الصحوة الإسلامية الحقيقية في مرآة محمد أركون

كتاب جديد يصدر بالفرنسية للمفكر الراحل بتعاون زوجته مع دار ألبان ميشال الباريسية

محمد أركون
محمد أركون
TT

الصحوة الإسلامية الحقيقية في مرآة محمد أركون

محمد أركون
محمد أركون

هذا هو الكتاب الجديد الذي صدر مؤخراً للمفكر الكبير محمد أركون بفضل تعاون زوجته السيدة ثريا اليعقوبي أركون مع الناشر الفرنسي المحترم السيد جان موتابا في دار ألبان ميشال الباريسية الشهيرة. الكتاب مؤلف من خمسة فصول وملحق. الفصل الأول يتخذ العنوان التالي: ضرورة إعادة التفكير في الإسلام اليوم. بمعنى: ينبغي على الفلاسفة والعلماء أن يدرسوا الإسلام دراسة فلسفية تاريخية لكي يُفهم على حقيقته. وهذا ما فعله فلاسفة أوروبا مع المسيحية. وقد آن الأوان لكي يمر الإسلام بالمرحلة التنويرية.
فهو في أمس الحاجة إليها حالياً. وسوف يمر بها مهما طال الزمن ومهما نعق الناعقون وزعق الزاعقون. أما الفصل الثاني فيحمل عنوان الكتاب نفسه: عندما يستيقظ الإسلام. وفيه يناقش أركون مطولا أطروحة تلميذه النجيب محمد الحداد عن الإمام محمد عبده وحركة الإصلاح الإسلامي في القرن التاسع عشر.
ويشيد أركون بتدشين الدكتور الحداد لأول شهادة للدراسات العليا في الجامعة التونسية عن تاريخ الأديان المقارنة والأنتربولوجيا الدينية أيضا. ويعتبر ذلك فتحا معرفيا شديد الجرأة قياسا إلى الظروف الهيجانية المتعصبة التي نعيشها.
ومعلوم أنه لا يمكن فهم التراث الإسلامي جيداً دون فهم التراثين التوحيديين السابقين عليه، أي التراث اليهودي والتراث المسيحي. وهذه حقيقة أصبحت واضحة حتى للعميان. إنها تشكل ما يدعوه البروفسور أركون باللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه بالنسبة للعالم العربي والإسلامي ككل. أما الفصل الثالث من الكتاب فيحمل العنوان التالي: مدخل إلى العقل المنبثق الصاعد.
وهو ما يدعوه الآخرون بعقل ما بعد الحداثة. وفيه يتحدث أركون أيضا عن الديانات التوحيدية انطلاقا من مثال الإسلام. أما الفصل الرابع فمكرس للتحدث عن السنة والشيعة وضرورة تجاوز الخلافات التاريخية بينهما.
وهي الخلافات التي أصبحت تشعل الحرائق والحروب الأهلية في كل مكان. وعنوانه الثانوي هو: من أجل التوحيد التاريخي لوعي إسلامي «آخر» جديد. والمقصود به الوعي التنويري وقد حل محل الوعي الطائفي والمذهبي الملتهب والذي يكاد يدمر المشرق العربي حاليا... أما الفصل الخامس والأخير فمكرس للتحدث عن وضع المرأة في السياقات الإسلامية. أما الملحق فهو عبارة عن مقابلة هامة وممتعة أجرتها الباحثة الأكاديمية الجزائرية تسعديت ياسين مع البروفسور أركون. وهي التي تختتم الكتاب.
عندما سمعت بالكتاب وقبل أن أراه قلت بيني وبين نفسي إنه يذكرني بعنوان كتاب شهير للوزير الفرنسي الديغولي السابق آلان بيريفيت: «عندما تستيقظ الصين... سوف يهتز العالم»!. ومعلوم أنه كان قد صدر عام 1973 أي قبل استيقاظ المارد الصيني بسنوات معدودات. ثم بعد أن وصلني الكتاب لم يخب حدسي وظني.
