لماذا غابت الرواية التاريخية في الأدب العراقي؟

أحداث وشخصيات لا تزال قابعة في الخفاء

عبد الله صخي  -  نادية هناوي  -  نجم عبد الله كاظم
عبد الله صخي - نادية هناوي - نجم عبد الله كاظم
TT

لماذا غابت الرواية التاريخية في الأدب العراقي؟

عبد الله صخي  -  نادية هناوي  -  نجم عبد الله كاظم
عبد الله صخي - نادية هناوي - نجم عبد الله كاظم

إن المفهوم المتعارف عليه للرواية التاريخية، الذي يشكل العامل المشترك لأغلب التعريفات عن هذا الجنس الإبداعي، هو أنها عمل فني يتّخذ من التاريخ مادة للسرد، ولكن دون النقل الحرفي له، حيث تحمل الرواية تصوّر الكاتب عن المرحلة التاريخيّة وتوظيفه لهذا التصوّر في التعبير عن المجتمع أو الإنسان في ذلك العصر، أو التعبير عن المجتمع في العصر الذي يعيشه الروائي، ولكنه يتخّذ من التاريخ ذريعة وشكلاً مغايراً للحكي.
وعرفت الرواية الغربية هذا النوع، ابتداء من ستيفن كرين برواية «شارة الشجاعة الحمراء»، مروراً بوالتر سكوت الاسكوتلندي، الذي يعد أبو الرواية التاريخية برواية «ويفرلي» سنة 1814، ثم ألكسندر ديماس وآخرين. ويشكل أمين معلوف في الأدب العربي علامة مهمة في الرواية التاريخية على مستوى الثقافة العربية والعالمية، وقد ألف روايات كثيرة ترجمت إلى لغات كثيرة منها: «سمرقند»، و«ليون الأفريقي»، و«حدائق النور»، وغيرها، ورواية «موانئ المشرق» التي أرخت لتاريخ القضية الفلسطينية. وما يميزه عن غيره من الروائيين العرب نظرته العالمية ورؤيته الكوزموبولتنية ودعوته للحوار بين الشرق والغرب وإيمانه بفكرة التسامح بين شعوب العالم.
ورغم بروز الرواية العراقية خلال العقدين الأخيرين، ومحاولاتها إزاحة أجناس إبداعية أخرى من التسيد في المشهد الإبداعي، خصوصاً بعد أن أكد من الأعمال الروائية حضورها اللافت واستحواذها على عدد من أهم الجوائز الأدبية، فإنها لم تقترب بشكل كبير من هذا النوع الروائي.
وإذا فهمنا الرواية التاريخية أنها سرد قصصي طويل يقوم على أحداث حقيقية، أي أحداث وقعت في حقبة تاريخية معينة، وتجسدها شخصيات حقيقية أو متخيلة، والغالب حقيقية ومتخيلة، فإننا نستطيع أن نقول إن العراق شهد روايات كهذه، كما يقول الناقد د. نجم عبد الله كاظم: «ولعل أقدمها يدخل ضمن مرحلة أو مراحل المحاولات الروائية، لا سيما في عقود العشرينات - الخمسينات، وهي، وكما غالبية المحاولات، لا ترقى إلى أن تكون روايات فنية، نذكر منها: (يزداندوخت الشريفة الأربيلية) - 1934 - لسليمان الصائغ، و(سبي بابل) - 1955 - لعبد المسيح بلايا، وأظن (المسلم الثائر) - 1956 - لطاهر العميد، وغيرها قليل. أما بعد هذه الفترة فلا يكاد يحضر إلا عدد محدود جداً، ولعل أهمها بعض روايات عبد الخالق الركابي، مثل (من يفتح باب الطلسم)، مع ما قد يكون من خلاف حول كونها تاريخية أو لا».
ويتساءل الناقد كاظم: «لماذا يقل عدد الروايات التاريخية في العراق؟ فلا أجد شخصياً من أسباب غير أن الرواية العراقية، وتحديداً الفنية، ظهرت منتصف الستينات لتزدهر بعد ذلك، وهي الفترة التي بظني انحسرت فيها الرواية التاريخية عالمياً وعربياً. ولكن يجب ألا يُفهم من هذا اختفاء التاريخ من الرواية، فهناك اليوم ما أراها ظاهرة، لا في الرواية العراقية فحسب، بل في الرواية العربية عموماً، تتمثل في استحضار التاريخ وربطه غالباً بالحاضر، ولكن ليس من خلال الأحداث التي يقدمها التاريخ عادة، نعني أحداث السلطات والحروب والتحولات السياسية الكبرى، مع حضورها عادة في خلفيات هذه الروايات». ويرى كاظم، أن «من خلال ما نسميه المسكوت عنه الاجتماعي، وفيه تعتمد الروايات لا على التاريخ الرسمي المسجل، بل على ما قد نسميها الوثائق والمصادر الثانوية المنزوية جانباً مثل الصحف المحلية والروايات الخاصة والأخبار المتناقلة شفهياً. نذكر من هذه الروايات، مثلاً، (ملائكة الجنوب) - 2009 - لنجم والي، و(مدينة الصور) - 2011 - للؤي حمزة عباس، و(عشاق وفونوغراف وأزمنة) - 2017 - للطفية الدليمي، و(خاتون بغداد) - 2017 - لشاكر نوري، وبعض روايات علي بدر، وغيرها». ولا خلاف أن التاريخ الرسمي حين وثق أرشيف الأخبار وسجل الوقائع وجمع السير ودوّنها، فإنه تجاهل أحوال الهامشيين وأحجم عن ذكر أخبار المقموعين. وهنا يبزغ التحدي الذي على الروائي أن يكون مستعداً له، عارفاً كيف يعيد المركزية لهؤلاء كي تكون لهم في الحياة مكانة ورتبة.
