نيتشه... استعادة وتوظيف كلما استيقظت نوازع العنصرية الأوروبية

175 عاماً على مولد فيلسوف «إرادة القوة»

تمثال نيتشه في نومبرغ
تمثال نيتشه في نومبرغ
TT

نيتشه... استعادة وتوظيف كلما استيقظت نوازع العنصرية الأوروبية

تمثال نيتشه في نومبرغ
تمثال نيتشه في نومبرغ

أصابت التصدعات التي ترتبت على الأزمة المالية العالمية عام 2008 المجتمعات الغربية بحمى غضب شعبي واسع النطاق ضد كل أنواع السلطات؛ حكومية وسياسية وتقنية، دون أن يتوفر لديها أي تصورات محددة بشأن الشكل البديل لتنظيم سبل العيش، فغرق كثيرون في العدمية واليأس، وأصبحوا لاحقاً مطية سهلة لكل سياسي شعبوي يتاجر بالحروب الثقافية وأزمات الهويات المتناقضة، فكان الاستفتاء البريطاني عن الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وانتخاب الرئيس دونالد ترمب في الولايات المتحدة، وحصول أحزاب اليمين المتطرف والفاشيات الجديدة على مفاتيح السلطة أو تمثيل غير مسبوق في برلمانات في أكثر من بلد أوروبي.
في مناخ هذه الأجواء المضطربة من انعدام البصيرة وفقدان الاتجاه، يبحث الشباب الغربي المتعطش للخلاص الفردي من أحوال ضائقته العمومية في بحر الأفكار الفلسفية القديمة والشخصيات الملهمة عله يجد مخرجاً، لتنتهي مجموعة ملحوظة منه إلى فيلسوف «الأفكار الخطيرة» وصاحب «إرادة القوة»، المعادي للأفكار الإنسانية الحديثة، وحقوق الإنسان، والمساواة الديمقراطية؛ الألماني فريدريك نيتشه (1844 - 1900).
خلال العقد الحالي، لا سيما السنوات الأخيرة، عادت نتاجات نيتشه لتتصدر مبيعات الكتب الفلسفية في مكتبات الغرب، وظهرت منها طبعات مجددة، كما سير متعددة لحياته ومواقفه، وتوسعت النقاشات حول أفكاره على مواقع الإنترنت أكثر من أفكار أي فيلسوف معاصر، بينما تستعد عدة مؤسسات ثقافية وسياسية للاحتفال بالذكرى 175 لمولده، ولم يعد مستغرباً أن تجده حاضراً بأفكاره وملامحه على موائد الشباب النابض بالأسئلة وأن يصير «هكذا تكلم زرادشت» - أشهر كتبه - أنيسهم وقاموس كلامهم.
ولكن يبدو أن قدر نيتشه، الذي أصابته لوثة من الجنون في آخر أيامه ومات قبل أن يقول كلمته الأخيرة، أن يظل دائماً موضع توظيف واستعادة كلما استيقظت نوازع العنصرية الأوروبية، وتشظى الكفر بالمنظومات الليبرالية القائمة، وسادت الأزمنة المظلمة. فهو كان فيلسوف الفوهرر النازي أدولف هتلر المفضل، وطالما أعلن الدوتشي الفاشي الإيطالي بينوتو موسيليني عن دَيْنِه الدائم له في تشكل أفكاره، وانتشرت أعماله بكثافة بين شبان اليمين الأوروبي في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، حتى أن الفيلسوف البريطاني، برتراند رسل، في سرده لتاريخ الفلسفة الغربية اعتبر أن تلك الحرب الكبرى كانت قبل كل شيء «حرب نيتشه»، ويحاول البعض في زماننا الراهن الاستعانة به لتفسير صعود شخصيات شعبوية مثل الأميركي ترمب أو الهنغاري أوربان.
لكن الحقيقة أن هنالك كثيراً من الالتباس وسوء الفهم يحيط بأعمال هذا الفيلسوف، الذي تورط بمواقف وأفكار تمثل خلاصة فكر النخبة الأوروبية الأرستقراطية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي تعكس نزعاتها الموغلة بالترفع والاستعلاء والتمييز العنصري والجندري والديني. فهو كان شديد العداء لما يمكن أن نسميه اليوم الديمقراطية الليبرالية، بل وأي نظام يساوي بين فئات المجتمع بوصفه خطراً داهماً على الثقافة الرفيعة فيه، واعتبر دائماً أن أفكار التنوير التي تفشت في الفكر الأوروبي بداية من أعمال الفرنسي جان جاك روسو لم تتسبب فحسب في قيام الثورة الفرنسية - التي أقصت الأرستقراطية الرفيعة لمصلحة البرجوازيين محدثي النعمة، بل وأطلقت سموم الأفكار إنسانية الطابع في الفضاء الأوروبي، وهي الأفكار التي كان يراها تليق بمجتمعات العبيد المهادنة. ورغم التجاهل شبه المتعمد من قبل دارسي نيتشه في الغرب لمواقفه المعيبة بمسطرة أيامنا الراهنة - لا سيما مسألة العبودية تحديداً، فإن المطلع على أعماله لا بد أن يتعثر ولو بقليل مما يقرب لـ300 موضِعٍ نَظرَ فيها للعبودية بوصفها لازمة الأمم العظيمة كما كان حال اليونان القديمة أو فلورنسا أيام آل مديتشي، وأنها نظام الأشياء الطبيعي وأفضل ما يمنح للأفارقة السود، فهم عنده لا يتألمون كما يتألم البشر، كأنهم خلقوا لما شق من الأعمال فقط.

