رفاعة رافع الطهطاوي... رائد الإصلاح الحديث

رفاعة الطهطاوي
رفاعة الطهطاوي
TT

رفاعة رافع الطهطاوي... رائد الإصلاح الحديث

رفاعة الطهطاوي
رفاعة الطهطاوي

تمر هذا الأسبوع الذكري السنوية لميلاد العلامة المؤسس الفكري لحركة الإصلاح الحديث رفاعة رافع الطهطاوي، الذي ولد في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 1801، بمدينة طهطا إحدى مدن محافظة سوهاج بصعيد مصر، هذا الشاب الأزهري الذي بعثه حاكم مصر محمد علي باشا إلى فرنسا ليكون إماماً لبعثة فنية تكون نواة للتقدم العلمي لمصر عام 1826، فكانت وظيفته هي الحفاظ على ثوابت العقيدة والقيم لدى المبعوثين، وإن كان أستاذه الذي رشحه (حسن العطار) قد طلب منه متابعة ما يراه في باريس وتدوينه. ولا أعتقد أنه كان يتصور يوماً أن تلميذه سيكون اللبنة الأساسية لنقل الفكر والتحديث لمصر، ومنها للعالم العربي، في فترة كانت مصر والعالم العربي ترزح تحت وطأة التخلف الفكري والثقافي والحضاري للدولة العثمانية التي عزلتنا عن العالم الخارجي، فكان كتاب الطهطاوي الشهير «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، وكتبه الأخرى، خطوة نحو آفاق جديدة من المفاهيم والأفكار.
لا خلاف على أن الطهطاوي قد تعرض لصدمة حضارية خلال بعثته التي استمرت حتى عام 1831، ولكنه ظل على قناعاته بقيمه وعقيدته، فلم تفتنه الحداثة الغربية في شتى المناحي، كما حدث (ولا يزال يحدث) مع البعض حتى اليوم، فاتبع منهجاً دقيقاً للغاية للحفاظ على العقيدة من ناحية، وإدخال التنوير والحداثة من ناحية أخرى، دون الإخلال بالهوية العربية / الإسلامية، ومن ثم حرصه على نقل ما شاهده، بل والأهم التعرف على الأسباب الموضوعية للتقدم الغربي، وهو ما دفعه للتركيز وبشدة على عملية الترجمة، ووضع أسس للتعليم تكون نواة التقدم المرجو في مصر، فأنشأ بأمر الحاكم «مدرسة الألسن»، التي قامت بتدريس اللغات المختلفة، غربية أو شرقية، والتي سرعان ما تحولت لمدرسة أشمل، احتضنت كثيراً من التخصصات، منها العلوم الطبيعية والسياسة والتاريخ... إلخ، بما يمكن تصنيفها على اعتبارها جامعة بالمفهوم الحديث، ثم أضيف لها مهمة تخريج كوادر للدولة، فكانت النواة التعليمية بعد أن اقتصرت حركة التعليم على الأزهر الشريف والكتاتيب، فصارت صرحاً فكرياً وإدارياً كبيراً له إسهاماته في بناء الدولة، وتخريج رجال الدولة.
ولعل أعظم ما قدمه الطهطاوي أيضاً كان بدء حركة الترجمة في البلاد لنقل التراث الغربي، سواء العلمي أو الفكري أو الأدبي، إلى اللغة العربية بهدف الاستنارة والتقدم، فترجم مئات الكتب. وتؤكد إحدى الدراسات أن الطهطاوي وتلاميذه ترجموا أكثر من ألفي كتاب في أربعين عاماً، وقد أضافت ترجماته عنصرين أساسيين: أولهما ترجمة مصطلحات دارجة في الغرب إلى العربية، وقيمته المضافة هنا كان سعيه لتقريبها لمصطلحات ومفاهيم مشابهة في العربية والتراث الإسلامي عندما لزم الأمر، حتى لا تكون بعيدة ذهنياً عن مرمى القارئ. أما العنصر الثاني فكان تركيزه على اللغة العربية مقابل اللغة التركية، التي كانت سائدة في الدولة على مستوى الحكم والإدارة، وليس أهم من أنه قام بإعطاء الأولوية للغة العربية في صياغة «جريدة الوقائع المصرية»، بعد أن كان التركيز عليها بالتركية، وهو ما يجعله أول من وضع لبنة التعريب لهذه الدواوين، وفصل الدولة المصرية لغوياً عن الدولة العثمانية، وهو بذلك يمكن اعتباره من رواد فكرة القومية أو الوطنية المصرية مقابل الأممية العثمانية، فضلاً عن تأليفه لأول نشيد وطني لمصر.
وعلى صعيد الفكر فقد كان أول من أنشأ صحيفة مصرية، هي «روضة المدارس»، وكان لها دورها في نشر الفكر والثقافة والعلوم، كما كانت له مؤلفات كثيرة متنوعة، من العلوم الطبيعية إلى السياسة والفكر، خصوصاً في ما يتعلق بأنظمة الحكم، وغيرها من المسائل التي تأثر بها، تماماً كما حدث مع محمد عبده بعد ذلك، ففكره الأساسي انصب على التوفيق بين هذه المفاهيم الحديثة للحكم والتراث الإسلامي، فلم يسعَ لإنكار ضرورتها، ولكنه سعى لإيجاد أصول وجذور لها في التاريخ والشريعة الإسلامية يمكن البناء عليها، بل إنه ترجم مفاهيم سياسية على أساسيات تفسيرية لمفاهيم إسلامية، فالحرية عنده تعادل في الشريعة مفهوم العدل والمساواة، منادياً بأخذ المفاهيم التي تناسبنا وتجسيدها على خلفية الأصالة. ومن هذا المنطلق أيضاً، فإنه يمكن اعتبار الطهطاوي في حقيقة الأمر أول من نادي بشكل عصري لمسألة تحرير المرأة، قبل محمد عبده وقاسم أمين بعقود، ولم يستبعد دوراً للمرأة في قيادة الدولة المصرية، وبالتالي يمكن اعتبار دور هذا الرجل مبنياً على جملته الشهيرة «لا بد لعمل الشرع مع العقل».
لا خلاف على أن عظمة الطهطاوي وآثاره متعددة، لا مجال لحصرها هنا، وأنه يعد بالفعل المؤسس لحركة التنوير والإصلاح التي استند إليها من أتوا بعده، مستغلاً رؤية مستنيرة وعيناً فاحصة انتقائية للتحديث. وتقديري أن أهم إنجازاته كانت اهتمامه بالترجمة، كأداة لنقل التمدن، وباعتبارها الجسر الأول لأي تقدم، سواء في زمنه أو اليوم. فإذا ما طبقنا مقولة شارلمان الشهيرة: «أن يكون للمرء لغة ثانية هو أن يكون له روح ثانية»، فإن الطهطاوي قد بعث فينا أرواحاً متعددة وأفكاراً متجددة، وما أحوجنا اليوم للبناء على نموذجه لسد الفجوة القيمية لصناعة الجسر بين الأصالة والحداثة.



إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
TT

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

قبل 4 أيام من إسدال الستارة على هذه الدورة من المهرجان الألماني الكبير، أتيحت لكاتب هذه السطور فرصة لمقابلة المخرج التركي إلكر تشاتاك. كنت أرغب في طرح أسئلة على المخرج مستوحاة من فيلمه المثير للتفكير وما يدعو إليه. أخبرني المسؤول عن تنظيم المقابلات الصحافية أن المخرج أجرى العديد من المقابلات سابقاً، وربما كنت آخر من يحاوره قبل إعلان النتائج. أحد الأسئلة الواردة هنا يدور حول أهمية الجائزة التي كان يطمح إليها تشاتاك، والتي نالها بالفعل.

مفاجأة كبيرة

إلكر تشاتاك مع بطلَي فيلمه «رسائل صفراء» بعد الفوز في مهرجان برلين (رويترز)

* في بداية الفيلم نتعرّف إلى الزوجين «عزيز» و«دريا» في قمّة نجاحهما. بعد ذلك نراهما يفقدان ما حقّقاه بفعل حادثة. هل يمكن القول إنهما لم يدركا النتيجة التي سيصلان إليها بسبب تلك الحادثة؟ وهل يمكن أنهما لم يتوقّعاها؟

- أولاً، كانت المقدّمة التي اخترتها للفيلم ضرورية ليكون تمهيداً لما قد يحدث لأي فنان، بصرف النظر عن نجاحه، حتى لو كان نجماً. حتى في الغرب، وفي هوليوود، هناك حالات مشابهة تقع لفنانين ينتقدون أوضاعاً تخرج عن الأعراف، ولا بد أنك تعرف ذلك. ما أسرده يحدث في أماكن عدة، هنا في ألمانيا وغيرها من دول أوروبا. فيلمي إشارة إلى ذلك وتنبيه إليه. أما بالنسبة للتوقّع، فيدرك المشاهد أنهما لم يتوقَّعا النتيجة التي ذكرتها؛ لقد كانت مفاجأة كبيرة لهما، وتركت هذا التأثير العميق عليهما وعلى ابنتهما الشابة.

