جماليات التوازي بين فنيّ التصوير والشعر

ممدوح شهبة يكشف العلاقة بينهما عبر المنمنمات الإسلامية

جماليات التوازي بين فنيّ التصوير والشعر
TT

جماليات التوازي بين فنيّ التصوير والشعر

جماليات التوازي بين فنيّ التصوير والشعر

سعى الفنان التشكيلي الدكتور ممدوح شهبة في كتابه «القيم الجمالية والتعبيرية في منمنمات المنظومات الخمسة» إلى تقديم دراسة نقدية وتحليلية لمنمنمات التصوير الإسلامي والخاصة بالتعبير عن موضوعات قصائد «المنظومات الخمسة» للشاعر الفارسي نظامي الكنجوي، الذي ولد في كنجه بإقليم آران الأذربيجاني عام 539 هجرية، وتوفي قبل أن يتم السبعين من عمره، ودفن في مسقط رأسه.
ومن خلال ذلك، حاول شهبة ضمن فصول كتابه الذي صدر مؤخراً عن المجلس الأعلى للثقافة بمصر، الكشف عن قيم التوازي والالتقاء بين فني التصوير والشعر، واستخلاص نظرية الجمال والتعبير في الفن الإسلامي من واقع العقيدة والفكر الصوفي.
وتتبع المؤلف، الذي توفي قبل صدور كتابه بعدة أعوام، أثر مثنويات الشعر الفارسي في التصوير الإسلامي من خلال مدرستين، الأولى نشأت في مدينة تبريز بين سنتي «946 - 950»، ووثائقها محفوظة في مكتبة المتحف البريطاني تحت رقم «2265»، والثانية في أصفهان، وتم إنجازها بين عامي «1029 - 1033»، وجميعها محفوظة ضمن وثائق المكتبة القومية الفرنسية، دارساً أبعادها الأدبية، والثقافية، والتشكيلية، والرياضية، فضلاً عن أثر الفكر الفلسفي والرياضي لفلسفة الإحداثيات في الهندسة التحليلية في تصميم تلك المنمنمات.
وهو يرى في كتابه أن مفهوم الجمال ارتبط في أعمال الفن الإسلامي بثقافة الفنان المسلم النابعة من عقيدته، ما جعله يسعى إلى تحقيق التوازن بين حياته وآخرته، وهي ما يمكن تسميته بالواقعية الميتافزيقية، التي تعكس مفهوم الموائمة بين الجمال الظاهر، ونظيره الباطن، وجعلت «المنمنمات» صنواً للشعر، حيث امتزجت بالتصوير في علاقة حميمية ظهرت آثارها الجمالية في إبداعها، بعدما ارتقت إلى المستوى الفني والجمالي لنظم الشعراء، واستحالت معادلاً بصرياً لما أبدعوه من قصائد.
واشتمل الكتاب، الذي تضمن خمسة فصول وعدداً من الملاحق، على 381 صورة تنوعت بين المنمنمة والشكل البياني، فضلاً عن الخرائط والأغلفة الداخلية، والوحدات الأرابيسكية، والمحاور الدائرية والمنحنيات العرجونية.
وفي الفصل الرابع «المنظومات الخمسة وتصويرها الصفوي»، تعرض شهبة لموضوعات كل منظومة، بدءاً من «مخزن الأسرار»، وقدم شهبة دراسة تحليلية لمنمنمات «المعراج»، و«كسرى آنوشروان ووزيره ينصتان لحديث البومتين»، و«شكوى المرأة العجوز للسلطان سنجر»، و«الحكيمان المتنازعان»، وذكر أن الفنان الذي أبدعها سعى لتجسيد المضمون الروحي والأدبي في القصائد، فجعل الصورة تشع إيحاء بالحركة، ما يجعل المشاهد يلمح في الصور ضوءاً مبهجاً، وقد برع الفنانون في تصوير ما فيها من جلال وقدسية، وتجلت قدرتهم في سعة خيالهم، وقد جسدوا المشاهد الروحية واقعاً، وحققوا في الصور البهجة والفرحة والسعادة، فضلاً عما يشعر به المتأمل فيها من متعة روحية، وقد بدا ذلك في الألوان التي استخدموها في كامل نضارتها، والعلاقة المتوازية بينها وبين الخطوط، وتناسب أجزاء كل منمنمة، وقد حقق كل ذلك ترابطاً مثالياً في العلاقات الشكلية وعلاقة كل جزء بالآخر.
