الجزائر: أزمة مؤسساتية على أعتاب انتخابات الرئاسة

نزاع حاد داخل البرلمان وسجن جنرالات نافذين

الجزائر: أزمة مؤسساتية على أعتاب انتخابات الرئاسة
TT

الجزائر: أزمة مؤسساتية على أعتاب انتخابات الرئاسة

الجزائر: أزمة مؤسساتية على أعتاب انتخابات الرئاسة

«أزمة البرلمان» وسجن جنرالات نافذين بتهم فساد، وغموض وضبابية حول انتخابات الرئاسة المرتقبة بعد 5 أشهر، ملفات ساخنة في الجزائر، تشغل حالياً الرأي العام المحلي، وبخاصة وسائل الإعلام والأوساط السياسية. وتعكس هذه القضايا، بحسب مراقبين، مدى تعقد نظام الحكم وشبكة المصالح المتضاربة بين أجنحته، بينما يتحدث آخرون عن «حالة من أعراض مرض عميق تمدد في جسم الدولة».

واجه رئيس «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية الأولى) سعيد بوحجة، منذ شهر تقريباً، موجة غضب كبيرة من نواب الغالبية انتهت الأربعاء الماضي بعزله بذريعة «سوء تسيير البرلمان». وكان بوحجة قد أعلن تمسكّه بمنصبه متحدياً خصومه بـ«تقديم دليل واحد» على التهم التي يدفعون بها ضده. وصرَح لكل وسائل الإعلام بأنه كان مستعداً للاستقالة، ولكن بشرط أن يأتيه اتصال من رئاسة الجمهورية يطلب منه ذلك، على اعتبار أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هو مَن وضعه على رأس غرفة التشريع الأولى في شهر مايو (أيار) 2017، وهذا الكلام بالذات، يزعج الرئاسة التي تتحاشى التدخل في هذا الأزمة، حتى لا تبدو في العلن أنها تخرق «مبدأ الفصل بين السلطات»، المكرّس دستورياً في الجزائر.
في هذه الأثناء، تعالت أصوات تدعو بوحجة إلى عرض نزاعه مع خصومه على «المجلس الدستوري»، كي يعطي رأيه في مدى مطابقة تنحيته مع الدستور، الذي ينص في مادته الـ131 على أن رئيس المجلس الشعبي الوطني يُنتخَب للفترة التشريعية، التي تدوم 5 سنوات. كذلك تؤكد هذه المادة الدستورية أنه لا يجوز قانوناً عزله تحت أي مبرّر. ومن ثم، فإن السؤال المطروح الآن، والذي لا يعرف أحد الإجابة عنه، بمن فيهم النواب الذين أطاحوا به، هو: مَن الجهة التي يزعجها بوحجة؟.
المؤكد أن رئيس البرلمان لا يفوّت أي فرصة إلا ويشيد بـ«أفضال الرئاسة والجيش على العباد»، وهما المؤسستان الوحيدتان في البلاد اللتان بإمكانهما عزل أي مسؤول، مهما علا شأنه، وتعيين أي شخص في أي منصب، من حارس بلدية إلى منصب رئيس وزراء.

- سقوط قناع عن أسطورة الجيش
هذا بالنسبة لـ«أزمة البرلمان» ورئيسه، أما عن سجن الجنرالات النافذين، فإن هذه القضية اتصلت عند البعض بشكوك قوية حول نزاهة قيادة الجيش، التي ينظر إليها في البلاد بنظرة قداسة، قياساً إلى دورها في تخليص البلاد من الإرهاب. ويحلو لكل السياسيين، حتى من هم في المعارضة، القول، بأنه «إذا كان الفساد عشّش في المؤسسات المدنية، فالجيش هو المؤسسة الوحيدة التي بقيت نظيفة».
ما حدث أخيراً كان بمثابة سقوط قناع عن أسطورة. بل، ويرجّح متّتبعون سجن جنرالات آخرين في هذه القضية، التي كشفت أن الفساد لم يترك أي هيئة إلا ونخرها. ويشار إلى أنه يوجد حالياً جنرال في السجن، يسمى عبد القادر آيت وعرابي الذي كان رئيسا لقسم محاربة الإرهاب واختراق الجماعات المتطرفة، بالمخابرات العسكرية. ولقد حكم عليه عام 2015 بخمس سنوات سجنا، بناء على تهمة «مخالفة أوامر عسكرية» وهي مرتبطة بحادثة مصادرة أسلحة حربية بالحدود مع مالي، تابعة لإرهابيين. وعدَت القضية فصلاً من فصول الصراع بين الرئاسة ومدير المخابرات محمد مدين، الذي جرى عزله في السنة نفسها التي أدان فيها القضاء آيت وعرابي، الذي كان ساعده الأيمن واحد رجال الثقة بالنسبة إليه.
وفي سياق هذه التطورات، يشدَ كثير من المتتبعين أنظارهم إلى الرئيس بوتفليقة: هل سيعلن ترشحه لولاية خامسة أم سيكتفي بـ20 سنة حكماً؟.
الأحزاب الموالية له، وبخاصة حزب الغالبية «جبهة التحرير»، ومعه عشرات التنظيمات والجمعيات التي تعيش من ريع النفط، ناشدته الاستمرار في الحكم، بحجة أنه «حقق الاستقرار»، وبأنه على يديه تصالح الجزائريون لطي أزمة أمنية خطيرة تخبطت فيها البلاد خلال تسعينات القرن الماضي. غير أن الرئيس لم يتجاوب حتى اللحظة مع المناشدات لا بالقبول ولا بالرفض، لكن ينسب له رغبة في دخول معترك رئاسية 2019 على الرغم من حالته الصحية المتدهورة. وهنا، ويقول مراقبون وناشطون ومحللون لـ«الشرق الأوسط»، إن تطورات الأوضاع «مؤشر على مخاضٍ عسير في هرم النظام»، وبعضهم ذكر أن ما يجري من صراع في البرلمان ومحاكمات في صفوف الجيش، دليل على أن الجماعة الحاكمة لم تستقر على رأي بخصوص مَن سيتولى شؤون الحكم في المرحلة المقبلة.

- إما وثبة... وإما مزيد من التأزم
أنور نصر الدين هدّام، القيادي السابق بـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، وهو مقيم في الولايات المتحدة الأميركية يقول: «تمر بلادنا بمنعطف تاريخي دقيق وهي تستعد لانتخابات رئاسية مفصلية... فإما تدفع في اتجاه إحداث وثبة وطنية حقيقية تعلن فيها القطيعة مع ذهنيات وممارسات الماضي من إقصاء واستبداد وفساد، وتفتح آفاقاً جديدة لنا نحن جيل ما بعد الاستقلال وللشباب لنصنع معا، وفي تنوعنا، مستقبل وطننا ونلحقه بركب الدول المتقدمة. وإما تزيد من تأزيم الأوضاع إذا اعتمدت الأساليب البالية في تعيين رئيس الدولة يتم فرضه على الشعب كما هو الحال منذ فجر الاستقلال؛ يكون تارة رئيساً مستبداً، وتارة أخرى يكون رئيسا واجهة فقط كما الحال الآن، تختبئ من ورائه مجموعة مجهولة الهوية تحل محل الزعيم المستبد».
وفيما يتعلق باحتمال ولاية خامسة للرئيس الحالي، يقول هدام: «حسب قراءتنا للأوضاع المحلية والدولية، لن تكون هناك ولاية خامسة. ولذلك فالذين يدعون لها، أصبحوا بدلها يتحدثون عن (الاستمرارية). وهذا كذلك غير مقبول. ونحن باسم حركة الحرية والعدالة الاجتماعية (تنظيم أطلقه في بلد اللجوء) نقول بكل صراحة: لا للاستمرارية، لا للفشل والرداءة والاستبداد والفساد والمحسوبية والجهوية والتبعية. إننا في حركة الحرية والعدالة الاجتماعية، كمواطنين جزائريين إصلاحيين، نسعى للمساهمة مع باقي شركائنا في المواطنة، من كل التيارات، لتوفير الشروط لتوجيه الرئاسيات في اتجاه إحداث التغيير المنشود، بما يحفظ أمن واستقرار الجزائر والمنطقة المغاربية».
وبشأن سجن جنرالات بتهم فساد، قال هدام: «كثرت التحليلات والتحليلات المضادة، حول التغييرات التي وقعت بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. ومسألة متابعة جنرالات في قضايا فساد، هي مؤشر على غياب الشفافية وشحّ المعلومات. إن مؤسسات الرقابة الدستورية مغيّبة في الجزائر. هكذا، يتم تعيين وتنحية إطارات عليا من مدنيين وعسكريين بعيداً عن الشعب ودون أي تقييم أو مراجعة. علينا أن ندرك اليوم أن الدولة الجزائرية تكاد تفقد مناعتها التي تضمن استمراريتها، حيث تم منذ عقود إخضاع مؤسسات الدولة إلى عملية إضعاف خطيرة جرّدتها من مهامها الدستورية. وهو الأمر الذي كان له انعكاسات سلبية على صناعة القرار السياسي وعلى قدرة معالجة ملفات ثقيلة خطيرة تنتظر بلدنا، منها الملف السياسي، بما فيه مكافحة الفساد والفوارق الجهوية، وإحداث التحول السياسي الجاد وتحديد آيديولوجية سياسية جزائرية جديدة، تمكننا من تحقيق الانسجام بين الدولة والمواطن لتعيد ثقته في مؤسسات دولته. وكذلك هناك الملف الاقتصادي، ومسألة تحديد رؤية اقتصادية واضحة المعالم، وبعث ديناميكية وطنية شاملة للتنمية الوطنية والانتقال من اقتصاد ريع إلى اقتصاد منتج».
وأشار إلى أن «تراجع إرادات المحروقات انعكس على مشاريع اقتصادية ذات أبعاد اجتماعية، ما ينذر بأزمة اجتماعية تزيد من إرباك الدولة؛ والذي يهمنا أن أصحاب القرار عليهم أن يبينوا لنا أن تلك التغييرات العسكرية تمكننا من تأمين حدود بلدنا الإقليمية التي هي جد متوترة. يجب إعادة تحديد عناصر أمننا القومي بما يمكننا من حماية الحدود ومواجهة المخاطر بما فيها ظاهرة الإرهاب والجريمة المنظمة والعابرة للحدود، وقضية ليبيا ودول الساحل».
وعن دلالات وأبعاد أزمة البرلمان، يقول هدام: «المؤسسة التشريعية أصلا مطعون في شرعيتها، فالشعب الجزائري في تنوعه وفي أغلبيته الساحقة قاطع الانتخابات التشريعية الماضية (2017)، بصراحة، النظام الجزائري نظام مُقفل. وبالتالي، يصعب تصديق من يدعي أنه يعلم حقيقة التغييرات الأخيرة التي طالت المؤسسة العسكرية ومسألة متابعة جنرالات في قضايا فساد، أو ما هي حقيقة أزمة البرلمان. لكن، إن كان هناك بالفعل من بين أصحاب القرار، مصلحون من وراء تلك التغييرات يريدون من خلالها تحسين الوضع في بلدنا العزيز، عليهم أن يدركوا أن معالجة هذه الملفات الثقيلة والخطيرة وغيرها، تستلزم وجود تراض تام بين الشعب في تنوعه ومختلف السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية».