استغلال نيتشه سياسياً
مع ذلك، فكثير من متعاطي نيتشه المعاصرين يأتون إليه من بوابات السياسة، على الرغم من أن هذا الفيلسوف المعني بالفردانية والتفوق والإنسان الجديد (السوبرمان) لم يترك مطلقاً منظومة فكر سياسي متكاملة، وكان عمله متمحوراً أساساً حول المسألة الثقافية، وجل ما ينقل عنه من مواقف سياسية مرتبط بحقيقة أن الثقافة بمجملها نتاج نظام سياسي محدد لا أكثر، وأن الذي يتصدى لمسألة تشكيل ثقافة المجتمعات لا بد أن يعرج على السياسة لا محالة.
نيتشه لم يعِش في ظل أنظمة ديمقراطية بالمعنى المعاصر وكانت أفكاره منتزعة من أجواء كلاسيكية قديمة تعكس تخصصه الأكاديمي الدقيق وإيمانه بالنموذج الإغريقي كعصر ذهبي للتجربة البشرية، كما أن ظروفه الشخصية طبعت وبشدة رؤيته إلى العالم. فهو قد مقت سياسة معاصره موحد ألمانيا أتو فون بسمارك الذي لجأ إلى القوميات الضيقة بدلاً من العمل لأجل أوروبا موحدة عظيمة قادرة على منافسة الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية في فضاء الأطماع الاستعمارية كما كان حلمه، وقضى شطراً من عمره في أجواء الأرستقراطية الأوروبية ضمن حاشية الموسيقار الألماني النجم ريتشارد فاغنر قبل أن تفرقهما المواقف الفكرية لا سيما نظرته إلى الأديان، خصوصاً المسيحية - التي اعتبرها نيتشه ديانة تليق بالضعفاء. وقبلها شهد بنفسه حشرجات وآلام الجرحى المعذبين بلا أمل بالنجاة في الحرب الفرنسية - البروسية عام 1871 التي كان تطوع فيها للتمريض، وأصيب لاحقاً هو نفسه بعدها بأمراض كثيرة عولج منها بأساليب بدائية يعتقد أنها تسببت له بمصاعب صحية طوال حياته، وكانت سر إصابته بالجنون قبل موته بـ12 عاماً.
لكن الذي لا يعرفه كثير من مبجلي نيتشه أن أمر تسييسه وتبنيه من قبل النازيين إنما كان نتيجة سذاجة وتآمر شقيقته إليزابيث التي كانت تصغره بعامين. إذ كانت الأخيرة قد تزوجت من مفكر ألماني متطرف كان يؤمن بتفوق الجنس الآري اصطحبها معه إلى باراغواي في أميركا الجنوبية، حيث كان يسعى لإقامة ألمانيا جديدة، لكن مشروعه فشل وأفلس وانتهى به إلى الموت كمداً. وهكذا عندما عادت الأرملة وحيدة إلى ألمانيا وجدت في التركة الأدبية لأخيها - الذي مسه الجنون وقضى نحبه منجم ذهب في أجواء صعود النازية عشرينات القرن الماضي، فزورت مراسلات باسمه ونشرت من أوراقه غير المطبوعة ما يتوافق مع أجواء السوق السائدة حينها التي كانت متعطشة بشدة لأفكار تبرر أوهام التفوق وكراهية الآخر، حتى قيل إن هتلر كان يرى نفسه تجسيداً لفكرة الإنسان المتفوق (السوبرمان) كما كتبها نيتشه. وهناك الآن شكوك قوية بأن كتاب «إرادة القوة» الذي نشرته إليزابيث بوصفه آخر أعمال شقيقها عمل منحول بالكامل من قبل الأرملة التي هي تحديداً وراء أسطورة نيتشه كما نعرفه اليوم، وكانت تنظم زيارات لشبان الحزب النازي إلى قبره، كما استضافت هتلر شخصياً في مقر الأرشيف المخصص لأعماله وأهدته العصا التي كان يتوكأ عليها في أيامه الأخيرة.
لربما، وبعد كل شيء قد صدقت نبوءة فيلسوفنا المجنون الذي قال إن اسمه سيُذكر دوماً مرتبطاً بمآسٍ هائلة تصيب البشر، فها هي ظلاميات الفاشيات الصاعدة تستعيده من جيوب التاريخ.