وأشار شهبة إلى أن المنمنمات تجلت فيها قدرة الفنان المسلم على استخلاص الجمال من الطبيعة، ثم إحالته إلى جمال فني، عكس من خلاله ولعه بحب الحياة، وقد مزج فيها بين الواقع والخيال مزجاً يوحي بدلالات أسطورية، وحقق قدراً من وقائع المجتمع والحياة، وما يحدث فيهما من ظلم وخراب، ورغم ذلك بث الفنانون في منمنماتهم أجواء من الشاعرية تجلت في الانتقالات الضوئية للألوان، وفي طزاجتها، وانسجامها، لتشعر متلقيها بمتعة بصرية وفيض غير قليل من العاطفة.
ولفت شهبة إلى أن الخطوط الموجية في بعض المنمنمات أتاحت في حركتها الانسيابية انتقالاً سهلاً للرؤية البصرية، من جزء فيها لآخر، ما حقق ثراءً فنياً، وتنوعاً في الإيقاع، وجاء تكرار بعض الوحدات بتشكيلاتها الأرابيسكية ليضفي قدراً من الحيوية على عناصر تشكيل المنمنمات.
ففي منمنمة «الحكيمان المتنازعان» التي تعود إلى عصر الشاه طهماشب بين عامي «946 - 950»، تتجسد مشاعر الغيرة والحقد في النفس البشرية، وحب الإنسان للزهو والانتصار على خصومه حتى لو أدى الأمر إلى قتله، وهذه المنمنمة منسوبة للمصور أغاميرك، وقد استطاع استلهام القصة، وجسد النزاع بين الحكيمين، لتنطق الصورة بشاعرية تشد العين للمتأمل في مضمون القصيدة، وقد تجلت قدرة الرسام في تناسق ألوانه، وانسجامها، وفي المزاوجة بين التوريقات النباتية في الأشجار، التي احتوت خلفية المشهد، والتشكيلات الهندسية لموقع النزاع، والكتابات الخطية لأبيات من القصيدة، جمل بها باب الحديقة والجوسق، ليحقق في منمنمته ثراءً فنياً، جعلها، رغم موضوعها، تفيض بالبهجة، والمتعة البصرية والجمالية، ليستحوذ من خلال تفاصيل اللوحة على عاطفة المتأمل لها، ويحرك في نفسه جدلاً ممزوجاً بالحيرة والتساؤل.
وفي القسم الثاني من الفصل الرابع، عرض شهبة تحليلاً شاملاً لـ«منمنمات منظومة خسرو وشيرين»، وتحتوي على اثنتي عشرة منمنمة، من بينها «خسرو يفاجئ شيرين وهي تستحم»، و«خسرو يصرع أسداً»، و«شابور يوضح لشيرين قصة خسرو صاحب الصورة» و«المعركة بين خسرو وبهرام جوبين» و«ذهاب خسرو لرؤية شيرين وحديثها معه من شرفة القصر» و«اغتيال خسرو»، وهذه المنمنمة الأخيرة منسوبة لأسلوب المصورين رضا عباسي وحيدر نقاش. وهي تمثل، حسب شهبة، مشهد النهاية لقصة عشق خسرو وشيرين، وتعتبر من المنمنمات بالغة الدلالة، في التعبير عن النفس البشرية ورغبتها في التملك التي تمتزج في أحيان كثيرة بقدر من الخيانة والغدر والفجور. وقد تحقق فيها من التعبير الفني لمشهد الاغتيال المأساوي، إذ برع الفنان في تصوير الموقف بلون الدم، وفي تكنيك بالغ الدلالة، جعل فيه السيادة للون الأحمر بدرجاته، ليحقق بذلك توازناً رمزياً، ويعادل ما ورد في القصيدة من صورة شعرية وما جسده رسماً، أضفى من خلاله الطابع السكوني للخطوط الرأسية والأفقية، المتعامدة في البناية، تعبيراً عن حال الحراس النائمين في ثبات عميق، فيما الملك نائم في مخدعه وبجواره زوجته شيرين.
وذكر شهبة أن الخطوط الموجية في منمنمة «اغتيال خسرو» أضفت معادلاً بصرياً لإيحاء حركي يجعل المشاهد يقف في قلب الحدث، وقد أراد المصور أن يعيد له قدراً من التوازن النفسي، يصرفه عن المأساة، ويبث في روحه شيئاً من الهدوء والسكينة، فأشاع في المنمنمة نوعاً من البهجة في تشكيل فني جميل، مزجه بحالة من الشاعرية، تجلت في هندسيات أرابيسكية، وتنميقات رقيقة لجوسق سطح المبنى، ومقر خسرو ومخدعه، على حين اشتمل الجانب الأيمن من المنمنمة على توريقات نباتية بديعة لشجرة الدلب، وزهور الحديقة، ما حقق توازناً تشكيلياً وتماسكاً وثيقاً بين مصراعي اللوحة.



تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
TT

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)

زيّن تمثال للشاعر المصري الراحل فؤاد حداد «بيت الشعر العربي» في القاهرة (بيت الست وسيلة)، بعد أن أزاح المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، الستار عن التمثال الذي أهداه لـ«بيت الشعر» الفنان المصري أسامة السروي.

جاء إهداء التمثال ضمن فعاليات صالون أحمد عبد المعطي حجازي الذي يقام في «بيت الشعر العربي»، وسط حضور كبير من الشعراء والمبدعين ومحبي الشعر في أمسية حملت عنوان أحد رواد شعر العامية المصرية «في حضرة فؤاد حداد» حضرها نخبة من الشعراء من بينهم أحمد عبد المعطي حجازي والشاعر أمين فؤاد حداد.

ويعد فؤاد حداد (1927 - 1985) من آباء شعراء العامية المصرية، ويأتي هذا التمثال تقديراً لقيمته بوصفه أحد أبرز رموز قصيدة العامية المصرية، وصاحب تجربة إنسانية ووطنية أسهمت في تشكيل ملامح الشعرية المصرية الحديثة، وتركت أثراً ممتداً في الوجدان الثقافي، وفق بيان لوزارة الثقافة، الاثنين.

احتفال في «بيت الشعر العربي» بتمثال فؤاد حداد (وزارة الثقافة)

ولد فؤاد حداد بحي الظاهر بالقاهرة لأب لبناني وأم سورية، وتعلم فى مدرسة الفرير ثم مدرسة الليسيه الفرنسيتين، واطلع على التراث الشعرى فى الكتب الموجودة بمكتبة والده، كذلك تعرف على الأدب الفرنسى، إثر دراسته للغة الفرنسية، مما أهله لبعض الترجمات الفرنسية، ويعد من رواد القصيدة العامية المصرية، وهو الجيل التالي في قصيدة العامية المصرية بعد بيرم التونسي.

كتب فؤاد حداد العديد من الدواوين الشعرية والأغاني التي قدمها عدد من المطربين، من أهم أعماله «المسحراتي» التي تغنى بها سيد مكاوى عام 1964، وكتب البرنامج الإذاعي «من نور الخيال وصنع الأجيال»، كما قدم لسيد مكاوي أيضاً أغنية «الأرض بتتكلم عربي»، فيما غنى له العديد من المطربين من بينهم محمد منير «الجيرة والعشرة»، وحنان ماضي «ما فيش في الأغاني كده ومش كده»، و«يالعروسة» و«صلينا الفجر فين» لعلي الحجار. وعرف بروحه المصرية الأصيلة واستلهامه التراث في الكثير من أعماله.

وقال المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية، إن إهداء تمثال فؤاد حداد لـ«بيت الشعر العربي» يحمل دلالة ثقافية عميقة، خصوصاً في هذا المكان التراثي الذي يجمع بين الفنون المختلفة ويحتفظ بقيمة معمارية وثقافية تتجاوز حدود المكان.

