غسان سلامة: مشكلة شرعية المؤسسات لا تزال قائمة في ليبيا

أكد لـ«الشرق الأوسط» أن نشر «قبعات زرق» غير وارد لفرض حل خارجي

المبعوث الأممي غسان سلامة في القاهرة («الشرق الأوسط»)
المبعوث الأممي غسان سلامة في القاهرة («الشرق الأوسط»)
TT

غسان سلامة: مشكلة شرعية المؤسسات لا تزال قائمة في ليبيا

المبعوث الأممي غسان سلامة في القاهرة («الشرق الأوسط»)
المبعوث الأممي غسان سلامة في القاهرة («الشرق الأوسط»)

أكد المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، أن مشكلة شرعية المؤسسات لا تزال قائمة في ليبيا وما زال الخلاف مستمراً، وهذا أمر لا يحل إلا من خلال انتخابات عامة. وأبدى سلامة معارضته لهيمنة أي ميليشيا على طرابلس، سواء من داخلها أو من خارجها، وذلك بعد أسابيع قليلة من وقف لإطلاق النار برعاية البعثة، بين ميليشيات عدة كانت تتنافس بالأسلحة الثقيلة للسيطرة على العاصمة. وقال: إن طرابلس «كيكة» يتطلع إليها الكل، لكن ليس هناك طرف قادر على فرض وجوده عليها بسبب تنوع أصول أبنائها قبلياً وجهوياً.
وفي حوار مع «الشرق الأوسط» عقب وصوله للقاهرة أمس، شدد سلامة على أن البعثة الأممية تعمل على إجراء الانتخابات «في أمد قريب»، قائلا إن عوامل محلية ليبية تسببت في تأخير الانتخابات، وليس الخلاف الإيطالي - الفرنسي، حول هذا الموضوع، مشيرا إلى أن الليبيين لا الفرنسيين، هم كانوا حددوا موعد إجراء الانتخابات في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، حين التقوا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس، في مايو (أيار) الماضي.
وأعرب سلامة عن أمله في أن تتمكن خطة أمنية واقتصادية من تهيئة الأوضاع في البلاد لنوع من الاستقرار يفضي إلى حل سياسي دائم. وقال إن الخطة الأمنية ترتكز على تحصين وقف إطلاق النار، ورفض الحل بالقوة، لافتاً إلى تغيير لجنة الترتيبات الأمنية في العاصمة، ووضع لجنة قوية تمثل مختلف الأجهزة الأمنية بحضور ممثل للبعثة الأممية، مشيرا إلى أنه جرى كذلك تبني مجموعة إصلاحات اقتصادية أدت إلى هبوط ملحوظ في أسعار السلع داخل ليبيا، وتحسن في سعر صرف الدينار أمام الدولار. وفيما يأتي نص الحوار.

