هل يمكن أن يعود نيوكاسل إلى زمن كان يهابه الجميع؟

الفريق الذي نافس يوماً على لقب الدوري الإنجليزي لم يتذوق طعم الفوز بعد 8 جولات في الموسم الحالي

عرفت جماهير نيوكاسل الكرة الجميلة تحت قيادة كيفين
عرفت جماهير نيوكاسل الكرة الجميلة تحت قيادة كيفين
TT

هل يمكن أن يعود نيوكاسل إلى زمن كان يهابه الجميع؟

عرفت جماهير نيوكاسل الكرة الجميلة تحت قيادة كيفين
عرفت جماهير نيوكاسل الكرة الجميلة تحت قيادة كيفين

عندما كان نادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي في واحدة من أزهى فتراته، أرسل النادي وفداً إلى مدينة تورينيو الإيطالية في محاولة لإقناع نادي يوفنتوس بالتخلي عن خدمات نجم الفريق وأحد أبرز النجوم في عالم الساحرة المستديرة في ذلك الوقت روبرتو باجيو، وهو الأمر الذي يلخص طموحات وأحلام النادي في تلك الفترة.
إنها قصة رائعة في حقيقة الأمر، حيث قرر نيوكاسل يونايتد إرسال هذا الوفد إلى يوفنتوس حتى من دون أن يحصل على موعد لإجراء محادثات، كما لم يكن هناك أي اتصال مع نادي يوفنتوس في هذا الشأن من الأساس. وعندما أخبر مسؤولو نيوكاسل يونايتد، المدير الفني للفريق آنذاك، كيفين كيغان، بهذا الأمر، قال لهم إنهم أصيبوا بالجنون، لأنهم اعتقدوا أن أحد عمالقة كرة القدم الأوروبية سوف يستقبلهم ويدخل معهم في مفاوضات من دون أن يوجه لهم الدعوة للحضور.
ورغم العديد من علامات الاستفهام التي أثيرت حول هذه المحاولة، فإنها تعكس الطموح الذي كان النادي يسعى لتحقيقه. ولم ينجح نيوكاسل بالطبع في الحصول على خدمات باجيو، لأنه كان من المستحيل أن يفكر يوفنتوس في بيع لاعب بهذه القدرات والإمكانات في تلك الفترة. كما لم ينجح النادي في تنفيذ الاقتراح البديل في حال فشل التعاقد مع باجيو، وهو التعاقد مع النجم الهولندي دينيس بيركامب.
وأشار كيغان، في سيرته الذاتية الجديدة، إلى المحادثات التي أجراها مع مدير نيوكاسل يونايتد آنذاك، دوغلاس هول، الذي كان صاحب اقتراح التعاقد مع باجيو أو بيركامب، قائلاً: «لقد أشرت بلطف إلى أن هذه ليست هي الطريقة التي تعقد بها الأندية الكبرى صفقات انتقال اللاعبين، لكنني كنت معجباً بجرأته، حتى لو لم يكن يتصرف بالطريقة التي كنت أرى أنها الأنسب في مثل هذه الأمور». ولم يكن كيغان يشعر بالخجل أبداً في أن يطلب من إدارة النادي التعاقد مع اللاعبين الذين يرى أنهم سيقدمون الإضافة والدعم اللازم للنادي، لكن يجب الإشارة إلى أن أولويات نيوكاسل يونايتد في ذلك الوقت كانت تختلف تماماً عن أولوياته في الوقت الحالي.
وكانت فلسفة كيغان بسيطة للغاية في هذا الشأن، وكانت تتلخص في أنه إذا كانت هناك فرصة لتدعيم مركز يعاني منه الفريق، فيجب القيام بذلك على الفور ومن دون تردد، وبالفعل تعاقد مع بيتر بيردسلي ليحل محل ديفيد كيلي، ومع ديفيد جينولا ليحل محل سكوت سيلارز، ثم جاء بعد ذلك ديفيد باتي مكان لي كلارك، وهكذا. ونتيجة لهذه السياسة، نجح كيغان في نقل الفريق من المراكز التي تنافس على الهبوط في دوري الدرجة الثانية إلى المنافسة على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز. لكن لكي يتمكن الفريق من القيام بذلك، كسر النادي الرقم القياسي لأغلى الصفقات في تاريخه سبع مرات، وذلك عندما تعاقد مع كل من آندي كول، وراؤول فوكس، ودارين بيكوك، ووارن بارتون، وفاوستينو أسبريا، وليس فرديناند، وآلان شيرار.
وأتذكر أنه عندما سحق نيوكاسل يونايتد، نادي مانشستر يونايتد، بخمسة أهداف دون رد في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1996، قال نجم مانشستر يونايتد آنذاك إيريك كانتونا لكيغان بعد نهاية المباراة: «إنكم تملكون فريقاً رائعاً». والآن، هل يصدق أي شخص أن نيوكاسل يونايتد لم يحقق أي فوز خلال الموسم الحالي للدوري الإنجليزي الممتاز بعد مرور ثماني جولات من المسابقة، وبعدما هُزم في المباراة الأخيرة أمام مانشستر يونايتد بثلاثة أهداف مقابل هدفين؟
وهل يعتقد أي شخص الآن أن النادي قادر على العودة إلى المسار الصحيح في ظل النظام الحالي؟ وما الذي يمكن أن نتوقعه من نادٍ تعهد بأن يضع «كل جنيه يحصل عليه» في سوق انتقالات اللاعبين من أجل تدعيم صفوف الفريق، لكن الواقع يشير إلى أن صافي ما أنفقه النادي يقل عما تنفقه بعض الأندية في دوري الدرجة الأولى؟ ومتى ترى الأجيال الصغيرة من مشجعي نيوكاسل يونايتد، التي لم تر النادي وهو ينافس على بطولة الدوري الإنجليزي الممتاز تحت قيادة كيغان - وأتحدث هنا عمن هم أقل من 30 عاماً - النادي، وهو يخرج من هذه الحالة من الركود والانهيار؟ وإلى متى يتعين على هذه الأجيال أن تنتظر حتى ترى بعض النتائج الجيدة للنادي في العصر الحديث؟
وفي أحد الأيام خلال الأسبوع الماضي، عاد كيغان إلى شمال شرقي إنجلترا لكي يستعيد ذكريات الأمجاد التي حققها مع النادي، وأشار إلى أنه من الرائع أن يعود إلى النادي في تلك الليلة أمام هذا العدد الكبير من الجمهور الذي كان ينتظره، ليستمع إلى تجاربه الرائعة في أحد أفضل وأروع فترات النادي في تاريخه. ولم يكن من الغريب أن نرى كيغان وهو متأثر للغاية، وهو يتحدث عن تلك الأيام. وفي الحقيقة، لم أجد الكلمات المناسبة لوصف تلك اللحظة، لكني أعجبت للغاية بالكلمات التي نشرتها صحيفة «التايمز»، عندما قالت: «لا يمكنك أن تعرف معنى الحب الحقيقي حتى ترى كيفين كيغان وهو يتحدث عن نيوكاسل يونايتد».
لكن الشيء الذي يصيب المرء بالحزن، يتمثل في أن الذكريات الرائعة التي يتحدث عنها كيغان الآن قد حدثت خلال القرن الماضي، أما الآن وفي ظل امتلاك مايك آشلي للنادي، فإن ما يقوله مسؤولو النادي أمام وسائل الإعلام، وفي المؤتمرات الصحافية، يختلف تماماً عن الحقائق وعن الأشياء التي تحدث في الغرف المغلقة. ومن المؤكد أنه لن يكون من السهل على الإطلاق أن نفهم كيف يتوقع نادي نيوكاسل يونايتد أن يقنعنا بأنه يجاري التغيرات الهائلة التي حدثت في الأمور والموارد المالية المتعلقة بكرة القدم، بينما مر 13 عاماً على قيام النادي بكسر الرقم القياسي لأغلى صفقة في تاريخه؟
لقد مر وقت طويل للغاية على هذا الأمر، حيث كان النادي تحت ملكية السير جون هول للنادي، وكان غرايم سونيس هو المدير الفني للفريق، بينما كان سفين غوران إريكسون هو المدير الفني للمنتخب الإنجليزي، وكان نادي بولتون يشارك في بطولة الدوري الأوروبي، وكان رفائيل بينيتيز قد قاد ليفربول للفوز بلقب دوري أبطال أوروبا. وفي ذلك الوقت أيضاً، كان توني بلير هو من يشغل منصب رئيس الوزراء في بريطانيا، وكان رولف هاريس يعمل على رسم صورة للملكة!