الفنان أسامة السروي يهدي «بيت الشعر» تمثالاً لفؤاد حداد (وزارة الثقافة المصرية)

وعدّ السطوحي «الالتقاء في هذا الفضاء بين الشعر بوصفه أحد الفنون، وبين التمثال الذي ينتمي إلى فن النحت، وبين جدران معمار تراثي قيم، يعكس طبيعة العلاقة التكاملية بين الفنون في التعبير عن روح الثقافة».

وأعلن الدكتور أسامة السروي أن تنفيذ التمثال استغرق أربعة أشهر، مؤكداً اعتزازه به لما يمثله فؤاد حداد من قيمة إبداعية استثنائية بالنسبة له.

وقال الشاعر سامح محجوب، مدير «بيت الشعر العربي»، إن فؤاد حداد حالة استثنائية في شعر العامية المصري، وهو من الآباء الكبار لفن الشعر، وجاءت أشعاره دائماً تمس نبض الشارع والبسطاء، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الاحتفاء بفؤاد حداد وإهداء تمثال له لـ«بيت الشعر العربي» يدل على القامة الكبيرة التي يمثلها هذا الشاعر في الحركة الشعرية المصرية، على كافة المستويات، سواء الفنية أو الأسلوبية، أو حتى على مستوى الوزن والقافية والصور الجديدة النابضة بالحياة.


«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
TT

«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)

انتقدت «لجنة الدراما» بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمصر، إقحام حياة الفنانين الشخصية في مسلسلات رمضان، إذ رصدت اللجنة عدداً من سلبيات بعض الأعمال التي وقعت في فخ إقحام حياة الفنانين ضمن السياق الدرامي، واستخدام الحوار في بعض المسلسلات لتبادل رسائل مبطنة، إلى جانب وجود مشاهد عنف غير مبررة درامياً.

وجاء بيان «لجنة الدراما»، الأحد، بالتزامن مع جدل «الأكثر مشاهدة»، و«التلاسن العلني»، بين بعض نجوم مسلسلات الموسم الرمضاني خلال الأيام الماضية، الذي تسبب في أزمة كبيرة انتقدتها نقابة «الممثلين» المصرية، ووصفتها بأنها «حالة تراشق»، و«مهاترات»، و«معارك وهمية» غير لائقة، هدفها السعي وراء «الترند»، وأن مثل هذه السلوكيات لا تليق بتاريخ ومكانة الفن المصري.

من جانبها، قالت رئيسة «لجنة الدراما»، الكاتبة والناقدة الفنية المصرية ماجدة موريس، إن اللجنة رصدت وجود بعض مشاهد من مسلسلات درامية تم إقحام حياة الفنانين فيها دون مبرر، حيث تبين أنها رسائل شخصية يتم تمريرها لأطراف أخرى، وذلك لأول مرة في تاريخ الدراما التلفزيونية التي بدأت منذ ستينات القرن الماضي.

وأكدت ماجدة موريس في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «الدراما يجب أن تكون بعيدة عن الحياة الشخصية، وأن تكون قائمة على سيناريو وكتابة جيدة، لأن المشاهد لا يشغله سوى الحكاية المحكمة التي تحتوي على رسالة توعوية أو محتوى ترفيهي».

وعدّت ما يجرى «مسؤولية فريق العمل كافة بداية من الكاتب والمخرج والمنتج، وغيرهم، ويجب الانتباه إلى هذه النقطة، وتجنب إقحام الحياة الشخصية، كما يجب على النجوم أنفسهم الانتباه لذلك، وتجنب الترويج لحياتهم على حساب الدراما».

جانب من اجتماع لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (فيسبوك)

وتعليقاً على أزمة «الأكثر مشاهدة»، أكدت ماجدة موريس أن الصراع الذي يجري على «السوشيال ميديا»، خلفه فرق إلكترونية تعمل على ترويج بعض المسلسلات، وأن «الأرقام التي يتم الإعلان عنها ليست دقيقة ولا تعكس الواقع، كما أن المشاهد نفسه لا يشغله هذه الصراعات، بل القصة الدرامية الجيدة»، على حد تعبيرها.