- الولاية الخامسة... مخالفة للدستور!
من جانب آخر، تقول القاضية السابقة زبيدة عسول، التي تقود اليوم تنظيماً معارضاً لاستمرار بوتفليقة في الحكم، اسمه «حركة مواطنة»، إن ولاية خامسة مفترضة «ستكون مخالفة لنص وروح الدستور»، على أساس أن الدستور يتحدث عن ولايتين فقط.
وتابعت عسول: «إن الحالة الصحية للرئيس لا تسمح بذلك، كما أن الدستور أعده على مقاسه للهيمنة والسيطرة على كل السلطات، ولا يمكنه حتى تفويض صلاحياته لأي كان». ولاحظت أن الرئيس «أمضى 20 سنة في السلطة وأنفق ألف مليار دولار، بينما الجزائر تسير من سيئ إلى أسوأ، بل إنه قضى على كل توازن في البلاد، واعتمد الفساد كمنهج للسيطرة على كل دواليب السلطة، والاقتصاد ما زال يعاني من التبعية المفرطة لعائدات النفط. السلطة الحالية هجَّرت كل الكفاءات وهمشت من بقي في البلاد، واعتمدت الولاء والطاعة كأسلوب للوصول إلى المناصب أو البقاء فيها».
واستطردت عسول منتقدة: «تم القضاء على المنظومة القيمية للمجتمع، فالنظام لم يحمل أبدا رؤية أو برنامجا لفائدة الجزائر والجزائريين، رجاله يمارسون الحيلة والمخادعة. في عهد الرئيس الحالي، جرى قمع الحريات وتهميش الكفاءات. وإذا لم يحقق التنمية في 20 سنة فماذا ستفيده 5 سنوات أخرى؟».
أما عن مسألة الإطاحة برئيس البرلمان بوحجة، فالأمر يتعلق حسب عسول بـ«مظهر من مظاهر الارتباك والذعر الذي ينتاب المنادين بالولاية الخامسة، وذلك مخافة ضياع امتيازاتهم ومواقعهم والحصانة التي يتمتعون بها، والتي تضمن لهم الإفلات من العقاب... هي مراوغة بائسة لأنها مخالفة للنظام الداخلي للمجلس الوطني، ومنافية للأخلاق وأعراف العمل السياسي وتضرب ما تبقى من مصداقية لهذه المؤسسة داخليا وخارجيا، وتضع الجزائر في خانة الدول المتخلفة».
ولا يبتعد تشخيص عبد الرزاق مقري، رئيس الحزب الإسلامي «حركة مجتمع السلم»، كثيراً عن تشخيص هدام وعسول. إذ يصف الوضع الحالي بمرارة قائلا: «رئيس برلمان ينتمي إلى الموالاة تسحب منه الثقة من نواب الموالاة، وكأنه رئيس بلدية من حزب معارض!!. والسبب المباشر المعلن هو إقالة أمينه العام البسيط الذي لا وزن له بالنظر للأزمة التي أحدثها وصورة المؤسسات التي خدشت: إنها أمارة من أمارات تحلل الدولة.... ولكن ماذا بقي من الدولة الجزائرية غير هذا؟ رئيس غائب ولا يعرف أحد مَن وكيف يتخذ القرار، وتتحوّل صوره التي تنشر دون احترام له ولخصوصيته، إلى عنصر ضعف للدولة وتصبح الجزائر لهذا السبب مادة تَندُّر في العالم وفي أروقة الدبلوماسية العالمية... ومع ذلك هناك من يدعو إلى الاستمرارية وكأن الجزائر عاقر لا رجال فيها غير رئيسها الحالي، وكأن الشعب كله مسعف لا يستطيع التكفل بنفسه إلا أن (يعيّن) له الرئيس من يخلفه».

- غياب الحوار بين الشعب ودولته
يعتقد مقري أن الأحداث الكبيرة المتمثلة في سجن جنرالات وعزل رئيس البرلمان «جاءت في سياق سلسلة من الممارسات والتصرفات دلَّت على انهيار مصداقية المسؤولين وسوء التسيير في الإدارة، والوقوع في أخطاء بالجملة في الاتصال والحديث مع المواطنين وتصريحات تنم عن الانفصال عن الشعب فكريا ونفسياً وثقافياً ولغوياً. كما يلاحظ كسر المؤسسات الوسيطة من منظمات مجتمع مدني وأحزاب ومنتخبين... وللأسف الشديد لا حوار بين الشعب والدولة يضمن الحقوق، إلا الشارع وحرق العجلات المطاطية». ويرى مقري أن رئيس وزراء أحمد أويحيى «لا يتحكم في وزرائه الذين يتجاوزونه طولاً وعرضاً، بل ويقرّرون ويتصرفون في قضايا مهمة بلا علمه.... هو لم يصدق، مثلا، حجم السكنات التي أعلن عنها وزير السكن حتى سأله لعلك أخطأت في الرقم!. لقد بلغ الفساد عنان السماء، واتخذ أبعاداً دولية، وتفوح رائحته من داخل كل المؤسسات، حتى من داخل المؤسسة العسكرية.. بلد ينفق 1000 مليار دولار أميركي، وفي الأخير يضطر لتسيير الاقتصاد بطباعة النقود بلا رصيد، ولا أمل لدى حكامه إلا أن ترتفع أسعار البترول!!!».
على صعيد آخر، تحاول الباحثة الجزائرية الدكتورة داليا يزبك، في إحدى دراساتها المنشورة بمعهد «كارنيغي للأبحاث حول السلام»، تشريح «الحالة الجزائرية»، فتقول: «أمضى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة سنوات طويلة في الحكم.
ولاقى انتخابه للمرة الأولى في العام 1999، ترحيب الكثير من الجزائريين والمجتمع الدولي. إذ لم يكن بوتفليقة رئيساً مدنياً وحسب، بعد سلسلة من الرؤساء العسكريين، بل كان أيضاً رئيساً منتخباً انتخاباً حراً، حيث فاز بنسبة 73.5 في المائة من الأصوات».
ثم ذكرت أنه «على الرغم من أن الرئيس مريض الآن (تعرّض بوتفليقة البالغ من العمر 81 سنة إلى سكتة دماغية في العام 2013 وقام بحملته الانتخابية بعد عام واحد وهو على كرسي متحرّك)، فإن إجراء تقييم لإرثه السياسي يبدو في محلّه. إذ يبرز إنجازان سياسيان كبيران من السنوات التي أمضاها في السلطة: الأول هو إشرافه على انتقال الجزائر إلى مجتمع ما بعد الحرب، والثاني هو إعادة إحياء السياسة الخارجية الجزائرية، ما أنهى عزلة البلاد خلال سنوات الحرب الأهلية».