> هل ستجرى انتخابات في ليبيا قبل نهاية هذا العام؟
- نحن نعمل لإجراء الانتخابات في أمد قريب. إن لم تجر قبل آخر هذا العام، فهذا لا يعني أنها لن تجرى. بل هذا يعني أنها ستجرى بعد حين. كان أملي أن تجرى قبل نهاية هذا العام، لكن حدثت تطورات داخل ليبيا أخَّرت بعض الشيء بعض الإجراءات. أولاً تأخر مجلس النواب في إصدار قانون للانتخابات. ونحن ما زلنا نأمل أن يُقدم على ذلك. وثانياً حصلت تطورات أمنية كبيرة، منها مسألة الهلال النفطي والاشتباكات في طرابلس التي جعلت الموضوع الأمني يعود إلى الصدارة. ثم حدث أمر آخر مهم جدا، وهو هجوم إرهابي على المفوضية العامة للانتخابات، جعلها تفقد الكثير من آلياتها، ولسوء الحظ فقدت عددا من موظفيها أيضا. وهذا أدى إلى شلل في حركتها بعض الشيء، لكننا عوضنا عن كل ذلك. كما تعلم لعبت البعثة دورا مهما في حل مشكلة الهلال النفطي، ولعبت البعثة دورا، أعتقد أنه أساسي، في التوصل لوقف إطلاق النار في طرابلس. وأيضا عوضنا مفوضية الانتخابات كل ما خسرته من آليات، ولكن المبنى الذي ستنتقل إليه المفوضية في طرابلس لم ينته تجهيزه بعد، لذلك، ولأسباب لوجيستية وتشريعية وأمنية، تأخرت المسيرة بعض الشيء.
مشكلة «شرعية المؤسسات» لا تزال قائمة. يوجد خلاف على الشرعية، وهذا الموضوع لا يُحل إلا من خلال انتخابات عامة. الآن نحن نقوم ونساعد كثيرا لإجراء الانتخابات على المستوى المحلي، ولقد حصلت انتخابات بلدية في ثلاث مدن مهمة، هي الزاوية والمرج وبني وليد، وستحصل إن شاء الله مجموعة من الانتخابات البلدية خلال الأسابيع المقبلة، وهذا يعني أن ما هو ممكن نقوم به فوراً. الانتخابات على المستوى الوطني تنتظر القانون، وتنتظر أيضا عمل المفوضية بكامل إمكانياتها، وهذا ما لم يحصل بعد. لذلك قد يكون هناك تأخير في الانتخابات لكنه مجرد تأخير وليس وضعها على الرف أو شيء من هذا القبيل. الانتخابات يطالب بها الليبيون قبل غيرهم. ونحن لا نريد أن نحرمهم من حقهم الطبيعي بأن يغيروا في الطبقة السياسية التي تحكمهم.
> حين يظهر موضوع الانتخابات على السطح، يظهر معه الحديث عن مبادرة الرئيس الفرنسي ماكرون، من أن الانتخابات ستكون في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، ويقترن بهذا الحديث أن هناك تنافسا إيطاليا - فرنسيا، بأن الإيطاليين يريدون تأخير الانتخابات والفرنسيين يريدون التبكير بها. وأن هذا يدور في إطار صراع ما بين الإيطاليين والفرنسيين. ما تقييمك لمثل هذا الحديث؟
- هناك تنافس بين إيطاليا وفرنسا، كان حاداً، ولم يعد بنفس الحدة الآن، ولكن لا تأثير له على الانتخابات. تاريخ العاشر من ديسمبر (كانون الأول) هو من اختيار الليبيين الذين كانوا موجودين في فرنسا، وليس من اختيار السيد ماكرون. وهو خيار الرجال الليبيين الأربعة الذين كانوا موجودين، وهم اقترحوا هذا التاريخ، وأنا كنت موجودا، ويمكن لي أن أشهد على ذلك. كان الاقتراح من السيد (فايز) السراج (رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق)، ووافق عليه السيد (المشير خليفة) حفتر (قائد الجيش الوطني)، والسيدان (خالد) المشري (رئيس مجلس الدولة)، وعقيلة صالح (رئيس مجلس النواب). إنما كما قلت لك حصلت تطورات منذ ذلك الحين ليبية - ليبية. حدث خلاف إيطالي فرنسي، لكن تأثيره خفيف على الداخل الليبي. لو لم يكن الهجوم الإرهابي وقع على مفوضية الانتخابات، ولو كان