* لا تُخفي في الفيلم ذكر المدينتين الألمانيّتين اللتين صوّرت فيهما العمل. حدّثني عن هذا القرار.

- طبعاً، كان لا بد من ذلك. أردت أن أذكر اسمَي المدينتين اللتين لعبتا دور أنقرة وإسطنبول. لم تهمّني الاختلافات التي قد يدركها المشاهد سريعاً؛ لأنني أردت توظيف اختياري التصوير في ألمانيا؛ فموضوع فيلمي لا يمكن تصويره في تركيا. هذا الاختيار نوع من التأكيد على مضمون الفيلم.

الواقع حاضر

* موضوعك يوحي بأنك استلهمته من حادثة حقيقية، أليس كذلك؟

- رغم أن هناك أحداثاً وقعت لفنانين ومثقفين في السنوات الأخيرة، فإن الفيلم لا يستند إلى شخصية حقيقية أو حادثة معيّنة. إنه استلهام من واقع سائد في أكثر من مكان، كما ذكرت.

* لكن ألا يمكن أن يكون دافعك الأول لهذا الفيلم هو الإشارة إلى هذا الوضع؟

- هو جزء أساسي منه، وليس كله. الحكاية محلّية بالتأكيد، لكن الناتج بطبيعة الحال يعكس وضعاً منتشراً في أكثر من بلد حول العالم، وقد ازداد انتشاره مؤخراً. ومع ذلك، فالفيلم ليس فقط عن النزول من سلّم الشهرة إلى البطالة، بل أردت أيضاً الخوض في موضوع مهم آخر، هو تأثير ذلك على الحياة الزوجية.

* ما نشاهده في وضع العائلة الاجتماعي هو وصف للحال التي وصلت إليها وتأثير ذلك على حياتها الداخلية. بالنسبة إلى الزوجين، يبدو أن كلاً منهما على حق، وهذا واضح من الحوار الذي يتبادلانه، إلى جانب الأجواء التي تصاحب انتقالهما للعيش في منزل والدة «عزيز».

- تماماً، هذا مقصود. كنت أبحث عن حكاية أُبرز فيها العلاقة تحت الضغط. حاولت أن أكون منصفاً: لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام.

* لكن إذا كان هذا هو المقصود، ألا يقع الفيلم في التعميم؟

- لا أعتقد ذلك. في كل أفلامي أطرح أسئلة وأتجنّب الإجابة عنها. أفضِّل ذلك على أن أقدّم للمشاهد جواباً جاهزاً. عليه هو أن يُحلّل ويبحث. لا أرغب في توجيه المشاهد، ولا أريد أن أقول له: هذا ما يجب أن يكون.

الفائز هو الفيلم

المخرج إلكر تشاتاك والمنتج إنغو فليس (أ.ف.ب)

* فيلمك يشارك في مسابقة مهرجان برلين. وهي المرة الأولى لك في المسابقة بعد تقديم فيلمك السابق خارجها «صالة المعلّم» (Teacher’s Lounge). ماذا تعني الجائزة بالنسبة إليك، وبالنسبة لهذا الفيلم؟

- بالنسبة لهذا الفيلم، كما ذكرت، هو إشارة إلى ما يحدث حول العالم هذه الأيام. هناك تطوّرات تقنية نعيشها اليوم قد تؤدي إلى انتشار البطالة وصرف الموظفين من أعمالهم؛ لأن البديل الاصطناعي بات موجوداً. أعني أن المسألة لا تتعلّق فقط بالرقابة، أو منع العمل لأسباب فكرية، بل أيضاً بتطوّرات تمسّ اليوم الكثير من العاملين في شتّى الحقول. علينا أن نكون على وعي بما ستؤدي إليه هذه التعقيدات على المستويات الإنسانية والثقافية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية كافة. أما الجائزة بالنسبة إليّ، فهي تعني مساعدتي على نشر هذه الرسالة. إنها تمنح الفيلم حياة أخرى تتجاوز مجرد المشاركة في المسابقة. إذا فزت، فالفائز الحقيقي هو الفيلم.


