كيم مستعد للسماح بتحقق دولي من تفكيك موقع نووي

بكين دعت واشنطن إلى إيقاف إجراءاتها «غير الحكيمة»

المستشار الصيني يانغ جيشي يقود بومبيو إلى قاعة اجتماعات في دار ضيافة الدولة ببكين أمس (أ.ب)
المستشار الصيني يانغ جيشي يقود بومبيو إلى قاعة اجتماعات في دار ضيافة الدولة ببكين أمس (أ.ب)
TT

كيم مستعد للسماح بتحقق دولي من تفكيك موقع نووي

المستشار الصيني يانغ جيشي يقود بومبيو إلى قاعة اجتماعات في دار ضيافة الدولة ببكين أمس (أ.ب)
المستشار الصيني يانغ جيشي يقود بومبيو إلى قاعة اجتماعات في دار ضيافة الدولة ببكين أمس (أ.ب)

أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أمس، أن كوريا الشمالية ستسمح للمحققين الدوليين بزيارة موقع التجارب النووية الذي فككته، وذلك بعد إعلانه تحقيق «تقدم كبير» نحو نزع السلاح النووي إثر لقائه الزعيم الكوري الشمالي.
والتقى بومبيو الأحد كيم جونغ أون في بيونغ يانغ لمحاولة إحياء محادثات نزع السلاح النووي المتوقفة منذ اللقاء التاريخي بين كيم والرئيس الأميركي دونالد ترمب في سنغافورة في يونيو (حزيران) الماضي. وأعلن بومبيو أن كيم «قال إنه مستعد للسماح لهم بزيارة» موقع بونغي - ري للتحقق من تفكيكه.
وكانت كوريا الشمالية أعلنت أنها فككت المنشأة الواقعة في شمال شرقي البلاد في مايو (أيار)، لكنها لم تسمح بعد للمراقبين الدوليين بزيارتها للتثبت من صحة ما أعلنته. وأجرت كوريا الشمالية تجاربها النووية الست داخل المنشأة الواقعة داخل جبل قرب الحدود مع الصين.
وقال بومبيو في سيول إنه سيُسمح للمحققين بالزيارة حالما يتفق الجانبان على التفاصيل اللوجيستية، وذلك قبيل مغادرته إلى بكين في إطار جولة دبلوماسية واسعة. ولم يدل بومبيو بأي تعليق حول إمكانية اتخاذ واشنطن إجراءات تقابل فيها الخطوة الكورية الشمالية.
وقال بومبيو إن نزع السلاح النووي في كوريا الشمالية «عملية طويلة الأمد»، لكنه أشار إلى «تحقيق تقدم كبير»، مضيفا أن البلدين «قريبان جدا» من تحديد موعد عقد القمة الثانية بين ترمب وكيم ومكانها. والزيارة هي الرابعة لبومبيو إلى كوريا الشمالية.
وكان ترمب وكيم عقدا قمة تاريخية في سنغافورة في يونيو (حزيران)، هي الأولى بين زعيمي البلدين، اعتبر نقاد أنها لم تثمر سوى عن التزام مبهم من قبل الزعيم الكوري الشمالي بنزع للسلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية.
وأعلنت وكالة الأنباء الكورية الشمالية في تقرير حول زيارة بومبيو أن كيم «رحّب بالجهود الصادقة التي بذلها الرئيس ترمب» من أجل تطبيق اتفاق سنغافورة. وأوردت الوكالة أن «كيم جونغ أون ثمّن التطور الإيجابي للأوضاع في شبه الجزيرة الكورية»، وأنه «شرح بالتفصيل مقترحات لحل قضية نزع السلاح النووي». ونشرت صحيفة «رودونغ سينمون» الكورية الشمالية خبر اللقاء على صفحتها الأولى، مرفقا بثماني صور للرجلين وهما يتصافحان مبتسمين. وأعلن ترمب في تغريدة أن بومبيو وكيم عقدا «لقاء جيدا»، مضيفا «أتطلع للقاء الزعيم كيم مجددا، في المستقبل القريب».
ودخل الجانبان في سجال حول تفسير الاتفاق المبهم. وقد دفعت الولايات المتحدة باتجاه نزع «نهائي وقابل للتحقق» للسلاح النووي في كوريا الشمالية، التي نددت باعتماد واشنطن أساليب «عصابات» في مطالبتها بنزع أحادي للسلاح النووي.
وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلن وزير الخارجية الكوري الشمالي أن «لا مجال» لمبادرة بلاده إلى نزع أحادي للسلاح النووي طالما العقوبات الأميركية القاسية ضد كوريا الشمالية لا تزال قائمة. وكان بومبيو أعلن بعد زيارة ثالثة له إلى بيونغ يانغ لم يلتق خلالها الزعيم الكوري الشمالي تحقيق تقدم في نقاط أساسية، لكن بعد مغادرته دانت كوريا الشمالية «أسلوب العصابات» الذي تنتهجه واشنطن في مطالبها، ما أثار تساؤلات حول مدى اتفاق الجانبين.
وأمس، أعلن الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي - إن أن الزعيم الكوري الشمالي سيلتقي قريبا الرئيسين الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين، وأن «نظاما جديدا ينشأ في شبه الجزيرة الكورية». ويقول محللون إن الجهود الدبلوماسية التي تبذلها كوريا الشمالية قد تدفع الولايات المتحدة قريبا إلى تخفيف العقوبات.