لدينا قانون للانتخابات، لربما كنا استطعنا أن نجري هذه الانتخابات خلال شهر أو شهرين من الآن، ولكن هذه الأحداث أجلت الانتخابات. إذن تأجيل الانتخابات ليس سببه الخلاف الإيطالي - الفرنسي، الذي كان حادا وخفت وتيرته الآن، ولكن الوضع القائم في ليبيا نفسها، الذي لم يأت حتى الساعة بقانون لإجراء الانتخابات. ولم يسمح للمفوضية أن تعمل بكامل قدراتها كما كنا نريد لها أن تعمل. ناهيك عن الوضع الأمني الذي حَرَفَنا قليلا عن المسار السياسي، وجعل البعثة تركز اهتمامها على منع حصول حرب مثل حرب 2014. لقد تعهدت في الخامس من سبتمبر (أيلول) الماضي، أمام مجلس الأمن الدولي، بمنع تدمير طرابلس، وبمنع حصول حرب أخرى كما حصل سنة 2014. وأنا ممتن من أننا تمكنا من تجنب ذلك، لأن ذلك كان ممكناً، بل يعد محتملاً، لولا التدخل القوي للبعثة لوقف إطلاق النار، ولحمايته، ولتحصينه لاحقاً.
> كيف تم ذلك؟
- تحصين وقف إطلاق النار تم بعدد من المبادرات التي كانت على الطاولة، وكانت حكومة الوفاق الوطني مترددة في تبنيها، أولا: تغيير لجنة الترتيبات الأمنية في العاصمة، ووضع لجنة قوية مكان اللجنة السابقة، لجنة تمثل مختلف الأجهزة الأمنية. وهناك ممثل للبعثة يحضر كل اجتماعاتها يومياً، وقدمت خطة للسيد السراج وهو تبناها، من دون أي تغيير لأي كلمة فيها، منذ أسبوع، أي يوم الأحد الماضي، كما هي، ونحن بصدد تنفيذها على الأرض. وقد بدأنا ذلك فعلاً، وأيضا من خلال تبني مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية المهمة التي كانت جاهزة منذ شهر يونيو (حزيران) الماضي. وكان هناك نوع من التردد في حكومة الوفاق الوطني في تبينها. لقد تمكنا من تحويل أزمة القتال في طرابلس، إلى فرصة لكي تقوم حكومة الوفاق الوطني بتبني هذه الإصلاحات الاقتصادية، مما أدى إلى أمرين مهمين جداً، يساعدان في تهيئة الأجواء المناسبة للانتخابات، أولا هبوط ملحوظ في أسعار السلع داخل ليبيا، تجاوز أحيانا العشرين أو الخمسة وعشرين في المائة، وثانيا تحسن سعر صرف الدينار الليبي بنسبة تتجاوز الخمسة وعشرين في المائة. هذان الأمران مهمان جدا، لأن الانتخابات يجب أن تجري في وضع اقتصادي ومالي أفضل من الوضع المزري الذي كان قائما قبل تبني هذه الإصلاحات. إذن الترتيبات الأمنية من جهة، والإصلاحات الاقتصادية من جهة أخرى لعبتا دورا كبيراً، أولا في تثبيت وقف إطلاق النار، وثانيا في تحسين الأجواء لكي نذهب مجددا نحو العملية السياسية التي تتضمن فيما تتضمن انتخابات بلدية وانتخابات نيابية، وانتخابات رئاسية.
> هل يوضع في الحسبان وجود مسار عسكري للحل في ليبيا سواء كان هذا المسار العسكري من الداخل الليبي أو بالمساعدة من الخارج؟
- بالنسبة للمساعدة من الخارج، فإن مجلس الأمن الدولي واضح في هذا الموضوع. مجلس الأمن الدولي أولا لن ينشر القبعات الزرق في ليبيا، لأن البعثة هي بعثة عمل سياسي وليست بعثة حفظ سلام. ولذلك نحن نقوم بوقف إطلاق النار ونراقب وقف إطلاق النار، ولكن ليس لدينا قوات لكي نتدخل عسكريا كأمم متحدة في الوضع الليبي. ولا أتوقع حصول ذلك. أما مساعدة من قبل دول، فهذا يحدث. هناك دول تتبنى هذا الطرف أو ذاك في ليبيا، ونحن نعلم ذلك. ولكن هنا أيضا مجلس الأمن واضح، ويُصدِر تقريراً نصف سنوي، يشير إلى التدخلات الخارجية، ويندد بها، ويدعو إلى احترام حظر تصدير السلاح أو المشاركة العسكرية في ليبيا. أما في