وضع حجر الأساس لـ«حديقة رفيق الحريري» على الواجهة البحرية

الرئيس نواف سلام مفتتحاً حديقة رفيق الحريري (مصمم الحديقة فلاديمير دجوروفيك)
الرئيس نواف سلام مفتتحاً حديقة رفيق الحريري (مصمم الحديقة فلاديمير دجوروفيك)
TT

وضع حجر الأساس لـ«حديقة رفيق الحريري» على الواجهة البحرية

الرئيس نواف سلام مفتتحاً حديقة رفيق الحريري (مصمم الحديقة فلاديمير دجوروفيك)
الرئيس نواف سلام مفتتحاً حديقة رفيق الحريري (مصمم الحديقة فلاديمير دجوروفيك)

على مساحة 80 ألف متر مربعٍ ستُقام «حديقة رفيق الحريري» التي تُعدّ واحدة من أجمل الحدائق العامة في بيروت وأضخمها. وقد وُضع حجر الأساس لها على الواجهة البحرية للعاصمة، بحضور رئيس الحكومة نواف سلام، وبمشاركة عدد كبير من الشخصيات اللبنانية، وفي مقدّمتهم النائبة السابقة بهية الحريري، شقيقة الرئيس الراحل.

يتكوّن المشروع من جزأين متكاملين: مساحة الحديقة التي تمتد على 80 ألف متر مربع، والممشى البحري المتفرّع منها بمساحة 44 ألف متر مربع، ليشكّلا معاً قلب الواجهة البحرية لبيروت. وتضمّ الحديقة مساحات خضراء واسعة، وأكثر من 2500 شجرة، وعشرات الآلاف من الشجيرات والنباتات، ما يجعلها متنفساً طبيعياً لسكّان العاصمة وزوّارها.

وتعتمد الحديقة نظاماً متقدّماً للاستدامة المائية. ويشمل التصميم خزّانات ضخمة لتجميع مياه الأمطار. وشبكة كاملة لري المساحات الخضراء، بما يوفّر لها اكتفاءً ذاتياً من المياه ويجعلها جزءاً من منظومة بيئية متكاملة في قلب المدينة.

كما تحتضن الحديقة شبكة مسارات مخصّصة للتنزّه وممارسة مختلف الأنشطة، تنتهي بمدرّج مفتوح على البحر، يتيح للزوّار متعة المشهد البحري.

ممرات خاصة للمشي داخل الحديقة (مصمم الحديقة فلاديمير دجوروفيك)

يُذكر أنّ المشروع يأتي ثمرة لاتفاق أُبرم عام 1994 بين شركة «سوليدير» والدولة اللبنانية، وقد واكبه «مجلس الإنماء والإعمار» منذ انطلاقته.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يروي مصمم الحديقة ومنفّذها، المهندس فلاديمير دجوروفيك، قائلاً: «هذا المشروع طرحه الرئيس الراحل رفيق الحريري قبل سنوات طويلة من استشهاده. وقد اجتمعت معه مراراً لمناقشة الصورة التي يجب أن تبدو عليها الحديقة. كما عملنا معاً على مشروعات حدائق أخرى، بينها حديقة السرايا الكبير». ويضيف: «كان الرئيس الحريري يرغب بأن تكون هذه المساحة الخضراء مشهداً طبيعياً يُثري العاصمة، على غرار الحدائق الكبرى في مدن عالمية، مثل (سنترال بارك) في نيويورك، وحديقة (لوكسمبورغ) في باريس».

ويشرح دجوروفيك أنّ مساحة الحديقة تعادل 3 أضعاف مساحة حديقة متحف «Nezu»في طوكيو، وأن لها 3 مداخل رئيسية يمكن للزائرين الدخول منها. وتنبع أهميتها من طبيعة المناظر التي تحتضنها، إذ تطلّ مباشرة على البحر المتوسط، حيث يحلو تأمّل مشهد الغروب. أما الغابة التي تشكّل جزءاً أساسياً منها، فستُزرع بأشجار تنمو أصلاً على الساحل اللبناني، وتشمل 4 أنظمة بيئية منتشرة على امتداده، من بينها الصنوبر، والسنديان، وأنواع تعيش قرب المياه المالحة كما في منطقة الناقورة.

ويؤكد دجوروفيك أنّ بيروت تفتقر بشدّة إلى المساحات الخضراء، إذ تبلغ نسبتها 10 مرات أقل من المعدّل العالمي المطلوب لضمان بيئة سليمة. وتتميّز الحديقة أيضاً بأحواض خاصة تُزرع فيها نباتات محلية تُعرف بـ«الحاضنات الطبيعية». تُترك فيها الشتول لتنمو تلقائياً وفق نظامها البيئي، مما يعزز استمرارية الحديقة ويحافظ على خضرتها لعقود طويلة.

وتطرّق الرئيس نواف سلام في كلمة ألقاها بالمناسبة إلى افتقاد بيروت للمساحات الخضراء. مشيراً إلى أنه رغم تاريخها العريق وجمالها الفريد، تعاني العاصمة نقصاً حاداً في المساحات المخصّصة لتنفس أطفالها وراحة أهلها. ليس فقط لأن مساحاتها الخضراء بقيت محدودة جدّاً وتآكلت مع الزمن، بل لأنّها راحت تعاني أيضاً من تلوّث الهواء وأزمة السير.

ومن ناحية أخرى، ستتمتع الحديقة باكتفاءٍ ذاتي لمياه الري بفضل شبكة متكاملة تُجمع فيها مياه الأمطار خلال فصل الشتاء. وتستخدم صيفاً في ري الأشجار والنباتات عند الحاجة. وستسهم هذه المنظومة في ضمان استدامة المساحات الخضراء من دون الاعتماد على مصادر مائية إضافية.

كما ستستقطب الحديقة الطيور والحشرات التي تنتمي إلى البيئة اللبنانية. بما يضمن تكاثرها ونموها في محيط طبيعي مشابه لبيئتها الأصلية. ويعود ذلك إلى اعتماد أنواع محلية من الأشجار والنباتات. فهناك دراسات تشير إلى أنّ استخدام مزروعات محلية يساهم في زيادة تكاثر الفراشات والطيور بنسبة تصل إلى 25 ضعفاً مقارنة بزراعة نباتات مستقدمة من دول أخرى، منها إيطاليا. ويعلّق المهندس فلاديمير قائلاً: «هذا الأسلوب في تشجير الحدائق باستخدام نباتات محلية يجب أن يتّبع في مختلف المشروعات المشابهة. فهي نباتات تنمو وحدها وتتأقلم مع مناخ لبنان بنسبة أعلى بكثير من غيرها. ومن دون الحاجة إلى عناية دائمة أو ري مستمر».

