رفاعة رافع الطهطاوي... رائد الإصلاح الحديث

رفاعة الطهطاوي
رفاعة الطهطاوي
TT

رفاعة رافع الطهطاوي... رائد الإصلاح الحديث

رفاعة الطهطاوي
رفاعة الطهطاوي

تمر هذا الأسبوع الذكري السنوية لميلاد العلامة المؤسس الفكري لحركة الإصلاح الحديث رفاعة رافع الطهطاوي، الذي ولد في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 1801، بمدينة طهطا إحدى مدن محافظة سوهاج بصعيد مصر، هذا الشاب الأزهري الذي بعثه حاكم مصر محمد علي باشا إلى فرنسا ليكون إماماً لبعثة فنية تكون نواة للتقدم العلمي لمصر عام 1826، فكانت وظيفته هي الحفاظ على ثوابت العقيدة والقيم لدى المبعوثين، وإن كان أستاذه الذي رشحه (حسن العطار) قد طلب منه متابعة ما يراه في باريس وتدوينه. ولا أعتقد أنه كان يتصور يوماً أن تلميذه سيكون اللبنة الأساسية لنقل الفكر والتحديث لمصر، ومنها للعالم العربي، في فترة كانت مصر والعالم العربي ترزح تحت وطأة التخلف الفكري والثقافي والحضاري للدولة العثمانية التي عزلتنا عن العالم الخارجي، فكان كتاب الطهطاوي الشهير «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، وكتبه الأخرى، خطوة نحو آفاق جديدة من المفاهيم والأفكار.
لا خلاف على أن الطهطاوي قد تعرض لصدمة حضارية خلال بعثته التي استمرت حتى عام 1831، ولكنه ظل على قناعاته بقيمه وعقيدته، فلم تفتنه الحداثة الغربية في شتى المناحي، كما حدث (ولا يزال يحدث) مع البعض حتى اليوم، فاتبع منهجاً دقيقاً للغاية للحفاظ على العقيدة من ناحية، وإدخال التنوير والحداثة من ناحية أخرى، دون الإخلال بالهوية العربية / الإسلامية، ومن ثم حرصه على نقل ما شاهده، بل والأهم التعرف على الأسباب الموضوعية للتقدم الغربي، وهو ما دفعه للتركيز وبشدة على عملية الترجمة، ووضع أسس للتعليم تكون نواة التقدم المرجو في مصر، فأنشأ بأمر الحاكم «مدرسة الألسن»، التي قامت بتدريس اللغات المختلفة، غربية أو شرقية، والتي سرعان ما تحولت لمدرسة أشمل، احتضنت كثيراً من التخصصات، منها العلوم الطبيعية والسياسة والتاريخ... إلخ، بما يمكن تصنيفها على اعتبارها جامعة بالمفهوم الحديث، ثم أضيف لها مهمة تخريج كوادر للدولة، فكانت النواة التعليمية بعد أن اقتصرت حركة التعليم على الأزهر الشريف والكتاتيب، فصارت صرحاً فكرياً وإدارياً كبيراً له إسهاماته في بناء الدولة، وتخريج رجال الدولة.
ولعل أعظم ما قدمه الطهطاوي أيضاً كان بدء حركة الترجمة في البلاد لنقل التراث الغربي، سواء العلمي أو الفكري أو الأدبي، إلى اللغة العربية بهدف الاستنارة والتقدم، فترجم مئات الكتب. وتؤكد إحدى الدراسات أن الطهطاوي وتلاميذه ترجموا أكثر من ألفي كتاب في أربعين عاماً، وقد أضافت ترجماته عنصرين أساسيين: أولهما ترجمة مصطلحات دارجة في الغرب إلى العربية، وقيمته المضافة هنا كان سعيه لتقريبها لمصطلحات ومفاهيم مشابهة في العربية والتراث الإسلامي عندما لزم الأمر، حتى لا تكون بعيدة ذهنياً عن مرمى القارئ. أما العنصر الثاني فكان تركيزه على اللغة العربية مقابل اللغة التركية، التي كانت سائدة في الدولة على مستوى الحكم والإدارة، وليس أهم من أنه قام بإعطاء الأولوية للغة العربية في صياغة «جريدة الوقائع المصرية»، بعد أن كان التركيز عليها بالتركية، وهو ما يجعله أول من وضع لبنة التعريب لهذه الدواوين، وفصل الدولة المصرية لغوياً عن الدولة العثمانية، وهو بذلك يمكن اعتباره من رواد فكرة القومية أو الوطنية المصرية مقابل الأممية العثمانية، فضلاً عن تأليفه لأول نشيد وطني لمصر.
وعلى صعيد الفكر فقد كان أول من أنشأ صحيفة مصرية، هي «روضة المدارس»، وكان لها دورها في نشر الفكر والثقافة والعلوم، كما كانت له مؤلفات كثيرة متنوعة، من العلوم الطبيعية إلى السياسة والفكر، خصوصاً في ما يتعلق بأنظمة الحكم، وغيرها من المسائل التي تأثر بها، تماماً كما حدث مع محمد عبده بعد ذلك، ففكره الأساسي انصب على التوفيق بين هذه المفاهيم الحديثة للحكم والتراث الإسلامي، فلم يسعَ لإنكار ضرورتها، ولكنه سعى لإيجاد أصول وجذور لها في التاريخ والشريعة الإسلامية يمكن البناء عليها، بل إنه ترجم مفاهيم سياسية على أساسيات تفسيرية لمفاهيم إسلامية، فالحرية عنده تعادل في الشريعة مفهوم العدل والمساواة، منادياً بأخذ المفاهيم التي تناسبنا وتجسيدها على خلفية الأصالة. ومن هذا المنطلق أيضاً، فإنه يمكن اعتبار الطهطاوي في حقيقة الأمر أول من نادي بشكل عصري لمسألة تحرير المرأة، قبل محمد عبده وقاسم أمين بعقود، ولم يستبعد دوراً للمرأة في قيادة الدولة المصرية، وبالتالي يمكن اعتبار دور هذا الرجل مبنياً على جملته الشهيرة «لا بد لعمل الشرع مع العقل».
لا خلاف على أن عظمة الطهطاوي وآثاره متعددة، لا مجال لحصرها هنا، وأنه يعد بالفعل المؤسس لحركة التنوير والإصلاح التي استند إليها من أتوا بعده، مستغلاً رؤية مستنيرة وعيناً فاحصة انتقائية للتحديث. وتقديري أن أهم إنجازاته كانت اهتمامه بالترجمة، كأداة لنقل التمدن، وباعتبارها الجسر الأول لأي تقدم، سواء في زمنه أو اليوم. فإذا ما طبقنا مقولة شارلمان الشهيرة: «أن يكون للمرء لغة ثانية هو أن يكون له روح ثانية»، فإن الطهطاوي قد بعث فينا أرواحاً متعددة وأفكاراً متجددة، وما أحوجنا اليوم للبناء على نموذجه لسد الفجوة القيمية لصناعة الجسر بين الأصالة والحداثة.



جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)
الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)
TT

جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)
الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)

التقى جورج خبّاز بنَفسه مراراً، وفي كل مرةٍ كان اللقاء مختلفاً عن الذي سبقَه. ارتقى الإنسان والفنان كلما التحمَت الأنا بالأنا. مع كل شخصيةٍ تقمّصها، وكلِ جائزةٍ تسلمَّها، وكل شمعةٍ أطفأها، وكل شعرةٍ بيضاء استقبلها، أدركَ أنّ طريق الروح لا يمكن أن يتّجه إلّا صعوداً.

ليست صدفةً أنّ ذاك الطريق جمعَه بـ«منير نورالدين». «كان منير يَغلي في داخلي حتى قبل أن يعرض عليّ أمير فيلم (يونان)»، يخبر الفنان اللبناني «الشرق الأوسط». وكأنّ طاقةَ جورج هي التي اجتذبت منير والفيلم إليه. «كنتُ في اللاوعي حاضراً لتلك الشخصية»، يتابع الممثل والكاتب والمخرج.

دار فيلم «يونان» للكاتب والمُخرج السوري أمير فخر الدين، دورةً كاملة حول الكوكب. من قلبِ برلين إلى سواحل هونغ كونغ، مروراً بمهرجان البحر الأحمر، وليس انتهاءً بصالات السينما اللبنانية التي شغّلت شاشاتها لابنِها المحبوب جورج خبّاز.

ثلاثة عقودٍ من العمل المتواصل أَلِفتْهُ خلالها الخشبة متأرجحاً بين ضحكةٍ ودمعة. أما الشاشة، الكبيرة منها والصغيرة، فاتّسعت لشخصياته الطالعة من الواقع، ولتلك التي نذرت نفسها لإسعاد الناس. لكنّ لمنير وقعاً آخر. كما لو أنّ الشخصية فُصّلت على قياس روح جورج خبّاز.

«في (يونان) حصل نوعٌ من التجلّي. ففي منير كثيرٌ منّي وفيّ كثيرٌ منه»، يبوح الممثل. مَن يراقب جورج خبّاز ويُصغي إليه بتمعّن، يُدرك أنه والقلق الوجوديّ يكادان لا يفترقان. خلف البسمة والبريق والعفويّة، أسئلة مُضنية تشغل الفكر والروح. «نلتقي منير وأنا في غربتنا الإنسانية الداخلية عن الذات والمحيط، وفي تساؤلاتنا المتعلقة بالأمّ والوطن والقِيَم»، يشرح خبّاز.

الكاتب والمخرج أمير فخر الدين متوسطاً الممثلَين جورج خباز ونضال الأشقر في مهرجان برلين 2025 (إنستغرام)

بلغ منير أقصى اليأس والمرارة والتيه الإنساني. حتى أنفاسُه جافته لفَرطِ ما اختنق من العيش. شخصيةٌ ثقيلة ومُثقلة تحزم حقيبةً ومسدّساً، وتغادر مدينة هامبورغ الرمادية إلى جزيرة ألمانية نائية حُبلى بعاصفة. يضرب منير مع الانتحار موعداً لأنّ كل ما سوى ذلك ما عاد يعنيه. مغتربٌ عن وطنه وغريبٌ عن ذاته، يخطّط للنهاية ولا يجرؤ على أن يخطو صوبها.

«نلتقي منير وأنا على أمور كثيرة، لكني على عكسه لا أذهب إلى أقصى السوداوية. ثمة نافذة صغيرة في داخلي أطلُّ من خلالها على الحياة بإيمانٍ وفرح»، يوضح خبّاز.

فاجأ جورج خبّاز جمهوره بانغماسِه في هذه الشخصية الداكنة. لم يفاجئهم أداؤه فهُم يعرفون قدراتِه، لكن «نوع الفيلم هو الذي فاجأهم، حيث لا الصورة ولا الحبكة ولا الأحداث تقليدية. هذا فيلمٌ يتّكل على إحساس المُشاهد وصَبرِه».

ملصق فيلم «يونان» للمخرج والكاتب السوري أمير فخر الدين (إنستغرام)

لا يخفي خبّاز إعجابه الكبير بفِكرِ أمير فخر الدين، وبقلمِه وعدستِه. هو الذي يصف فيلم «يونان» بأنه إحدى أهم الرحلات السينمائية والمغامرات الروحية التي خاضها، يرى في أمير فخر الدين «روحاً عتيقة old soul» رغم سنواته الـ35.

«يوم اتصل بي مطلع 2022 عارضاً عليّ الدور، لم نكن على معرفة سابقة. كان قد شاهدَني في فيلم (أصحاب ولا أعزّ) على (نتفليكس). قال إنه رأى منير في عينيّ»، يسترجع خبّاز انطلاقة «يونان». كانت تلك فرصة ليستكشف أعمال فخر الدين السابقة، على رأسها فيلمه الطويل الأول «الغريب». «ذُهلتُ بلُغَته السينمائية، وعندما قرأت سكريبت (يونان) تضاعفَ الذهول».

بكلّ ما يحمل من أثقالٍ إنسانيّة ووجوديّة، يبقى فيلم «يونان» قصيدةً مصوّرة. مهما طالت، فإنّ مَشاهد الطبيعة مساحةٌ للغوص في النفْس. لا يبتر فخر الدين الصورة، يترك هواء بحر الشمال يعبث بالعشب الأخضر قدر ما يشاء، ثم يدعُ المَدَّ يبتلعُ اليابسة لتغسلَ العاصفةُ الموتَ المتكدّس في صَدر منير.