الداخل الليبي، فلقد جرب الليبيون كثيرا القتال. حصل ذلك سنة 2014 وحصل في مرات سابقة. وتبين، أعتقد، للجميع أنه ليس هناك من طرف قادر على فرض حل عسكري في ليبيا. لذلك حتى الأطراف التي هي عسكرية، نظامية أو غير نظامية، وصلت تدريجياً، أو هي تصل تدريجياً، إلى ضرورة الحل السياسي. ليس هناك من نزاع في العالم لا يتضمن حلاً سياسيا في آخر الأمر. صحيح أن الحل السياسي صعب، لكن لا مناص منه. ولا بديل له. وهناك شبه اقتناع عند كل الأطراف في ليبيا أن هذا هو الطريق الصحيح. لذلك نرى مقترحات سياسية، حتى من قبل كل الأطراف، بما فيها المشير حفتر الذي تقدم بعدد من الاقتراحات، أيضا، لحل سياسي.
> طرابلس تاريخيا دائما في بؤرة الضوء أمام المدن المجاورة لها... هل البعثة الأممية تخشى من تفجر الوضع في أي لحظة ضمن الصراع للسيطرة على العاصمة من بعض قوات تلك المدن؟
- لقد جربت (مدينة) الزنتان أن تستولي على العاصمة، وفشلت. وجربت (مدينة) مصراتة في مرحلة لاحقة، أن تسيطر على طرابلس، وأيضا فشلت. وجربت (مدينة) ترهونة مؤخرا، وأيضا لم تتمكن من ذلك. أعتقد أنه لدى مختلف الأطراف في غرب ليبيا نوع من الشعور المتزايد بأن ليس هناك من طرف بعينه يقدر على أن يستولي على العاصمة، لماذا؟ صحيح أن العاصمة هي «الكيكة» التي يتطلع إليها الكل ولكن طرابلس أولا تضم سكانا من مختلف أنحاء ليبيا، وهناك أعداد كبيرة أصلها من ترهونة، وأعداد كبيرة أصلها من مصراتة، وأعداد كبيرة أصلها من الزنتان، وأعداد كبيرة أصلها من غريان، وأعداد كبيرة أصلها من مناطق أخرى في ليبيا. ثلث الشعب الليبي يعيش حالياً في طرابلس الكبرى. إذن ليس هناك من طرف يقدر على أن يفرض وجوده على مجتمع مثل مجتمع طرابلس الكبرى المتنوع جداً جداً، في أصوله القبلية والجهوية. أنت أمام تحديين متكاملين، وعليك أن تعالجهما معاً: أولاً أنت تريد أن تخفف من سيطرة ميليشيات طرابلس نفسها على أجهزة الدولة والبعثة الأممية كانت نقدية جدا تجاه مسلك ميليشيات طرابلس قبل أن تقوم الحرب الأخيرة في طرابلس في أغسطس (آب). كنا نقديين تجاه المساس بالمؤسسات السيادية، مثل شركة النفط، أو هيئة الاستثمارات الخارجية، وما شابه. كنا ننتقد، وبقوة، وفي مجلس الأمن، وفي تصريحاتي، وبصورة علنية، ننتقد أي تغول من ميليشيات طرابلس على المؤسسات السيادية، وعلى المصرف المركزي، وعلى المصارف، وعلى كل شيء. أنت من جهة عليك أن تخفف تدريجيا، من ضغط الميليشيات الطرابلسية على المؤسسات الحكومية الموجودة في طرابلس، وعليك من جهة أخرى أن تحمي طرابلس من هجوم الأطراف غير الطرابلسية. إذن عليك أن تقوم بعمل متوازن، وهذا هو العمل الذي قمنا به خلال الأزمة الأخيرة. لقد توصلنا مع ميليشيات طرابلس إلى أن تخفف تدريجيا من وطأتها على مؤسسات الدولة، وذلك من خلال إدخال عناصر نظامية تحل مكان الميليشيات في عدد من الأماكن، ومن خلال التهديد بعقوبات على زعماء الميليشيات التي تعدت على المال العام، وعلى المؤسسات العامة، وقد أدى ذلك لاستقالة رؤساء بعض الميليشيات، وإلى إبداء آخرين الاستعداد للانسحاب من المشهد الأمني والسياسي من طرابلس. ومن جهة أخرى أدى ذلك إلى إقناع الميليشيات المُهاجمة أن «الكيكة» لن تكون فقط محصورة بميليشيات طرابلس نفسها، لأننا نحن نحمي المؤسسات الحكومة، لا نحمي تغول الميليشيات الطرابلسية على المؤسسات السيادية. إذن عليك أن تقوم بالعملين