وأصدرت «لجنة الدراما» بيانها، عقب مناقشة أعمال النصف الأول من موسم رمضان، لافتة إلى وجود طفرة في عناصر الإنتاج الدرامي، مثل الديكور والتصوير والموسيقى التصويرية والإضاءة والمونتاج.

وأشادت اللجنة بتوجه عدد من المسلسلات إلى إعلاء قيمة اللجوء إلى العدالة في إطار قانوني، من بينها «عين سحرية»، و«الست موناليزا»، و«وكان يا ما كان»، و«حد أقصى»، بعد أن كانت ظاهرة «أخذ الحق باليد»، قد انتشرت في مواسم درامية سابقة، كما أشادت اللجنة بتناول الأعمال الدرامية لقضايا وطنية وقومية واجتماعية، وأبرزها القضية الفلسطينية، عبر مسلسل «صحاب الأرض».

وأشارت اللجنة في بيانها، إلى وجود ضعف في بعض السيناريوهات، خصوصاً في الأعمال التي تمتد إلى 30 حلقة، إلى جانب انتشار ظاهرة الكتابة أثناء التصوير، وضغط الوقت وسرعة وتيرة التصوير للحاق بمواعيد العرض، مما أدى إلى وقوع عدد من الأخطاء التقنية والتنفيذية.

ولفتت اللجنة إلى غياب واضح للأعمال المكتوبة عن «الروايات»، و«الأعمال الأدبية»، إلى جانب غياب الأعمال الكوميدية المتميزة.

من جهته، أكد الناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الدراما حالياً تعاني من ظاهرة «الترند»، حيث يحاول الجميع أن يكونوا في الصدارة، وأن ما يحدث في الوقت الحالي لم يكن في السباق؛ بل كانت المسلسلات الجيدة تحظى بالاهتمام دون الحاجة إلى اللجوء لمثل هذه الأمور غير المبررة.

وأضاف الجمل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض الأعمال الدرامية حالياً تعاني من تخبط كبير، حيث يتم اختراع أخبار وقضايا، وتسريب فيديوهات، وصراعات لتصدر (الترند)، وغياب المؤلف الحقيقي هو السبب في هذه الحالة».


أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
TT

أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)

رحل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً، نتيجة تدهور حالته الصحية. ولم يحضر جنازته سوى قلة من زملائه. فكتب المنتج إيلي معلوف، الذي كان من بينهم: «لا أعرف ماذا أكتب... عجبي أم عتبي؟ أين الوفاء لمن صنع هوية الدراما التاريخية، وصنع أبطالاً على المسرح والخشبة؟ وفي مأتمه ستة أشخاص».

ويُعدُّ غندور أول من كتب حلقة تلفزيونية لبنانية مدتها ساعة ونصف الساعة، ضمن سلسلتي «كانت أيام» و«أديب وقصة». وقد تجاوزت أعماله المائة، بين مسلسلات تلفزيونية وأعمال مسرحية وإذاعية وسينمائية، فضلاً عن أعمال وثائقية عُرضت على شاشات لبنانية وعربية. وطبع الشاشة الصغيرة بأعمال درامية حفرت في ذاكرة اللبنانيين، وأسهم في صناعة نجوم الزمن الجميل للدراما، من بينهم أنطوان كرباج، ونبيه أبو الحسن، وفيليب عقيقي، وإيلي صنيفر.

كتب غندور حبكات درامية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأرض الوطن، وصبغ مؤلفاته بتاريخ لبنان، ناقلاً وقائع من ذاكرته الاجتماعية والسياسية إلى الشاشة، ومحوَّلاً أحداثاً مفصلية إلى حكايات إنسانية قريبة من الناس.

سبق وكرّمته وزارة الإعلام بجائزة «رائد الدراما التاريخية» (فيسبوك)

كما عُرف بقدرته على مزج التاريخ بالدراما، فاستعاد في نصوصه محطات من التراث اللبناني وسِيَر شخصيات تركت بصمتها في المجتمع. وكان حريصاً على تقديم أعمال تُبرز الهوية اللبنانية وتوثِّق تفاصيل الحياة اليومية للناس، فبدت نصوصه أشبه بمرآة تعكس تحوّلات المجتمع وتقلباته عبر العقود. ومن أشهر مؤلفاته «بربر آغا»، و«أخوت شاناي»، و«أربع مجانين وبس»، و«رصيف البارزيانا» وغيرها. كما قدَّم للمسرح أكثر من عمل، بينها «طانيوس شاهين»، و«المير واستير»، و«القبقاب». وكانت له تجربة سينمائية لافتة من خلال فيلم «كلنا فدائيون» عام 1969.

وفي مسلسل «دويك»، من بطولة الراحل عبد الله حمصي المعروف بـ«أسعد»، حفظ اللبنانيون تحية هذه الشخصية الريفية الشهيرة للعاصمة: «صبّحِك بالخير ستنا بيروت».

نقيب الممثلين نعمة بدوي، الذي كانت تربطه علاقة وطيدة بالراحل، أشار في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه لا يمكن توجيه العتب لمن غابوا عن جنازة غندور. وقال: «في ظل الحرب التي يشهدها لبنان لا أستطيع لوم أحد لعدم مشاركته في وداع كاتب رائد. لكنني أحمل في قلبي غُصَّة لأنه رحل في جنازة خجولة بحضور محدود وغياب رسمي. فأنطوان غندور كان سيِّد النص الدرامي التاريخي على الشاشة والخشبة، وعرف كيف ينقل تاريخ لبنان إلى أجيال متعاقبة بأسلوب سلس ومشبَّع برائحة التراب. وكان يجدر بنا تقديره بما يليق بقامته الفنية. لكن البلاد برمتها منشغلة بالحرب، كما أن رحيله جاء على عجل، حتى إن ولديه لم يتمكنا من الوصول إلى لبنان لوداعه، إذ يقيمان في دول الخليج».

رحيل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً (فيسبوك)

وكان الراحل أنطوان غندور قد ابتعد في السنوات الأخيرة عن الساحة بسبب تدهور حالته الصحية. وفي آخر ظهور له، خلال تكريمه من قبل «التجمع الوطني للثقافة والبيئة والتراث» في ديسمبر (كانون الأول) 2025، بدا متعباً وجالساً على كرسي متحرك أثناء تلقيه درعه التكريمي على خشبة مسرح جوزيف أبو خاطر.

ويستذكر النقيب نعمة بدوي مشواره مع الكاتب الراحل قائلاً: «تربطني به علاقة وثيقة. وكان أول من كسر حاجز بيروت الشرقية والغربية عندما طلب مني أداء بطولة مسرحية (المير واستير). يومها تعرَّض لانتقادات لأنه اختار ممثلاً من غير بيئته لتجسيد دور الأمير بشير الشهابي. لكنها كانت خطوة جريئة منه، اعتبرها جسراً لإعادة التواصل بين البيروتَين (بيروت الشرقية وبيروت الغربية) في فترة الحرب».

وُلد غندور في بلدة عين علق المتنية عام 1942، ومنذ طفولته المبكرة مال إلى القراءة والكتابة. ولم يكن قد بلغ العشرين من عمره عندما فقد والدته جميلة مراد. درس في مدرسة في جونية قبل أن ينتقل إلى جامعة الحكمة، حيث تابع دراسة علم النفس لعامين. تزوّج من زينب عازار ولهما ولدان، فادي وكريستيان. ومن أولى كتاباته سلسلة القصص «تحت شجرة الزيزفون».

نال جوائز عدة عن أعماله، بينها «صدفة» عام 2003 من بطولة تقلا شمعون، وبيار داغر، كذلك مسلسل «سقوط زهرة البيلسان» من بطولة إبراهيم مرعشلي، وجلنار شاهين، وفيليب عقيقي، وإخراج إيلي سعادة. وحاز عنه أيضاً جائزة التلفزيون الأولى في الكويت، وجائزة الحوار في جامعة الدول العربية، وعُرض على شاشة تلفزيون لبنان عام 1981.