«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
TT

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

يفتتح علاء ميناوي مسرحية «الأرض الحرام» بجملة تُحدّد موقعه داخل العرض: «يجب ألا أكون هنا... انفجار مرفأ بيروت دفعني لأكون على خشبة المسرح (...). صعب أن نتكلّم، وصعب أكثر أن نسكت عمّا جرى».

منذ البداية، تضع هذه الجملة الجسد داخل مساحة لا تعترف بأحد. ميناوي، «لبناني لجهة الأب وفلسطيني لجهة الأم»، يقدّم نفسه على أنه يجمع «المجد من طرفيه»، ثم يترك هذا «المجد» يتصدَّع على الخشبة. يُعرّضه للتفكّك تحت شروط مكان لا يمنح استقراراً نهائياً.

«الأرض الحرام» لا تمنح الإنسان ما يكفي ليطمئن ولا ما يكفي ليغادر (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land» ليست خريطة تُرسَم بحدود محسومة. هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر، ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما. يشرح ميناوي الفكرة بجملة تُشبه البوصلة المكسورة: «أبحثُ عن مكان في جهة لا تُشرق منها الشمس، وفي جهة لا تُغرب منها الشمس... لستُ أرغب في أن أكون هنا ولا هناك، ولا أستطيع أن أكون هنا ولا هناك».

بهذا المعنى، «الأرض الحرام» هي منفى داخل المنفى. منطقة يتعطَّل فيها القانون، وتغيب السيطرة، ثم تبقى الأجساد وحدها أمام مفهوم المكان؛ حيث يتوه المرء أين يضع نفسه حين تُحرَّم عليه الجهات كلّها.

على «مسرح المدينة» في بيروت، يُفتَح المسرح بلا حدود تفصل الخشبة عن الجمهور. هذا الخيار يدفع المتلقّي إلى ملامسة الفكرة جسدياً. فالفراغ الذي تتحدَّث عنه المسرحية يمتدّ إلى مساحة الرؤية، كأنَّ «الحدود» لم تعد خطاً على الأرض، وصارت علاقة قاسية بين عين تراقب وجسد يُجرَّب.

داخل هذا الانفتاح، يُمثّل وجدي خالد الجسد العربي الباحث عن مكانه في «الأرض الحرام». الجسد الذي لا ينسى. لا يُشار إلى «فلسطين» بالاسم دائماً، فتحضر عبر عناق قهري للرمال التي افترشت أرض المسرح، وتحوَّلت إلى جزء من السينوغرافيا كأنَّ القبور مفتوحة. وحين يُلَفّ الجسد بالأكياس بعد أن يصير جثة، تتوالد هذه الأكياس بلا نهاية، كأنّ الموت نفسه يتكاثر ولا يصل إلى خاتمة.

الخشبة المفتوحة تُسقِط الحدود وتترك الجسد أمام امتداد لا ينتهي (الشرق الأوسط)

الجسد في هذه «الأرض» غير المحدَّدة تماماً جغرافياً يراوح بين ثلاثة مصائر. هو جسد محارب، أو جسد هارب، أو جسد ينسحب من العالم إلى عالم آخر مُلتبس بين لا هنا ولا هناك. وجدي يُمثّل قصصاً عاشها الجسد المُثقل، واستحال نسيانها، ثم يضع ذاكرته على الرمل كما لو أنها مادة تُشكَّل.

ميناوي يقول إنّ السينوغرافيا ينبغي أن تكون منتهية قبل بدء العرض، فإذا بوجدي يُعيد تشكيلها خلاله بما يوحي للجمهور بأنَّ الزمن يتوقَّف ثم يُستأنف. تتحوَّل الخشبة إلى ورشة دفن وبناء، وكلّ حركة على الرمل تُعيد رسم المكان الذي لم يجده وجدي لبداية مُحتَملة.

