الجزائر: أزمة مؤسساتية على أعتاب انتخابات الرئاسة

نزاع حاد داخل البرلمان وسجن جنرالات نافذين

الجزائر: أزمة مؤسساتية على أعتاب انتخابات الرئاسة
TT

الجزائر: أزمة مؤسساتية على أعتاب انتخابات الرئاسة

الجزائر: أزمة مؤسساتية على أعتاب انتخابات الرئاسة

«أزمة البرلمان» وسجن جنرالات نافذين بتهم فساد، وغموض وضبابية حول انتخابات الرئاسة المرتقبة بعد 5 أشهر، ملفات ساخنة في الجزائر، تشغل حالياً الرأي العام المحلي، وبخاصة وسائل الإعلام والأوساط السياسية. وتعكس هذه القضايا، بحسب مراقبين، مدى تعقد نظام الحكم وشبكة المصالح المتضاربة بين أجنحته، بينما يتحدث آخرون عن «حالة من أعراض مرض عميق تمدد في جسم الدولة».

واجه رئيس «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية الأولى) سعيد بوحجة، منذ شهر تقريباً، موجة غضب كبيرة من نواب الغالبية انتهت الأربعاء الماضي بعزله بذريعة «سوء تسيير البرلمان». وكان بوحجة قد أعلن تمسكّه بمنصبه متحدياً خصومه بـ«تقديم دليل واحد» على التهم التي يدفعون بها ضده. وصرَح لكل وسائل الإعلام بأنه كان مستعداً للاستقالة، ولكن بشرط أن يأتيه اتصال من رئاسة الجمهورية يطلب منه ذلك، على اعتبار أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هو مَن وضعه على رأس غرفة التشريع الأولى في شهر مايو (أيار) 2017، وهذا الكلام بالذات، يزعج الرئاسة التي تتحاشى التدخل في هذا الأزمة، حتى لا تبدو في العلن أنها تخرق «مبدأ الفصل بين السلطات»، المكرّس دستورياً في الجزائر.
في هذه الأثناء، تعالت أصوات تدعو بوحجة إلى عرض نزاعه مع خصومه على «المجلس الدستوري»، كي يعطي رأيه في مدى مطابقة تنحيته مع الدستور، الذي ينص في مادته الـ131 على أن رئيس المجلس الشعبي الوطني يُنتخَب للفترة التشريعية، التي تدوم 5 سنوات. كذلك تؤكد هذه المادة الدستورية أنه لا يجوز قانوناً عزله تحت أي مبرّر. ومن ثم، فإن السؤال المطروح الآن، والذي لا يعرف أحد الإجابة عنه، بمن فيهم النواب الذين أطاحوا به، هو: مَن الجهة التي يزعجها بوحجة؟.
المؤكد أن رئيس البرلمان لا يفوّت أي فرصة إلا ويشيد بـ«أفضال الرئاسة والجيش على العباد»، وهما المؤسستان الوحيدتان في البلاد اللتان بإمكانهما عزل أي مسؤول، مهما علا شأنه، وتعيين أي شخص في أي منصب، من حارس بلدية إلى منصب رئيس وزراء.

