كوابيس الجرح العراقي... بالفرنسية

ترجمة لرواية «وحدها شجرة الرمان»

كوابيس الجرح العراقي... بالفرنسية
TT

كوابيس الجرح العراقي... بالفرنسية

كوابيس الجرح العراقي... بالفرنسية

عن دار «سندباد» صدرت أخيراً ترجمة فرنسية لرواية العراقي سنان أنطون «وحدها شجرة الرمان» بعنوان «seul le grenadier»، وهي رواية تتناول الفواجع التي مرّ بها العراق، وخاصة الحرب العراقية الإيرانية، ثم الاحتلال الأميركي عام 2003.
فمن الصفحة الأولى يبدأ سنان أنطون روايته بكابوس يرى فيه بطله جواد كاظم (الراوي) رأسه مقطوعاً وهو يناجي رأس حبيبته ريم المقطوع أيضاً، ثم تتكرر الكوابيس في الرواية بمشاهدات مختلفة تدور في فلك واحد؛ الموت، ولا شيء سوى الموت الذي يحصد الجميع.
الموت المجاني، والقتل على الهوية، والصراع الطائفي بين سنة وشيعة، «كانت هناك في الماضي خطوط أو بعض السواقي بين السنة والشيعة، وبين هذه المجموعة وتلك، يسهل عبورها وقد لا نراها، والآن بعد الزلزال تشققت الأرض وأصبحت السواقي أخاديد، ثم أصبحت الأخاديد وديانا امتلأت بالدم».
القصة تدور حول عائلة شيعية تمتهن مهنة غسل الأموات أباً عن جد. الوالد حسن الذي يملك «مغيسل» في بغداد يقوم بغسل الموتى مع مساعده حمودي، ويدرب ولديه (أمير، وجواد) على المهنة. جواد يروي معاناة عائلته كمثال لمعاناة عائلات الشعب العراقي بأكمله، خلال فترة الحروب «المجانية» التي قادها صدام حسين. تبدأ المأساة بمقتل الولد البكر أمير الذي درس الطب في معركة الفاو إبان الحرب العراقية الإيرانية، وعودته محمولا في صندوق على ظهر سيارة أجرة ملفوفا بالعلم العراقي كعشرات الآلاف من الشباب العراقيين الذين وصلوا ديار أهاليهم محمولين في صناديق على ظهر سيارات الأجرة. الأب حسن الذي فجع بولده يُقتل بدوره فيما بعد بصاروخ أميركي أثناء تأديته صلاة الفجر في منزله.
في عراق ممزق، عراق ما بعد الحروب المجانية يصر جواد على دراسة الفن التشكيلي والنحت، وهي هوايته، إذ تدرب على يد مدرس الرسم رائد إسماعيل، رغم معارضة والده قبل مقتله: «هادي شنو تسوي بيها، (يقول الأب في حوارات طويلة تحث الابن على مزاولة مهنة غسل الموتى، حيث كل الحوارات وردت بالعامية العراقية) مهنتنا مهنة شريفة يابه»، لكنه كان مغرماً بالفن والنحت وتماثيل النحات الشهير جياكومتي، وللهرب من دكة غسل الموتى كان يرسم وجه أبيه، أو حمودي وهو يغسل الميت ما أغضب والده: «عيب إبني الأموات إلهم حرمة ارسم أبوك ارسم حمودي شكد ما تريد بس عوف الأموات بحالهم»، هرب من المغيسل وراح يعمل في صباغة (دهان) البيوت الفاخرة للأثرياء الجدد، ويكتشف الطبقة الطفيلية التي اغتنت من هذه الحروب وباتت تملك سلطة المال. بعد مقتل والده استمر مساعده حمودي بالعمل في المغيسل، ويقتسم مع جواد الذي يعيل أمه الدخل مناصفة، لكن حمودي اختفى ذات يوم ولم يعد، وبات في عداد القتلى بالتفجيرات في كل مكان.
في كلية الفنون تعرف على ريم ابنة، وهي عائلة غنية، التي كانت بدورها قد فقدت زوجها الضابط في الجيش الذي قتل في إحدى المعارك على الجبهة، وارتبط معها بحب جارف، وعقد خطبته عليها، لكن سعادته لم تدم طويلا، إذ فقد أثرها بعد فترة فبحث عنها في كل مكان دون جدوى إلى أن تسلم منها رسالة تقول له فيها إنها في عمان وقد أجرت عملية جراحية لاستئصال الثدي بعد أن اكتشفت أنها مصابة بالسرطان الذي انتشر في العراق بسبب استخدام اليورانيوم المخفف في المتفجرات الأميركية، ثم انقطعت عنه أخبارها كلياً.