ستشكّل الحديقة عنواناً للهدوء والسكينة (مصمم الحديقة فلاديمير دجوروفيك)

وتجدر الإشارة إلى أنّ عملية بناء الحديقة ستعتمد على بقايا أحجار الرخام وغيرها من المواد التي تفرزها المصانع اللبنانية، مما يساهم في إعادة تدوير الموارد ويجعل المشروع أكثر استدامة.

وستشكّل الحديقة، التي تُعدّ الأكبر من نوعها في لبنان، مساحة جامعة لجميع اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم وخلفياتهم، وعنصراً بيئياً جديداً يُسهم في تغيير وجه العاصمة. ومن المتوقع أن يستقطب محيطها العمراني هواة السكن قرب المساحات الطبيعية الخلابة.

ويشير فلاديمير دجوروفيك إلى أنّ المشروع يحتاج إلى نحو عامين لإنجازه، موضحاً: «نحن اليوم في مرحلة تلقي العروض لتنفيذ المناقصات اللازمة. وعند تحديد موعد انطلاق الأعمال سيستغرق المشروع نحو عام ونصف العام حتى اكتماله».

ويختم حديثه لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «العالم كلّه يخسر بيئته بوتيرة سريعة ومؤسفة، وهذا سينعكس سلباً على الإنسان. أهم ما نقوم به عبر هذا المشروع هو وضع نموذج من طبيعة لبنان في قلب العاصمة. وعلينا أن نكرر هذا النوع من المبادرات في بيروت وسائر المناطق اللبنانية».


براد نيمان: التطور الفني بالسعودية يعيد تشكيل خريطة السينما العربية

عرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «تورنتو» (مهرجان البحر الأحمر)
عرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «تورنتو» (مهرجان البحر الأحمر)
TT

براد نيمان: التطور الفني بالسعودية يعيد تشكيل خريطة السينما العربية

عرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «تورنتو» (مهرجان البحر الأحمر)
عرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «تورنتو» (مهرجان البحر الأحمر)

قال المنتج الأميركي براد نيمان إن علاقته بفيلم «المجهولة» بدأت منذ اللحظة الأولى التي عرضت فيها زوجته، المخرجة السعودية هيفاء المنصور، فكرة المشروع، إذ وجد نفسه أمام قصة ذات بناء محكم ونهاية مفاجئة يصعب التنبؤ بها. وأوضح أن هيفاء استطاعت صياغة موضوعات اجتماعية حساسة داخل إطار درامي متماسك، يقوم على لغز تتقدّم فيه الأحداث تدريجياً وتُفتح من خلاله أسئلة تتصل بنظرة المجتمع إلى المرأة، وبما تواجهه النساء من تحديات قد تبدو خفية، لكنها حاضرة في كل تفصيلة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن ما جذبه أكثر هو وجود هذه القضايا داخل سرد سريع ومتماسك، يجعل المتفرج يتابع تطوّر شخصية «نوال» من لحظة عادية في بداية الفيلم إلى حالة من الانغماس الكامل في التحقيق الذي تتولّى قيادته بنفسها. وأشار إلى أن وجود هذه الحكاية في السعودية جعل التجربة أكثر واقعية بالنسبة له، لأن المكان جزء أساسي من المعنى، ولأن الجمهور المحلي قادر على قراءة طبقات العمل ومرجعياته بطريقة لا تتحقق بالقدر نفسه في العروض الدولية.