- سقوط قناع عن أسطورة الجيش
هذا بالنسبة لـ«أزمة البرلمان» ورئيسه، أما عن سجن الجنرالات النافذين، فإن هذه القضية اتصلت عند البعض بشكوك قوية حول نزاهة قيادة الجيش، التي ينظر إليها في البلاد بنظرة قداسة، قياساً إلى دورها في تخليص البلاد من الإرهاب. ويحلو لكل السياسيين، حتى من هم في المعارضة، القول، بأنه «إذا كان الفساد عشّش في المؤسسات المدنية، فالجيش هو المؤسسة الوحيدة التي بقيت نظيفة».
ما حدث أخيراً كان بمثابة سقوط قناع عن أسطورة. بل، ويرجّح متّتبعون سجن جنرالات آخرين في هذه القضية، التي كشفت أن الفساد لم يترك أي هيئة إلا ونخرها. ويشار إلى أنه يوجد حالياً جنرال في السجن، يسمى عبد القادر آيت وعرابي الذي كان رئيسا لقسم محاربة الإرهاب واختراق الجماعات المتطرفة، بالمخابرات العسكرية. ولقد حكم عليه عام 2015 بخمس سنوات سجنا، بناء على تهمة «مخالفة أوامر عسكرية» وهي مرتبطة بحادثة مصادرة أسلحة حربية بالحدود مع مالي، تابعة لإرهابيين. وعدَت القضية فصلاً من فصول الصراع بين الرئاسة ومدير المخابرات محمد مدين، الذي جرى عزله في السنة نفسها التي أدان فيها القضاء آيت وعرابي، الذي كان ساعده الأيمن واحد رجال الثقة بالنسبة إليه.
وفي سياق هذه التطورات، يشدَ كثير من المتتبعين أنظارهم إلى الرئيس بوتفليقة: هل سيعلن ترشحه لولاية خامسة أم سيكتفي بـ20 سنة حكماً؟.
الأحزاب الموالية له، وبخاصة حزب الغالبية «جبهة التحرير»، ومعه عشرات التنظيمات والجمعيات التي تعيش من ريع النفط، ناشدته الاستمرار في الحكم، بحجة أنه «حقق الاستقرار»، وبأنه على يديه تصالح الجزائريون لطي أزمة أمنية خطيرة تخبطت فيها البلاد خلال تسعينات القرن الماضي. غير أن الرئيس لم يتجاوب حتى اللحظة مع المناشدات لا بالقبول ولا بالرفض، لكن ينسب له رغبة في دخول معترك رئاسية 2019 على الرغم من حالته الصحية المتدهورة. وهنا، ويقول مراقبون وناشطون ومحللون لـ«الشرق الأوسط»، إن تطورات الأوضاع «مؤشر على مخاضٍ عسير في هرم النظام»، وبعضهم ذكر أن ما يجري من صراع في البرلمان ومحاكمات في صفوف الجيش، دليل على أن الجماعة الحاكمة لم تستقر على رأي بخصوص مَن سيتولى شؤون الحكم في المرحلة المقبلة.

