غسان سلامة: مشكلة شرعية المؤسسات لا تزال قائمة في ليبيا

أكد لـ«الشرق الأوسط» أن نشر «قبعات زرق» غير وارد لفرض حل خارجي

المبعوث الأممي غسان سلامة في القاهرة («الشرق الأوسط»)
المبعوث الأممي غسان سلامة في القاهرة («الشرق الأوسط»)
TT

غسان سلامة: مشكلة شرعية المؤسسات لا تزال قائمة في ليبيا

المبعوث الأممي غسان سلامة في القاهرة («الشرق الأوسط»)
المبعوث الأممي غسان سلامة في القاهرة («الشرق الأوسط»)

أكد المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، أن مشكلة شرعية المؤسسات لا تزال قائمة في ليبيا وما زال الخلاف مستمراً، وهذا أمر لا يحل إلا من خلال انتخابات عامة. وأبدى سلامة معارضته لهيمنة أي ميليشيا على طرابلس، سواء من داخلها أو من خارجها، وذلك بعد أسابيع قليلة من وقف لإطلاق النار برعاية البعثة، بين ميليشيات عدة كانت تتنافس بالأسلحة الثقيلة للسيطرة على العاصمة. وقال: إن طرابلس «كيكة» يتطلع إليها الكل، لكن ليس هناك طرف قادر على فرض وجوده عليها بسبب تنوع أصول أبنائها قبلياً وجهوياً.
وفي حوار مع «الشرق الأوسط» عقب وصوله للقاهرة أمس، شدد سلامة على أن البعثة الأممية تعمل على إجراء الانتخابات «في أمد قريب»، قائلا إن عوامل محلية ليبية تسببت في تأخير الانتخابات، وليس الخلاف الإيطالي - الفرنسي، حول هذا الموضوع، مشيرا إلى أن الليبيين لا الفرنسيين، هم كانوا حددوا موعد إجراء الانتخابات في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، حين التقوا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس، في مايو (أيار) الماضي.
وأعرب سلامة عن أمله في أن تتمكن خطة أمنية واقتصادية من تهيئة الأوضاع في البلاد لنوع من الاستقرار يفضي إلى حل سياسي دائم. وقال إن الخطة الأمنية ترتكز على تحصين وقف إطلاق النار، ورفض الحل بالقوة، لافتاً إلى تغيير لجنة الترتيبات الأمنية في العاصمة، ووضع لجنة قوية تمثل مختلف الأجهزة الأمنية بحضور ممثل للبعثة الأممية، مشيرا إلى أنه جرى كذلك تبني مجموعة إصلاحات اقتصادية أدت إلى هبوط ملحوظ في أسعار السلع داخل ليبيا، وتحسن في سعر صرف الدينار أمام الدولار. وفيما يأتي نص الحوار.

