لبنان: الحقائب الوزارية... مغانم فوق القانون

باتت تُصنّف بين «سيادية» و«وازنة» و«خدماتية»... ووزارات «دولة»

لبنان: الحقائب الوزارية... مغانم فوق القانون
TT

لبنان: الحقائب الوزارية... مغانم فوق القانون

لبنان: الحقائب الوزارية... مغانم فوق القانون

تكرّس المناقشات لتشكيل الحكومة اللبنانية الحالية، أعرافاً طارئة سرت منذ حكومة عام 2005، تقوم على تقسيم الوزارات إلى أربع فئات، وتوزّعها على الطوائف وممثليها من القوى السياسية الكبرى. وفي حين يصار إلى الالتزام بـ«المناصفة» (المسيحية الإسلامية) عند توزيع الحصص الوزارية، يشتعل الصراع على الوزارات «الخدماتية» والوزارات «الوازنة» تستحوذ على أكبر نسب إنفاق من الموازنة المالية العامة، وتتمتع - في هذا الظرف أو ذاك - بأهمية سياسية بالغة بالنظر إلى حساسيتها. وهذا، مثلاً، هو حال وزارة العدل التي يصرّ الرئيس اللبناني ميشال عون على أن تكون من حصته مرة ثانية، بحسب ما تقول مصادره لـ«الشرق الأوسط». ويتحدث أعضاء في «التيار الوطني الحرّ» (أو «التيار العوني»، الذي أسسه عون وتزعمه حتى تولّيه الرئاسة) عن أن تمسّكه بها يهدف إلى «استكمال مشروع مكافحة الفساد الذي التزم به الرئيس»، و«لأننا مقبلون على ورشة إصلاحية».

تقسيم أو تصنيف الوزارات في لبنان بين «حقائب سيادية» وحقائب «وازنة» و«خدماتية» و«وزارات دولة»، غير موجود دستورياً، إلا أنه بات عرفاً كرسته الممارسة في عمليات تشكيل الحكومات الأخيرة.
في هذا، يرى بعضهم تعزيزاً لأسس النظام السياسي اللبناني القائم على ما يُسمّى «الديمقراطية التوافقية»، ويكرّس تقاسم السلطة بين الطوائف والأقطاب السياسية، بحيث لا يلغي طرفٌ الطرف الآخر، كما يمنح كل الأقطاب قدراً من التمكين السياسي عبر التوزيع للوزارات، يخضع أحياناً لمبدأ المداورة.
غير أن خبراء مشاركين في جلسات «اتفاق الطائف» يرون أن تصنيف الوزارات «خلل بنيوي بالنظرة إلى تطبيق النظام الديمقراطي، ويعاني من انتقاص في حسّ المسؤولية»، وهذا ما يراه النائب والوزير السابق إدمون رزق، مشدّداً على أن «الشراكة يجب أن تكون وحدة المشروع وحسّ المسؤولية، لأن البلد في وضع متردٍّ وهم (أي كبار الساسة) يبحثون عن حصص وتحاصص». وفي حين لا ينفي خبراء أن دور الوزارات «الوازنة»، كما باتت تعرف: «قد يصل إلى تغيير موازين قوى كتل نيابية بأكملها»، يقول النائب ماريو عون عضو «تكتل لبنان القوي» (الذي يتسيّده تيار رئيس الجمهورية) لـ«الشرق الأوسط» موضحاً موقف فريقه السياسي «إننا كنا نتمنى لو أن كل الوزارات تكون عرضة للتغيير، ولا تكون حصرية أو ملكية لفريق دون آخر».
في حكومة تتألف من 30 وزيراً، يرأسها رئيس من الطائفة السنّيّة، يبلغ عدد الحقائب الموصوفة بـ«السيادية» 4 حقائب، كما يبلغ عدد الحقائب «الوازنة» 6. أما الحقائب «الخدماتية» فيبلغ عددها 11 حقيبة، تتنوع من حيث الأهمية تبعاً لميزانيتها السنوية، بينما يبلغ عدد «وزراء الدولة» من - أي الوزراء من دون حقيبة - 8، وهو التقسيم الذي انطبق على الحكومة الحريرية الأخيرة.

- تصنيف الحقائب
ينطلق الصراع على الحقائب «الوازنة» أساساً من كونها وزارات «خدماتية»، ولكونها تسهم إلى حد كبير في تجيير مقدم الخدمات للناخبين، كما يقول خبراء. ومع أن بعضها، مثل وزارة الاتصالات، لا يستحوذ على كمية كبيرة من إنفاق الموازنة، فإنها تُعد وزارة أساسية لأنها تدرّ أموالاً طائلة على الخزينة، ومسؤولة عن إدارة الشركات التي تستثمر في القطاعات من الدولة. في حين تُعد وزارات أخرى مهمة بالنظر إلى أن حجم الإنفاق فيها مرتفع جداً، مثل وزارة التربية التي تحتل الموقع الثاني بين الوزارات الأكثر إنفاقاً بعد وزارة الدفاع. وتليها وزارات الصحة، ثم الأشغال العامة، ثم العدل، فالطاقة، مع الإشارة إلى أن هذه الأخيرة، وعبر مؤسسة كهرباء لبنان، تعد من أكثر القطاعات عبئاً على الخزينة. ولا ينفي خبراء أن دور الوزارات «الوازنة» المتنافس عليها «قد يصل إلى تغيير موازين قوى كتل نيابية بأكملها».
مع هذا، يؤكد أستاذ القانون الدستوري ربيع قيس أن «القانون اللبناني لا يفضل وزارة على أخرى»، لافتاً إلى أن هذا التصنيف بين حقائب سيادية وحقائب خدماتية درجة أولى أو ثانية وغيرها «لا محلَّ قانونياً له، وبات موجوداً بعد اتفاق الطائف، بالنظر إلى أنه قبل اتفاق الطائف لم تكن الوزارات محصورة بأي طائفة».
ويشدد قيس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن تطبيق هذا التقسيم «سياسي ولا يعكس روح الطائف ولا روح الدستور، بدليل أنه حتى بعد اتفاق الطائف حصلت بعض الخروق، مثل تسليم وزير من طائفة الكاثوليك حقيبة سيادية». ويوضح قيس أن ما ينصّ عليه الدستور والميثاق «محصورٌ بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وتسمية الطوائف التي يتحدر منها الرؤساء الثلاثة (الجمهورية للموارنة، والمجلس النيابي للشيعة، ورئاسة الحكومة للسنة)، كما يتحدث عن المناصفة في وظائف الدرجة الأولى». وهنا، نشير إلى أن وزير الخارجية جبران باسيل كان قد تحدّث عن هذا المبدأ في مقابلة تلفزيونية مؤخراً، فقال إنه مع مبدأ المداورة في الحقائب السيادية، وتوسيع الحكومات لتشمل طوائف أخرى غير ممثلة في الحكومات المتعاقبة مثل طائفتي السريان والعلويين.
بدوره، يعطي إدمون رزق، القانوني والنائب والوزير السابق، الذي كان أحد المشاركين في مباحثات «اتفاق الطائف»، التصنيف، أبعاداً تتخطّى الجانب القانوني. إذ يُعرب رزق عن اعتقاده أن هناك «ضلالاً مبيناً بالنسبة لتعاطي السياسيين مع شؤون الحكم وعدم النية والجدية في النظر إلى المصلحة العامة». ويضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «عندما كنا في الطائف، توصلنا، على سبيل الوفاق الوطني، إلى وضع أسس للشراكة الوطنية وليس المحاصصة المذهبية والطائفية المموّهة لاصطفافات سياسية. أما اليوم فالخلل البنيوي هو في النظرة إلى المسؤولية الوطنية، تلك التي لا تصنِّف ولا تُصنف ولا تحاصِص». وتابع: «مجلس الوزراء مجتمعاً هو يتحمل المسؤولية السياسية. إذن، كل وزير في أي موقع كان، له الحدّ المتساوي من السيادية مع أي وزارة ثانية»، لافتاً إلى أن «تصنيف الوزارات بين خدمية وتبعية وسيادية هو تصنيف مبتذل ودخيل على الدستور والمفهوم الديمقراطي، وهو خلل بنيوي في النظرة للمسؤولية وتحويلها إلى نوع من المحاصصة... كأنما السلطة غنيمة».
ويواصل رزق شرح قائلا: «أما التطييف فهو غير موجود إطلاقاً، ولم تجرِ أي تسويات أو تفاهمات حول توزيع الوزارات على الطوائف والمذاهب»، ومشدداً على أنه «يجب الاحتكام إلى المادة 95 من الدستور التي وضعنا فيها أسس العبور للمواطنة»، مؤكداً أن «المقياس الوحيد للوظائف هو الكفاءة والاختصاص... بينما البحث في توزيع طائفي للوزارات دخيل على الدستور واتفاق الطائف ويدخل ضمن التلاعب السياسي المموه».
وبعد أن يقول: «هذا التصنيف، فضلاً عن أنه غير قانوني، هو لا أخلاقي ولا ديمقراطي. هو مفهوم تخلفي للسلطة وهو من رواسب الرجعية السياسية»، يضيف النائب والوزير السابق أن أطرافاً سياسية «تبحث عن الألقاب، وهو ما ضاعف عدد الوزراء إلى 30 وزيراً. لبنان عرف حكومات من 4 و6 و8 وزراء. وبعد اتفاق الطائف، كنا في حكومة تألفت من 14 وزيراً. كل وزير كان يحمل أكثر من حقيبة... وفي العالم هناك توجه لتقليل عدد الوزراء».