وليس مطلوباً - كما تقول الناقدة نادية هناوي - من الروائي أن يجعل عمله وثيقة تضاف إلى وثائق التاريخ الرسمي، ولا أن يتعامل مع التاريخ بالطريقة التي كان جورجي زيدان يتعامل بها جاعلاً السرد في خدمة التاريخ، وإنما نريد من الروائي أن يتعامل مع التاريخ من منظور ما بعد حداثي، مستعملاً موضوعات جديدة تماشي النظريات التاريخية المعاصرة، التي ترى أن الإفادة من التاريخ الرسمي لا تتم إلا بالاستعانة بالمخيلة بغية صنع محكي تاريخي ينهض جنباً إلى جنب التاريخ الوقائعي ليصنع سرداً تاريخياً بمخيال يستحضر حدثاً أو سيرة شخصية تاريخية، ليعالجها برؤية واقعية مستجدة.
والهدف ردم الهفوات وملء الفراغات التي تركها مؤرخو التاريخ مما يسميه المؤرخ آر جي كولينجوود «تشييد التاريخ»، وهذه مسؤولية تتطلب وعياً عميقاً في كيفية استحضار التاريخ سردياً من خلال تفكيكه أولاً، ثم إعادة كتابته آخراً ليكون المتحصل تاريخاً بديلاً أو بالأحرى تاريخاً جديداً، كما يسميه المفكر الفرنسي جاك لوغوف.
وتضيف نادية هناوي: «في التاريخ الإنساني عموماً والإسلامي تحديداً كثير من الأحداث والشخصيات القابعة في الخفاء التي يمكن استنهاضها على المستوى الإبداعي، لتكون بمثابة زاد سردي يستثمره كتّابنا وروائيونا نابشين في خفايا تلك الأحداث والشخصيات نافضين الغبار عنها، معيدين إياها إلى الحياة بطريقة لا تكون فيها للأزمنة حدود أو حواجز، منتجين أعمالاً روائية لا توضع في خانة (الرواية التاريخية) وإنما توضع في باب (رواية التاريخ)، وبذلك يصبح التاريخ حياً في الماضي ونابضاً في الحاضر ومتجهاً صوب المستقبل».
الروائي عبد الله صخي يقول عن أسباب غياب الرواية التاريخية إن «الأعمال التي أنتجها جورجي زيدان ونجيب كيلاني وسليم البستاني لم يكن دافعها إعادة خلق الواقعة التاريخية استجابة لمعطى حياتي راهن، إنما أغلبها كتب بدوافع تعليمية أو قومية أو محاولة لاستعادة مجد غابر». إذ يجد صخي أن هذه الروايات استعادية أو تعليمية، ويقول إن «غايتها الأساسية، كما أحسب، هي التذكير بالتجارب الحربية والسياسية أثناء الحكم الإسلامي حتى الاستعمار العثماني».
ويتساءل الروائي عبد الله صخي تساؤلاً ضمن مضمار الاهتمام بالرواية التاريخية ويقول: «لمن نحتكم؟ للتاريخ أم للنص الذي كتب عنه ومنه؟ وإلى أي مدى يلتزم الكاتب بالواقعة التاريخية لجهة دقة الأحداث وحجم الخيال الذي يؤطرها؟»، مُشيراً إلى أن النقد العربي اهتم بهذين السؤالين فتنافرت الأجوبة.
هناك من يرجح الخيال على التاريخ أو من يرجح التاريخ على الخيال. إن أحد أسباب ضعف الاهتمام بالرواية التاريخية اليوم قد يكون غياب مفهوم دقيق لمصطلح الرواية التاريخية وجوهره وتكوينه. ويرى صخي أن «السبب الآخر هو الانتشار واسع النطاق للمسلسلات التلفزيونية العراقية والعربية التي استقت من التاريخ جل أحداثه وشخصياته البارزة للحد الذي سلبت من الروائي فرصة إعادة كتابة تلك الأحداث وإعادة بناء تلك الشخصيات في رؤية سردية جديدة. وقد أضيف سبب آخر هو أن الواقع العراقي، على سبيل المثال، يزخر بمادة يومية ثرية قد تغني الروائي عن البحث في بطون الكتب والوثائق للحصول على مادة يضاهي بها اللحظة الراهنة أو يماثلها».



97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».