فالمفكر أركون اختار بالفعل عنوان كتابه على غرار كتاب المفكر الفرنسي المذكور عن قصد. يقول بالحرف الواحد تقريبا: «لقد طبقت على الإسلام العنوان نفسه الذي طبقه آلان بيريفيت على الصين. ومعلوم أن نجاح كتابه يعود إلى شحنة الآمال العراض التي يحتوي عليها. كما يعود إلى انبهار الوزير الفرنسي الشهير بالصين وإعجابه الشديد بها. فقد رحب بخروج الشعب الصيني من الآيديولوجيا الماوية ودخوله في عصر الحداثة والتاريخ الليبرالي الكبير واقتصاد السوق الحرة». ماذا يعني ذلك؟ إذا كنا قد فهمناه جيدا فهذا يعني أننا اليوم بانتظار استيقاظ العالم الإسلامي أيضا بعد الصين.
فالواقع أن مستقبل الإسلام أمامه لا خلفه. الإسلام لم يقل كلمته الأخيرة بعد! فهذه الموجة الأصولية المتطرفة ليست نهاية التاريخ! وإنما ستمر وتتبخر كفقاعة من صابون. وهذا العالم الإسلامي الذي يعد اليوم أكثر من مليار ونصف المليار شخص تماما كالصين إذا ما استيقظ يوما ما فسوف يهتز العالم أيضا. ولكن في اتجاه الخير لا في اتجاه الشر.
فكما أن الصين خرجت من الآيديولوجيا الماوية الديماغوجية العقيمة التي كانت تكبلها وتخنق روحها وطاقاتها، فإن العالم الإسلامي مدعو للخروج من يقينياته اللاهوتية الدوغمائية وعقائده التكفيرية التي شوهت سمعته في شتى أصقاع الأرض. عاجلا أو آجلا سوف يستيقظ عالم الإسلام ويخرج من حالة الانحطاط والجمود إلى حالة النهضة والصعود.
وعندئذ سوف يكتشف العالم الوجه الآخر للإسلام: أي الوجه الحضاري المشرق... ولا نبالغ إذا ما قلنا: عندما يستيقظ الإسلام من كوابيسه، ويتحرر من داعشيته وظلاميته، فسوف يتغير وجه العالم. عندما يتصالح الإسلام مع نفسه ومع الحداثة التنويرية فسوف يصبح العالم أكثر أمانا وسلاما واطمئنانا.
وسوف يتنفس التاريخ الصعداء! عندما يقبل المسلمون بتطبيق منهجية النقد التاريخي على نصوصهم التأسيسية، وشخصياتهم الأساسية، فسوف ينبثق في المنطقة كلها نور وهاج. وسوف ينفك الانسداد التاريخي للعرب.
نسيت أن أبتدئ بالفصل الأول من الكتاب: كيف نعيد التفكير في الإسلام اليوم؟ أو كيف «نعقل الإسلام اليوم» بحسب الترجمة المفضلة لأركون.
وهو هنا يوضح لنا مشروع إنعاش الدراسات العربية والإسلامية. كما يبين لنا كيف يمكن أن ندرس الإسلام بطريقة تاريخية وأنتربولوجية وفلسفية عميقة. فهذا ما يحتاجه تراثنا الإسلامي اليوم بشكل ملح وعاجل. نحن لسنا بحاجة إلى كتابات تبجيلية وخرافية فهذه شبعنا منها.
إنها تملأ الشوارع والجوامع والبيوت والمكتبات بل وحتى الجامعات. ناهيك عن الفضائيات! نحن بحاجة إلى دراسات تنويرية تضيء لنا مفاصل التراث الإسلامي. وعندئذ سوف يتجلى لنا بصورة جديدة لا تخطر على البال.
وربما صرخنا قائلين: يا إلهي ماذا فعلنا بأنفسنا؟ هل يعقل أننا كفرنا عباقرتنا وعظماءنا؟ هل يعقل أننا قلنا: من تمنطق فقد تزندق؟ هل يعقل أننا فعلنا ذلك لكي تنطفئ أنوارنا وينتقل مشعل الحضارة إلى أوروبا؟ هل يعقل أننا دمرنا أنفسنا بأنفسنا؟ هل نحن مغرمون بالانتحار الحضاري؟ أم هل نحن قوم لا ينتعشون إلا في غياهب الظلمات؟ لماذا راحوا يمجدون علماءنا وفلاسفتنا ويترجمونهم ويستفيدون من كل كلمة أو حرف منهم في حين أننا رحنا نمزق كتبهم ونصب جام لعناتنا على الكندي والفارابي وابن سينا وابن مسرة وابن رشد وابن باجة وابن عربي والمعري والقائمة طويلة؟ ومن سيحرر التراث من ذاته، من فتاواه التكفيرية وتراكماته؟ وهي التراكمات التي أصبحت تتفجر الآن كالقنابل الموقوتة بعد طول احتقان. ثم سؤال أخير: متى سيستيقظ أهل الكهف؟
نريد من المفكرين المعاصرين أن يجدوا لنا أجوبة على كل هذه التساؤلات المتلاحقة.
نريد منهم أن يجددوا فهم هذا الدين الحنيف الذي اختطف رهينة من قبل جماعات الإخوان المسلمين والظلاميين أجمعين. ومن أفضل من محمد أركون للقيام بهذه المهمة الجليلة؟ فهو أحد علماء الإسلام الكبار في هذا العصر إن لم يكن العالم الأول والأكبر بحسب رأي الفيلسوف الإيراني الشهير الراحل: داريوش شايغان... وهو كان يمتلك كل الكفاءات المنهجية والابيستمولوجية والمعرفية العميقة التي قلما توافرت في شخص واحد مهما علا شأنه. ما فعله أركون في الكتاب هو حفر أركيولوجي في الأعماق، بل وأعماق الأعماق. إنه تحرير جذري وراديكالي للروح العربية الإسلامية السجينة داخل الشرنقة منذ قرون وقرون. إنه تحرير التحرير. ذلك أنه لا تحرير سياسيا حقيقياً من دون تحرير لاهوتي ديني. وهذا يعني أن نقد الظلامية الدينية هو بداية كل نقد والتحرير منها شرط مسبق لكل تحرير كما يقول أحد فلاسفة التنوير الكبار. هذه حقيقة أصبحت واضحة لكل ذي عينين بعد تلك الهوجة الكبيرة المدعوة «بالربيع العربي» التي حولت بلادنا إلى خرائب وأنقاض. لن أستطيع الدخول في التفاصيل هنا لأن ذلك يتطلب عدة مقالات لا مقالة واحدة. وأعتذر للقارئ مسبقا عن عدم التعرض لنقاط هامة عديدة يمتلئ بها هذا الكتاب المكثف والمركز إلى أقصى الحدود.
فهو حتما من أنجح كتب أركون وأقواها. ولكن النسخة العربية سوف تصدر قريبا عن دار الساقي في بيروت. وعندئذ يمكن للقراء العرب أن يطلعوا على مجمل الكتاب بكل تفاصيله وحذافيره.
أخيراً سأقول ما يلي: إن العرب والمسلمين عموما يعانون من قطيعتين لا قطيعة واحدة: قطيعة مع الأنوار العربية الإسلامية والعصر الذهبي العباسي الأندلسي، وقطيعة مع الأنوار الأوروبية التي ظهرت في القرن الثامن عشر وتجاوزتنا بما لا يقاس. وهذا يعني أننا لا نزال غاطسين في عصور الانحطاط والظلمات.
والجهل طاغ وعام. ولذا ينبغي أن نواجه الحقيقة المرة وجها لوجه: برامج التعليم العربية تهيمن عليها المرجعيات الظلامية لا المرجعيات التنويرية وإلا لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من جحافل النصرة والقاعدة وداعش والجماعة الأم التي ولدتهم كلهم. من هنا خطورة الوضع الحالي. من هنا الخوف على المستقبل، وعلى براعم المستقبل.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً