العنف والمشكلات اللوجيستية تشوّش على الانتخابات الأفغانية

أربعة ملايين ناخب أدلوا بأصواتهم خلال يومين

مراقبون من لجنة الانتخابات المستقلة في أحد مكاتب الاقتراع بكابل أمس (أ.ب)
مراقبون من لجنة الانتخابات المستقلة في أحد مكاتب الاقتراع بكابل أمس (أ.ب)
TT

العنف والمشكلات اللوجيستية تشوّش على الانتخابات الأفغانية

مراقبون من لجنة الانتخابات المستقلة في أحد مكاتب الاقتراع بكابل أمس (أ.ب)
مراقبون من لجنة الانتخابات المستقلة في أحد مكاتب الاقتراع بكابل أمس (أ.ب)

شابت العملية الانتخابية في مئات مراكز الاقتراع في أفغانستان أمس بعد تمديدها ليوم ثانٍ، مشكلات تقنية ما أثار انتقادات لسوء التنظيم وقوّض الآمال بصدور نتائج ذات مصداقية لا سيما مع مقتل العشرات جراء اعتداءات.
وتحدَّى الناخبون تهديد «طالبان» باستهداف المراكز الانتخابية في أكثر من 20 ولاية لم تقترع، أول من أمس (السبت). وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن حصيلة الضحايا في صفوف المدنيين وقوات الأمن جراء أعمال العنف التي شابت الانتخابات السبت بلغت نحو 300 بين قتيل وجريح، أي نحو أربعة أضعاف الحصيلة التي أعلنتها وزارة الداخلية، وفق الوكالة.
وعانى بعض مراكز الاقتراع أمس من مشكلات في استخدام أجهزة التدقيق البيومترية، كما أن القوائم الانتخابية «كانت إما غير متوفرة أو غير مكتملة»، بحسب ما أعلن المتحدث باسم اللجنة علي رضا روحاني. وقال روحاني إن «غالبية المشكلات التي واجهناها بالأمس لا تزال قائمة»، مشيراً كذلك إلى تأخر فتح بعض مراكز الاقتراع ووجود نقص في البطاقات الانتخابية.
وبقي 148 مركز اقتراع مقفلاً لأسباب أمنية، بحسب ما أعلنت اللجنة. وقوّض سوء إدارة اللجنة الانتخابية المستقلة للانتخابات التشريعية الثالثة منذ إطاحة نظام «طالبان» في 2001، الآمال بقدرتها على تنظيم الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان) المقبل.
وقال توماس راتيغ، مدير مركز «شبكة محللي أفغانستان»، لوكالة الصحافة الفرنسية إن «ذلك لا يبشر بالخير للعام المقبل»، في إشارة إلى الانتخابات الرئاسية المتوقّعة. وتابع راتيغ: «أظهرت اللجنة الانتخابية المستقلة بوضوح عدم قدرتها على إدارة انتخابات مقبولة وشفافة، ونشرت أرقاماً مضلِّلة».
من جهته، أعلن مسؤول غربي تولى مراقبة التحضيرات الانتخابية على مدى شهور للوكالة الفرنسية فقدان الثقة «تماماً» باللجنة الانتخابية المستقلة.
وأظهرت الأرقام الأولية التي نشرتها اللجنة أن نحو أربعة ملايين شخص اقترعوا خلال يومي السبت والأحد معرّضين حياتهم للخطر، وانتظر كثر منهم طويلاً فتح مراكز الاقتراع أبوابها، على الرغم من اعتداءات أوقعت عشرات القتلى. وستجري الانتخابات في ولاية قندهار الجنوبية في 27 أكتوبر (تشرين الأول) بعد تأخر الانتخابات بسبب اغتيال قائد شرطة.
وسجّل نحو تسعة ملايين ناخب للانتخابات التشريعية، لكن كثيرين يعتقدون أن قسماً كبيراً من عمليات التسجيل تم بأوراق ثبوتية مزوّرة بهدف التلاعب بالنتائج. ويقول مراقبون إن مجرّد المشاركة في الاقتراع يُعتَبَر إنجازاً بحد ذاته.
وعقب إغلاق مراكز الاقتراع أمس، تحدى الرئيس أشرف غني طالبان على أن يثبتوا إذا ما كان «طريقهم أم طريق الديمقراطية هي المفضلة لدى الشعب». وكان يتوقّع أن تتأثر نسبة المشاركة بعد أن أصدرت حركة طالبان عدة تحذيرات طالبت فيها بانسحاب أكثر من 2500 شخص ترشحوا للنيابة، ودعت الناخبين لملازمة منازلهم.
أعلنت حركة طالبان عن تمكُّن مقاتليها من شن 407 عمليات عسكرية خلال يومي السبت والأحد لتعطيل الانتخابات. وقال قاري يوسف أحمدي، الناطق باسم «طالبان» في جنوب أفغانستان، إن الهجمات التي شنتها قوات طالبان أسفرت عن خسائر كبيرة للقوات الحكومية في الأرواح والمعدات وتدمير عدد من المراكز والعربات العسكرية، وكذلك مصادرة كثير من المواد الانتخابية مثل أوراق الاقتراع وغيرها، وأسر مائة من العاملين في لجنة الانتخابات الأفغانية.
وأضاف البيان الصادر عن قاري يوسف أحمدي أن الهجمات أسفرت كذلك عن إغلاق المئات من مراكز الاقتراع في مختلف الولايات الأفغانية وأن جموع الشعب الأفغاني استجابت لنداءات طالبان بمقاطعة الانتخابات البرلمانية، كما أشار البيان إلى عرقلة مقاتلي طالبان لعملية الانتخابات في كل المديريات الأفغانية. وسخر البيان كذلك من ادعاء الحكومة الأفغانية بنجاح عملية الانتخابات بالقول إن من صوتوا في الانتخابات هم موظفو الحكومة الأفغانية في بعض المناطق، وليس في كل المدن الكبرى، وإن حديث الحكومة عن نجاح الانتخابات ما هو إلا محاولة للتضليل، وإن كل هذه الحملة ممولة من القوات الأميركية لإظهار الحكومة الأفغانية والقوات الأميركية بأنهم نجحوا في إقامة حكومة ديمقراطية في ظل الاحتلال الأميركي لأفغانستان.
وفي بيان آخر لحركة «طالبان»، قالت إن المواطنين في ولاية هلمند الجنوبية التي تسيطر على غالبيتها قاطعوا الانتخابات بالكامل، ولم يتم تسجيل أي تصويت في الولاية. كما أفاد بيان آخر للحركة بأن القوات الحكومية انسحبت من قاعدة عسكرية مهمة في منطقة تشار شينغي بمديرية دولت آباد، في ولاية فارياب الشمالية.
وأشار البيان إلى أن قوات الحركة تمكَّنَت من السيطرة على مركز أمني في منطقة عيدزي، بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الحكومية، مما أدّى إلى مقتل عدد من القوات الحكومية.
من جانبها قالت الحكومة الأفغانية إن أحد عشر شخصاً من عائلة واحدة بينهم امرأة وأطفال قُتِلوا في ولاية ننجرهار بانفجار لغم في منطقة مامند دارا في مديرية أشين، قبل ظهر أمس (الأحد). ونقلت وكالة «خاما بريس» المقربة من الجيش الأفغاني عن مسؤولين أمنيين قولهم إن الانفجار قد يكون ناتجاً عن لغم زرعته «طالبان» أو تنظيم «داعش» دون أن يتبنى التنظيمان الانفجار.
وأظهر تقرير نشرته الحكومة الأفغانية نقلاً عن بعثة الأمم المتحدة أن ارتفاعاً حادّاً في عدد القتلى المدنيين لوحظ في الفترة ما بين بداية العام الجديد ونهاية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، وأن غالبية القتلى سقطوا جراء ألغام مزروعة في المناطق الأفغانية المختلفة.
وتحدّث مسؤولون عن الفوضى التي شهدتها مراكز الاقتراع، أول من أمس (السبت)، لا سيما عدم إلمام العاملين في المراكز بآلية استخدام الأجهزة البيومترية التي وزّعتها اللجنة في الساعات الأخيرة على المراكز لمحاولة استرضاء الزعماء السياسيين، وشددت على ضرورتها من أجل احتساب الأصوات صحيحة وغير ملغاة.
ولم يجد كثير من الناخبين الذين سجلوا قبل أشهرٍ أسماءَهم على اللوائح، كما سيطرت طالبان على عدد من المراكز ومنعت الاقتراع. وتسود مخاوف من أن تمديد فترة الاقتراع ليوم واحد قد «يؤثر على شفافية العملية» ويفتح المجال أمام التزوير، بحسب منظمة مراقبة الانتخابات والشفافية في أفغانستان.
وتم توجيه التهم إلى 44 شخصاً بـ«التدخل في الانتخابات خلافاً للقانون والغش»، بحسب وزارة الداخلية. ومع مواصلة عمليات الفرز والبدء بنقل صناديق الاقتراع إلى كابل، أعرب الناخبون والمرشحون الأفغان عن شعورهم بالإحباط عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وعلّق أحدهم على الصفحة الرسمية للجنة على موقع «فيسبوك»: «عار على اللجنة الانتخابية المستقلة. ليس هناك من تنظيم على الإطلاق، لم أتمكن من العثور على اسمي في المركز الانتخابي حيث سجّلت».
في المقابل، دافع رئيس اللجنة الانتخابية المستقلة عبد البديع سيد عن طريقة إدارة الهيئة للانتخابات، معتبراً أن المشكلات لم تكن بسبب «ضعف الإدارة».
وعلى الرغم من الفوضى التي سجّلت قالت بعثة المساعدة التابعة للأمم المتحدة في أفغانستان التي قادت جهود تقديم المشورة للجنة إن الانتخابات كانت «إنجازاً كبيراً في تحوّل أفغانستان إلى الاعتماد على القدرات الذاتية».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...