تصل إلى 10 مليارات دولار.
وشهد اليوم الأول من المبادرة، توقيع شركات أرامكو السعودية، وشركة سابك، لمذكرات استراتيجية، تتوافق مجملها لدعم رؤيتهما نحو الريادة في الطاقة والكيميائيات عالميا.
ووقّعت أرامكو السعودية، أكبر شركة منتجة للنفط في العالم، خلال مشاركتها في فعاليات ملتقى مبادرة مستقبل الاستثمار، 15 مذكرة تفاهم في عدّة مجالات تعاونية واستراتيجية بقيمة تبلغ نحو 34 مليار دولار (127.5 مليار ريال).
وتعكس مذكرات التفاهم التي تم توقيعها استراتيجية الشراكة الدولية لتحقيق التنوّع الاقتصادي، والنهوض ببيئة الاستثمار المحلي، ودعم الفرص الوظيفية. كما تدعم تلك المذكرات الاستراتيجية المستقبلية للشركة في جميع قطاعات أعمالها، ويشمل ذلك أنشطة التكرير والمعالجة والتسويق، الأعمال البحرية، والهندسية، وذلك من خلال الشراكة مع كبرى الشركات العالمية من ثماني دول، وهي فرنسا والصين والولايات المتحدة واليابان والإمارات والمملكة المتحدة وكوريا الجنوبية والهند، وهو ما يعكس طموح الشركة ونمو محفظة أعمالها بما يعزز مكانتها كشركة رائدة في مجال الطاقة والكيميائيات على مستوى العالم.
ويُسهم عددٌ من مذكرات التفاهم في تعزيز برنامج القيمة المضافة الإجمالية لقطاع التوريد في السعودية (اكتفاء)، وهو من المبادرات الرئيسة التي تسعى الشركة من خلالها إلى تحسين سلسلة التوريد المحلية، في مجالي التشغيل وتوفير الوظائف، عبر شراكات تجارية أكبر مع القطاع الخاص الوطني، ويهدف برنامج (اكتفاء) إلى زيادة حجم السلع والخدمات التي يتم توريدها محليا إلى 70 في المائة بحلول عام 2021.
«أرامكو»
وشملت مذكرات التفاهم التي وقعتها أرامكو السعودية أمس، مذكرة تفاهم وتطوير مشتركة مع شركة «توتال» الفرنسية لبدء التصاميم الهندسية من المرحلة الثانية لمصفاة ساتورب، وكذلك مذكرة تفاهم لإمكانية إنشاء شبكة محطات الوقود للتجزئة مع توتال.
كما وقعت أرامكو السعودية مذكرة تفاهم مشتركة مع شركة هيونداي للصناعات الثقيلة لإمكانية استثمار هيونداي في مشروع مجمع الملك سلمان العالمي للصناعات والخدمات البحرية في رأس الخير.
كما وقعت أربع مذكرات تفاهم مع كل من شركة بيكر هيوز جنرال إلكتريك، وشركة شلمبرغير، وشركة هاليبرتون، ومركز إمدادات حقول النفط.
كذلك تم توقيع مذكرتي تفاهم مع شركة فليكس ستيل للاستثمار في منشأة الأنابيب البلاستيكية الحرارية المقوّاة، وشركة الإنشاءات البترولية الوطنية الإماراتية للاستثمار في مجال هندسة وإنشاءات وتركيب المناطق المغمورة.
كما وقعت مذكرات تفاهم مع شركة سي آي إتش تشانغون المتخصصة في الحديد، لتوطين هندسة الحديد، ومع شركة قوم برو للاستثمار في منشأة كيميائيات الحفر، ومع شركة أكوا باور السعودية وشركة أيربرودكت الأميركية بخصوص مشروع التغويز والطاقة الكهربائية في جازان. كما وقعت أرامكو مذكرتي تفاهم مع شركة سوميتومو اليابانية بخصوص احتمالية الاستثمار لتطوير مصفاة بترورابغ، وشركة نورينكو الصينية بخصوص احتمالية الاستثمارات المشتركة. والمذكرة الخامسة عشرة كانت مع شركة إن أو في الأميركية لتصنيع وإصلاح منصات الحفر البري ومعداتها في المملكة في مشروع للاستثمار المشترك.
وتسعى أرامكو السعودية وراء عددٍ من الفرص التي ستبادر من خلالها إلى توطين الصناعة وتوليد مزيد من فرص العمل، حيث تعمل الشركة على زيادة الفرص الوظيفية للمواطنين السعوديين على مدى 10 إلى 15 عاما المقبلة، حيث يُسهم مجمع الملك سلمان العالمي للصناعات والخدمات البحرية بتوليد نحو 30 ألف وظيفة مباشرة و50 ألف وظيفة غير مباشرة.
وأكدت الشركة أن مبادرة مستقبل الاستثمار منصة مثالية لجذب الاستثمارات الدولية، والاستفادة من الفرص الجديدة الناشئة وهو ما ينسجم مع «رؤية السعودية 2030».
وتؤدي أرامكو دورا محوريا في تمكين الشراكات الصناعية والتجارية الجديدة في المملكة بفضل موقعها كقوة عالمية للطاقة، كما يتضح ذلك في استثماراتها وشراكاتها الرئيسية على مستوى العالم، ليس فقط في المجال الأساسي للنفط الخام والغاز والتكرير والمعالجة والتسويق، ولكن أيضا في متابعة التقنيات المتقدمة والأنشطة ذات القيمة المضافة التي تتعلق بالطاقة.
«سابك»
على الصعيد نفسه، وقعت (سابك) مذكرتي تفاهم ودعمت اتفاقية مع شركتين عالميتين ضمن مبادرة مستقبل الاستثمار، ويأتي ذلك تأكيداً لالتزام الشركة بتمكين أهداف رؤية 2030 من خلال توظيف خبراتها في دعم المحتوى المحلي عبر توطين الصناعة وجذب الاستثمار الأجنبي إلى المملكة.
وتضمنت هذه الخطوة فتح مجالات الشراكة مع كفاءات عالمية ذات خبرة طويلة في مجالات صناعية مختلفة، وقد وفرت لها (سابك) التنسيق والدعم اللوجيستي والمواد والمنتجات اللازمة، بالإضافة إلى الدعم التقني ضمن مبادرتها الوطنية «نساند»، ومن شأن هذه الخطوة أن تسهم في توليد عدد من فرص العمل ونقل التقنية والإسهام في دعم الاقتصاد الوطني.
كانت مذكرتا التفاهم مع شركة شميد الألمانية (SCHMID) وشركة رواق للتطوير الصناعي بهدف إنشاء مصانع حديثة ومتطورة تقنيا في مدينة الجبيل الصناعية لإنتاج مادة السليكون المستخدمة لصناعة أشباه الموصلات الكهربائية والإلكترونيات وسبائك خلايا إنتاج الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى تصنيع بطاريات الفناديوم لتطبيقات تخزين الطاقة المتجددة.
وسيقوم المشروع الذي تبلغ كلفته 1.6 مليار ريال (نحو 427 مليون دولار) باستخدام مواد (سابك) في توطين هذه التقنية لأول مرة في المملكة كما سيوفر 1000 وظيفة مباشرة.
يذكر أن هذين المشروعين يعدان نواة استراتيجية لصناعات السليكون التحويلية المتكاملة التي تدخل في مجالات كثيرة، كالنقل والطاقة والأنظمة الدفاعية، إضافة إلى فتح المجال لقيام صناعات مساندة تجلب استثمارات كبيرة وتخلق وظائف عليا ومتوسطة تستقطب عددا كبيرا من الوظائف. ويشمل برنامج تنفيذ المشروعين إعداد وتأهيل وتدريب الشباب السعودي من الجنسين على هذه التقنيات لإدارة وتشغيل هذه المصانع.
في جانب آخر، التزمت (سابك) بتوفير جزء من المواد الخام ضمن اتفاقية مشروع «بان آسيا»، وهي الشركة الصينية التي ستبدأ استثمارا بقيمة 4 مليارات ريال (1.07 مليار دولار) في مدينة جازان الصناعية.
وأكد يوسف البنيان، نائب رئيس مجلس الإدارة الرئيس التنفيذي لسابك، أن هذه الخطوة تأتي ضمن التزام (سابك) بتوطين المعرفة والتقنية والصناعة وتعظيم المحتوى المحلي وجذب الاستثمار الأجنبي، وذلك في إطار دورها في تمكين أهداف رؤية 2030، متفائلا بالأثر الاقتصادي المتوقع لهذه الشراكات على الناتج المحلي وإيجاد فرص العمل.
وأضاف: «لقد واءمت (سابك) جميع استراتيجياتها لتكون في خدمة برامج النمو والتحول لتحقيق الأولويات التنموية الوطنية، والشركة تعتز اليوم بإسهامها في إنجاح مبادرة مستقبل الاستثمار التي تعد محوراً فاعلا لتأكيد مكانة المملكة على المستوى العالمي بوصفها قوة اقتصادية وصانعة لفرص النمو في مختلف المجالات حول العالم، بالاعتماد على توظيف المعطيات التقنية والمعرفية في صنع ازدهار اقتصادي يقوم على التعاون والتكامل بين الجميع».