بهذا الصدد، قال هيونغ هيون إيك، المحلل في معهد «سيجونغ»، إن «كوريا الشمالية تعزز روابطها مع الصين وروسيا، لذا فإن مواصلة الولايات المتحدة سياسة فرض عقوبات على نظامها لم تعد فاعلة»، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. وقال المحلل إن «الرئيس ترمب بات على وشك فقدان السيطرة».
وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، دعت الصين وروسيا، الحليفتان التقليديتان لكوريا الشمالية، مجلس الأمن إلى تخفيف العقوبات المفروضة على بيونغ يانغ مشددتين على أن «الخطوات... نحو نزع تدريجي للسلاح النووي يجب أن تستتبع بتخفيف للعقوبات».
على صعيد آخر، طالب وزير الخارجية الصيني وانغ يي أمس نظيره الأميركي بأن توقف بلاد إجراءاتها «غير الحكيمة» في عدة مجالات. واستقبل وانغ نظيره بومبيو في دار ضيافة الدولة، المعروف باسم «دياويوتاي» في بكين في آخر محطات جولته الآسيوية التي ركّزت على الملف النووي لكوريا الشمالية.
وأبلغ وانغ بومبيو أن الولايات المتحدة «صعّدت الخطاب حول التوتر التجاري» بعد خلاف تضمّن فرض رسوم تجارية بين البلدين على بضائع أميركية وصينية بمئات مليارات الدولارات. كما اتّهم واشنطن باتخاذ «سلسلة من المبادرات» تجاه تايوان، التي تعتبرها الصين الشيوعيّة جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، حتى لو أنّ نظاماً منافساً يحكم الجزيرة منذ العام 1949. بالإضافة لعدد من «القضايا الأخرى» التي تضر بالسيّادة الصينية.
وقال وانغ، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية، «إنّ هذه الإجراءات أثّرت على الثقة المتبادلة بين الجانبين وألقت بظلالها على آفاق العلاقات الصينية - الأميركية، وهو ما يأتي بشكل كامل على حساب مصالح شعبينا».
وتابع: «نطلب أن توقف الولايات المتحدة مثل هذه الإجراءات غير الحكيمة». ويأتي اللقاء بين وانغ وبومبيو بعد أيام قليلة من اتهام نائب الرئيس الأميركي مايك بنس الصين بممارسة العدوان في مجالات عدة، بينها الأمن والتجارة، وصوّر الصين على أنها طرف شرير يتدخل في الانتخابات الأميركية.
وألقى بنس خطابا حاد النبرة الخميس أمام مركز دراسات في واشنطن، اتهم فيه بكين بممارسة العدوان الاقتصادي من خلال عمليات «سرقة» تكنولوجيا، والعدوان العسكري وخصوصا في بحر الصين الجنوبي، وانتهاكات متزايدة لحقوق الإنسان، كما اتّهمها خصوصا بالتدخل في الانتخابات المقبلة سعيا لإخراج الرئيس دونالد ترمب من البيت الأبيض.
كما أغضبت واشنطن بكين بالموافقة على بيع أسلحة بقيمة 1.3 مليار دولار لتايوان، واعتماد قواعد جديدة تسمح لمسؤولين أميركيين بالسفر إليها، رغم عدم تغيير واشنطن موقفها الذي يعترف بالصين الواحدة.
وردا على تصريحات وانغ، قال بومبيو إنه فضّل المجيء لبكين «لعقد مباحثات». وأكّد أن «لدينا مخاوف كبيرة حيال الإجراءات التي تتخذها الصين، وأتطلّع لانتهاز الفرصة لمناقشة كل منها لأنّ هذه العلاقة مهمة لنا بشكل لا يمكن تصوره».
وانتقد بومبيو إلغاء واشنطن لقاء بين وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس ونظيره الصيني وي فينغي، كان مقرراً هذا الشهر في بكين. وقال: «يؤسفني أن الحوار الاستراتيجي بين بلدينا هو أمر اخترتم جميعاً عدم القيام به».
لكن وانغ لم يفوّت فرصة الرد، وأجاب: «لم يتم إلغاء الحوار الاستراتيجي من قبل الصينيين. إنني أتحدث عن حقائق». إلا أن المسؤولين استخدما لهجة أقل حدة فيما يتعلق بالحد من الطموحات النووية لكوريا الشمالية. ودعمت بكين عقوبات الأمم المتحدة على حليفتها بيونغ يانغ، رغم أنها عادت أخيرا وطالبت بتخفيفها. واعتبر وانغ أن ملف كوريا الشمالية يوضح أن بكين وواشنطن «يمكنهما وينبغي عليهما زيادة التواصل والتعاون». وأكد بومبيو أنه يتوقع أن يجري «محادثات جيدة وصريحة» مع وانغ بخصوص لقائه الأحد بزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون في بيونغ يانغ.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended