الجزائر: أزمة مؤسساتية على أعتاب انتخابات الرئاسة

نزاع حاد داخل البرلمان وسجن جنرالات نافذين

الجزائر: أزمة مؤسساتية على أعتاب انتخابات الرئاسة
TT

الجزائر: أزمة مؤسساتية على أعتاب انتخابات الرئاسة

الجزائر: أزمة مؤسساتية على أعتاب انتخابات الرئاسة

«أزمة البرلمان» وسجن جنرالات نافذين بتهم فساد، وغموض وضبابية حول انتخابات الرئاسة المرتقبة بعد 5 أشهر، ملفات ساخنة في الجزائر، تشغل حالياً الرأي العام المحلي، وبخاصة وسائل الإعلام والأوساط السياسية. وتعكس هذه القضايا، بحسب مراقبين، مدى تعقد نظام الحكم وشبكة المصالح المتضاربة بين أجنحته، بينما يتحدث آخرون عن «حالة من أعراض مرض عميق تمدد في جسم الدولة».

واجه رئيس «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية الأولى) سعيد بوحجة، منذ شهر تقريباً، موجة غضب كبيرة من نواب الغالبية انتهت الأربعاء الماضي بعزله بذريعة «سوء تسيير البرلمان». وكان بوحجة قد أعلن تمسكّه بمنصبه متحدياً خصومه بـ«تقديم دليل واحد» على التهم التي يدفعون بها ضده. وصرَح لكل وسائل الإعلام بأنه كان مستعداً للاستقالة، ولكن بشرط أن يأتيه اتصال من رئاسة الجمهورية يطلب منه ذلك، على اعتبار أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هو مَن وضعه على رأس غرفة التشريع الأولى في شهر مايو (أيار) 2017، وهذا الكلام بالذات، يزعج الرئاسة التي تتحاشى التدخل في هذا الأزمة، حتى لا تبدو في العلن أنها تخرق «مبدأ الفصل بين السلطات»، المكرّس دستورياً في الجزائر.
في هذه الأثناء، تعالت أصوات تدعو بوحجة إلى عرض نزاعه مع خصومه على «المجلس الدستوري»، كي يعطي رأيه في مدى مطابقة تنحيته مع الدستور، الذي ينص في مادته الـ131 على أن رئيس المجلس الشعبي الوطني يُنتخَب للفترة التشريعية، التي تدوم 5 سنوات. كذلك تؤكد هذه المادة الدستورية أنه لا يجوز قانوناً عزله تحت أي مبرّر. ومن ثم، فإن السؤال المطروح الآن، والذي لا يعرف أحد الإجابة عنه، بمن فيهم النواب الذين أطاحوا به، هو: مَن الجهة التي يزعجها بوحجة؟.
المؤكد أن رئيس البرلمان لا يفوّت أي فرصة إلا ويشيد بـ«أفضال الرئاسة والجيش على العباد»، وهما المؤسستان الوحيدتان في البلاد اللتان بإمكانهما عزل أي مسؤول، مهما علا شأنه، وتعيين أي شخص في أي منصب، من حارس بلدية إلى منصب رئيس وزراء.

- سقوط قناع عن أسطورة الجيش
هذا بالنسبة لـ«أزمة البرلمان» ورئيسه، أما عن سجن الجنرالات النافذين، فإن هذه القضية اتصلت عند البعض بشكوك قوية حول نزاهة قيادة الجيش، التي ينظر إليها في البلاد بنظرة قداسة، قياساً إلى دورها في تخليص البلاد من الإرهاب. ويحلو لكل السياسيين، حتى من هم في المعارضة، القول، بأنه «إذا كان الفساد عشّش في المؤسسات المدنية، فالجيش هو المؤسسة الوحيدة التي بقيت نظيفة».
ما حدث أخيراً كان بمثابة سقوط قناع عن أسطورة. بل، ويرجّح متّتبعون سجن جنرالات آخرين في هذه القضية، التي كشفت أن الفساد لم يترك أي هيئة إلا ونخرها. ويشار إلى أنه يوجد حالياً جنرال في السجن، يسمى عبد القادر آيت وعرابي الذي كان رئيسا لقسم محاربة الإرهاب واختراق الجماعات المتطرفة، بالمخابرات العسكرية. ولقد حكم عليه عام 2015 بخمس سنوات سجنا، بناء على تهمة «مخالفة أوامر عسكرية» وهي مرتبطة بحادثة مصادرة أسلحة حربية بالحدود مع مالي، تابعة لإرهابيين. وعدَت القضية فصلاً من فصول الصراع بين الرئاسة ومدير المخابرات محمد مدين، الذي جرى عزله في السنة نفسها التي أدان فيها القضاء آيت وعرابي، الذي كان ساعده الأيمن واحد رجال الثقة بالنسبة إليه.
وفي سياق هذه التطورات، يشدَ كثير من المتتبعين أنظارهم إلى الرئيس بوتفليقة: هل سيعلن ترشحه لولاية خامسة أم سيكتفي بـ20 سنة حكماً؟.
الأحزاب الموالية له، وبخاصة حزب الغالبية «جبهة التحرير»، ومعه عشرات التنظيمات والجمعيات التي تعيش من ريع النفط، ناشدته الاستمرار في الحكم، بحجة أنه «حقق الاستقرار»، وبأنه على يديه تصالح الجزائريون لطي أزمة أمنية خطيرة تخبطت فيها البلاد خلال تسعينات القرن الماضي. غير أن الرئيس لم يتجاوب حتى اللحظة مع المناشدات لا بالقبول ولا بالرفض، لكن ينسب له رغبة في دخول معترك رئاسية 2019 على الرغم من حالته الصحية المتدهورة. وهنا، ويقول مراقبون وناشطون ومحللون لـ«الشرق الأوسط»، إن تطورات الأوضاع «مؤشر على مخاضٍ عسير في هرم النظام»، وبعضهم ذكر أن ما يجري من صراع في البرلمان ومحاكمات في صفوف الجيش، دليل على أن الجماعة الحاكمة لم تستقر على رأي بخصوص مَن سيتولى شؤون الحكم في المرحلة المقبلة.

- إما وثبة... وإما مزيد من التأزم
أنور نصر الدين هدّام، القيادي السابق بـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، وهو مقيم في الولايات المتحدة الأميركية يقول: «تمر بلادنا بمنعطف تاريخي دقيق وهي تستعد لانتخابات رئاسية مفصلية... فإما تدفع في اتجاه إحداث وثبة وطنية حقيقية تعلن فيها القطيعة مع ذهنيات وممارسات الماضي من إقصاء واستبداد وفساد، وتفتح آفاقاً جديدة لنا نحن جيل ما بعد الاستقلال وللشباب لنصنع معا، وفي تنوعنا، مستقبل وطننا ونلحقه بركب الدول المتقدمة. وإما تزيد من تأزيم الأوضاع إذا اعتمدت الأساليب البالية في تعيين رئيس الدولة يتم فرضه على الشعب كما هو الحال منذ فجر الاستقلال؛ يكون تارة رئيساً مستبداً، وتارة أخرى يكون رئيسا واجهة فقط كما الحال الآن، تختبئ من ورائه مجموعة مجهولة الهوية تحل محل الزعيم المستبد».
وفيما يتعلق باحتمال ولاية خامسة للرئيس الحالي، يقول هدام: «حسب قراءتنا للأوضاع المحلية والدولية، لن تكون هناك ولاية خامسة. ولذلك فالذين يدعون لها، أصبحوا بدلها يتحدثون عن (الاستمرارية). وهذا كذلك غير مقبول. ونحن باسم حركة الحرية والعدالة الاجتماعية (تنظيم أطلقه في بلد اللجوء) نقول بكل صراحة: لا للاستمرارية، لا للفشل والرداءة والاستبداد والفساد والمحسوبية والجهوية والتبعية. إننا في حركة الحرية والعدالة الاجتماعية، كمواطنين جزائريين إصلاحيين، نسعى للمساهمة مع باقي شركائنا في المواطنة، من كل التيارات، لتوفير الشروط لتوجيه الرئاسيات في اتجاه إحداث التغيير المنشود، بما يحفظ أمن واستقرار الجزائر والمنطقة المغاربية».
وبشأن سجن جنرالات بتهم فساد، قال هدام: «كثرت التحليلات والتحليلات المضادة، حول التغييرات التي وقعت بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. ومسألة متابعة جنرالات في قضايا فساد، هي مؤشر على غياب الشفافية وشحّ المعلومات. إن مؤسسات الرقابة الدستورية مغيّبة في الجزائر. هكذا، يتم تعيين وتنحية إطارات عليا من مدنيين وعسكريين بعيداً عن الشعب ودون أي تقييم أو مراجعة. علينا أن ندرك اليوم أن الدولة الجزائرية تكاد تفقد مناعتها التي تضمن استمراريتها، حيث تم منذ عقود إخضاع مؤسسات الدولة إلى عملية إضعاف خطيرة جرّدتها من مهامها الدستورية. وهو الأمر الذي كان له انعكاسات سلبية على صناعة القرار السياسي وعلى قدرة معالجة ملفات ثقيلة خطيرة تنتظر بلدنا، منها الملف السياسي، بما فيه مكافحة الفساد والفوارق الجهوية، وإحداث التحول السياسي الجاد وتحديد آيديولوجية سياسية جزائرية جديدة، تمكننا من تحقيق الانسجام بين الدولة والمواطن لتعيد ثقته في مؤسسات دولته. وكذلك هناك الملف الاقتصادي، ومسألة تحديد رؤية اقتصادية واضحة المعالم، وبعث ديناميكية وطنية شاملة للتنمية الوطنية والانتقال من اقتصاد ريع إلى اقتصاد منتج».
وأشار إلى أن «تراجع إرادات المحروقات انعكس على مشاريع اقتصادية ذات أبعاد اجتماعية، ما ينذر بأزمة اجتماعية تزيد من إرباك الدولة؛ والذي يهمنا أن أصحاب القرار عليهم أن يبينوا لنا أن تلك التغييرات العسكرية تمكننا من تأمين حدود بلدنا الإقليمية التي هي جد متوترة. يجب إعادة تحديد عناصر أمننا القومي بما يمكننا من حماية الحدود ومواجهة المخاطر بما فيها ظاهرة الإرهاب والجريمة المنظمة والعابرة للحدود، وقضية ليبيا ودول الساحل».
وعن دلالات وأبعاد أزمة البرلمان، يقول هدام: «المؤسسة التشريعية أصلا مطعون في شرعيتها، فالشعب الجزائري في تنوعه وفي أغلبيته الساحقة قاطع الانتخابات التشريعية الماضية (2017)، بصراحة، النظام الجزائري نظام مُقفل. وبالتالي، يصعب تصديق من يدعي أنه يعلم حقيقة التغييرات الأخيرة التي طالت المؤسسة العسكرية ومسألة متابعة جنرالات في قضايا فساد، أو ما هي حقيقة أزمة البرلمان. لكن، إن كان هناك بالفعل من بين أصحاب القرار، مصلحون من وراء تلك التغييرات يريدون من خلالها تحسين الوضع في بلدنا العزيز، عليهم أن يدركوا أن معالجة هذه الملفات الثقيلة والخطيرة وغيرها، تستلزم وجود تراض تام بين الشعب في تنوعه ومختلف السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية».

- الولاية الخامسة... مخالفة للدستور!
من جانب آخر، تقول القاضية السابقة زبيدة عسول، التي تقود اليوم تنظيماً معارضاً لاستمرار بوتفليقة في الحكم، اسمه «حركة مواطنة»، إن ولاية خامسة مفترضة «ستكون مخالفة لنص وروح الدستور»، على أساس أن الدستور يتحدث عن ولايتين فقط.
وتابعت عسول: «إن الحالة الصحية للرئيس لا تسمح بذلك، كما أن الدستور أعده على مقاسه للهيمنة والسيطرة على كل السلطات، ولا يمكنه حتى تفويض صلاحياته لأي كان». ولاحظت أن الرئيس «أمضى 20 سنة في السلطة وأنفق ألف مليار دولار، بينما الجزائر تسير من سيئ إلى أسوأ، بل إنه قضى على كل توازن في البلاد، واعتمد الفساد كمنهج للسيطرة على كل دواليب السلطة، والاقتصاد ما زال يعاني من التبعية المفرطة لعائدات النفط. السلطة الحالية هجَّرت كل الكفاءات وهمشت من بقي في البلاد، واعتمدت الولاء والطاعة كأسلوب للوصول إلى المناصب أو البقاء فيها».
واستطردت عسول منتقدة: «تم القضاء على المنظومة القيمية للمجتمع، فالنظام لم يحمل أبدا رؤية أو برنامجا لفائدة الجزائر والجزائريين، رجاله يمارسون الحيلة والمخادعة. في عهد الرئيس الحالي، جرى قمع الحريات وتهميش الكفاءات. وإذا لم يحقق التنمية في 20 سنة فماذا ستفيده 5 سنوات أخرى؟».
أما عن مسألة الإطاحة برئيس البرلمان بوحجة، فالأمر يتعلق حسب عسول بـ«مظهر من مظاهر الارتباك والذعر الذي ينتاب المنادين بالولاية الخامسة، وذلك مخافة ضياع امتيازاتهم ومواقعهم والحصانة التي يتمتعون بها، والتي تضمن لهم الإفلات من العقاب... هي مراوغة بائسة لأنها مخالفة للنظام الداخلي للمجلس الوطني، ومنافية للأخلاق وأعراف العمل السياسي وتضرب ما تبقى من مصداقية لهذه المؤسسة داخليا وخارجيا، وتضع الجزائر في خانة الدول المتخلفة».
ولا يبتعد تشخيص عبد الرزاق مقري، رئيس الحزب الإسلامي «حركة مجتمع السلم»، كثيراً عن تشخيص هدام وعسول. إذ يصف الوضع الحالي بمرارة قائلا: «رئيس برلمان ينتمي إلى الموالاة تسحب منه الثقة من نواب الموالاة، وكأنه رئيس بلدية من حزب معارض!!. والسبب المباشر المعلن هو إقالة أمينه العام البسيط الذي لا وزن له بالنظر للأزمة التي أحدثها وصورة المؤسسات التي خدشت: إنها أمارة من أمارات تحلل الدولة.... ولكن ماذا بقي من الدولة الجزائرية غير هذا؟ رئيس غائب ولا يعرف أحد مَن وكيف يتخذ القرار، وتتحوّل صوره التي تنشر دون احترام له ولخصوصيته، إلى عنصر ضعف للدولة وتصبح الجزائر لهذا السبب مادة تَندُّر في العالم وفي أروقة الدبلوماسية العالمية... ومع ذلك هناك من يدعو إلى الاستمرارية وكأن الجزائر عاقر لا رجال فيها غير رئيسها الحالي، وكأن الشعب كله مسعف لا يستطيع التكفل بنفسه إلا أن (يعيّن) له الرئيس من يخلفه».

- غياب الحوار بين الشعب ودولته
يعتقد مقري أن الأحداث الكبيرة المتمثلة في سجن جنرالات وعزل رئيس البرلمان «جاءت في سياق سلسلة من الممارسات والتصرفات دلَّت على انهيار مصداقية المسؤولين وسوء التسيير في الإدارة، والوقوع في أخطاء بالجملة في الاتصال والحديث مع المواطنين وتصريحات تنم عن الانفصال عن الشعب فكريا ونفسياً وثقافياً ولغوياً. كما يلاحظ كسر المؤسسات الوسيطة من منظمات مجتمع مدني وأحزاب ومنتخبين... وللأسف الشديد لا حوار بين الشعب والدولة يضمن الحقوق، إلا الشارع وحرق العجلات المطاطية». ويرى مقري أن رئيس وزراء أحمد أويحيى «لا يتحكم في وزرائه الذين يتجاوزونه طولاً وعرضاً، بل ويقرّرون ويتصرفون في قضايا مهمة بلا علمه.... هو لم يصدق، مثلا، حجم السكنات التي أعلن عنها وزير السكن حتى سأله لعلك أخطأت في الرقم!. لقد بلغ الفساد عنان السماء، واتخذ أبعاداً دولية، وتفوح رائحته من داخل كل المؤسسات، حتى من داخل المؤسسة العسكرية.. بلد ينفق 1000 مليار دولار أميركي، وفي الأخير يضطر لتسيير الاقتصاد بطباعة النقود بلا رصيد، ولا أمل لدى حكامه إلا أن ترتفع أسعار البترول!!!».
على صعيد آخر، تحاول الباحثة الجزائرية الدكتورة داليا يزبك، في إحدى دراساتها المنشورة بمعهد «كارنيغي للأبحاث حول السلام»، تشريح «الحالة الجزائرية»، فتقول: «أمضى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة سنوات طويلة في الحكم.
ولاقى انتخابه للمرة الأولى في العام 1999، ترحيب الكثير من الجزائريين والمجتمع الدولي. إذ لم يكن بوتفليقة رئيساً مدنياً وحسب، بعد سلسلة من الرؤساء العسكريين، بل كان أيضاً رئيساً منتخباً انتخاباً حراً، حيث فاز بنسبة 73.5 في المائة من الأصوات».
ثم ذكرت أنه «على الرغم من أن الرئيس مريض الآن (تعرّض بوتفليقة البالغ من العمر 81 سنة إلى سكتة دماغية في العام 2013 وقام بحملته الانتخابية بعد عام واحد وهو على كرسي متحرّك)، فإن إجراء تقييم لإرثه السياسي يبدو في محلّه. إذ يبرز إنجازان سياسيان كبيران من السنوات التي أمضاها في السلطة: الأول هو إشرافه على انتقال الجزائر إلى مجتمع ما بعد الحرب، والثاني هو إعادة إحياء السياسة الخارجية الجزائرية، ما أنهى عزلة البلاد خلال سنوات الحرب الأهلية».