سيق به إلى الخدمة العسكرية مرغماً في منطقة السماوة حيث تعرف على باسم وباتا صديقين حميمين، لكن هذه الصداقة لم تدم طويلا، فالقصف الأميركي على المبنى الذي يقيمان فيه لم يرحم باسم الذي قتل من جرائه. بعد عودته من خدمته في السماوة لم يجد مكانا آخر للعمل سوى المغيسل والتعايش مع مهنة الموت.
العم صبري المنتمي للحزب الشيوعي، والذي كان ملاحقا من قبل مخابرات حزب البعث، عاد بعد غياب طويل إلى بغداد من منفاه في ألمانيا في زيارة قصيرة وطلب منه جواد المساعدة للسفر إلى أوروبا فهو لم يعد يطيق مهنة الموت، عندما جهز نفسه للسفر واستقل سيارة تقله إلى معبر طريبيل مع عائلة أخرى هاربة من القتل، لم يتمكن من عبور الحدود الأردنية لكونه عازبا، فالأردن لم يكن يقبل إلا زيارات العائلات، فيجد نفسه مضطرا للعودة إلى بغداد وإلى المغيسل ليتابع غسل الموتى نهارا، ومعاناة الكوابيس ليلاً، فدكة غسل الموتى تلاحقه في أحلامه، والأموات تزداد أعدادهم كل يوم على دكة المغيسل مع الانفلات الأمني، ومع مجيء رجل يدعى الفرطوسي (عامل خير) ليطلب منه غسيل الجثث التي تلقى في الشوارع ولا أحد يكترث بها، وتنهش بها الكلاب السائبة، ومعظم الأحيان تأتي ناقصة الأعضاء أو أشلاء... «كان كل يوم صعبا وله مآسيه الخاصة بتفاصيلها، لكن الخميس كان الأطول والأصعب؛ لأنه اليوم الذي تصل فيه ثلاجة الفرطوسي المحملة بحصاد الموت الأسبوعي... فإذا كان الموت ساعي بريد فأنا الذي أتلقى رسائله كل يوم».
لقد حاول أنطون سرد الواقع في فترة قلقة جدا عاشها العراق منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران ودخول العراق في حرب طويلة معه، ثم غزو الكويت، والحرب الأميركية الأولى في عاصفة الصحراء، التي فرضت أميركا بعدها حصارا شديدا على العراق انتهت بحرب أخيرة سقطت من جرائها بغداد ومعها نظام صدام حسين، بأسلوب مباشر وصريح بمزيج من الفصحى والعامية باللهجة العراقية التي يصعب أحيانا فهمها من قارئ غير عراقي، لكنها أعطت للرواية رونقا جميلا يعكس الواقع المعاش في الطبقات الشعبية، «وهذا ما تفتقره الرواية بترجمتها إلى لغة أجنبية، في مقارنة بين النص العربي والنص الفرنسي، لكون الحوارات العامية لا يمكن ترجمتها، فتأتي بلغة فرنسية سليمة تفتقر إلى عذوبة الجمل المحكية بالعامية العراقية بعفويتها ومعانيها».
العراق الذي دخل أتون حرب طائفية داخلية، بعد الحروب الخارجية، بين سنة وشيعة، عرف سنان أنطون كيف يجعل من بطله جواد أن يكون خارج هذه اللعبة الخطرة التي جعلت الجدران السميكة العالية «الكونكريتية» ترتفع بين الطائفتين، فهو يقف ضد طرح والدته التي تعتبر أن السنة هم القتلة، وهم الذين يفجرون المراقد المقدسة... ولا يرى سوى عراق واحد يتساوى فيه السني والشيعي والمسيحي وكل المكونات الأخرى للشعب العراقي.
في باحة المغيسل كانت هناك شجرة رمان وحيدة تشرب ماء الغسيل، كان الوالد حسن يجلس إليها يشرب إستكانة شاي ويطقطق بسبحته...



دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».