المنتج الأميركي براد نيمان (مهرجان البحر الأحمر)

وأشار نيمان إلى أن الفيلم كُتب مع وضع اختيار الممثلين بعين الاعتبار منذ البداية، وعلى رأسهم ميلا الزهراني وشافي الحارثي، اللذان عملا مع هيفاء سابقاً ويعرفان تماماً طبيعة الأسلوب الذي تتبعه في إدارة الممثلين، فكانا يثقان بقدرتهما على تجسيد الشخصيات الرئيسية التي تتطلب حضوراً ثابتاً وتفاعلاً مع تقلبات السرد. أما بقية الممثلين الشباب، فقد جاءوا من خلفيات مختلفة، وبعضهم معروف على المنصات الرقمية، ورغم ذلك قدموا أداءً فاق التوقعات، وهو ما عدّه نيمان دليلاً على جيل يتعامل مع السينما بوصفها مساحة جدية، وليس فرصة عابرة للظهور.

وتوقف عند لحظة العرض في السعودية خلال مهرجان «البحر الأحمر»، قائلاً إن رد فعل الجمهور المحلي كان مختلفاً عمَّا شاهده في «تورونتو» و«زيوريخ»، ففي جدَّة يلتقط الجمهور التفاصيل الصغيرة المرتبطة باللهجة، وطريقة الحياة اليومية، والإشارات الاجتماعية التي قد لا تُفهم خارج هذا السياق. ولذلك شعر بأن الفيلم عُرض في المكان الذي ينتمي إليه فعلاً، خصوصاً مع تفاعل المشاهدين مع المفاجآت والتفاصيل التي بُني عليها العمل.

الملصق الدعائي لفيلم المجهولة (مهرجان البحر الأحمر)

ثم تطرق نيمان إلى طبيعة العمل مع هيفاء المنصور بوصفها زوجته ومخرجة الفيلم، مشيراً إلى أن التعاون بينهما لا يخلو من صعوبات، لكن وضوح رؤيتها في كل مشروع يجعل الأمور أكثر سلاسة. ويصف نيمان دوره الأساسي بأنه توفير الأدوات التي تحتاج إليها لتنفذ الفيلم كما تراه، مؤكداً أنه يتعامل مع الأمر بالطريقة نفسها سواء بصفته منتجاً أو زوجاً، لأن الهدف في النهاية واحد، وهو تقديم فيلم مكتمل قادر على الوصول إلى جمهوره.

وأكد أن قراراتهما الإنتاجية تُبنى دائماً على ميزانيات محدودة، ما يدفعهما إلى توظيف كل ما هو متاح في الصورة نفسها بدل إنفاقه على أمور جانبية. وأضاف أن عملها في السينما السعودية لا يرتبط بالبحث عن ميزانيات أكبر بقدر ما هو انعكاس لرغبتها في رواية حكايات قريبة من الناس، نابعة من مكان تعرفه ويعرفها، كما حدث في «المجهولة».

تدور أحداث «المجهولة» حول «نوال»، وهي مطلّقة في الـ29 من عمرها، تعود إلى مسقط رأسها بحثاً عن بداية جديدة. تعمل في وظيفة إدارية في مخفر الشرطة، حيث تتولى رقمنة الملفات القديمة، لتجد نفسها أمام جريمة غامضة بعد العثور على جثة فتاة مجهولة الهوية ترتدي زيّاً مدرسياً مشابهاً لما كانت ترتديه. يدفعها هذا الاضطراب الداخلي إلى خوض تحقيقها الخاص، مستفيدة من قدرتها على قراءة تجارب النساء وتفاصيل الحياة التي تمر عادة دون الانتباه إليها.

وانتقل نيمان للحديث عن التحول الجذري الذي شهدته صناعة السينما في السعودية خلال أقل من عقد. وأوضح أن خبرتهما في أثناء تصوير فيلم «المرشحة المثالية» في عام 2018 كانت قائمة على محاولات مستمرة لتجاوز صعوبة العثور على طواقم فنية أو معدات مناسبة أو مواقع تصوير مجهزة. أما اليوم، فالوضع مختلف تماماً: فقد أصبحت شركات الإمداد بالمعدات متوفرة داخل البلاد، والفرق الفنية جاهزة، وإجراءات التصوير أكثر تنظيماً، إلى جانب وجود دعم رسمي يسهل عمليات الإنتاج ويخلق بيئة عمل مستقرة.

ولاحظ نيمان أن السعودية أصبحت تملك سوقاً محلية قادرة على استيعاب أفلام محلية وتحقيق إيرادات تعيد للمشروعات تكلفتها من دون الاعتماد على الأسواق الخارجية، وهو ما لم يكن ممكناً قبل سنوات. وأكد أن هذا التحول يعيد تشكيل خريطة السينما العربية، ليس فقط بسبب حجم السوق، بل أيضاً لأن الجمهور يمتلك رغبة حقيقية في متابعة قصص من بيئته، ما يشجع صناع الأفلام على تطوير مشروعات مستقلة تخاطب الجمهور المحلي مباشرة.

عدد من صناع الفيلم خلال العرض الأول في «مهرجان البحر الأحمر» (إدارة المهرجان)

وتحدث نيمان عن اختلاف التجارب التي مرَّ بها برفقة زوجته هيفاء بين عملهما في الغرب، حيث تعمل حالياً على مسلسل أميركي في كندا، ومشروعاتهما في السعودية، عادّاً أن القدرة على التحرك بين بيئتين مختلفتين تمنحهما فهماً أوسع لطبيعة الإنتاج وطرق إدارة الطواقم وأساليب العمل الحديثة. وأضاف أن هذه الخبرة تجعلهما قادرين على الربط بين العناصر الدولية والسعودية في مشروع واحد، وهو ما يسعيان إليه في مشروعات مستقبلية تتضمن دمج طاقات محلية مع فرق عالمية ضمن سياق سعودي.

وفيما يتعلق بالمشروعات المقبلة، قال نيمان إنهما يعملان حالياً على فيلم رعب جديد يعتمد على لغتين، الإنجليزية والعربية، وتدور أحداثه في السعودية.

ويرى نيمان أن المشروع خطوة لتوسيع نطاق التعاون بين صناع السينما محلياً ودولياً، من خلال عمل يجمع ممثلين سعوديين مع ممثلين من الخارج، ضمن حكاية تدور في بيئة سعودية، لكنها مصممة بإيقاع سينمائي قادر على جذب جمهور عالمي.

وأشار أيضاً إلى المشروع الذي تعمل عليه هيفاء مع جيسيكا ألبا، وهو فيلم عائلي لا يزال في مرحلة الكتابة المبكرة، ولا يمكن التصريح بتفاصيله أو أسماء المشاركين فيه حالياً، لكنه يتوقع أن يشكل خطوة جديدة في مسار التعاون الدولي الذي تعمل عليه هيفاء منذ سنوات.


شيرين تهدد بمقاضاة مُروجي إشاعات «إفلاسها»

شيرين عبد الوهاب - حسابها على «إنستغرام»
شيرين عبد الوهاب - حسابها على «إنستغرام»
TT

شيرين تهدد بمقاضاة مُروجي إشاعات «إفلاسها»

شيرين عبد الوهاب - حسابها على «إنستغرام»
شيرين عبد الوهاب - حسابها على «إنستغرام»

عاد اسم الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب للواجهة مجدداً، بعد إشاعات شخصية عدة طاردتها خلال الساعات الماضية، من بينها تعرضها للإفلاس، وحرمانها من رؤية ابنتيها، لكن الأمر لم يمر مرور الكرام، إذ أكد المستشار ياسر قنطوش الممثل القانوني للفنانة المصرية، عزمه على اتخاذ إجراءات قانونية ضد بعض المنصات التي تداولت اسم شيرين بأخبار عارية تماماً عن الصحة، وفق بيان رسمي.

ونفى ياسر قنطوش في بيانه، ما تم تداوله أخيراً، موضحاً أن المنصات التي تزعم صدور قرار من «محكمة الأسرة»، يمنع شيرين من رؤية ابنتيها، أو مرورها بـ«أزمة مالية»، وصلت إلى حد الإفلاس خلال فترة علاجها، تروّج أخباراً غير صحيحة وهدفها الإساءة للفنانة وتشويه صورتها أمام جمهورها.