- جذور العنف ما زالت قائمة
وأضافت الباحثة يزبك: «بينما تبدأ الجزائر التحضير لمرحلة ما بعد بوتفليقة، سيكون للإرث السياسي للرئيس تأثير كبير على مستقبل البلاد. وعلى الرغم من عودة الاستقرار، تبدو سياسة المصالحة الوطنية هشّة لأنها فشلت في معالجة جذور العنف في البلاد. ومع ذلك، قد تصبح المصالحة الوطنية أمراً لا مناصّ منه للتعاطي بصورة أفضل مع مروَحة من التحدّيات، من بينها البطالة والفقر ونقص المساكن والفساد وغياب الحوكمة والتهديد الجهادي. إضافة إلى ذلك، تعمل الجزائر في منطقة غير مستقرّة للغاية، ما يعني أن سياستها التقليدية المتمثّلة بعدم التدخّل في شؤون الآخرين، لم تعد عملية». وتابعت: «تواجه الجزائر واقعاً جديداً سوف يُضطر خليفة بوتفليقة إلى التكيّف معه. بيد أن عجز قادة الجزائر عن تجديد النظام السياسي المحلّي أو إعادة النظر في طبيعة السلوك الجزائري في الخارج، يمكن أن يطرح مخاطر حقيقية على مستقبل البلاد».

- الجزائر... في سطور
عدد السكان (2018): نحو 42 مليونا و200 ألف نسمة
التركيبة السكانية: العرب - الأمازيغ يشكلون 99 في المائة من السكان
العاصمة: مدينة الجزائر
المدن الكبرى الأخرى: وهران، وقسنطينة، وعنابة، وباتنة، وسطيف، والبليدة، والجلفة، وسيدي بلعباس، وتلمسان، تيزي وزو، وبجاية، وسكيكدة، ومعسكر، وبسكرة، وتبسة، وتيارت، وورقلة، والواد.
الديانة: الإسلام (99 في المائة من أهل السنة)
المساحة: مليونان و381.741 كلم مربع
الناتج الوطني الإجمالي: نحو 666.960 مليار دولار أميركي
نظام الحكم: جمهورية شعبية رئاسية، مع برلمان يتكون من مجلسين


مقالات ذات صلة

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

حصاد الأسبوع ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية.

حصاد الأسبوع آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)

لبنان يدخل مرحلة «إدارة الصراع» بدل إنهائه

تثير المفاوضات الجارية حول تثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، وما يرافقها من نقاشات بشأن مستقبل الجنوب ودور الجيش اللبناني والضمانات الدولية،

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

حلّق صدام خليفة حفتر على مستويات مرتفعة، قبل أن يهبط، في أول قفزة مظلية استعراضية، بدت في أعين العديد من الليبيين بمثابة باب يدلف منه إلى ما هو آتٍ.

جمال جوهر (القاهرة)

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع استمرار البحث في تطوير «الميكانيزم» الذي أُنشئ بعد حرب عام 2024، والحديث عن صيغ جديدة لتعزيز الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر توسيع الدور الأميركي أو إدخال شركاء دوليين إضافيين لدعم تنفيذ التفاهمات الأمنية ومواكبة انتشار الجيش اللبناني. ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى طبيعة المرجعية التي تدير الجنوب اللبناني، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل تحولاً في الأساس القانوني الذي يحكم النزاع، أم أنها تقتصر على تطوير أدوات تنفيذ القرارات الدولية.

وتعود المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، التي أرست الإطار القانوني للعلاقة بين الطرفين، قبل أن يتعزز الدور الأممي مع صدور القرار 425 عام 1978 الذي أنشأ قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ثم القرار 1701 بعد حرب يوليو (تموز) 2006، الذي رسّخ دور الأمم المتحدة في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء لجنة ثلاثية لمعالجة الخروقات. إلا أن محدودية تنفيذ هذه القرارات خلال السنوات الماضية، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية، دفعا إلى استحداث آليات تنفيذية جديدة، كان أبرزها «الميكانيزم»، لتسهيل تطبيق التفاهمات الأمنية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول ما إذا كانت المرجعية الدولية بقيت على حالها أم أن إدارة الملف انتقلت عملياً إلى الولايات المتحدة.

المرجعية القانونية لا تزال أممية

في هذا السياق، يرفض الوزير السابق رشيد درباس اعتبار أن تنامي الدور الأميركي يعني انتقال المرجعية القانونية والسياسية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن ما تغير هو أدوات التنفيذ، فيما بقي الأساس القانوني الذي يحكم النزاع على حاله.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ، المرجعية لا تزال واضحة، وهي قرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور، سواء عبر آلية المراقبة (الميكانيزم) أو أي إطار آخر، فإن هذا الدور يستند إلى هذه المرجعية الدولية، لأن لبنان لا يملك مرجعية أخرى يستند إليها سوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».

وأوضح أن وجود الأمم المتحدة لم يتغير من الناحية القانونية، مضيفاً: «قد يكون دور قوات الأمم المتحدة خلال المراحل السابقة محدود التأثير، لكن هذا لا يعني أن الأمم المتحدة خرجت من المشهد. فالمرجعية القانونية والسياسية لا تزال قائمة، وأي خلاف بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ الاتفاقات يبقى مرجعه قرارات الأمم المتحدة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى التنفيذ أو المساعدة في تطبيقها».

ورأى أن الحديث عن إمكان مشاركة قوات من دول حلف شمال الأطلسي أو دول أوروبية يجب أن يُفهم في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، وليس بوصفه بديلاً عن المرجعية الدولية، قائلاً: «إذا جاءت قوى إضافية لمساندة الجيش اللبناني، فإن ذلك يهدف إلى ضبط الوضع بصورة أفضل، لكنه لا يغيّر المرجعية التي تبقى أممية».