تتوقَّف المسرحية عند كلمة «Amygdala»، وتُترجَم إلى «اللوزة الدماغية». إنها المنطقة الصغيرة التي تُدير خوف الإنسان واستجاباته الانفعالية، وتُخزّن أثر الصدمة في الجسد قبل أن تصير حكاية. حضور المفردة يوسِّع فكرة «الأرض الحرام» إلى داخل الرأس، ليقول العرض إنّ الحدود لا تمرّ على الخرائط وحدها، وإنما أيضاً في الدماغ، وفي ذاكرة الخطر التي تُبقي الجسد رهن حالة إنذار. يُلمح ميناوي لقوة الدماغ، وبأنه الحارس القاسي للحياة، والحارس القاسي للوجع معاً. الصدمة التي لا تُهضَم تتحوَّل إلى نظام، والخوف يصير بيتاً مؤقتاً، و«الأرض الحرام» حالة عصبية مزمنة يعيشها الإنسان وهو يبحث عن مكان يُهدِّئ روحه.

الجسد على الخشبة يختبر معنى أن يكون موجوداً في مكان لا يعترف به (الشرق الأوسط)

في مشهد النَّكْش بالرمل، تنخرط الحركة في طَقْس يُشبه نشوة داخل القهر، كأنّ الحَفْر محاولة للعثور على أثر، أو لاستحضار ما دُفن، أو للتصالح مع ألم لا ينتهي. وجدي ليس وحيداً، فـ«الموتى يُغنّون له». أصوات كارول عبود وعمر ضو وضنا مخايل تُسمَع وهو يتكوَّر على أرض المسرح مثل طفل، فتغدو الذاكرة جماعية، وتتحوَّل العزلة إلى جوقة.

ميناوي حكواتي أكثر منه ممثلاً. ينسج السرد ويقوده، ويقترح المعنى عبر خطاب مباشر أحياناً. قوة «الأرض الحرام» كانت لتتكثَّف لو ظلَّت رمزية، وأبقت الباب مفتوحاً لإسقاطات تمسّ كلّ إنسان معذَّب بالظلم في هذا العالم المتوحّش، الفلسطيني وغيره، خصوصاً مع الإشارة إلى السودان ودارفور. وبانزلاق بعض المقاطع إلى خطاب أقرب إلى التقريرية، مثل السخرية من الدور الأميركي الذي جاء و«معه الحرّية»، أو إدانة فنانين لم يُسجّلوا موقفاً مؤيّداً لفلسطين، أو إعادة طرح سؤال «ماذا فعلتَ أنت؟»، أو المرور على مَن اكتفوا برمز البطيخ في «إنستغرام»، ضاق هامش التأويل، واتّجه المعنى نحو أدلجة تُقيّد المتلقّي بدل أن تحرّره.

الكيس البلاستيكي يترك ملامح الجسد عالقة بين الحضور والغياب (الشرق الأوسط)

مع ذلك، حافظت السينوغرافيا (ميناوي بمساعدة حسن مراد) والإضاءة (ميناوي) واللمسة الإخراجية على قوة العرض ورمزيته، خصوصاً في مشهدَي الرمال والكيس البلاستيكي. هذا الجهاز البصري كان يكفي ليحمل العبء السياسي من دون أن يُقال مباشرة. وتبلغ الدرامية ذروتها مع وضع وجدي الكوفية على كتفيه وكتف ميناوي بختام العرض، في صورة تُعيد تثبيت موقع الجسد داخل هذا الفراغ الذي اشتغل عليه العمل منذ بدايته، حيث يبقى حاملاً لذاكرته، وماثلاً داخل مساحة لا تُعيده إلى نقطة سابقة ولا تنقله إلى موقع جديد، وتُبقيه في حالة حضور مستمرّ داخل هذا التعليق.


أطعمة تتسبّب بالجوع والعطش... تعرّف عليها وتجنّبها في رمضان

TT

أطعمة تتسبّب بالجوع والعطش... تعرّف عليها وتجنّبها في رمضان

بعض الأطعمة التي تتسبب بالجوع والعطش (بكسلز)
بعض الأطعمة التي تتسبب بالجوع والعطش (بكسلز)

إذا كان تناولُها، خلال أيام السنة، ممكناً، فمن المستحسن تفاديها في شهر الصيام. ما تلك الأطعمة والمشروبات التي تثير الجوع والعطش؟ وهل هناك بدائل تمنح شعوراً بالارتواء والشبع؟

وفق حوار أجرته «الشرق الأوسط» مع خبيرة التغذية جويل نهرا، ثمّة خطّان أحمران في هذا المجال هما الملح والسكّر. يتسبّب الأول بالعطش، أما الثاني فيحفّز الشعور بالجوع. وتنضمّ إلى السكّر النشويّات، لذلك فإنّ التخفيف منها على الإفطار والسحور وما بين تلك الوجبتَين، يساعد في الوقاية من العطش والجوع خلال ساعات الصيام.