يكتنز الفيلم بالمشاهد التي تُفرد مساحة للطبيعة والأرض (صور خبّاز)

حالما قرأ نص الفيلم، أدركَ خبّاز أنّ ثمة شاعراً يسكن فخر الدين. «لم أركّز في منير بقَدر ما ركّزت في أمير»، يقول. فالأوّل منبثقٌ عن الثاني وكان على الممثل أن يفهمَ الأصل. وقد انعكست رحلة الاستكشاف تلك تناغماً بين الممثل والمخرج صبّ في مصلحة الفيلم.

منذ عرضه العالمي الأول في مهرجان برلين السينمائي مطلع 2025، و«يونان» يحصد الترشيحات والجوائز. على متن تلك الرحلة، أيقنَ جورج خبّاز أنّ المحتوى الكَونيّ الذي يقدّمه الفنان، والذي يلامس الروح البشريّة أينما حلّت، هو أهمّ من الألقاب والعناوين المضخّمة بعبارة «العالميّة».

هذا البُعد الكَونيّ لم يتحقّق بفَضل مجموعة الممثلين العالميين، ولا اللغة الألمانية التي تعلّمها جورج خبّاز خصيصاً من أجل الدور، بل بفَضل قصة منير والتي يتماهى معها أي شخصٍ اختبر الغربة عن محيطه، وعن البشر وعن ذاته. تتحقّق الكَونيّةُ كذلك بصورة الأرض العارية، البليدة، التي تراقب أبناءها يفنون وهي راسخة وتتجدّد بعد كل عاصفة.

في مشهد القتال، وهو الأصعب وفق جورج خبّاز، التحمَ منير بتلك الأرض. قطفَ بعضاً من أسرارها. وكأنّ الجزيرة النائية التي قاومت الغرَق علّمته أن يتمسّك بخشبة الخلاص بدل الاستسلام للموج العاتي. بصقَ الحوت «يونان»، قائلاً له: «اذهب يا منير، خَيالُك خلّصَكَ».

للمتلقّي حريةُ الحُكم على قصة منير، أكان تعاطفاً أو استغراباً أو تماهياً. أما مَن ما زالوا يؤمنون بأنّ حبل الإنقاذ قد يمتدّ على هيئة يدٍ بشريّة، فلا بدّ أن يتأثّروا بشخصية «فاليسكا» (الممثلة الألمانية هانا شيغولا). صاحبة الفندق، حيث قرر منير إنهاء حياته، التي منعت عنه الغرق، بأسلوبها البارد والمحايد.

عن تلك الشخصية يقول خبّاز إنها جسّدت الأصالة والصدق في التعاطي مع النزيل اليائس. «إنسانية فاليسكا طبيعية وغير مدّعية». ويضيف: «الجميل في (يونان) أنه لا يتلاعب بعواطف المُشاهد ولا يُرغمه على الانجراف إلى أي مكان أو موقف؛ بل إن الجمهور يختار الذهاب حيثما يشاء من البداية حتى النهاية المفتوحة».

خبّاز والممثلة الألمانية هانا شيغولا شريكة القصة والبطولة (صور خباز)

أما الآن وقد مضى كلٌّ من منير وجورج وأمير في طريقه، بقيَ خيطٌ خفيّ يجمع بين هؤلاء الثلاثة. هو الخيطُ ذاتُه الذي سحبَه بعضهم باتّجاه بعض، ليصنعوا فيلماً «يُشاهَد بالروح».


«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
TT

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الخلود المسروق» جاء الفيلم الوثائقي المصري الذي شارك فيه عدد من خبراء الآثار والمسؤولين السابقين، ليرصد تاريخ تهريب الآثار المصرية، والقوانين التي نظَّمت هذه التجارة في السابق، حتى صدور قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983.

الفيلم الذي أصدرته مؤسسة «الدستور»، ويتناول قصة نهب الآثار المصرية، أعدَّته هايدي حمدي، وشارك فيه خبراء ومتخصصون بشهادات متعددة أشارت إلى العدد الكبير من القطع الأثرية التي خرجت من مصر عبر العصور، ربما منذ عصر الرومان، والاتفاقات والقوانين التي كانت تنظِّم عملية تقاسم الآثار بين الحكومة المصرية والبعثات الاستكشافية.

وشارك في الفيلم الدكتور محمد عبد المقصود الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، والدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، والدكتور أحمد مصطفى عثمان مدير إدارة الآثار المستردة سابقاً، والخبير الآثاري أحمد عامر مفتش آثار في المجلس الأعلى للآثار.

ويؤكد مشاركون في الفيلم، ومن بينهم أحمد عامر، أن عدد القطع الأثرية التي خرجت من مصر يصل إلى مليون قطعة أثرية، خصوصاً أن هذه المسألة كانت مقننة، وكان مَن يشتري قطعةً أثريةً يذهب للمتحف المصري ويحصل على صك ملكية للقطعة ويسافر بها للخارج، وفق القانون الذي صدر في عهد الملك فاروق عام 1951. ومن أشهر القطع الأثرية التي أشار لها الفيلم والموجودة في المتاحف الخارجية، تمثال رأس نفرتيتي الموجود في ألمانيا، وحجر رشيد الموجود في المتحف البريطاني، ولوحة زودياك معبد دندرة الموجودة في متحف اللوفر بباريس.

ويلفت المشاركون في الفيلم إلى التاريخ الطويل الذي تعرَّضت فيه الآثار المصرية للسرقة والنهب والتهريب، بطرق قانونية وأخرى غير قانونية مع التركيز على الحقب الاستعمارية، خصوصاً الحملة الفرنسية التي أخرجت كثيراً من القطع الأثرية من مصر، سواء إلى باريس أو إلى لندن بعد هزيمة الفرنسيين أمام البريطانيين في الإسكندرية في بدايات القرن الـ19.

رأس نفرتيتي من الآثار المصرية في الخارج (أ.ف.ب)

وخلال عام 2007 تمَّ تشكيل «اللجنة القومية لاسترداد القطع الأثرية»، وأعلن مسؤولون مصريون استرداد نحو 30 ألف قطعة أثرية من الخارج منذ عام 2014 وحتى العام الماضي، ومن بين القطع التي تم استردادها في أغسطس (آب) عام 2025 عدد 13 قطعة أثرية كانت قد وصلت من المملكة المتحدة وألمانيا، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج.

من جانبه، لفت خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، وأحد المشاركين في الفيلم، إلى أسباب نهب الآثار المصرية عبر العصور، ومنها غياب الوعي بأهمية ما تحمله مصر من تاريخ وحضارة يتمثلان في الآثار المصرية بكل حقبها، وهوس الغرب بالآثار المصرية.

وأوضح ريحان أن المسؤولين عن حماية الآثار المصرية كانوا من الأجانب، خصوصاً الفرنسيين، فقد ظلت مصلحة الآثار لنحو 100 عام تقريباً تحت رئاسة علماء فرنسيين، وأصبحت مصلحة الآثار هيئةً حكوميةً مصريةً خالصةً في عام 1956، بعد جلاء قوات الاحتلال البريطاني نهائياً.

حجر رشيد في المتحف البريطاني (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

واقترح الخبير الآثاري بعض الحلول لوقف عمليات التهريب والعمل على إعادة الآثار المصرية التي تزيِّن متاحف وميادين أوروبا وأميركا، وهي تعديل بعض نصوص المواد التي تقف عقبةً أمام إعادة آثارنا من الخارج في قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 مثل المادة 8 ونصها «تعتبر جميع الآثار من الأموال العامة - عدا الأملاك الخاصة والأوقاف - حتى لو وُجدت خارج مصر وكان خروجها بطرق غير مشروعة»، والتي يجب تعديلها من خلال استبدال عبارة «وكان خروجها بطرق غير مشروعة » لتحل محلها «بصرف النظر عن طريقة خروجها» وبهذا تكون كل الآثار المصرية خارج مصر من الأموال العامة المصرية، وينطبق عليها ما ينطبق على الآثار المصرية.

وكانت أكثر من حملة أطلقها آثاريون من قبل لاسترداد الآثار المصرية المهربة، خصوصاً رأس نفرتيتي وحجر رشيد ولوحة زودياك، في حين تؤكد وزارة السياحة والآثار، في أكثر من بيان، على متابعة كثير من المزادات وقاعات العرض وتتبع القطع الأثرية في الخارج والعمل على استعادتها بالطرق القانونية والدبلوماسية.

ومن القطع المستردة في الفترة الأخيرة رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، وكان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، واستردته مصر من هولندا، بعد رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، كما استردت مصر 20 قطعة أثرية من أستراليا خلال الفترة الماضية.


«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
TT

«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)

ساعتان وربع الساعة غنت خلالها عبير نعمة في صالة «رويال ألبرت» بلندن، مساء الخميس الخامس من مارس (آذار)، فبكت مرات عدة على المسرح، وأبكت جمهورها معها، بينما كانت ضاحية بيروت تتعرض لواحدة من أقسى أشكال القصف المتواصل،

الحفل مخصص في الأصل للاحتفال باليوم العالمي للمرأة، عبر تكريم كبيرات الغناء العربي بصوت عبير نعمة الملائكي، لليلة واحدة استثنائية، لكنه لم يأتِ كما خطط له. فهذه الليلة، وبسبب الظروف المأساوية التي تمر بها المنطقة العربية جاءت مؤثرة، وجمعت حشداً غفيراً أحب أن يتنفس شيئاً من الأمل والرجاء بالفن والموسيقى.

غنت عبير نعمة ترافقها «أوركسترا لندن العربية» بقيادة المايسترو باسل صالح، و«أوركسترا الحفلات الملكية الفيلهارمونية»، وجوقة نسائية رائدة تضم 70 مغنية. كانت في كل مرة تطل عارضة الأزياء الأسترالية اللبنانية جيسيكا قهواتي على الجمهور لتحكي قصة واحدة من النجمات الغائبات، وكأنها شهرزاد طالعة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، تصحب الحاضرين إلى عالم من الحلم مع أسطورة جديدة. ثم تأتي عبير نعمة لتؤدي أغنيات مختارة لهذه العظيمة الراحلة وتعيد الجمهور إلى زمن جميل ولّى.

فيروز، أم كلثوم، أسمهان، صباح، وردة، ليلى مراد، وغيرهن، كن نجمات الأمسية وبطلاتها. ولم تكن من أغنية لفيروز أهم من «لبيروت» في تلك الليلة الحزينة اختارتها عبير لتؤدي تحيتها إلى مدينتها الجريحة. وقبل أن تغنيها توجهت إلى الجمهور بالإنجليزية قائلةً: «أنا آتية من لبنان. أنا آتية من بيروت. مدينة عانت كثيراً، وسقطت مرات عديدة، وهي تواجه الليلة واحدة من أصعب محطاتها لكنها في كل مرة تعود وتنهض»، ثم أدت الأغنية وكأنما من قلب محترق.

توجهت عبير نعمة لجمهورها بالقول: «أنا آتية من لبنان» (الشرق الأوسط)

توقفت عبير أكثر من مرة عن الغناء خلال الحفل، وكانت تدير ظهرها للجمهور لتمسح دمعة غدرت بها، أو تترك للجمهور أن يكمل. ليلة صعبة، لكن الحضور كان يقظاً ومتحمساً، ومتفهماً، ومواكباً، يستبق مغنيته إلى الكلمات ولا يترك مكاناً لفراغ.

«ليلة مع الأساطير» بدأت متأخرة عن الوقت المحدد، وكادت تنتهي قبل أن تشفي عبير نعمة عطش جمهورها إلى أغنياتها التي اختتمت بها الحفل، فكانت الأغنية الأثيرة «بصراحة»، ومن بعدها غنت نعمة من دون موسيقى «بلا ما نحس» وسط تصفيق عارم، لتنهي هذه الأمسية الدامعة بـ«تحية لمن رحلوا» وهي تصدح: «كل ما تقلي إنك جايه بصير بشوف الوقت مراية». تلك الأغنية التي أدتها سابقاً في «جوي أوردز» في السعودية.