> هل ستجرى انتخابات في ليبيا قبل نهاية هذا العام؟
- نحن نعمل لإجراء الانتخابات في أمد قريب. إن لم تجر قبل آخر هذا العام، فهذا لا يعني أنها لن تجرى. بل هذا يعني أنها ستجرى بعد حين. كان أملي أن تجرى قبل نهاية هذا العام، لكن حدثت تطورات داخل ليبيا أخَّرت بعض الشيء بعض الإجراءات. أولاً تأخر مجلس النواب في إصدار قانون للانتخابات. ونحن ما زلنا نأمل أن يُقدم على ذلك. وثانياً حصلت تطورات أمنية كبيرة، منها مسألة الهلال النفطي والاشتباكات في طرابلس التي جعلت الموضوع الأمني يعود إلى الصدارة. ثم حدث أمر آخر مهم جدا، وهو هجوم إرهابي على المفوضية العامة للانتخابات، جعلها تفقد الكثير من آلياتها، ولسوء الحظ فقدت عددا من موظفيها أيضا. وهذا أدى إلى شلل في حركتها بعض الشيء، لكننا عوضنا عن كل ذلك. كما تعلم لعبت البعثة دورا مهما في حل مشكلة الهلال النفطي، ولعبت البعثة دورا، أعتقد أنه أساسي، في التوصل لوقف إطلاق النار في طرابلس. وأيضا عوضنا مفوضية الانتخابات كل ما خسرته من آليات، ولكن المبنى الذي ستنتقل إليه المفوضية في طرابلس لم ينته تجهيزه بعد، لذلك، ولأسباب لوجيستية وتشريعية وأمنية، تأخرت المسيرة بعض الشيء.
مشكلة «شرعية المؤسسات» لا تزال قائمة. يوجد خلاف على الشرعية، وهذا الموضوع لا يُحل إلا من خلال انتخابات عامة. الآن نحن نقوم ونساعد كثيرا لإجراء الانتخابات على المستوى المحلي، ولقد حصلت انتخابات بلدية في ثلاث مدن مهمة، هي الزاوية والمرج وبني وليد، وستحصل إن شاء الله مجموعة من الانتخابات البلدية خلال الأسابيع المقبلة، وهذا يعني أن ما هو ممكن نقوم به فوراً. الانتخابات على المستوى الوطني تنتظر القانون، وتنتظر أيضا عمل المفوضية بكامل إمكانياتها، وهذا ما لم يحصل بعد. لذلك قد يكون هناك تأخير في الانتخابات لكنه مجرد تأخير وليس وضعها على الرف أو شيء من هذا القبيل. الانتخابات يطالب بها الليبيون قبل غيرهم. ونحن لا نريد أن نحرمهم من حقهم الطبيعي بأن يغيروا في الطبقة السياسية التي تحكمهم.
> حين يظهر موضوع الانتخابات على السطح، يظهر معه الحديث عن مبادرة الرئيس الفرنسي ماكرون، من أن الانتخابات ستكون في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، ويقترن بهذا الحديث أن هناك تنافسا إيطاليا - فرنسيا، بأن الإيطاليين يريدون تأخير الانتخابات والفرنسيين يريدون التبكير بها. وأن هذا يدور في إطار صراع ما بين الإيطاليين والفرنسيين. ما تقييمك لمثل هذا الحديث؟
- هناك تنافس بين إيطاليا وفرنسا، كان حاداً، ولم يعد بنفس الحدة الآن، ولكن لا تأثير له على الانتخابات. تاريخ العاشر من ديسمبر (كانون الأول) هو من اختيار الليبيين الذين كانوا موجودين في فرنسا، وليس من اختيار السيد ماكرون. وهو خيار الرجال الليبيين الأربعة الذين كانوا موجودين، وهم اقترحوا هذا التاريخ، وأنا كنت موجودا، ويمكن لي أن أشهد على ذلك. كان الاقتراح من السيد (فايز) السراج (رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق)، ووافق عليه السيد (المشير خليفة) حفتر (قائد الجيش الوطني)، والسيدان (خالد) المشري (رئيس مجلس الدولة)، وعقيلة صالح (رئيس مجلس النواب). إنما كما قلت لك حصلت تطورات منذ ذلك الحين ليبية - ليبية. حدث خلاف إيطالي فرنسي، لكن تأثيره خفيف على الداخل الليبي. لو لم يكن الهجوم الإرهابي وقع على مفوضية الانتخابات، ولو كان لدينا قانون للانتخابات، لربما كنا استطعنا أن نجري هذه الانتخابات خلال شهر أو شهرين من الآن، ولكن هذه الأحداث أجلت الانتخابات. إذن تأجيل الانتخابات ليس سببه الخلاف الإيطالي - الفرنسي، الذي كان حادا وخفت وتيرته الآن، ولكن الوضع القائم في ليبيا نفسها، الذي لم يأت حتى الساعة بقانون لإجراء الانتخابات. ولم يسمح للمفوضية أن تعمل بكامل قدراتها كما كنا نريد لها أن تعمل. ناهيك عن الوضع الأمني الذي حَرَفَنا قليلا عن المسار السياسي، وجعل البعثة تركز اهتمامها على منع حصول حرب مثل حرب 2014. لقد تعهدت في الخامس من سبتمبر (أيلول) الماضي، أمام مجلس الأمن الدولي، بمنع تدمير طرابلس، وبمنع حصول حرب أخرى كما حصل سنة 2014. وأنا ممتن من أننا تمكنا من تجنب ذلك، لأن ذلك كان ممكناً، بل يعد محتملاً، لولا التدخل القوي للبعثة لوقف إطلاق النار، ولحمايته، ولتحصينه لاحقاً.
> كيف تم ذلك؟
- تحصين وقف إطلاق النار تم بعدد من المبادرات التي كانت على الطاولة، وكانت حكومة الوفاق الوطني مترددة في تبنيها، أولا: تغيير لجنة الترتيبات الأمنية في العاصمة، ووضع لجنة قوية مكان اللجنة السابقة، لجنة تمثل مختلف الأجهزة الأمنية. وهناك ممثل للبعثة يحضر كل اجتماعاتها يومياً، وقدمت خطة للسيد السراج وهو تبناها، من دون أي تغيير لأي كلمة فيها، منذ أسبوع، أي يوم الأحد الماضي، كما هي، ونحن بصدد تنفيذها على الأرض. وقد بدأنا ذلك فعلاً، وأيضا من خلال تبني مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية المهمة التي كانت جاهزة منذ شهر يونيو (حزيران) الماضي. وكان هناك نوع من التردد في حكومة الوفاق الوطني في تبينها. لقد تمكنا من تحويل أزمة القتال في طرابلس، إلى فرصة لكي تقوم حكومة الوفاق الوطني بتبني هذه الإصلاحات الاقتصادية، مما أدى إلى أمرين مهمين جداً، يساعدان في تهيئة الأجواء المناسبة للانتخابات، أولا هبوط ملحوظ في أسعار السلع داخل ليبيا، تجاوز أحيانا العشرين أو الخمسة وعشرين في المائة، وثانيا تحسن سعر صرف الدينار الليبي بنسبة تتجاوز الخمسة وعشرين في المائة. هذان الأمران مهمان جدا، لأن الانتخابات يجب أن تجري في وضع اقتصادي ومالي أفضل من الوضع المزري الذي كان قائما قبل تبني هذه الإصلاحات. إذن الترتيبات الأمنية من جهة، والإصلاحات الاقتصادية من جهة أخرى لعبتا دورا كبيراً، أولا في تثبيت وقف إطلاق النار، وثانيا في تحسين الأجواء لكي نذهب مجددا نحو العملية السياسية التي تتضمن فيما تتضمن انتخابات بلدية وانتخابات نيابية، وانتخابات رئاسية.
> هل يوضع في الحسبان وجود مسار عسكري للحل في ليبيا سواء كان هذا المسار العسكري من الداخل الليبي أو بالمساعدة من الخارج؟
- بالنسبة للمساعدة من الخارج، فإن مجلس الأمن الدولي واضح في هذا الموضوع. مجلس الأمن الدولي أولا لن ينشر القبعات الزرق في ليبيا، لأن البعثة هي بعثة عمل سياسي وليست بعثة حفظ سلام. ولذلك نحن نقوم بوقف إطلاق النار ونراقب وقف إطلاق النار، ولكن ليس لدينا قوات لكي نتدخل عسكريا كأمم متحدة في الوضع الليبي. ولا أتوقع حصول ذلك. أما مساعدة من قبل دول، فهذا يحدث. هناك دول تتبنى هذا الطرف أو ذاك في ليبيا، ونحن نعلم ذلك. ولكن هنا أيضا مجلس الأمن واضح، ويُصدِر تقريراً نصف سنوي، يشير إلى التدخلات الخارجية، ويندد بها، ويدعو إلى احترام حظر تصدير السلاح أو المشاركة العسكرية في ليبيا. أما في