الملح مسؤول عن العطش والسكّر يتسبب بالجوع (بكسلز)

أطعمة تتسبّب بالجوع

في طليعةِ ما تحذّر منه نهرا، الحلويات والنشويّات البيضاء مثل الخبز، والباستا، والمعجّنات، والأرز الأبيض؛ لأنها ترفع منسوب السكّر بالدم ثم تخفضه بسرعة، ما يتسبب بشعور الجوع. تقول خبيرة التغذية: «عندما يكون السحور عبارة عن نشويّات بيضاء فقط وخالياً من البروتين، سيُصيبنا الجوع حُكماً بعد ساعات قصيرة».

* الكرواسان والكيك وسائر الحلويات

لعلّ الحلويات هي أكثر ما ترغبه العين والمعدة بعد ساعات الصيام الطويلة، إلا أنها أكثر ما يتسبب بالجوع، بعد مرور وقتٍ قصير على تناولها. ربما يوحي الكرواسان مثلاً بالشبَع والامتلاء، لكن كل ما يحتوي من طحين أبيض ودهون غير صحية وسكّر يتسبب بردّ فعل عكسي.

السكّر الذي في الكيك والكنافة والبقلاوة وسائر الحلويات الشرقية والغربية، ينشّط مسارات المكافأة والشهية في الدماغ بطريقة مختلفة عن مصادر الطاقة الأخرى. ووفق دراسة أجرتها جامعة ييل، فإن جميع مناطق الدماغ المسؤولة عن الرغبة في الطعام تسترخي بعد الأكل. لكن عند تناول الحلويات، تبقى هذه المناطق نشطة وغير مكتفية.

الحلويات تنشّط مناطق الدماغ المسؤولة عن الرغبة في الطعام (بكسلز)

أما الدهون غير الصحية، كتلك الموجودة في المخبوزات، فتُظهر الأبحاث أن الجسم لا يتعرّف عليها فوراً كمصدر مفيد للطاقة. ما يحصل بعد تناولها هو أن الجسم يخزّن سُعراتها الحرارية بدل تشغيلها، ومن ثم لا تُرسل إشارة إلى الدماغ بأنّ الشعور بالجوع قد انتهى.

نصيحة

تنصح خبيرة التغذية هنا بالتخفيف من تناول الحلويات يومياً قدر المستطاع، والاستعاضة عنها بالفاكهة الغنية بالألياف مثل التفاح بقشره والجوافة، والتمر، والمكسّرات النيئة، والشوكولاته الداكنة.

الحلويات تتسبب بالجوع أما التمر والمكسرات النيئة فيمنحان شعوراً بالشبع (بكسلز)

* الخبز والأرز والباستا وسائر النشويّات البيضاء

لا تكاد تخلو مائدة إفطار من طبق المعجّنات كالفطائر والرقائق والبيتزا. وهل يمكن تصوّر الطبق الرئيسي دون الأرز الأبيض المرافق له؟

لكنّ الخبر غير السار هو أنّ تلك النشويّات البيضاء كافةً ترفع منسوب السكّر في الدم وتخفضه بسرعة قياسية، ما يؤدي إلى الجوع من جديد. فعندما تفرط في تحميل جسمك بالكربوهيدرات البسيطة، يبدأ البنكرياس العمل بأقصى طاقته لإنتاج الإنسولين، ما يخفض مستويات السكر بالدم ويؤدّي إلى الشعور بجوع شديد.

النشويّات والمعجّنات ترفع منسوب السكّر بالدم وتخفضه بسرعة ما يؤدّي إلى الجوع (بكسلز)

نصيحة

استبدل بالخبز الأبيض ذلك المصنوع من طحين القمح الكامل. أما الأرز الأبيض فيمكن استبدال الأرز البسمتي أو الأسمر به. وهذا ينطبق على الباستا التي يمكن اختيار السمراء منها؛ أي المصنوعة من القمح الكامل. فالحبوب الكاملة تحتوي على الألياف والعناصر الغذائية القادرة على منح شعورٍ بالشبع.