معا... أن تحمي مؤسسات الدولة في طرابلس من تغول ميليشيات طرابلس، وأن تحمي طرابلس من العنف الذي يأتيها من الخارج. نحن نعرف أن هناك من يزال يعتقد أن بإمكانه أن يغير الأمور بالقوة. لذلك قلنا، وأقول لك اليوم، بصريح العبارة، إننا لن نعترف بأي طرف عسكري يدخل إلى طرابلس بالقوة ويمس الحكومة القائمة بالقوة. نحن نقبل بتغيير الحكومة ونقبل بتغيير أعضاء المجلس الرئاسي، ولا نتمسك بأي شخص بعينه، ولكن لا نقبل بتفكير انقلابي أو بتفكير أن تأتي مدينة أو أن تأتي ميليشيا من خارج طرابلس، وتغير الأوضاع السياسية بالقوة. لن نعترف بهذا الأمر. لكن إن قام تفاهم جديد على أشخاص جدد في الحكومة، أو في المجلس الرئاسي، فنحن نشجع ذلك، لا مشكلة لدينا، لكن بطرق سلمية ومن خلال رضا المجلسين (مجلس الدولة، ومجلس النواب)، وليس باستعمال القوة كما فكر البعض، ونحن قمنا بدورنا لمنعهم من المساس بحكومة الوفاق الوطني بالقوة. إن شاءوا أن يغيروا أشخاصا بعينهم في تلك الوزارة أو في المجلس الرئاسي، فبالطريقة السلمية، هذا ممكن ونحن ندعو إليه، ولكن ليس بطريق العنف. وأقول، وأردد للذي يريد أن يقتحم طرابلس، إننا لن نقبل باقتحام العاصمة، ونقول لمن هو في طرابلس، إننا لن نقبل المساس بالمؤسسات السيادية داخل طرابلس. الأمران معا.
> يتردد أنه خلال الفترة الأخيرة كانت هناك ممارسات تقول إن المجلس الرئاسي منحاز بشكل فيه قدر كبير من السفور إلى ميليشيات طرابلس، وأنه قام بترقية بعض المنتسبين للميليشيات إلى رتب نظامية، وتم تغيير وزير الداخلية، ووزراء آخرين. أريد أن أقول إنه يبدو أن هناك ضغطا كبيرا من الميليشيات الطرابلسية على اتفاق الصخيرات، وعلى رئيس المجلس الرئاسي، وعلى حكومة الوفاق. هل ترى هذا؟ هل لاحظت هذا؟
- كان هناك أكثر من ذلك. كانت هناك عمليات ابتزاز من بعض ميليشيات طرابلس على المؤسسات، وعلى الحكومة، وعلى المصارف. وخُطف عدد من الشخصيات، كمديري المصارف، وتم اعتقال تعسفي ضد عدد من الناس، وتمت ترقيات غير مقبولة، لأنها مفروضة، ودخلت عدد من الميليشيات إلى صلب الوزارات. ما نحن نقوم به منذ أحداث طرابلس (في أغسطس) هو تنقية هذا الأمر. وبالتالي فنحن ننظر إلى ما حصل منذ ذلك الحين، كعملية تصحيح لما كان يحصل في الأشهر التي سبقت الاقتتال. مثلا أنَّ كل أعضاء لجنة الترتيبات الأمنية الجديدة، هم ممن عينوا بالتجاهل لأصولهم الجهوية، ولكن فقط بالنظر إلى وظيفتهم. لجنة الترتيبات الأمنية كلها من ضباط نظاميين، من مصراتة، من طرابلس، من الزاوية، ومن أماكن أخرى، فقط بسبب وظيفتهم، وليس لأن الميليشيات فرضتهم. في التعديل الحكومي الأخير جاء وزير للداخلية من مصراتة، للقول أيضا إن من وظيفة حكومة الوفاق الوطني، أن تمثل مختلف أطراف البلاد. إذن نحن نعتقد أننا في طور تنقية الوضع غير الصحي الذي كان قائما قبل 27 أغسطس الماضي، عندما بدأ الاقتتال. في ذلك الحين كان هنالك ضغط عسكري على طرابلس من خارجها وضغط على الدولة من داخل طرابلس. نحن نعمل على تخفيف الضغطين. وهذا لن يحصل بين ليلة وضحاها. هذا يتطلب عملا يوميا، مثلاً لجنة الترتيبات الأمنية تجتمع كل يوم، وهناك شخص من البعثة (الأممية) موجود كل يوم يساهم في وضع الأجندة ويساهم في عمل هذه اللجنة. نحن نعمل على بناء دولة. وليس للسماح لا لميليشيات طرابلس، ولا لميليشيات غير طرابلس أن تكون لها اليد الطولى على الدولة الجديدة.



نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

فتحت الجماعة الحوثية جبهة توتر جديدة مع قبيلة خولان، إحدى أكبر القبائل المحيطة بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في وقت تزداد فيه مؤشرات الاحتقان الشعبي، واتساع رقعة الفقر والتذمر في مناطق سيطرتها، على خلفية محاولات انتزاع قطعة أرض استراتيجية تمهيداً لبيعها لصالح أحد التجار المقربين من الجماعة.

ويأتي هذا التطوُّر بالتزامن مع استمرار التوتر بين الحوثيين وقبيلة دهم في محافظة الجوف، إثر اعتقال أحد وجهاء القبيلة، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والقبائل النافذة، مع اتساع دائرة الاعتراضات على سياسات الجماعة الاقتصادية والأمنية.

وقالت مصادر قبلية إن علي حسين الحوثي، نجل مؤسِّس الجماعة، الذي يدير وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، ويشرف كذلك على جهاز استخبارات الشرطة، طلب من وجهاء قبيلة خولان الموافقة على انتزاع أرض تتبع الجمعية التعاونية الخاصة بالقبيلة، غير أنَّ طلبه قوبل برفض واسع.

وجهاء قبيلة خولان رفضوا الانصياع للتوجيهات الحوثية (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أنَّ الأرض المستهدَفة تقع في موقع تجاري حيوي بصنعاء، وتطلُّ على 3 شوارع رئيسية، وكانت الجماعة قد حاولت في وقت سابق بيعها لأحد التجار المنحدرين من محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لكنها فشلت في تمكينه منها، قبل أن تعاود ممارسة الضغوط عبر علي الحوثي، الذي توسَّعت صلاحياته أخيراً بدعم مباشر من عمه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر، حاول علي الحوثي الظهور بصفة وسيط لإقناع وجهاء خولان بإتمام الصفقة، إلا أنَّ غالبية الوجهاء رفضوا المقترح، مؤكدين أنَّ الأرض تُعدُّ ملكيةً عامةً تعود لمساهمي الجمعية التعاونية، ولا يحقُّ لأي جهة التصرُّف بها أو بيعها.

رفض للتعسف

مع تصاعد الضغوط الحوثية، عقدت قبائل خولان الطيال، التابعة لمحافظة صنعاء، اجتماعاً تشاورياً، اتهمت خلاله قيادات الجماعة بمحاولة الاستيلاء على الأرض عبر إجراءات، قالت إنَّها تفتقر إلى أي مشروعية قانونية أو عرفية.

وأكد المجتمعون أنَّ وثائق الملكية تثبت شراء الأرض قبل أكثر من 50 عاماً من مساهمات أبناء القبيلة، لتكون مشروعاً تنموياً عاماً يخدم المنطقة وأهاليها، وليس ملكية خاصة قابلة للتصرُّف.