الدور الأميركي... تنفيذ وضغط لا استبدال

ويربط درباس اتساع الحضور الأميركي في الجنوب بالسياق الإقليمي الأوسع، معتبراً أن واشنطن تتولى اليوم أدواراً متشابكة في ملفات المنطقة، ما يجعل انخراطها في الملف اللبناني جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

وقال: «الولايات المتحدة منخرطة اليوم في ملفات المنطقة كلها، من غزة إلى إيران وصولاً إلى لبنان، وهي تعمل ضمن رؤية لإعادة رسم المشهد الإقليمي. لذلك من الطبيعي أن يكون لها حضور أكبر في الملف اللبناني أيضاً».

وأضاف: «النفوذ الأميركي في لبنان ليس جديداً، بل هو نفوذ متجذر منذ عقود، إلا أن ما نشهده اليوم يتميز بحضور أكثر وضوحاً، وبعلاقة مباشرة وصريحة مع الدولة اللبنانية».

واعتبر أن هذا النفوذ قد يصب في مصلحة لبنان، موضحاً: «قد يكون من مصلحة اللبنانيين أن يكون للولايات المتحدة هذا الدور، لأنها الجهة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل وكبح اندفاعها».

وربط مستقبل الوضع في الجنوب بعاملين أساسيين، هما «مدى جدية الولايات المتحدة في وضع حد للتجاوزات الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرته الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها ومنع أي خروق أو تسلل، بما يسقط أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للاستمرار في عملياتها».

وأكد أن أي حضور أميركي مباشر يمكن أن يشكل ضمانة إضافية لتنفيذ التفاهمات، قائلاً: «وجود الولايات المتحدة يمنح لبنان جهة تستطيع أن تسأل إسرائيل: ماذا تفعلون؟ وما الذي تسمحون به أو تمنعونه؟ وهذا بحد ذاته عنصر ضغط».

بين المرجعية القانونية وآليات التنفيذ

ويجد هذا الطرح ما يدعمه لدى متخصصين في القانون الدولي، الذين يميزون بين المرجعية القانونية التي تحكم النزاع، والآليات التنفيذية التي تُستحدث لتسهيل تطبيقها. وبحسب هذه المقاربة، فإن اتساع الدور الأميركي لا يعني نسخ المرجعية الأممية، بل يعكس محاولة لتفعيل تنفيذ قرارات بقيت لعقود تصطدم بالاعتبارات السياسية والميدانية، سواء نتيجة ضعف الدولة اللبنانية أو استمرار الخروقات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي قراءة قانونية تنطلق من اتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن، وتخلص إلى أن المرجعية الدولية ما زالت قائمة، وأن ما تغير هو أدوات التنفيذ والضمان، لا الإطار القانوني الذي يحكم النزاع.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ باتفاقية الهدنة لعام 1949، مروراً بسلسلة القرارات الدولية التي صدرت تباعاً مع تطور طبيعة النزاع والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى القرار 1701 وما أعقبه من تعزيز دور قوات (اليونيفيل)، فضلاً عن القرارات المرتبطة باستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه. وهذه المنظومة القانونية والدولية لا تزال هي المرجع الصالح والأساس الذي يحكم الوضع في الجنوب».

وأوضح أن «الوساطة الأميركية والمفاوضات الجارية اليوم ليست بديلاً عن هذه المرجعية، بل هي جزء من الآليات التنفيذية التي تساعد على استكمال أهداف القرارات الدولية والوصول إلى مرحلة الاستقرار التي نصّت عليها تلك القرارات»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم هو (ميكانيزم) مستقل وجزئي لإدارة الأزمة اللبنانية، لكنه لا يبتلع القضية بكاملها ولا يلغي الإطار الأممي الذي يحكمها».

وأشار إلى أن «الورقة الحالية ليست اتفاقية دولية ولا معاهدة، بل هي أقرب إلى وثيقة نيات أو إطار لربط النزاع واستكمال مراحل الحل، وبالتالي فهي أدنى مرتبة من الاتفاقيات الدولية ولا ترتقي إلى مستوى المعاهدات الملزمة».

ورأى الشحيمي أن «لبنان لم يتمكن خلال العقود الماضية من تنفيذ أي من القرارات الدولية بصورة كاملة، بما فيها القرار 1701، سواء بسبب ضعف الدولة وأزماتها الداخلية أو بسبب رفض إسرائيل الالتزام الكامل بتلك القرارات»، معتبراً أن «هذا الواقع استدعى إنشاء آليات تنفيذية خاصة ووساطات دولية لدفع عملية التطبيق قدماً».

وكشف أن «النقاش الدائر حالياً لا يتعلق بإلغاء دور الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة نموذج جديد للشراكة الدولية في الجنوب اللبناني، قد يشمل تمديد مهمة (اليونيفيل) مع إدخال قوات أوروبية إضافية، وربما مشاركة عربية، مع تنسيق أكبر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار دعم الاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية».

وشدد على أن «أي وجود أميركي لن يكون وجوداً عسكرياً قتالياً على غرار قوات (المارينز) في الثمانينات، وإنما سيقتصر على التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهو أمر يندرج أساساً ضمن اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بيروت وواشنطن». مؤكداً أنّ «المرجعية الأممية ستبقى المرجعية القانونية الصالحة والصريحة والمستدامة لإدارة النزاع اللبناني، أما المرجعية الأميركية فهي مرجعية سياسية وتنفيذية وجزئية، هدفها ضمان حسن تنفيذ الآليات المتفق عليها وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحها».

وأضاف أن «الوساطة الأميركية تخلق ضغطاً عملياً على الأرض وتوفر الضمانات التي لا تستطيع الدول الأوروبية أو غيرها توفيرها، خصوصاً أن إسرائيل تستجيب عملياً للضغط الأميركي أكثر من استجابتها لأي وسيط آخر».

وأكد أن «الولايات المتحدة تؤدي اليوم دور الضامن لتنفيذ القرارات الدولية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى تفاهمات، بل في ضمان تنفيذها. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي في تعزيز إجراءات بناء الثقة وحسن النيات بين الأطراف، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار».