لقد كسر نيوكاسل يونايتد قيمة أغلى صفقة في تاريخه، عندما تعاقد مع مايكل أوين مقابل 16 مليون جنيه إسترليني من نادي ريال مدريد الإسباني. لكن مر وقت طويل للغاية على ذلك الوقت، وأصبحت هذه الـ16 مليون جنيه إسترليني في هذه الأيام لا تدفع للتعاقد مع لاعبين كبار، ويكفي أن نعرف أن هذا هو المبلغ الذي دفعه آرسنال للتعاقد مع المدافع اليوناني سوكراتيس باباستاثوبولوس في الصيف، وهو المبلغ الذي دفعه وولفرهامبتون واندررز للتعاقد مع الأوكراني أولكسندر زينشينكو، الذي كان يلعب في الفريق الرديف بنادي مانشستر سيتي!
كل هذه الأشياء تساعدنا على أن نفهم أن التفاصيل التي ذكرها كيغان في سيرته الذاتية ليست مجرد رحلة واقعية إلى الماضي من جانب جمهور نيوكاسل يونايتد، بقدر ما هي تذكير لنا جميعاً بأن النادي يعاني في الوقت الحالي من اختلال وظيفي واضح للجميع. ربما يحكي كيغان قصصه وذكرياته بصيغة الماضي، لكن لا يزال اسم مايك آشلي على باب النادي، ولا يزال النادي يدار من قبل أناس لا يدركون أن المدير الفني للفريق يكون بحاجة إلى إنفاق بعض الأموال من أجل تدعيم صفوف لاعبيه في سوق تنفق فيها الأندية الأخرى أموالاً طائلة من أجل شراء لاعبين جدد.
لقد تغيرت بعض الأسماء المسؤولة عن النادي، لكن الشيء الوحيد الذي تغير في النادي، من وجهة نظري، هو الملعب الذي أصبح في حالة سيئة، ويتآكل منذ عشر سنوات، وبات في حاجة ملحة إلى التجديد والرعاية. ويريد آشلي الآن أن يجعلنا نعتقد أن الأمر ليس كذلك، لدرجة أنه عندما قابل مجموعة من مشجعي النادي المحبطين خارج مطعم للبيتزا، قبل أيام، أشار لهم بعلامة النصر! إن كل ما يمكن أن يقال في هذا الشأن هو أن آشلي قد خدع جمهور النادي من قبل، وبالتالي لن يكون من السهل تصديق ما يقوله في الوقت الذي تشير فيه الأدلة التي أوردها كيغان في سيرته الذاتية إلى أن مالك النادي يمكنه أن يحجب الخطوط الفاصلة بين العلاقات العامة والحقيقة، وبين الصدق والكذب، وبين الحقيقة والخيال.
ويمكن القول بأن أصغر التفاصيل تساهم في رسم الصورة الأكبر، فعندما سُئل آشلي في مقابلة صحافية عن مباراته المفضلة لنادي نيوكاسل يونايتد، اختار المباراة التي فاز فيها الفريق بهدفين دون رد على نادي سندرلاند. وقد تبين أن هذه استراتيجية أخرى للعلاقات العامة. لكنه اعترف بعد ذلك أن مباراته المفضلة هي المباراة التي فاز فيها نيوكاسل يونايتد بأربعة أهداف مقابل هدف وحيد على توتنهام هوتسبير، حيث كان صديقه، بول كيمسلي، يعمل نائباً لرئيس النادي.
وقال آشلي: «إذا كنتم تريدون أن تشيروا إلى التعامل مع وسائل الإعلام على أنه كذب، فإنني سأقول نعم، لكنني لا أعتقد أنه كذب بالمعنى الحقيقي للكلمة». ربما لم يقع ضرر على أحد في تلك الحالة، لكن هل يجعلنا هذا نثق في هذا الرجل؟ لقد وجدت اللجنة التي كانت تنظر في الكيفية التي أقيل بها كيغان من تدريب النادي عام 2008 أن نيوكاسل يونايتد كان مداناً «بتعمد تضليل الصحافة والناس والجمهور»، أو بعبارة أخرى، كان النادي متهماً بالكذب.
ومن أجل مصلحة نيوكاسل يونايتد، يجب ضمان ألا يواجه المدير الفني الحالي للنادي، رفائيل بينيتيز، الاستفزازات والمشاكل نفسها التي واجهها كيغان، عندما كان يتم التعاقد مع اللاعبين من أجل «إرضاء» وكلاء اللاعبين، وعندما تم تعيين مسؤول عن التعاقدات الجديدة لم يسمع من قبل عن لاعب اسمه بير ميرتساكر، ويعتقد أن النجم الكرواتي لوكا مودريتش «خفيف الوزن للغاية»، بالدرجة التي تجعله لا يصلح للعب في كرة القدم الإنجليزية، ويقرر بيع جيمس ميلنر على أساس أن النادي سوف يتعاقد مع لاعب بايرن ميونيخ باستيان شفاينشتايغر بديلاً له!
لقد كانوا يريدون التعاقد مع باستيان شفاينشتايغر، أليس كذلك؟ فعندما اتصل كيغان بكارل هاينز رومينيغه، الرئيس التنفيذي لبايرن ميونيخ، ليعرف رأيه في إمكانية رحيل اللاعب، قال رومينيغه وهو يضحك: «لقد تقدم نيوكاسل بعرض لضم اللاعب مقابل خمسة ملايين يورو. كيف يفكر الناس لديك يا كيفن؟ لن نبيع باستيان شفاينشتايغر مقابل 50 مليون يورو. نحن لم نتوقف عن الضحك منذ ذلك الحين». ويمكن لكيغان الآن أن يضحك وهو يتذكر ما حدث في ذلك الموقف بعد مرور 10 سنوات، وأعتقد أن بينيتيز يجب أن يتعلم مما حدث لأحد أسلافه، إذا كان لا يدرك حتى الآن ما يحدث في النادي من وراء الكواليس.
وفي الوقت ذلك، على سبيل المثال، كان كيغان يريد أن يتعاقد مع سامي هيبيا من ليفربول، وهو اللاعب الذي يعرفه بينيتيز جيداً. ورتب مسؤولو نيوكاسل يونايتد لعقد لقاء عبر الهاتف مع كيغان في الساعة التاسعة مساء، ووافقوا على تقديم عرض بقيمة مليوني جنيه إسترليني. ثم عقدوا لقاءً آخر عند الساعة التاسعة والنصف مساء، وكان اللقاء هذه المرة من دون دينيس وايز أو توني جيمينيز، وخفضوا قيمة العرض إلى مليون جنيه إسترليني فقط، ومن المؤكد أنهم كانوا يعرفون أن العرض سوف يُرفض بسبب ضعف المقابل المادي. وبعد ذلك، تقدم نادي ستوك سيتي بعرض قيمته 2.5 مليون جنيه إسترليني لضم اللاعب.
ولعل أتعس شيء في هذا الأمر، بقدر ما أستطيع أن أرى، هو أنه لا توجد نهاية واضحة تلوح في الأفق. لا يتبقى في عقد بينيتيز مع النادي سوى الموسم الحالي، ومن المؤكد أننا سوف نعذره لو قرر الرحيل عن النادي والبحث عن تجربة أخرى. ويحلم أنصار النادي بالتغيير، كما كانوا يحلمون بذلك طيلة العقد الماضي، لكن السنوات تمر، ومن المؤكد أن هذا الجمهور العظيم يستحق ما هو أفضل من ذلك.
وخلال الأسبوع الماضي، رفع الجمهور لافتة عملاقة تظهر كيغان بالقميص المخطط بالأبيض والأسود المميز للنادي، وتحته كلمة واحدة هي «الصدق». وظهرت هذه اللافتة في آخر مباراة خاضها الفريق على ملعبه وبجانبها لافتة مشابهة لبنيتيز عليها كلمة «الأمل». وأزال المنظمون هاتين اللافتتين، في مشهد يلخص حالة نيوكاسل يونايتد تحت قيادة مايك آشلي، وهو أن النادي لم يعد لديه «الصدق والأمل».


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.