الداخل الليبي، فلقد جرب الليبيون كثيرا القتال. حصل ذلك سنة 2014 وحصل في مرات سابقة. وتبين، أعتقد، للجميع أنه ليس هناك من طرف قادر على فرض حل عسكري في ليبيا. لذلك حتى الأطراف التي هي عسكرية، نظامية أو غير نظامية، وصلت تدريجياً، أو هي تصل تدريجياً، إلى ضرورة الحل السياسي. ليس هناك من نزاع في العالم لا يتضمن حلاً سياسيا في آخر الأمر. صحيح أن الحل السياسي صعب، لكن لا مناص منه. ولا بديل له. وهناك شبه اقتناع عند كل الأطراف في ليبيا أن هذا هو الطريق الصحيح. لذلك نرى مقترحات سياسية، حتى من قبل كل الأطراف، بما فيها المشير حفتر الذي تقدم بعدد من الاقتراحات، أيضا، لحل سياسي.
> طرابلس تاريخيا دائما في بؤرة الضوء أمام المدن المجاورة لها... هل البعثة الأممية تخشى من تفجر الوضع في أي لحظة ضمن الصراع للسيطرة على العاصمة من بعض قوات تلك المدن؟
- لقد جربت (مدينة) الزنتان أن تستولي على العاصمة، وفشلت. وجربت (مدينة) مصراتة في مرحلة لاحقة، أن تسيطر على طرابلس، وأيضا فشلت. وجربت (مدينة) ترهونة مؤخرا، وأيضا لم تتمكن من ذلك. أعتقد أنه لدى مختلف الأطراف في غرب ليبيا نوع من الشعور المتزايد بأن ليس هناك من طرف بعينه يقدر على أن يستولي على العاصمة، لماذا؟ صحيح أن العاصمة هي «الكيكة» التي يتطلع إليها الكل ولكن طرابلس أولا تضم سكانا من مختلف أنحاء ليبيا، وهناك أعداد كبيرة أصلها من ترهونة، وأعداد كبيرة أصلها من مصراتة، وأعداد كبيرة أصلها من الزنتان، وأعداد كبيرة أصلها من غريان، وأعداد كبيرة أصلها من مناطق أخرى في ليبيا. ثلث الشعب الليبي يعيش حالياً في طرابلس الكبرى. إذن ليس هناك من طرف يقدر على أن يفرض وجوده على مجتمع مثل مجتمع طرابلس الكبرى المتنوع جداً جداً، في أصوله القبلية والجهوية. أنت أمام تحديين متكاملين، وعليك أن تعالجهما معاً: أولاً أنت تريد أن تخفف من سيطرة ميليشيات طرابلس نفسها على أجهزة الدولة والبعثة الأممية كانت نقدية جدا تجاه مسلك ميليشيات طرابلس قبل أن تقوم الحرب الأخيرة في طرابلس في أغسطس (آب). كنا نقديين تجاه المساس بالمؤسسات السيادية، مثل شركة النفط، أو هيئة الاستثمارات الخارجية، وما شابه. كنا ننتقد، وبقوة، وفي مجلس الأمن، وفي تصريحاتي، وبصورة علنية، ننتقد أي تغول من ميليشيات طرابلس على المؤسسات السيادية، وعلى المصرف المركزي، وعلى المصارف، وعلى كل شيء. أنت من جهة عليك أن تخفف تدريجيا، من ضغط الميليشيات الطرابلسية على المؤسسات الحكومية الموجودة في طرابلس، وعليك من جهة أخرى أن تحمي طرابلس من هجوم الأطراف غير الطرابلسية. إذن عليك أن تقوم بعمل متوازن، وهذا هو العمل الذي قمنا به خلال الأزمة الأخيرة. لقد توصلنا مع ميليشيات طرابلس إلى أن تخفف تدريجيا من وطأتها على مؤسسات الدولة، وذلك من خلال إدخال عناصر نظامية تحل مكان الميليشيات في عدد من الأماكن، ومن خلال التهديد بعقوبات على زعماء الميليشيات التي تعدت على المال العام، وعلى المؤسسات العامة، وقد أدى ذلك لاستقالة رؤساء بعض الميليشيات، وإلى إبداء آخرين الاستعداد للانسحاب من المشهد الأمني والسياسي من طرابلس. ومن جهة أخرى أدى ذلك إلى إقناع الميليشيات المُهاجمة أن «الكيكة» لن تكون فقط محصورة بميليشيات طرابلس نفسها، لأننا نحن نحمي المؤسسات الحكومة، لا نحمي تغول الميليشيات الطرابلسية على المؤسسات السيادية. إذن عليك أن تقوم بالعملين معا... أن تحمي مؤسسات الدولة في طرابلس من تغول ميليشيات طرابلس، وأن تحمي طرابلس من العنف الذي يأتيها من الخارج. نحن نعرف أن هناك من يزال يعتقد أن بإمكانه أن يغير الأمور بالقوة. لذلك قلنا، وأقول لك اليوم، بصريح العبارة، إننا لن نعترف بأي طرف عسكري يدخل إلى طرابلس بالقوة ويمس الحكومة القائمة بالقوة. نحن نقبل بتغيير الحكومة ونقبل بتغيير أعضاء المجلس الرئاسي، ولا نتمسك بأي شخص بعينه، ولكن لا نقبل بتفكير انقلابي أو بتفكير أن تأتي مدينة أو أن تأتي ميليشيا من خارج طرابلس، وتغير الأوضاع السياسية بالقوة. لن نعترف بهذا الأمر. لكن إن قام تفاهم جديد على أشخاص جدد في الحكومة، أو في المجلس الرئاسي، فنحن نشجع ذلك، لا مشكلة لدينا، لكن بطرق سلمية ومن خلال رضا المجلسين (مجلس الدولة، ومجلس النواب)، وليس باستعمال القوة كما فكر البعض، ونحن قمنا بدورنا لمنعهم من المساس بحكومة الوفاق الوطني بالقوة. إن شاءوا أن يغيروا أشخاصا بعينهم في تلك الوزارة أو في المجلس الرئاسي، فبالطريقة السلمية، هذا ممكن ونحن ندعو إليه، ولكن ليس بطريق العنف. وأقول، وأردد للذي يريد أن يقتحم طرابلس، إننا لن نقبل باقتحام العاصمة، ونقول لمن هو في طرابلس، إننا لن نقبل المساس بالمؤسسات السيادية داخل طرابلس. الأمران معا.
> يتردد أنه خلال الفترة الأخيرة كانت هناك ممارسات تقول إن المجلس الرئاسي منحاز بشكل فيه قدر كبير من السفور إلى ميليشيات طرابلس، وأنه قام بترقية بعض المنتسبين للميليشيات إلى رتب نظامية، وتم تغيير وزير الداخلية، ووزراء آخرين. أريد أن أقول إنه يبدو أن هناك ضغطا كبيرا من الميليشيات الطرابلسية على اتفاق الصخيرات، وعلى رئيس المجلس الرئاسي، وعلى حكومة الوفاق. هل ترى هذا؟ هل لاحظت هذا؟
- كان هناك أكثر من ذلك. كانت هناك عمليات ابتزاز من بعض ميليشيات طرابلس على المؤسسات، وعلى الحكومة، وعلى المصارف. وخُطف عدد من الشخصيات، كمديري المصارف، وتم اعتقال تعسفي ضد عدد من الناس، وتمت ترقيات غير مقبولة، لأنها مفروضة، ودخلت عدد من الميليشيات إلى صلب الوزارات. ما نحن نقوم به منذ أحداث طرابلس (في أغسطس) هو تنقية هذا الأمر. وبالتالي فنحن ننظر إلى ما حصل منذ ذلك الحين، كعملية تصحيح لما كان يحصل في الأشهر التي سبقت الاقتتال. مثلا أنَّ كل أعضاء لجنة الترتيبات الأمنية الجديدة، هم ممن عينوا بالتجاهل لأصولهم الجهوية، ولكن فقط بالنظر إلى وظيفتهم. لجنة الترتيبات الأمنية كلها من ضباط نظاميين، من مصراتة، من طرابلس، من الزاوية، ومن أماكن أخرى، فقط بسبب وظيفتهم، وليس لأن الميليشيات فرضتهم. في التعديل الحكومي الأخير جاء وزير للداخلية من مصراتة، للقول أيضا إن من وظيفة حكومة الوفاق الوطني، أن تمثل مختلف أطراف البلاد. إذن نحن نعتقد أننا في طور تنقية الوضع غير الصحي الذي كان قائما قبل 27 أغسطس الماضي، عندما بدأ الاقتتال. في ذلك الحين كان هنالك ضغط عسكري على طرابلس من خارجها وضغط على الدولة من داخل طرابلس. نحن نعمل على تخفيف الضغطين. وهذا لن يحصل بين ليلة وضحاها. هذا يتطلب عملا يوميا، مثلاً لجنة الترتيبات الأمنية تجتمع كل يوم، وهناك شخص من البعثة (الأممية) موجود كل يوم يساهم في وضع الأجندة ويساهم في عمل هذه اللجنة. نحن نعمل على بناء دولة. وليس للسماح لا لميليشيات طرابلس، ولا لميليشيات غير طرابلس أن تكون لها اليد الطولى على الدولة الجديدة.



زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.


اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
TT

اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)

في لحظة سياسية دقيقة، يعود ملف الجنوب اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي، وسط تحركات سعودية حازمة تهدف إلى إعادة صياغة مساره بعيداً عن الاستقطاب والصراعات المفتوحة، وبمقاربة تضع الحوار الشامل خياراً وحيداً لتفكيك التعقيدات المتراكمة وإنهاء حالة الجمود.

وفي هذا السياق، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، الأحد، أعمال «اللقاء التشاوري الجنوبي» بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية، إلى جانب المشايخ والأعيان، من مختلف محافظات جنوب اليمن، في خطوة تمهيدية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، الذي ترعاه السعودية، ضمن جهودها الرامية إلى دعم مسار سياسي شامل يعالج القضية الجنوبية بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

ويأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشهد اليمني، وما تواجهه القضية الجنوبية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، حيث يسعى المشاركون إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة تقوم على الحوار بوصفه خياراً أساسياً لمعالجة جذور الأزمة، بعيداً عن منطق التصعيد والعنف، أو اختزال القضية في تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب وتعدد مكوناته.

وأكد المجتمعون، في بيان ختامي تلاه عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن اللقاء يعكس «إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح الجنوب ومحافظاته، وتسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام للقضية الجنوبية»، مشددين على أن هذا المسار السياسي يستند إلى الحوار المسؤول بوصفه الطريق الوحيد القادر على تجنيب الجنوب مزيداً من الانقسامات والصراعات الداخلية.

لقاء تشاوري في الرياض للقيادات الجنوبية أكد على نهج الحوار للتوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية (رويترز)

وأوضح البيان أن المشاركين لمسوا، من خلال لقاءاتهم المباشرة مع القيادات والمسؤولين في السعودية، دعماً واضحاً ومتطابقاً مع مطالب الجنوبيين المشروعة، وفي مقدمتها حقهم في الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن كرامتهم وأمنهم واستقرارهم، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية، وبما يكفل حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي عبر آلية توافقية لا يُقصى فيها أحد.

وشدد البيان على أن خيارات أبناء الجنوب، بما فيها شكل الدولة ومستقبلها السياسي، تظل حقاً أصيلاً لهم وحدهم، وأن المملكة العربية السعودية لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار، شريطة أن يكون ناتجاً عن حوار جنوبي - جنوبي شامل، لا يُفرض من قبل مكون أو شخص بعينه، ولا يُختزل في تمثيل لا يعكس الإرادة الجنوبية الجامعة.

رعاية سعودية وفرصة تاريخية

البيان أكد أن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، برعاية السعودية، يمثل «فرصة تاريخية نادرة» لإعادة تصويب مسار القضية الجنوبية، محذراً من محاولات العبث بهذه الفرصة عبر خلق استقطابات داخلية، أو الزج بالجنوب في صراعات جانبية تخدم أطرافاً إقليمية تسعى لإدامة الفوضى، ولا تصب في مصلحة الجنوبيين أو مستقبلهم.

وفي هذا السياق، برزت دعوات واسعة داخل اللقاء، إلى ضرورة الفصل بين عدالة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية مشروعة، وبين الممارسات الفردية لبعض القيادات التي يرى مراقبون أنها ألحقت أضراراً جسيمة بالقضية، من خلال احتكار التمثيل، أو توظيفها في صراعات إقليمية لا تخدم تطلعات أبناء الجنوب.

السعودية تقود مساراً يقوم على الحزم والمسؤولية الإقليمية للتوصل إلى حلول آمنة لقضايا اليمن المعقدة (رويترز)

ويشير محللون إلى أن تراجع الزخم السياسي للقضية الجنوبية خلال مراحل سابقة ارتبط، إلى حد كبير، بممارسات سياسية ومالية مثيرة للجدل، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وهو ما أسهم في إضعاف حضور القضية على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن تعيد الرعاية السعودية الحالية تصديرها بوصفها قضية سياسية مركزية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن.

وأشار المحرمي إلى أن القيادات والشخصيات الجنوبية المشاركة لمست منذ وصولها إلى الرياض، ترحيباً صادقاً ودعماً عملياً للقضية الجنوبية، مؤكداً أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي؛ بل شمل الملفات المعيشية والاقتصادية والأمنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وأوضح البيان أن اللقاءات التي عقدتها القيادات الجنوبية مع مسؤولي مؤسسات الدولة في المملكة، أسهمت في تقديم صورة أكثر عمقاً ووضوحاً عن أبعاد القضية الجنوبية، الأمر الذي عزز من حضورها السياسي إقليمياً، وساعد في تسريع معالجة عدد من الملفات العاجلة، وفي مقدمتها أزمة صرف المرتبات المتأخرة، التي أثقلت كاهل الموظفين المدنيين والعسكريين على حد سواء.

القيادات الجنوبية شددت على رفض الإقصاء أو الاحتكار لموضوع القضية الجنوبية (رويترز)

كما أعلنت السعودية عن دعم اقتصادي وتنموي للجنوب واليمن عموماً، بلغت قيمته نحو 1.9 مليار ريال سعودي (نصف مليار دولار) في خطوة عُدّت مؤشراً عملياً على التزامها بدعم الاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتهيئة البيئة اللازمة لإنجاح أي مسار سياسي مقبل، مع تكفلها برواتب الموظفين المدنيين الحكوميين بمبلغ 9 ملايين دولار، وكذا برواتب كل العسكريين والأمنيين المرتطبين باللجنة المشتركة لقيادة تحالف دعم الشرعية.

وفي الجانب الأمني، تلقى المجتمعون تأكيدات مباشرة بشأن استمرار دعم القوات الجنوبية التي تضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار، في مواجهة التهديدات التي تشكلها ميليشيات الحوثي والتنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «القاعدة» و«داعش»، بما يعزز من قدرة الجنوب على حماية مكتسباته الوطنية.

دعوة للمشاركة والمسؤولية

دعا البيان الذي قرأه المحرّمي، جماهير الشعب الجنوبي، إلى التعبير عن تطلعاتهم المشروعة بوعي ومسؤولية، ودعم مسار الحوار الجنوبي برعاية السعودية، باعتباره الإطار الأكثر واقعية وأماناً للتوصل إلى حل سياسي شامل، يحفظ الحقوق ويصون المكتسبات، بأقل تكلفة ممكنة.

كما وجّه البيان نداءً إلى المجتمع الدولي لمساندة هذا المسار الجاد، واحترام تطلعات الجنوبيين، ودعم الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة، باعتبار أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلاً أساسياً لأي تسوية شاملة ومستدامة.

حشد من المتظاهرين في عدن المطالبين بإيجاد حلول للقضية الجنوبية (رويترز)

وفيما يتعلق بالمظاهرات التي تشهدها مدينة عدن بين الحين والآخر، أكد البيان أن هذه التحركات تعبّر في جوهرها عن مطالب شعبية مشروعة مرتبطة بالقضية الجنوبية والظروف المعيشية الصعبة، ولا يمكن اختزالها في دعم شخص أو مكون بعينه.

ويرى مراقبون أن توظيف هذه الاحتجاجات سياسياً من قبل بعض القيادات، بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو تعزيز نفوذ ضيق، أسهم في تشويه صورة الحراك الجنوبي، وأضعف مصداقية القضية أمام المجتمع الدولي، لا سيما في ظل اتهامات متداولة حول قضايا فساد وسوء إدارة ألحقت أضراراً مباشرة بحياة المواطنين.

رفض للنهج الفوضوي

في مقابل الإشادة بالدور السعودي، برزت داخل اللقاءات الجنوبية مواقف نقدية حادة تجاه دور أبوظبي في اليمن، حيث يرى مراقبون أن السياسات الإماراتية، القائمة على دعم أطراف بعينها، أسهمت في تعميق الانقسامات الجنوبية، وإطالة أمد الفوضى، وعرقلة الوصول إلى حل سياسي شامل.

من المرتقب أن يتوصل حوار القادة الجنوبيين في الرياض إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن (رويترز)

ويربط محللون هذا الدور بما تصفه تقارير دولية بنمط تدخل إماراتي مشابه في دول أخرى مثل السودان وليبيا والصومال، حيث أدت سياسات دعم الفصائل المحلية إلى تعقيد الأزمات بدلاً من حلها، في حين تميزت المقاربة السعودية، وفقاً لهذه الرؤية، بالتركيز على دعم الدولة، والحوار، والاستقرار، والتنمية.

ويرى محللون أن استمرار أي تدخلات خارجية تحرّض على شق الصف الجنوبي، أو توظف القضية الجنوبية لخدمة أجندات إقليمية، قد يدفع الرياض إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة لحماية مسار الحوار، وضمان عدم تقويض جهود مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.