شيرين تعرضت لأزمات عدة خلال السنوات الماضية - حسابها على «إنستغرام»

ونوه ياسر قنطوش بأن ما نشر من أخبار يندرج ضمن «محاولات التشويه المتعمد»، و«اصطناع الأكاذيب»، للإساءة إلى الفنانة في فترة تتطلب «الهدوء والدعم»، مؤكداً «أن مكتبه القانوني بدأ بالفعل بجمع وتوثيق جميع الأكاذيب التي تم تداولها، تمهيداً لاتخاذ إجراءات قانونية صارمة ضد كل من شارك بنشر أو إعادة نشر هذه الإشاعات دون الاستناد إلى مصادر موثوقة».

ودعا قنطوش، إلى تحري الدقة قبل تداول مثل هذه الأخبار، محذراً من نشر أي أخبار تمس الحياة الشخصية لشيرين عبد الوهاب، دون التأكد من صحتها، مؤكداً أن «القانون يجرم نشر معلومات كاذبة، أو تخص الحياة الخاصة لأي شخص دون دليل».

وحول مرور شيرين بأزمة مالية أو اضطرارها لبيع ممتلكاتها خلال فترة علاجها، أكد قنطوش، أنها تتمتع باستقرار مالي كامل، ولم تتعرض لأي ضائقة اقتصادية.

شيرين تهدد بمقاضاة مروجي الإشاعات - حسابها على «إنستغرام»

وتعرضت شيرين أخيراً للعديد من الإشاعات من بينها «اعتزال الفن»، والمشاركة بـ«حفل غنائي»، مع الفنان اللبناني فضل شاكر، وكذلك «سفرها للعلاج بالخارج»، بجانب انتشار أخبار عن عودتها للحياة الزوجية مجدداً مع الفنان حسام حبيب بعد سجالات عدة طالت حياتهما، تنوعت بين الزواج والطلاق والعودة والنفي، وغير ذلك من المشكلات التي لاحقتها، بجانب الدعاوى القانونية المتبادلة مع مسؤول حساباتها «السوشيالية»، ومع أحد أفراد أسرتها، وخلافاتها القانونية مع شركة إنتاج فني، والظهور عبر لقاءات ومداخلات إعلامية جدلية، وأيضاً تعرضها لانتقادات عقب حفلها في «موازين» بالمغرب صيف 2025.

وتعليقاً على مجمل أزمات شيرين عبد الوهاب الشخصية والعملية، أكدت الكاتبة والناقدة الفنية المصرية مها متبولي، أن شيرين تمر بحالة من التناقضات والصراعات الشخصية والقانونية المثيرة للجدل في السنوات الأخيرة، وأن تضارب الأخبار التي تحيط بها أفسد حياتها الفنية، لافتة إلى أنها «تحتاج لاستقرار نفسي من أجل استكمال مشوارها الفني مجدداً».

أزمات شيرين الشخصية أثرت على مشوارها الفني - حسابها على «إنستغرام»

وأوضحت متبولي في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «شيرين هي التي منحت مساحة للمنصات والناس لتناول حياتها الشخصية، خصوصاً أنها تثير الخبر وتنفيه، أي أنها تفعل الشيء وعكسه، وهي التي سمحت بترديد اسمها في المشكلات والصراعات، وعليها مراجعه نفسها بشدة وحرص»، مؤكدة أن «اسمها مادة دسمة للقيل والقال، وأي خبر يخصها ينتشر بكثافة لأنها نجمة».

وحول إمكانية عودتها مجدداً للساحة الفنية، أكدت متبولي أن شيرين موهبة كبيرة وإحساس فني لا مثيل له، لكنها تحتاج لمراجعة حياتها وتنسيقها على أيدي متخصصين، موضحة أن النجومية الكبيرة التي تعيشها، والضغوطات التي تعرضت لها، كلها أمور من الصعب تحملها.

وفنياً، تعد الأغنية الوطنية «غالية علينا يا بلدنا»، كلمات تامر حسين، وتوزيع توما، ولحن عمرو مصطفى، هي أحدث أعمال شيرين عبد الوهاب الغنائية، كما شهدت فعاليات مهرجان «موازين»، في دورته الـ20 أحدث ظهور فني مباشر على المسرح بعد غياب 9 سنوات عن فعالياته.