- بين «سيادية» و«وازنة»
تتقاسم الطوائف الأربع الكبرى في لبنان (الشيعة والسنة والمسيحيون الموارنة والمسيحيون الروم الأرثوذكس) الحقائب السيادية في الوزارات وهي: الداخلية التي يشغلها حالياً في «حكومة تصريف الأعمال» السنة ممثلين بوزير يمثل تيار المستقبل (نهاد المشنوق)، والخارجية التي يشغلها الآن الموارنة من حصة «التيار الوطني الحر» (جبران باسيل)، والمالية التي يشغلها الشيعة من حصة «حركة أمل» (علي حسن خليل)، والدفاع التي شغلها وزير أرثوذكسي من حصة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون (يعقوب الصرّاف). وعلى الرغم من المداورة بين الطوائف الأربع على تلك الحقائب في حكومات ما بعد الطائف، يتمسك رئيس البرلمان نبيه برّي بحقيبة وزارة المالية منذ حكومة الرئيس الأسبق تمام سلام، لكونها تعطي الطائفة الشيعية مشاركة في السلطة التنفيذية عبر توقيع وزير المالية الشيعي. ومن ثم، تكتسب هذه الحقائب «السيادية» الأربع أهميتها من كونها وزارات سياسية بالدرجة الأولى خلافاً للحقائب «الوازنة» أو «الخدماتية».
أما الحقائب «الوازنة»، فهي 6 حقائب، وتتضمّن الأشغال العامة والنقل، والطاقة والمياه، والاتصالات، والصحة، والعدل (العدلية)، والتربية والتعليم العالي. وتقسم هذه الحقائب مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بحيث يكون في الغالب حقيبة للسنة وأخرى للشيعة وأخرى للموحّدين الدروز، بينما تكون هناك حقيبة للموارنة، وأخرى للروم الأرثوذكس، وأخرى للروم الكاثوليك أو الأرمن الأرثوذكس. ويُخرق العرف في بعض الأحيان بحيث يمكن أن تحصل طائفة من تلك الطوائف السبع على حقيبتين موزّعتين لتكتلين برلمانيين مختلفين، وتلعب هنا الاتفاقات بين القوى السياسية دوراً في إحداث خرق.
وبعد المحاولات لتذليل عقد الحقائب «الوازنة»، تأتي الحقائب «الخدماتية»، وتتصدرها حقيبتا وزارتي الشؤون الاجتماعية والإعلام، الأولى تخصص لها الحكومة موازنة كبيرة أيضاً كوزارة خدماتية، والثانية تُعد حقيبة سياسية مهمة، وتخضع أيضاً لمنطق المحاصصة. وتتألف الحقائب «الخدماتية» إلى جانب الشؤون والإعلام، من وزارات السياحة، والبيئة، والاقتصاد والتجارة، والعمل، وشؤون المهجرين - والأخيرة تراجع دورها مع عودة القسم الأكبر من المهجرين بعد الحرب اللبنانية -، ثم هناك حقائب «خدماتية» من درجة أقل بالنظر إلى أن موازنتها في الحكومة لا تتخطى في معظمها عشرة ملايين دولار، وتتمثل في وزارات الثقافة، والزراعة، والصناعة، إضافة إلى وزارة الشباب والرياضة.
هذا، ويكتمل عدد الوزراء الـ30 بثمانية «وزراء دولة» من دون حقائب، ويعتبر دورهم تمثيلياً سياسياً (وطائفياً) بما يتخطى الدور الفعلي. وفي هذه الحكومة، بات هناك «وزارات» دولة لشؤون رئاسة الجمهورية، ولشؤون مجلس النواب، ولشؤون المرأة، ولشؤون مكافحة الفساد، وللتنمية الإدارية، ولشؤون النازحين (من سوريا تحديداً)، ولشؤون حقوق الإنسان ولشؤون التخطيط.

- معضلة التفاوض
ومع تقاسم الحقائب العشر الكبرى التي تتمثل بـ«السيادية» و«الوازنة» بين الطوائف والقوى السياسية، يصبح هامش المناورة لإرضاء أطراف سياسيين آخرين، أكثر ضيقاً. وهذه بالذات، هي المعضلة التي كانت تواجه الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري خلال الأسبوعين الأخيرين. إذ يمثل إصرار «التيار الوطني الحر» على الحصول على حقيبتين «وازنتين»، وإصرار تيار «المردة» على الحصول على حقيبة «وازنة»، معضلة أمام فرص الحريري لحل الخلافات، علما بأن تقاسم الحصص الذي اعتمد هو 10 وزراء لـ«الوطني الحر» ورئيس الجمهورية، و10 وزراء لـ«المستقبل» و«القوات اللبنانية»، و10 وزراء للثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) والحزب التقدمي الاشتراكي وتيار «المردة» والوزير الدرزي الثالث المتوافق عليه بين الجميع. وإزاء هذا التقاسم، يحصل كل تكتل من 10 وزراء على حقيبتين «وازنتين»، وهو ما يخلق مشكلة في حال بقي «المردة» مصرّاً على حقيبة «وازنة» (الأشغال العامة)، ما يعني أخذها من حصة «الاشتراكي» أو «القوات» بالنظر إلى أن «حزب الله» يطالب بحقيبة وزارة الصحة كحقيبة وازنة.

- الوزير السابق إدمون رزق: دور وزير العدل سياسي وإداري... وليس قضائياً
وزارة العدل (أو العدلية) الآن محل تجاذب لآخر بين الأطراف اللبنانية، وتمثل محور صراع بين القوتين المسيحيتين الأكبر، أي «التيار الوطني الحر» (التيار العوني) و«القوات اللبنانية». ومع أن هذه الوزارة ليست «خدماتية»، بل هي من الوزارات التي تثقل كاهل الدولة بالإنفاق عليها، فإن أهميتها تنطلق من كونها سياسية، ومن دورها ورمزيتها. ويشرح النائب والوزير السابق إدمون رزق ذلك بالتأكيد أن هذه الوزارة «هي من أهم الوزارات، لأنها المرجعية الإدارية للسلطة القضائية، ولا تمتلك إمرة على القضاء».
وتابع رزق، الذي سبق له تولي هذه الوزارة، أن وزير العدل ليس له أي سلطة على القضاء الذي يعد سلطة مستقلة، خلافاً لوزير الداخلية الذي يأمر الأجهزة الأمنية مثلاً والإدارات الرسمية الأخرى التابعة له. ولكن دور وزير العدل «دور سياسي وإداري، ويمثل الإدارة المسؤولة عن سلامة السلطة القضائية وعن استقلاليتها وحريتها... ومع أن أعمال السلطة القضائية غير خاضعة لإمرة وزير العدل، فالتفتيش القضائي هو من ضمن جسم القضاء، فإن وزير العدل يعطي أوامر للنيابات العامة للتحرك، مع الإشارة إلى أن النيابة العامة هي ليست قضاء حكم بل قضاء طلب، بمعنى أنها لا تحكم، بل تتخذ التدابير». وينهي شارحاً: «وزير العدل له صلاحيات إعطاء توجيهات للنيابة العامة، لكن لا صلاحية له للكلام مع أي قاض بأي دعوة».

- خلفيات الجدل حول وزارتي الأشغال والطاقة
تصدّرت حقيبة الأشغال العامة والنقل خلال عملية المساومات التقاسمية الإشكاليات الوزارية الجدلية في لبنان، بالنظر إلى الاتهامات الموجهة إليها بأنها حقيبة «خدماتية» يستفيد منها الفريق السياسي الذي يتولاها بتقديم خدمات ما قبل الانتخابات فتزيد من شعبيته. وفي المقابل، سيكون الطرف السياسي الذي يتولى هذه الحقيبة عرضة للمساءلة والاتهامات، ما يجعل توليها مغامرة، إلا إذا كانت المشروعات التي تنفذها تتسم بشفافية كبيرة.
تتوزّع وزارة الأشغال على 4 مديريات أساسية، هي «الطرق والمباني» التي يخصّص لها الحصة الأكبر من الميزانية وتحديداً للعمل على شق الطرقات وتعبيدها، و«التنظيم المدني» و«النقل البحري والبري» بالإضافة إلى «الطيران المدني» التي سبق أن صدر قرار بإلغائها على أن تُنشأ «هيئة عامة للطيران المدني» بدلا منها. لكن هذا الأمر لم يحدث، وبالتالي لا تزال الأولى هي التي تعمل.
ورغم أن أبرز المشروعات التي يفترض أن تقوم بها في هذا الوقت، هي ملء الشواغر في كل المديريات، وإنجاز الخطة الموضوعة للنقل المشترك منذ سنوات عدّة، إضافة إلى «خطة الأملاك البحرية» و«السكك الحديدية» التي يتطلب العمل عليها من نقطة الصفر، فإن التحديات التي تواجه ميزانية الحكومة بحكم الخطة الإصلاحية القائمة على مؤتمر «سيدر» لدعم لبنان، تحول دون ذلك، كما يتوقع متابعون.
وزارة «الطاقة والمياه»، تعد أيضاً موضع إشكالية جدلية، ذلك أن مشكلة الكهرباء التي كلفت الحكومة اللبنانية أكثر من 30 مليار دولار منذ تصاعدها في عقد التسعينات، ويتعرض أي فريق يتولاها لاتهامات بالفشل بسبب استمرار مشكلة انقطاع الكهرباء، إلا أن «التيار الوطني الحر» (التيار العوني) يتمسك بها، متباهياً بما يعتبرها «إنجازات» حققها فيها، أبرزها إنشاء 7 سدود، والسعي لحل أزمة الكهرباء عبر خطط مؤقتة وخطط دائمة أخرى مثل خطة بناء معامل للكهرباء. وراهناً يعتبر ملف الكهرباء من أبرز العقبات التي تواجه الحكومة، في ظل التجاذب فيها على طريقة توفير التيار الكهربائي. إذ عرضت وزارة الطاقة توفير الكهرباء بشكل مؤقت عبر استئجار بواخر لإنتاجها، ريثما تنتهي أعمال تأهيل وتطوير معامل الإنتاج، وهو ما أثار امتعاضا سياسيا من قوى، مثل «القوات اللبنانية»، طالبت بشفافية أكبر في التعاطي مع الملف، علما بأن وزارة الطاقة بعهدة «التيار الوطني الحر» وحلفائه منذ عام 2008، ولم تثمر كل الحلول المقترحة بإيجاد حل لأزمة انقطاع التيار الكهربائي، مع أن ملف الكهرباء يعتبر السبب الأول للعجز في ميزانية الدولة اللبنانية.


مقالات ذات صلة

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

حصاد الأسبوع اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة،

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع  تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة،

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)

فرنسا أمام التداعيات الداخلية لـ«حرب إيران»

تُواجِه فرنسا، مع اندلاع حرب إيران، حزمةً معقّدةً من التداعيات الداخلية، تمتدّ من الأمن القومي إلى تماسك النسيج الاجتماعي، مروراً بالمعارك الانتخابية والخطاب

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.