- جذور العنف ما زالت قائمة
وأضافت الباحثة يزبك: «بينما تبدأ الجزائر التحضير لمرحلة ما بعد بوتفليقة، سيكون للإرث السياسي للرئيس تأثير كبير على مستقبل البلاد. وعلى الرغم من عودة الاستقرار، تبدو سياسة المصالحة الوطنية هشّة لأنها فشلت في معالجة جذور العنف في البلاد. ومع ذلك، قد تصبح المصالحة الوطنية أمراً لا مناصّ منه للتعاطي بصورة أفضل مع مروَحة من التحدّيات، من بينها البطالة والفقر ونقص المساكن والفساد وغياب الحوكمة والتهديد الجهادي. إضافة إلى ذلك، تعمل الجزائر في منطقة غير مستقرّة للغاية، ما يعني أن سياستها التقليدية المتمثّلة بعدم التدخّل في شؤون الآخرين، لم تعد عملية». وتابعت: «تواجه الجزائر واقعاً جديداً سوف يُضطر خليفة بوتفليقة إلى التكيّف معه. بيد أن عجز قادة الجزائر عن تجديد النظام السياسي المحلّي أو إعادة النظر في طبيعة السلوك الجزائري في الخارج، يمكن أن يطرح مخاطر حقيقية على مستقبل البلاد».

- الجزائر... في سطور
عدد السكان (2018): نحو 42 مليونا و200 ألف نسمة
التركيبة السكانية: العرب - الأمازيغ يشكلون 99 في المائة من السكان
العاصمة: مدينة الجزائر
المدن الكبرى الأخرى: وهران، وقسنطينة، وعنابة، وباتنة، وسطيف، والبليدة، والجلفة، وسيدي بلعباس، وتلمسان، تيزي وزو، وبجاية، وسكيكدة، ومعسكر، وبسكرة، وتبسة، وتيارت، وورقلة، والواد.
الديانة: الإسلام (99 في المائة من أهل السنة)
المساحة: مليونان و381.741 كلم مربع
الناتج الوطني الإجمالي: نحو 666.960 مليار دولار أميركي
نظام الحكم: جمهورية شعبية رئاسية، مع برلمان يتكون من مجلسين


مقالات ذات صلة

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

حصاد الأسبوع الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع إسماعيل قاآني (آ ب)

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

> تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً

حصاد الأسبوع كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي

حصاد الأسبوع رئيس الأرجنتين ميلاي (آ ب)

رياح الإعصار اليميني تشتدّ بلا هوادة في أميركا اللاتينية

تعتبر الأوساط اليمينية في أميركا اللاتينية أن أهمية وصول آبيلاردو دي لا إسبيريلّا إلى الرئاسة في كولومبيا - ثالثة كبرى دول «منطقة» أميركا اللاتينية بعد البرازيل

«الشرق الأوسط» ( مدريد)
حصاد الأسبوع أعلام إسرائيلية على طريق شمال غور الأردن في الضفة الغربية... وثمة مخاوف في عمّان من ترحيل إسرائيل فلسطينيين إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن (أ.ب)

الأردن أمام «مرحلة مفصلية»... تحديات إقليمية واستحقاقات داخلية

تتزاحم التحديات التي يواجهها الأردن. وأمام حالة عدم اليقين التي تعيشها المنطقة، بفعل الاضطرابات المُرشحة للتوسُّع، واحتمالات استمرار الصراع بين أطراف الحرب

محمد خير الرواشدة (عمّان)

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.