وجدَّدت القبائل رفضها المطلق لأي إجراءات تتعلق ببيع الأرض أو نقل ملكيتها، وعدَّت أنَّ أي خطوات بهذا الاتجاه تعدُّ باطلة شرعاً وقانوناً وعرفاً، لصدورها عن جهات لا تمتلك صفةً قانونيةً أو تفويضاً يخولها التصرف بالأرض.

كما أقرَّ الاجتماع تشكيل لجنة قانونية لمتابعة القضية والتواصل مع الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والعرفية اللازمة لحماية الأرض، ومنع أي استحداثات تمس وضعها القانوني.

الخلافات تتصاعد بين قبيلة دهم والحوثيين (إعلام محلي)

ودعت قبائل خولان مشايخها وعقالها وأعيانها إلى التكاتف للحفاظ على وحدة القبيلة وحقوق الأجيال المقبلة، وعدم السماح باستغلال الأرض لخدمة مصالح خاصة، في وقت تزداد فيه المخاوف من تفاقم التوتر بين القبائل والجماعة الحوثية.

ويرى مراقبون أنَّ توسُّع نفوذ علي الحوثي داخل أجهزة الأمن والاستخبارات يعكس توجهاً داخل الجماعة لإحكام السيطرة على الموارد والعقارات الحيوية، خصوصاً في العاصمة صنعاء، وسط أزمة اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستويات المعيشة.

انتقادات من الداخل

في السياق ذاته، شنَّ الأكاديمي إبراهيم الكبسي، المنتمي إلى السلالة الحوثية، هجوماً لاذعاً على إدارة الجماعة، عادّاً أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، بعدما حوَّلت المواطنين إلى مموِّلين لحروبها، بدلاً من أن تكون راعيةً لهم وحاميةً لحقوقهم.

وقال الكبسي: «إن الشعارات لا تبني دولاً، والحروب لا تُطعم شعوباً، والسلطة حقوق تُؤدَّى قبل أن تكون واجبات تُؤخَذ، والحكم سياسة رصينة لا مغامرات عقيمة، والمسؤولية عقل يبني لا سيف يفني».

القمع الحوثي اشتد مع اتساع صلاحيات نجل مؤسس الجماعة (إعلام محلي)

وأضاف أن سلطة الحوثيين «تطلب من شعبها أن يدفع ثمن حروبها من لقمة عيشه»، ثم تشتكي من شح الموارد وضيق الإمكانات.

ورأى الأكاديمي، الذي سبق أن تعرَّض للاعتقال والاعتداء من قبل الجماعة، أنَّ طريقة إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم تكشف عجزهم عن إدارة الدولة بمسؤولية، مؤكداً أن «الدولة الحقيقية هي التي تفتدي شعبها بالسلام، لا التي تضحي به في حروب وصراعات لا تنتهي».


اليمنيون تحت وطأة الأوبئة بمناطق سيطرة الحوثيين

المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
TT

اليمنيون تحت وطأة الأوبئة بمناطق سيطرة الحوثيين

المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)

كشفت مصادر طبية يمنية عن تفشي موجة جديدة من الأوبئة في مناطق عدة خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، في مقدمها «الكوليرا» و«الإسهالات المائية» ومختلف أنواع الحُميات، وسط تحذيرات من كارثة صحية تهدد ملايين السكان، في ظل الانهيار المستمر للقطاع الصحي وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي.

وأفادت المصادر بظهور تقارير وبلاغات يومية تُسجل مئات الإصابات بالحُميات وحالات الاشتباه في الكوليرا والإسهالات الحادة بعدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة، وسط عجز متصاعد عن توفير الرعاية الصحية، واتهامات للحوثيين بمواصلة استهداف القطاع الصحي، وعدم تنفيذ حملات استجابة طارئة تحد من تفشي الأمراض وتوفر بيئة صحية مناسبة للسكان.

ووفق تقارير طبية، فإن معدلات الإصابة بهذه الأمراض تشهد ارتفاعاً متسارعاً خلال الأشهر الأخيرة، مع تسجيل آلاف الحالات المشتبه فيها بمحافظات: صنعاء، وحجة، والحديدة، وإب، وعمران، وذمار.