انتقال تدريجي للمرجعية

وفي مقابل هذه القراءة القانونية، يطرح اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي مقاربة مختلفة تنطلق من الوقائع السياسية والميدانية أكثر مما تنطلق من النصوص القانونية، معتبراً أن الجهة التي تدير الملف عملياً هي التي تحدد المرجعية الفعلية، بصرف النظر عن استمرار قرارات مجلس الأمن كإطار قانوني للنزاع.

ويستند شحيتلي في قراءته إلى التطور الذي شهدته آليات إدارة الجنوب خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الانتقال من اللجنة الثلاثية برئاسة «اليونيفيل» إلى «الميكانيزم»، ثم الحديث عن ترتيبات جديدة بقيادة أميركية، يعكس تحولاً تدريجياً في مركز إدارة الملف.

وقال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات ميدانية، معتبراً أن لبنان يشهد «تحولاً في المرجعية التي تدير ملفه، ولا سيما في الجنوب».

وقال إن لبنان، «منذ عام 1860، كان يُدار دائماً ضمن توازنات إقليمية تحظى بغطاء دولي، موضحاً أن النفوذ على لبنان تعاقبت عليه قوى مختلفة وفق مراحل تاريخية، بدءاً من الدولة العثمانية، ثم فرنسا، مروراً بمصر وسوريا وإسرائيل، وصولاً إلى تفاهمات دولية وإقليمية شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها». وأضاف: «كان هناك دائماً توافق إقليمي يمتلك امتداداً دولياً لإدارة هذا البلد، فيما بقيت فرنسا، بعد عام 1920، محوراً أساسياً في هذه التفاهمات، مع تبدل القوى الإقليمية الشريكة بحسب موازين القوى في المنطقة».

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى موقع المرجعية المباشرة، قائلاً: «منذ صدور القرار 425 عام 1978 أصبحت الأمم المتحدة، عبر قوات اليونيفيل وهيئة مراقبة الهدنة، المرجعية الأساسية في جنوب لبنان. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة ألغت عملياً دور الأمم المتحدة، كما همّشت الأدوار الفرنسية والعربية والمصرية، وانفردت بإدارة هذا الملف».

وأضاف أن واشنطن «لم تعد تؤدي دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تفرض بنفسها آليات العمل على الطرفين، ما يعني عملياً انتقال المرجعية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة». معتبراً أن هذا التطور لا يقتصر على إنهاء النفوذ الإيراني في جنوب لبنان، بل يشمل أيضاً تقليص أدوار جميع القوى التي كانت تاريخياً شريكة في إدارة الملف اللبناني، سواء فرنسا أو الدول العربية أو الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أصبحت المرجعية بدلاً من المرجعية الدولية، قال شحيتلي: «الولايات المتحدة أصبحت المرجعية الفعلية، حتى وإن لم يكن هذا الأمر يحظى بموافقة فرنسا أو الدول العربية أو لبنان، إلا أنه الواقع الذي يجري تكريسه».

ورأى أن هذا المسار لم يبدأ مع تشكيل «الميكانيزم» بعد حرب 2024، بل جاء نتيجة تطور تدريجي، موضحاً أن القرار 1701 نصّ على لجنة برئاسة قائد قوات «اليونيفيل» لمعالجة الخروقات بصورة دائمة، «ثم جرى استبدال هذه اللجنة وجاءت بدلاً منها آلية الميكانيزم، واليوم يجري استبدال الميكانيزم لتحل محلها لجنة ثلاثية برئاسة أميركية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بما يؤكد انتقال إدارة الملف تدريجياً من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة».


كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو
TT

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

كانت هذه المرة الرابعة التي تترشح فيها فوجيموري للرئاسة تحت راية إرث والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، الشخصية التي دمغت المشهد السياسي في البيرو بالاستقطاب الحاد والعنف وفضائح الفساد خلال العقود الأربعة المنصرمة. وهي سترأس بلداً مشطوراً بشكل حاد إلى معسكرين متناحرين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ويعاني من ضعف في المؤسسات، ومن انعدام الاستقرار بعد الاضطرابات والصدمات السياسية التي مر بها. لكن في رصيدها صمودها الطويل في وجه التيّار المناهض لتركة والدها الثقيلة التي رفضت النأي عنها.

وقد لعبت أصوات المهاجرين في الخارج دوراً حاسماً في فوزها، خاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة حيث توجد أكبر جالية من البيروفيين. ولم تنفع الطعون التي تقدم بها منافسها روبرتو سانشيز في نتائج فرز أقلام المهجر، علماً بأنه هدد برفض الاعتراف بها والدعوة إلى تحركات شعبية. لكن المحكمة الانتخابية رفضت طعونه، وارتفعت أصوات كثيرة منددة بموقفه الذي يشبه الموقف الذي اتخذته فوجيموري عندما انهزمت في انتخابات عام 2021 ضد اليساري بيدرو كاستيّو الموجود حالياً في السجن بعد إدانته بالقيام بمحاولة انقلاب ذاتي قال إن بعض مساعديه نصبوها فخاً له.

شخصية مثيرة للجدل... كوالدها

وعلى غرار والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، تتمتع كيكو بشخصية مثيرة للجدل في الأوساط السياسية والاجتماعية، علماً بأنها قامت خلال سنوات حكمه مقام السيدة الأولى بعد خلافات عميقة بين رئيس البلاد وزوجته انتهت بالطلاق.

وكيكو فوجيموري متخرجة بتفوق من أرقى الجامعات الأميركية، وانتُخبت عضواً في البرلمان للمرة الأولى عام 2006 حيث حصدت أعلى عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الاشتراعية في البيرو، قبل أن تترشح للانتخابات الرئاسية عام 2011، ثم في عامي 2016 و2021 حيث كانت تُهزم دائماً في الدورة الثانية. إلى جانب ذلك، تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد وغسل الأموال، وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر. ورغم ذلك، يعتبرها أنصارها ضمانة للاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد، بينما يرى فيها خصومها استمراراً لإرث والدها الذي حكم البيرو عشر سنوات حافلة بالفساد المالي والتجاوزات.

في تصريحاتها الأولى بعد ضمان فوزها، قالت فوجيموري: «أدرك جيداً أن البلاد في حال من الانقسام العميق، لذلك سأحرص على نيل ثقة الذين لم يصوتوا لي في هذه الانتخابات، وستكون حكومتي ممثلة لجميع مكونات المشهد السياسي، تعتمد على الكفاءة والنزاهة».

وبفوزها تنضمّ كيكو فوجيموري إلى قافلة الزعماء اليمينيين الذين يجاهرون بولائهم لخط الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أميركا اللاتينية. وكان من أوائل مهنئيها البرازيلي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يقضي عقوبة بالسجن حالياً بعد إدانته بمحاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس الحالي إيغناسيو لولا. وقال فلافيو بولسونارو الذي سينافس لولا في الانتخابات الرئاسية مطلع الخريف المقبل، إن فوز فوجيموري يؤكد صعود القوى اليمينية «القادرة وحدها على مكافحة الإرهاب العابر للوطن الذي يتغذّى من أموال الاتجار بالمخدرات». كما سارع إلى تهنئتها أيضاً الرئيس الكولومبي الجديد اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا أسبريلّا الذي عرض عليها إقامة تحالف إقليمي ضد القوى والأحزاب اليسارية.

الشعار الذي رفعته فوجيموري عنواناً لحملتها الانتخابية الرئاسية «عادت كيكو ليعود النظام»، أرادت من خلاله تسليط الضوء على الشاغل الأكبر للمواطنين ومصدر قلقهم الأساسي منذ سنوات، حيث ازدادت أعمال الاغتيال بشكل ملحوظ، وتفشّى العنف والابتزاز الذي يتعرّض له صغار التجار في المدن الكبرى.

وتعهدت فوجيموري في برنامجها بتنظيم دوريات تشارك فيها القوات المسلحة لمكافحة العنف، وبطرد المهاجرين الذين يرتكبون جرائم، وإجبار المسجونين على العمل مقابل حصولهم على الطعام، بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها السجون في الفترة الأخيرة على يد أفراد عصابات الاتجار بالمخدرات. وقد حرصت خلال حملتها الانتخابية على تشبيه الحملة الواسعة التي قام بها والدها لمكافحة الإرهاب في تسعينات القرن الماضي، بخطتها التي تهدف من خلالها إلى مكافحة الجريمة. لكنها رفضت دائماً انتقاد التجاوزات التي قام بها والدها، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي وصلت إلى حد وضع خطة، بالتنسيق والتعاون مع القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، لتعقيم السكان الأصليين منعاً لتناسلهم.

ويقول محللون إن الخطاب المتشدد الذي تميزت به حملة فوجيموري الانتخابية، كان له كبير الأثر في حشد التأييد الذي أوصلها إلى الرئاسة، وساعد على اجتذاب أصوات كثيرة بين الناخبين المترددين أو الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، ويعانون من تردي الأوضاع الأمنية.

لكن فوز فوجيموري وعودة سلالة والدها إلى السلطة، من شأنه أن يزيد الشرخ الاجتماعي والسياسي حدة، ليس فحسب بسبب عدم تمكن الرؤساء من إكمال ولاياتهم خلال السنوات الأخيرة، بل أيضاً بسبب الاستقطاب العميق الذي تثيره الرئيسة الجديدة التي كانت تتمتع بسلطة واسعة في البرلمان خلال السنوات الماضية، حيث كانت المحرّض الرئيسي على الأزمات التي زعزعت الاستقرار السياسي في البيرو بعد فشلها ثلاث مرات متتالية في الوصول إلى الرئاسة، وسيطرتها على أكبر كتلة نيابية في البرلمان. لكن رغم أن الحزب الذي تقوده، حزب «القوة الشعبية»، ما زال يشكّل الكتلة الأكبر في مجلس النواب، فإنها ستجد نفسها مضطرة للتوصل إلى اتفاقات مع الكتل الأخرى للموافقة على الإصلاحات التي وعدت بها في برنامجها، ولن يكون ذلك سهلاً في الأجواء المتوترة السائدة، خاصة في الأرياف الفقيرة التي تشكّل معقل اليساريين ومركز الثقل للتيار المعارض الذي كان مناهضاً لوالدها، ويهدد اليوم بالتمرد إذا أصرّت على السير في خطاه.

صعود الأحزاب اليمينية

الأضواء الإقليمية مسلّطة على فوز فوجيموري، ليس من باب قراءة هذا الفوز ضمن إطار المعادلات والتطورات الداخلية، بل في سياق التحول العميق والواسع الذي تشهده المنطقة لصعود نسخة جديدة من الأحزاب اليمينية التي لا ترى في الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجرد حليفاً سياسياً فحسب، بل تنظر إليه باعتباره مرجعية فكرية يقتدى بها، وأسلوباً يحتذى. فالبيرو، على غرار العديد من الدول الأخرى في المنطقة، تجرّ منذ سنوات أذيال أوضاع أمنية متردية، وركود اقتصادي مديد، واستقطاب سياسي عقيم عطّل المؤسسات وأبعد المواطنين عن السياسة.

والأخطر في هذا التماهي مع الموجة الترمبية، أنه فيما تبقى المؤسسات حصناً منيعاً أمام تجاوزات الحكومة في الولايات المتحدة، تعاني معظم بلدان أميركا اللاتينية من ضعف مؤسساتها، خاصة الرقابية منها، وانعدام ثقة المواطنين بفاعليتها. ولذلك لجأت القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة إلى شعارات تعد باستعادة النظام وفرض هيبة الدولة عن طريق تعزيز صلاحيات الحكومة، وعدم الاكتراث بالضوابط المؤسسية أو التباهي بتجاوزها. كما تلجأ هذه الأحزاب إلى استخدام المعارك الثقافية كأدوات للعمل السياسي، وإعادة النظر في الحقوق الاجتماعية والمدنية التي اكتسبتها الأقليات والطبقات الفقيرة في العقود المنصرمة، أو إلغاء بعضها، وبناء خطاب سياسي يقوم على اعتبار أي معارضة حاجزاً أمام تنفيذ الإرادة الشعبية. والأنظار، كل الأنظار، تتجه الآن إلى البرازيل حيث سيحاول فلافيو بولسونارو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل استعادة السلطة لعائلته ولليمين المتطرف.

ولا شك أن هذا الانعطاف الواسع نحو اليمين ليس مجرد تحوّل آيديولوجي، بقدر ما هو نمط جديد لممارسة السلطة. فالديمقراطية لم تعد توازناً بين القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، والمؤسسات، والحقوق المكرّسة في الدساتير، بل أصبحت مصدراً لشرعية بلا حدود لمن يصل إلى الحكم. وهذه الشرعية المفترضة تعتبر القضاء والصحافة المستقلة وأجهزة الرقابة ومنظمات المجتمع المدني مجرد خصوم أو أعداء، عوض أن تكون ركائز أساسية في النظام الديمقراطي، بحسب ما يقول منتقدون لليمين المتطرف أو الشعبوي. ويتساءل هؤلاء: كيف أن زعماء اليمين المتطرف والأحزاب القومية الذين يرفعون شعارات السيادة الوطنية فوق أي اعتبار، يذهبون إلى بناء شرعيتهم على التماهي مع أولويات الإدارة الأميركية وتبنيها، بل المزايدة في الدفاع عنها؟ تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد

وغسل الأموال وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر


فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
TT

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزيونية.

ونادراً ما تخلو وسائل الإعلام في البيرو من أخبار الصراعات التي تدور بين أفراد هذه العائلة التي تُعتبر من بين الأغنى والأوسع نفوذاً في البلاد. كانت البداية مع «الأب المؤسس» ألبرتو، المولود من أبوين يابانيين هاجرا إلى البيرو سعياً وراء الرزق إبان سنوات الفقر التي كانت تعيشها اليابان بعد هزيمتها القاسية في الحرب العالمية الثانية. كان ألبرتو تلميذاً ناجحاً أنهى دراسته الجامعية متخرجاً بتفوق مهندساً زراعياً من جامعة ليما، ثم أصبح عميداً لكلية العلوم، ورئيساً للجامعة، ومقدماً لبرنامج تلفزيوني علمي شهير.

أواخر ثمانينات القرن الفائت، وضعت القوات المسلحة في البيرو برنامجاً سرياً بعنوان «الخطة الخضراء» يهدف إلى تعقيم الفقراء والسكان الأصليين، ومراقبة الصحافة الوطنية، وإقامة منظومة اقتصادية نيوليبرالية موازية تحت سيطرة الزمرة العسكرية الحاكمة. عندما أسس ألبرتو فوجيموري حزب «التغيير» في عام 1989 كان سياسياً مغموراً، لكنه عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية في العام التالي، نال تأييداً واسعاً في أوساط رجال الأعمال وبعض الكنائس الإنجيلية، وأيضاً الدعم من حكومة آلن غارسيا الذي كان يتمتع بشعبية واسعة ونفوذ كبير. وتجاوز فوجيموري الدورة الأولى ليتنافس في الدورة الثانية مع الكاتب المعروف ماريو فارغاس يوسا. وكان للدعم الذي قدمته الحكومة وأجهزة المخابرات التابعة لها، كبير الأثر في الفوز الذي حققه بنسبة تجاوزت 62 في المائة من الأصوات.

لكن ألبرتو فوجيموري سارع بُعيد فوزه إلى التخلي عن برنامجه الانتخابي ونهج سياسة اقتصادية تجاوزت بليبراليتها تلك التي كان منافسه يدعو إليها، وراح يتقرّب من القوات المسلحة التي كان يخشى انقلابها عليه، ويتبنّى بنود «الخطة الخضراء» مخصصاً لبعض كبار الضباط مناصب عليا في الدولة.

وخلال ولايته الرئاسية الأولى شهدت البيرو ما كان يعرف بالمعجزة الاقتصادية التي فتحت أبواب الاستثمارات الخارجية، وتدفقت القروض من المؤسسات المالية الدولية بعد خصخصة معظم المؤسسات العامة وتقييد النشاط النقابي، وتراجعت نسبة التضخم إلى أن حققت البيرو نمواً اقتصادياً بلغ 13 في المائة في عام 1994.

في ولايته الثانية، جنح فوجيموري نحو ممارسة أسلوب استبدادي فيما كانت تحوم حوله شبهات بفضائح فساد مالي ضخمة، وكانت بدأت تحاصره ملاحقات الأجهزة القضائية والبرلمان الذي لم يعد يسيطر على أغلبية أعضائه. في تلك الفترة ظهر إلى العلن خلاف عميق مع زوجته التي اتهمته بالمشاركة في أعمال الفساد وتغطيتها وهددت بمقاضاته، فانفصل عنها بعد أن دبّر تهمة ضدها بمساعدة أجهزة المخابرات. وفيما وقف معظم أبنائه بجانب والدتهم، كانت كيكو الوحيدة التي دعمت والدها وبقيت إلى جانبه حتى النهاية.

في عام 1992 قامت مجموعة من الضباط بمحاولة انقلابية ضد فوجيموري الذي كان بدوره يحاول حل البرلمان وتعطيل السلطة القضائية، فلجأ إلى السفارة اليابانية في ليما إلى أن فشل الانقلاب واستعاد مقاليد السلطة، قبل أن يُحال لاحقاً أمام القضاء بتهم الفساد المالي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وعند صدور الحكم بسجنه، فرّ إلى اليابان التي رفضت التجاوب مع طلب سلطات البيرو بتسليمه. وبعد أن انتقل سراً إلى سانتياغو (تشيلي)، تم القبض عليه هناك واقتيد إلى البيرو حيث أودع السجن حتى وفاته في عام 2024.