- إما وثبة... وإما مزيد من التأزم
أنور نصر الدين هدّام، القيادي السابق بـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، وهو مقيم في الولايات المتحدة الأميركية يقول: «تمر بلادنا بمنعطف تاريخي دقيق وهي تستعد لانتخابات رئاسية مفصلية... فإما تدفع في اتجاه إحداث وثبة وطنية حقيقية تعلن فيها القطيعة مع ذهنيات وممارسات الماضي من إقصاء واستبداد وفساد، وتفتح آفاقاً جديدة لنا نحن جيل ما بعد الاستقلال وللشباب لنصنع معا، وفي تنوعنا، مستقبل وطننا ونلحقه بركب الدول المتقدمة. وإما تزيد من تأزيم الأوضاع إذا اعتمدت الأساليب البالية في تعيين رئيس الدولة يتم فرضه على الشعب كما هو الحال منذ فجر الاستقلال؛ يكون تارة رئيساً مستبداً، وتارة أخرى يكون رئيسا واجهة فقط كما الحال الآن، تختبئ من ورائه مجموعة مجهولة الهوية تحل محل الزعيم المستبد».
وفيما يتعلق باحتمال ولاية خامسة للرئيس الحالي، يقول هدام: «حسب قراءتنا للأوضاع المحلية والدولية، لن تكون هناك ولاية خامسة. ولذلك فالذين يدعون لها، أصبحوا بدلها يتحدثون عن (الاستمرارية). وهذا كذلك غير مقبول. ونحن باسم حركة الحرية والعدالة الاجتماعية (تنظيم أطلقه في بلد اللجوء) نقول بكل صراحة: لا للاستمرارية، لا للفشل والرداءة والاستبداد والفساد والمحسوبية والجهوية والتبعية. إننا في حركة الحرية والعدالة الاجتماعية، كمواطنين جزائريين إصلاحيين، نسعى للمساهمة مع باقي شركائنا في المواطنة، من كل التيارات، لتوفير الشروط لتوجيه الرئاسيات في اتجاه إحداث التغيير المنشود، بما يحفظ أمن واستقرار الجزائر والمنطقة المغاربية».
وبشأن سجن جنرالات بتهم فساد، قال هدام: «كثرت التحليلات والتحليلات المضادة، حول التغييرات التي وقعت بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. ومسألة متابعة جنرالات في قضايا فساد، هي مؤشر على غياب الشفافية وشحّ المعلومات. إن مؤسسات الرقابة الدستورية مغيّبة في الجزائر. هكذا، يتم تعيين وتنحية إطارات عليا من مدنيين وعسكريين بعيداً عن الشعب ودون أي تقييم أو مراجعة. علينا أن ندرك اليوم أن الدولة الجزائرية تكاد تفقد مناعتها التي تضمن استمراريتها، حيث تم منذ عقود إخضاع مؤسسات الدولة إلى عملية إضعاف خطيرة جرّدتها من مهامها الدستورية. وهو الأمر الذي كان له انعكاسات سلبية على صناعة القرار السياسي وعلى قدرة معالجة ملفات ثقيلة خطيرة تنتظر بلدنا، منها الملف السياسي، بما فيه مكافحة الفساد والفوارق الجهوية، وإحداث التحول السياسي الجاد وتحديد آيديولوجية سياسية جزائرية جديدة، تمكننا من تحقيق الانسجام بين الدولة والمواطن لتعيد ثقته في مؤسسات دولته. وكذلك هناك الملف الاقتصادي، ومسألة تحديد رؤية اقتصادية واضحة المعالم، وبعث ديناميكية وطنية شاملة للتنمية الوطنية والانتقال من اقتصاد ريع إلى اقتصاد منتج».
وأشار إلى أن «تراجع إرادات المحروقات انعكس على مشاريع اقتصادية ذات أبعاد اجتماعية، ما ينذر بأزمة اجتماعية تزيد من إرباك الدولة؛ والذي يهمنا أن أصحاب القرار عليهم أن يبينوا لنا أن تلك التغييرات العسكرية تمكننا من تأمين حدود بلدنا الإقليمية التي هي جد متوترة. يجب إعادة تحديد عناصر أمننا القومي بما يمكننا من حماية الحدود ومواجهة المخاطر بما فيها ظاهرة الإرهاب والجريمة المنظمة والعابرة للحدود، وقضية ليبيا ودول الساحل».
وعن دلالات وأبعاد أزمة البرلمان، يقول هدام: «المؤسسة التشريعية أصلا مطعون في شرعيتها، فالشعب الجزائري في تنوعه وفي أغلبيته الساحقة قاطع الانتخابات التشريعية الماضية (2017)، بصراحة، النظام الجزائري نظام مُقفل. وبالتالي، يصعب تصديق من يدعي أنه يعلم حقيقة التغييرات الأخيرة التي طالت المؤسسة العسكرية ومسألة متابعة جنرالات في قضايا فساد، أو ما هي حقيقة أزمة البرلمان. لكن، إن كان هناك بالفعل من بين أصحاب القرار، مصلحون من وراء تلك التغييرات يريدون من خلالها تحسين الوضع في بلدنا العزيز، عليهم أن يدركوا أن معالجة هذه الملفات الثقيلة والخطيرة وغيرها، تستلزم وجود تراض تام بين الشعب في تنوعه ومختلف السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية».

- الولاية الخامسة... مخالفة للدستور!
من جانب آخر، تقول القاضية السابقة زبيدة عسول، التي تقود اليوم تنظيماً معارضاً لاستمرار بوتفليقة في الحكم، اسمه «حركة مواطنة»، إن ولاية خامسة مفترضة «ستكون مخالفة لنص وروح الدستور»، على أساس أن الدستور يتحدث عن ولايتين فقط.
وتابعت عسول: «إن الحالة الصحية للرئيس لا تسمح بذلك، كما أن الدستور أعده على مقاسه للهيمنة والسيطرة على كل السلطات، ولا يمكنه حتى تفويض صلاحياته لأي كان». ولاحظت أن الرئيس «أمضى 20 سنة في السلطة وأنفق ألف مليار دولار، بينما الجزائر تسير من سيئ إلى أسوأ، بل إنه قضى على كل توازن في البلاد، واعتمد الفساد كمنهج للسيطرة على كل دواليب السلطة، والاقتصاد ما زال يعاني من التبعية المفرطة لعائدات النفط. السلطة الحالية هجَّرت كل الكفاءات وهمشت من بقي في البلاد، واعتمدت الولاء والطاعة كأسلوب للوصول إلى المناصب أو البقاء فيها».
واستطردت عسول منتقدة: «تم القضاء على المنظومة القيمية للمجتمع، فالنظام لم يحمل أبدا رؤية أو برنامجا لفائدة الجزائر والجزائريين، رجاله يمارسون الحيلة والمخادعة. في عهد الرئيس الحالي، جرى قمع الحريات وتهميش الكفاءات. وإذا لم يحقق التنمية في 20 سنة فماذا ستفيده 5 سنوات أخرى؟».
أما عن مسألة الإطاحة برئيس البرلمان بوحجة، فالأمر يتعلق حسب عسول بـ«مظهر من مظاهر الارتباك والذعر الذي ينتاب المنادين بالولاية الخامسة، وذلك مخافة ضياع امتيازاتهم ومواقعهم والحصانة التي يتمتعون بها، والتي تضمن لهم الإفلات من العقاب... هي مراوغة بائسة لأنها مخالفة للنظام الداخلي للمجلس الوطني، ومنافية للأخلاق وأعراف العمل السياسي وتضرب ما تبقى من مصداقية لهذه المؤسسة داخليا وخارجيا، وتضع الجزائر في خانة الدول المتخلفة».
ولا يبتعد تشخيص عبد الرزاق مقري، رئيس الحزب الإسلامي «حركة مجتمع السلم»، كثيراً عن تشخيص هدام وعسول. إذ يصف الوضع الحالي بمرارة قائلا: «رئيس برلمان ينتمي إلى الموالاة تسحب منه الثقة من نواب الموالاة، وكأنه رئيس بلدية من حزب معارض!!. والسبب المباشر المعلن هو إقالة أمينه العام البسيط الذي لا وزن له بالنظر للأزمة التي أحدثها وصورة المؤسسات التي خدشت: إنها أمارة من أمارات تحلل الدولة.... ولكن ماذا بقي من الدولة الجزائرية غير هذا؟ رئيس غائب ولا يعرف أحد مَن وكيف يتخذ القرار، وتتحوّل صوره التي تنشر دون احترام له ولخصوصيته، إلى عنصر ضعف للدولة وتصبح الجزائر لهذا السبب مادة تَندُّر في العالم وفي أروقة الدبلوماسية العالمية... ومع ذلك هناك من يدعو إلى الاستمرارية وكأن الجزائر عاقر لا رجال فيها غير رئيسها الحالي، وكأن الشعب كله مسعف لا يستطيع التكفل بنفسه إلا أن (يعيّن) له الرئيس من يخلفه».

- غياب الحوار بين الشعب ودولته
يعتقد مقري أن الأحداث الكبيرة المتمثلة في سجن جنرالات وعزل رئيس البرلمان «جاءت في سياق سلسلة من الممارسات والتصرفات دلَّت على انهيار مصداقية المسؤولين وسوء التسيير في الإدارة، والوقوع في أخطاء بالجملة في الاتصال والحديث مع المواطنين وتصريحات تنم عن الانفصال عن الشعب فكريا ونفسياً وثقافياً ولغوياً. كما يلاحظ كسر المؤسسات الوسيطة من منظمات مجتمع مدني وأحزاب ومنتخبين... وللأسف الشديد لا حوار بين الشعب والدولة يضمن الحقوق، إلا الشارع وحرق العجلات المطاطية». ويرى مقري أن رئيس وزراء أحمد أويحيى «لا يتحكم في وزرائه الذين يتجاوزونه طولاً وعرضاً، بل ويقرّرون ويتصرفون في قضايا مهمة بلا علمه.... هو لم يصدق، مثلا، حجم السكنات التي أعلن عنها وزير السكن حتى سأله لعلك أخطأت في الرقم!. لقد بلغ الفساد عنان السماء، واتخذ أبعاداً دولية، وتفوح رائحته من داخل كل المؤسسات، حتى من داخل المؤسسة العسكرية.. بلد ينفق 1000 مليار دولار أميركي، وفي الأخير يضطر لتسيير الاقتصاد بطباعة النقود بلا رصيد، ولا أمل لدى حكامه إلا أن ترتفع أسعار البترول!!!».
على صعيد آخر، تحاول الباحثة الجزائرية الدكتورة داليا يزبك، في إحدى دراساتها المنشورة بمعهد «كارنيغي للأبحاث حول السلام»، تشريح «الحالة الجزائرية»، فتقول: «أمضى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة سنوات طويلة في الحكم.
ولاقى انتخابه للمرة الأولى في العام 1999، ترحيب الكثير من الجزائريين والمجتمع الدولي. إذ لم يكن بوتفليقة رئيساً مدنياً وحسب، بعد سلسلة من الرؤساء العسكريين، بل كان أيضاً رئيساً منتخباً انتخاباً حراً، حيث فاز بنسبة 73.5 في المائة من الأصوات».
ثم ذكرت أنه «على الرغم من أن الرئيس مريض الآن (تعرّض بوتفليقة البالغ من العمر 81 سنة إلى سكتة دماغية في العام 2013 وقام بحملته الانتخابية بعد عام واحد وهو على كرسي متحرّك)، فإن إجراء تقييم لإرثه السياسي يبدو في محلّه. إذ يبرز إنجازان سياسيان كبيران من السنوات التي أمضاها في السلطة: الأول هو إشرافه على انتقال الجزائر إلى مجتمع ما بعد الحرب، والثاني هو إعادة إحياء السياسة الخارجية الجزائرية، ما أنهى عزلة البلاد خلال سنوات الحرب الأهلية».

- جذور العنف ما زالت قائمة
وأضافت الباحثة يزبك: «بينما تبدأ الجزائر التحضير لمرحلة ما بعد بوتفليقة، سيكون للإرث السياسي للرئيس تأثير كبير على مستقبل البلاد. وعلى الرغم من عودة الاستقرار، تبدو سياسة المصالحة الوطنية هشّة لأنها فشلت في معالجة جذور العنف في البلاد. ومع ذلك، قد تصبح المصالحة الوطنية أمراً لا مناصّ منه للتعاطي بصورة أفضل مع مروَحة من التحدّيات، من بينها البطالة والفقر ونقص المساكن والفساد وغياب الحوكمة والتهديد الجهادي. إضافة إلى ذلك، تعمل الجزائر في منطقة غير مستقرّة للغاية، ما يعني أن سياستها التقليدية المتمثّلة بعدم التدخّل في شؤون الآخرين، لم تعد عملية». وتابعت: «تواجه الجزائر واقعاً جديداً سوف يُضطر خليفة بوتفليقة إلى التكيّف معه. بيد أن عجز قادة الجزائر عن تجديد النظام السياسي المحلّي أو إعادة النظر في طبيعة السلوك الجزائري في الخارج، يمكن أن يطرح مخاطر حقيقية على مستقبل البلاد».

- الجزائر... في سطور
عدد السكان (2018): نحو 42 مليونا و200 ألف نسمة
التركيبة السكانية: العرب - الأمازيغ يشكلون 99 في المائة من السكان
العاصمة: مدينة الجزائر
المدن الكبرى الأخرى: وهران، وقسنطينة، وعنابة، وباتنة، وسطيف، والبليدة، والجلفة، وسيدي بلعباس، وتلمسان، تيزي وزو، وبجاية، وسكيكدة، ومعسكر، وبسكرة، وتبسة، وتيارت، وورقلة، والواد.
الديانة: الإسلام (99 في المائة من أهل السنة)
المساحة: مليونان و381.741 كلم مربع
الناتج الوطني الإجمالي: نحو 666.960 مليار دولار أميركي
نظام الحكم: جمهورية شعبية رئاسية، مع برلمان يتكون من مجلسين


مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.