كما أكد البنيان أن (سابك) أسهمت في هذه الخطوة من خلال شراكاتها الدولية، مشيراً إلى أن دور الشركة سيستمر في إمداد هذه المشروعات بالمواد الخام والدعم اللوجيستي وتسهيل كل الإجراءات التي تضمن تطوير التجارب الفنية والتشغيلية لجميع الأطراف في بيئة استثمارية محفزة.
النقل
وفي جانب النقل، وقع الدكتور نبيل العمودي، وزير النقل رئيس مجلس إدارة هيئة النقل العام في السعودية، خلال فعاليات ملتقى مبادرة مستقبل الاستثمار، اتفاقية تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع قطار الحرمين السريع مع التحالف الإسباني المشغّل للمشروع لمدة 12 عاما ابتداء من عام 2018، بحضور رئيس تحالف الشعلة الإسباني خورخي غارسيا. كما وقع الدكتور رميح الرميح، رئيس هيئة النقل العام مذكرة تفاهم تنفيذ مشروع الجسر البري الرابط بين موانئ البحر الأحمر والخليج العربي عبر الخطوط الحديدية، عن طريق المرور بالخط الحديدي الرابط بين الدمام والرياض، ووقعها عن الجانب الصيني، رئيس مجلس إدارة شركة CCECC الصينية، يوان لي.
وفي إطار ذي صلة، وقع الدكتور بشار المالك، الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للخطوط الحديدية اتفاقية تصنيع عربات الشحن بالقطارات في المملكة، ووقعها رئيس شركة غرين براير الأميركية جيمز كوان.
وفي هذا الصدد، بين وزير النقل نبيل العامودي رئيس مجلس إدارة هيئة النقل العام، أن الاتفاقيات تخدم غايات استراتيجية تحقق رؤية 2030، والسعي الجاد لتحويل البلاد إلى منصة لوجيستية عالمية عبر تطوير صناعة الخطوط الحديدية في المملكة، بما يخدم المسافر والمستثمر من خلال استمرار العمل على تطوير قطارات الركاب وقطارات الشحن، وفتح أبواب جديدة لنقل التقنية والتوطين والإسهام في رفع المحتوى المحلي بما يكفل الاستدامة.
وحول القيمة الإجمالية للمبادرات وما نتج عنها من اتفاقيات، أوضح العامودي أن مذكرة تفاهم تنفيذ مشروع الجسر البري تحمل استثمارات تتجاوز 10.6 مليار دولار، فيما بلغت تكاليف المرحلة الثانية من مشروع قطار الحرمين 3.6 مليار دولار، مبيناً أن الاتفاقية الثالثة بخصوص تصنيع عربات قطارات الشحن في المملكة تأتي باستثمار قدره 267 مليون دولار.


مقالات ذات صلة

محافظ «المركزي السعودي»: نموذجنا الوطني حصّن الاقتصاد ضد الصدمات

الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (صندوق النقد الدولي)

محافظ «المركزي السعودي»: نموذجنا الوطني حصّن الاقتصاد ضد الصدمات

قال محافظ البنك المركزي السعودي (ساما)، أيمن السياري، إن الاقتصاد السعودي بات اليوم نموذجاً للمرونة والقدرة على مواجهة الأزمات من موقع قوة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص إحدى المزارع في السعودية (المعرض الزراعي السعودي)

خاص الاكتفاء الغذائي السعودي… «درع سيادية» في مواجهة عاصفة «هرمز»

في ذروة أزمة «هرمز»، نجحت استراتيجية الأمن الغذائي السعودي في تحويل التحديات العالمية إلى استقرار محلي مستدام.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

تحليل إخباري الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة محمد شهباز شريف للمملكة تجسيداً لعمق العلاقة

جبير الأنصاري (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث تجاوز عدد الخدمات المقدمة 18 مليون خدمة.

بندر مسلم (الرياض)

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.