«بيان الإخفاق»... نصائح ذهبية لمراهق معاصر

ريجيس دوبريه ينصح في كتابه الأخير ابنه بألا يتبع مساره

ريجيس دوبريه
ريجيس دوبريه
TT

«بيان الإخفاق»... نصائح ذهبية لمراهق معاصر

ريجيس دوبريه
ريجيس دوبريه

لا يكفّ المفكر الفرنسي اللامع ريجيس دوبريه عن الإنتاج الفكري الطارح للأسئلة والمثير للنقاش واللصيق بعالم اليوم وتحولاته المتسارعة. تبدو أفكاره كأنها ذات معين لا ينضب، فهو غزير الإنتاج، يصدر كتابين على الأقل في كل عام. وعند كل إصدار، يصير نجم أغلفة المجلات وصفحات الجرائد وضيف الأثيرين المسموع والمرئي بلا منازع في فرنسا التي ما زالت تفرد حيزاً ولو متناقِصاً للثقافة الرصينة والمفيدة. وضمن هذا المنظور فإن دوبريه يمثل «المثقف» بامتياز بتعبير إدوارد سعيد من حيث دوره في الاشتباك المستمر مع واقع مجتمعه عبر أفكاره الحيوية وطروحاته التي تصب في المصلحة العامة.
ولكتابه الأخير «بيان الإخفاق» (منشورات غاليمار) مكانة شخصية إن جاز التعبير، فهو مكتوب على شكل رسالة وموجّه لابنه المراهق أنطونان البالغ من العمر ستة عشر عاماً، عند لحظة مفصلية في حياته، حيث يكون الخيار أو التوجه الدراسي مهماً في بلورة مستقبل المرء وعمله، فما النصيحة للاختيار: بين الفلسفة والأدب بقيمتهما الرمزية الرفيعة، أو عالم المال والأعمال ببريقهما النقدي، أو التكنولوجيا بسحرها وقوتها وإقناعها العلمي الواقعي، أو عالم السياسة النفعي المتقلب؟ وكيف يمكن لمن في عقده السابع وصاحب تجربة متنوعة وطويلة وغنية نصح وإقناع مراهق يعيش عالم اليوم الرقمي؟ «عمرك ستة عشر عاماً، وأنا في السادسة والسبعين. هاوية. أن يكون المرء أكبر من اللازم فهذا لا يعطي أباً السلطة المطلوبة كي يجعل ابناً يسمع كلامه. أنت تسألني عمّا تفعل بحياتك، وأنا أسأل نفسي عمّا فعلته أنا بحياتي. تريد الخروج من الطفولة، وأنا أحلم بالرجوع إليها. فكيف أوجّهك في غابات الغد؟».
الجواب موجود لا في مضمون الكتاب فحسب طبعاً، بل أيضاً في أسلوبه المغلّف بروح الفكاهة والظرف، والبعيد من الأوهام، إذ لا يتردد دوبريه في أن يقول لابنه مثلاً إنه مثل «جد بمثابة أب»، وأنه لو أراد النجاح في حياته فعليه ألا يتبع خصوصاً مسار أبيه «المتشيطن المشاكس، والكاتب الركيك الغث، والصحافي الرديء». فدوبريه لا يتردد في أخذ خيبات أمله و«إخفاقاته» بخفة، من دون أن يتخلى بالطبع عن أسلوبه «الإشاري» في الكتابة، حيث تحيل الصفات المشتقة من أسماء علم وأحداث معينة إلى أفكار معقدة وقوية وواقعية.
استعار دوبريه لكتابه عنواناً يستبطن عالم المال والأعمال، من دون أن يعتّم على مضمونه الفكري والشخصي. فـ«بيان الإخفاق» يعني باللغة التجارية محصلة عمل تاجر أو شركة على شفير إشهار الإفلاس، وباللغة الاستعارية التي يبرع فيها دوبريه، فإنه يعني تقريراً شخصياً عن «إخفاق» التجربة الناجم لا من صواب خيارات المثقف بقدر ما هو ناجم من أثر التحولات الكبرى في عالم الرأسمالية المعولمة في حياة الفرد، حيث الصورة والشبكة والأرقام والتسويق الإعلامي تحل محل الكلمة والأفكار.
الكتاب شخصي بقدر ما هو سياسي، فيه يعيد دوبريه تتبع أثر طريقه السياسي والآيديولوجي. ووراء لفظ «الإخفاق» الظاهر، ثمة عمل رائع لنقل خلاصة التجربة، إذ هو يكتب من دون عاطفة لكن بحساسية عالية، كاشفاً أوهامه الضائعة وأوهام جيل بأكمله في الوقت نفسه، مركزاً على فكرة رئيسية تقول بأنه شاهد على نهاية حقبة، عند تلك البرهة تماماً حيث تُقلب الصفحة. فالبنية التحتية نفسها تغيرت، إذ إن الاتصال الجماهيري والتأثير في المجتمع عبره، لم يعد يمرّ من طريق الكتب وتقريرات الخبراء، ولم يعد ثمة منظور ولا ذاكرة، فقد حلّت الصورة السريعة تلو الصورة الأسرع مكان كلّ شيء تقريباً، وصار الظهور المستمر غاية في حدّ ذاته.
دوبريه الذي عمل كما هو معروف مستشاراً سياسياً (1981 - 1985) في قصر الإليزيه إبّان حكم فرنسوا ميتران، ينصح ابنه بالابتعاد عن السياسة، مبيناً له الأمر بخلاصة لا تخلو من الاستهزاء الذاتي لكن من دون أية شفقة على الذات: «على أي حال، لو أردت الانخراط في مجال العلوم السياسية من أجل أن تركب سيارة (ليموزين) تابعة للحكومة ذات نوافذ بزجاج غامق، وفّر على نفسك إذن الامتحانات، والأطروحات والاستدلال الدقيق المتنوع. أكرر لك أن التفكير المنطقي لا علاقة له بالأمر في مجال نشاط غير عقلاني تماماً».
ويفصّل الأمر من تجربته، حيث يسرد مصير كتب سياسية له منها «نقد الأسلحة» (1974)، وفيه نقد ذاتي مفصل وموثق لنظرية بؤرة الثوريين المتمردين الطليعيين التي عرضها في كتاب «ثورة في الثورة» (1967)، وكتاب «السلطة والأحلام» (1983)، و«إمبراطوريات ضد أوروبا» (1985)، حيث الأول ينتقد الواقعية السياسية، والثاني «ينفّس» التهديد السوفياتي الشمولي المبالغ في تقديره، آنذاك. ويلاحظ أن أياً من تلك الكتب لم يحمل ولو تأثيراً بسيطاً لدى الفئة الموجهة لها. ويعلّق بظرف أن تلك الكتب لم تضف ولا نغمة في أغنية الشيوعيين «الغد لنا أيها الرفاق». الشيوعيون أنفسهم، الفرنسيون منهم تحديداً، كانوا أيضاً موضوع كتاب/ رسالة عام 1978، نبّه فيها دوبريه إلى انسداد أفق الحزب. بظرف بالغ ومن دون مرارة يسرد ريجيس مصير تلك الكتب - الواقعية والمستشرفة حقاً - من الإهمال حيث «النسخ الباقية منها تراكمت في القبو، وحتى بائعو الكتب المستعملة يترددون في شرائها بالوزن. المضحك في الأمر، أنني لن أحصل على عائد من هذه الكتب غير المباعة وغير القابلة أصلاً للبيع. بيد أنني بعد قراءتها مرّة أخرى، أستطيع أن أرى راهنيتها، إذ لطالما أكدت صحَتها الأحداث».
وربما كانت راهنية كتابة دوبريه (وقتها في نهاية عقد الثمانيات من العقد الماضي) عن الهجمات غير التقليدية/ العمليات الانتحارية حيال قوى عظمى وضمن سياقها وما تفرضه من سيطرة كلية، من أقوى الدلائل على ضعف اهتمام أصحاب القرار السياسي بكتابات المفكر: «لقد تحدّثت عن احتمال قوي للالتفاف على الردع النووي من خلال (هجمات غير تقليدية) تحت سيطرة غير مباشرة من أي قوة عظمى، وبالتالي فمن الصعب التحايل عليها عبر الدبلوماسية، إذ إن منطقها ليس منطقنا، والسبب أنه بمجرد أن يصير الموت أمراً مرغوباً وتعويضياً، فليس من أضرار غير مقبولة. كان على بن لادن أن يدلي بهذا التأمل، لكن لا، أدقّق القول، بعد هذه التنبؤات، فإن مجال تأثيري لم يتجاوز جدران مكتبي».
ولا ينقصه الظرف في الاستنتاج إذ ينصح ابنه خصوصاً بتجنب أن توكل إليه السلطة كتابة تقرير، «لأن ثمة احتمالاً (9/ 10) بأن يكون كحشرجة الموت المخصصة لتهدئة عطشنا للشعور بالأهمية». ويلخص عملاً مماثلاً بالقول: «أن ترغب في تمرير الأفكار ضمن مهنة يتنازل فيها منطق الأفكار عاجلاً أم آجلاً لصالح منطق القوى، يبدو لي أمراً مازوشياً».
ومقابل تلك النصيحة/ الوصية بالابتعاد بقوة عن السياسة، يميل دوبريه إلى تفضيل خيارات أخرى، قد تبدو متناقضة مع معرفتنا بمسيرته الفكرية، إذ يطرب لاختيار ابنه للعلوم الدقيقة، والبحث العلمي في التكنولوجيا، لأن الجهد الفكري المستثمر فيهما أكثر جدوى برأيه، من حيث المنفعة العامة. ويفصح عن إعجابه بـ«بساطة العلماء» وافتتانه بطبعهم الخاص في ألا يبحثوا عن إثارة الإعجاب.
وفي كلام آخر، ينتصر دوبريه للتقدّم العلمي مقابل عالم السياسة القائم على المصالح والقوّة. وليس في الأمر مفاجأة حقاً، إذ إن الفكرة القوية التي كانت سائدة في فترة شبابه وصقلته كما صقلت غيره من المفكرين والفلاسفة، قالت ببساطة إن التقدم العلمي هو الأساس والسبيل لتقدّم المجتمع، لكن دوبريه اعترف لاحقاً بأنه تم تضخيمه على حساب الدين العائد بقوة في المجتمعات (العربية والغربية) كما لاحظ في أكثر من كتاب له. مع ذلك، أطلَّت تلك الفكرة «الصحيحة» من ثنيات طريق الوصية الجميلة: التقدم العلمي مقابل دهاليز السياسة.
صحيح أن الأدب هو الخاسر الأكبر في جعبة النصائح تلك، لكن العزاء في أسلوب دوبريه الذكي المليء بالإحالات والإشارات، التي تبطن ثقافة واسعة وإدراكاً حقيقياً للحظة «نهاية عصر» التي نعيشها اليوم.
إن كتاباً/ وصية كهذا، يصبح نوعاً من المتعة الخالصة، وللقارئ أن يغبط أنطونان على ما يقول له أبوه دوبريه: «أتمنى لك أن تؤمن بشيء ما، وألا تُراكم المعارف فحسب... وحافظ على حصتك من النار. إنها الوقود الذي نحتاج إليه للخروج عن العادي المألوف، بكل لا مسؤولية».
- كاتبة سوريا


مقالات ذات صلة

دائرة الكُتّاب المجهولين

ثقافة وفنون دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).