الأرز الأسمر هو البديل الصحي عن الأرز الأبيض (بكسلز)

* البطاطا المقليّة والتشيبس

تنتمي البطاطا المقليّة المثيرة للشهيّة إلى فئة النشويّات المشبعة بالدهون غير الصحية. وليس صدفةً أن تشعر برغبة في تناول الحلويات بعد إفراغك كيس التشيبس. فرقائق البطاطا وسائر الوجبات الخفيفة المالحة ليست سوى كربوهيدرات بسيطة سريعة الهضم، تتسبب بارتفاع مستويات الإنسولين ثم انخفاضها.

نصيحة

يمكن اعتماد البطاطا المشويّة في الفرن مع قليل من زيت الزيتون والملح والبهار والأعشاب المعطّرة.

كلّما تَضاعفت الدهون غير الصحية والسكّر وبدائله في الطعام والشراب، زاد احتمال أن تتسبب بالجوع بعد وقت قصير على تناولها. وينضمّ إلى قائمة الأطعمة والمشروبات المؤدية إلى الجوع العناصر التالية:

- الوجبات السريعة (فاست فود)

- حبوب الفطور بالمُحلِّيات الصناعية (كورن فليكس)

- بياض البيض

- الزبادي قليل الدسم

- عصير الفاكهة المشبع بالسكّر

- المشروبات الغازية العادية وتلك الخالية من السكّر

على عكس ما هو شائع فإنّ المشروبات الغازية تتسبب بالجوع (بكسلز)

أطعمة تتسبّب بالعطش

* الملح ومُلحقاته

كثيرة هي الأطعمة والمشروبات التي تتسبّب بالعطش، على رأسها كل ما هو مالح. فمن المعروف أن أحد الآثار الجانبية للصوديوم احتباس السوائل والتسبب بالجفاف والعطش. وتُحذّر خبيرة التغذية جويل نهرا، في هذا السياق، من المأكولات المملّحة، ولا سيّما رقائق البطاطا (التشيبس)، والمكسّرات المالحة، وسواها من وجبات خفيفة غنية بالملح. «خلال الصيام، ولا سيّما على وجبة السحور، من المستحسن الاستغناء عن الملح قدر المستطاع، بما أنّ المبالغة في تناوله سوف تتسبّب للصائم بالعطش طيلة ساعات النهار»، كما تقول نهرا. وتُضاف إلى لائحة الأطعمة المالحة: صلصة الصويا، والمخلّل أو الكبيس، والزيتون.

كل الأطعمة الغنية بالملح تتسبب بالعطش (بكسلز)

* الدهون والأطعمة المقليّة والمصنّعة

مِن بين الأطعمة المسببة للعطش كذلك، المأكولات المقليّة وتلك الغنية بالدهون غير الصحية مثل الوجبات السريعة واللحوم المصنّعة. وتوضح نهرا أن «هذا النوع من الأكل يبطئ عملية الهضم فينشغل الجسم بمعالجة الكمية الكبيرة من الدهون، وهذا يضاعف الشعور بالجفاف».

تُضاف إليها المشروبات المصنّعة كالعصائر المحلّاة ومشروبات الطاقة وتلك الغازيّة؛ «لأنها ترفع منسوب السكّر في الدم وتخفضه بسرعة فتخسر الخلايا المياه بسبب ذلك»، وفق نهرا.

تفادي الوجبات السريعة خلال الصيام لأنها تؤدي إلى العطش (بكسلز)

* القهوة

الفنجان الأحبّ إلى قلب الجميع فنجان القهوة الذي يفتتح به كثيرون الإفطار ويختمون السحور، هو في صدارة مسبّبات العطش. فالكافيين مادة مجفّفة بطبيعتها، ما يعني أنّ المشروبات الغنية بالكافيين، حتى وإن كانت ممزوجة بالماء، تسبب العطش. وتنضمّ إليها المشروبات الغازية الغنية هي الأخرى بالكافيين.

الكافيين مادة مسببة للجفاف والعطش (بكسلز)

نصائح لتفادي العطش في رمضان

تنصح نهرا بشُرب كمية كافية من المياه (بمعدّل 2 لتر) وتوزيعها على الساعات الممتدة ما بين الإفطار والسحور. كما تدعو الصائمين إلى التركيز على الخضراوات وإضافتها إلى كل وجبة لأنها غنية بالسوائل. أما القهوة فمن المفضّل اقتصارها على فنجان واحد بعد الإفطار وليس قبل السحور أو خلاله.