الحوثيون يواصلون إخفاء أرقام ضحايا الكوليرا بمناطق سيطرتهم (أطباء بلا حدود)

ويؤكد أطباء وعاملون صحيون أن تدهور شبكات المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات، وغياب الرقابة الصحية، أسهمت جميعها في اتساع رقعة انتشار الأوبئة، بالتزامن مع نقص حاد في الأدوية والمحاليل الوريدية والمستلزمات الطبية الأساسية.

ولفت هؤلاء إلى أن غالبية المرافق الصحية باتت عاجزة عن استيعاب الأعداد المتصاعدة من المرضى، خصوصاً الأطفال وكبار السن؛ في ظل انقطاع المرتبات، وهجرة الكوادر الطبية، وتراجع الدعم الإنساني الدولي، فضلاً عن استمرار تخصيص الجماعة عدداً من المستشفيات لخدمة أتباعها.

ويُعدّ اليمن من أعلى دول العالم تضرراً من وباء الكوليرا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تسبب الانقلاب والحرب المستمرة منذ سنوات في انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية والخدمية؛ مما جعل ملايين السكان عرضة للأوبئة والأمراض المُعدية.

3 آلاف إصابة

في تقرير حديث، كشفت «منظمة الصحة العالمية» عن تسجيل أكثر من 3 آلاف حالة جديدة مشتبه في إصابتها بالكوليرا والإسهال المائي الحاد في اليمن خلال الربع الأول من العام الحالي، في مؤشر على استمرار تفشي الوباء وتداعياته الصحية على السكان.

ورصدت المنظمة نحو 3177 حالة إصابة مشتبه فيها منذ مطلع يناير (كانون الثاني) وحتى نهاية مارس (آذار) الماضيين، إلى جانب 3 حالات وفاة مرتبطة بالوباء خلال الفترة نفسها.

الحوثيون متهمون بتسخير موارد القطاع الصحي للمجهود الحربي (أطباء بلا حدود)

ووفقاً للتقرير، فقد حل اليمن في المرتبة الـ5 عالمياً من حيث عدد الإصابات المسجلة بالكوليرا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، كما جاء ثانياً على مستوى إقليم شرق المتوسط بعد أفغانستان من حيث عدد الإصابات والوفيات.

وشهد شهر مارس الماضي وحده تسجيل 969 إصابة جديدة، بينها حالتا وفاة، ليصبح اليمن رابع أعلى دولة عالمياً من حيث عدد الحالات الجديدة المسجلة خلال ذلك الشهر.

مخاوف من موجة وبائية

يخشى مراقبون وعاملون في القطاع الصحي اليمني من تحوّل الوضع موجةً وبائيةً واسعةً مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وهي ظروف تهيئ بيئة مناسبة لانتشار الأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة.

ودعت منظماتٌ إنسانية المجتمعَ الدولي إلى التدخل العاجل لدعم القطاع الصحي في اليمن، وتوفير التمويل اللازم لبرامج مكافحة الكوليرا وتحسين خدمات المياه والإصحاح البيئي، محذرة بأن استمرار الحرب، والأزمة الإنسانية، يزيدان من تعقيد جهود احتواء الوباء والسيطرة عليه.

ويتزامن ذلك مع مواصلة «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» تقديم دعمه للقطاع الصحي في اليمن عبر برامج طبية وإغاثية؛ تستهدف تعزيز الخدمات الصحية والحد من انتشار الأوبئة في المناطق الأكبر احتياجاً.

ووفق تقارير محلية، فقد شهدت الفترة ما بين 25 و31 مارس 2026 تقديم خدمات طبية وإغاثية لأكثر من 10 آلاف و466 مستفيداً، ضمن جهود مشتركة من «مركز الطوارئ لمكافحة الأمراض الوبائية» بمحافظة حجة، و«مشروع الاستجابة العاجلة لمكافحة الكوليرا» في عدد من المحافظات اليمنية.


أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended