زعيم «إخوان» ليبيا لـ {الشرق الأوسط}: نريد الحوار لكن بشروط

بشير الكبتي يقول إن لا علم له بـ {الجيش المصري الحر}

بشير الكبتي
بشير الكبتي
TT

زعيم «إخوان» ليبيا لـ {الشرق الأوسط}: نريد الحوار لكن بشروط

بشير الكبتي
بشير الكبتي

حذر المسؤول العام لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، بشير الكبتي، الحكومة من الاستعانة بقوات دولية لحفظ الأمن في البلاد، وقال إنها فشلت في إيجاد حلول للكثير من الملفات وأفلست، وتريد أن تنقل ذلك للمجتمع الدولي. وشدد في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر الهاتف، على أن أكبر خطأ يمكن الوقوع فيه هو أن إرسال قوات خارجية إلى ليبيا، وأضاف أن الحكومة كان ينبغي عليها أن تدخل وتحل الخلافات الواقعة بين الليبيين، لكنها «تركت الحبل على الغارب».
وعما إذا كان يؤيد حوارا شاملا بين جميع الأطراف الليبية بمن في ذلك جماعة اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يقود «عملية الكرامة» ضد المتشددين، وجماعة «أنصار الشريعة» التي تصنفها الولايات المتحدة جماعة إرهابية، وأنصار العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، المرفوضين من جماعة ثورة 17 فبراير (شباط) 2011، قال الكبتي إنه يدعو للحوار بين الجميع لكن بشرط تقبل المسار الديمقراطي ونتائج الصندوق الانتخابي وإقامة دولة المؤسسات والتداول السلمي للسلطة.
ودافع الكبتي عن دور جماعة الإخوان المسلمين الليبية، وقال إنها ليست سببا في القلاقل التي تشهدها بلاده، ورفض وصف النتائج المبدئية لانتخابات البرلمان الجديد بأنها هزيمة للجماعة من جانب الناخبين الليبيين، قائلا إن الكثير من الإسلاميين فازوا بشكل فردي في هذه الانتخابات. ورد الكبتي على الاتهامات التي تتردد في بعض وسائل الإعلام المصرية عن أن إخوان ليبيا يساعدون على تكوين جيش من جماعة الإخوان المسلمين المصريين تحت اسم «الجيش المصري الحر» للقيام بعمليات ضد السلطات المصرية انطلاقا من ليبيا، وقال إنه لا علم له بهذا الأمر إلا من خلال ما يشيعه البعض. وأضاف موضحا أن إخوان ليبيا ليسوا جزءا من تنظيم إخوان مصر. وانتقد بشدة الإعلام المصري وقال إنه مصاب بهستيريا ويحتاج لعلاج يتلخص في أن يفتح الباب أمام الرأي والرأي الآخر. وعن رغبة بعض النواب الجدد في نقل مقر البرلمان الليبي إلى بنغازي أو إحدى المدن الشرقية بعيدا عن العاصمة طرابلس التي يستعر فيها القتال بين الفرقاء الليبيين، قال إن المشكلة ليست في نقل المقر إلى بنغازي أو بقائه في طرابلس، ولكن الأهم هو أن يكون هناك أمن وأمان في المكان الذي سيعمل منه البرلمان، حتى تكون لديه القدرة على قيادة البلاد وتشكيل حكومة جديدة في هذه المرحلة الحرجة. وإلى أهم ما جاء في الحوار..

* ما تعليقك على ما يقال من أن جماعة الإخوان تعد من الأسباب المباشرة للقلاقل الموجودة في ليبيا؟
- أولا من يقول هذا أقلام غير صادقة، لأن هذا ليس هو منهج الإخوان. نحن منذ بداية الثورة أصبحنا نعمل من خلال مؤسسات الدولة ومن خلال وزارة الثقافة، ويوم أن تعرضنا للعمل السياسي كان توجهنا أن يكون هناك حزب يدخل فيه الإخوان مع غيرهم. حزب وطني بمرجعية إسلامية، وهو الذي يمارس السياسة في العلن ودخل في الانتخابات وانسحب من الحكومة، وله مواقفه بمنأى عن الجماعة.. بقي دور الجماعة إصلاحيا، تحاول أن توفق بين المختصمين، وتتواصل مع كل الأحزاب، وتلعب دورا توفيقيا في هذه المرحلة الحرجة من هذا التاريخ الذي تمر به البلاد. وبالتالي ما يقال عن أن الإخوان من أسباب القلاقل في ليبيا هو كلام عار عن الصحة.
* وهل توجد محاولات قامت بها جماعة الإخوان الليبية في الفترة الأخيرة، أو حتى من جانبك بشكل شخصي، من أجل تهدئة الأوضاع في ليبيا؟
- نحن دعونا وندعو الأطراف المتنازعة للجلوس على طاولة المفاوضات، ونعيب على الحكومة قصورها وعدم تأديتها للدور الذي يجب أن تقوم به، ونرى أن مثل هذه الخلافات الواقعة الآن يجب أن تكون تحت سيطرة الدولة بالدرجة الأولى، وبالتالي كنا نأمل أن الحكومة، سواء حكومة السيد الثني أو من تحل محلها من الحكومات الأخرى، أن تقوم بدورها في هذا الجانب، لكنها للأسف تركت الأمور، أو كما يقول المثل «تركت الحبل على الغارب». ونحن ندعو للجلوس لطاولة المفاوضات والتباحث في المسائل والاحتكام إلى العقل وإلى عقلاء البلد.
* لكن ما تعليقك على خسارة ما يطلق عليه «الإسلام السياسي» لانتخابات البرلمان الجديد، رغم أن النتيجة الرسمية لم تعلن بعد؟
- من خلال النتائج المبدئية التي ظهرت لانتخابات البرلمان، هناك الكثير من الأسماء الإسلامية التي دخلت مجلس النواب. بقيت مسألة الانتماء الحزبي.. وتعلم أن هذه الانتخابات كانت على أساس فردي، وليست أحزابا، فخاض الانتخابات مرشحون إسلاميون وغير إسلاميين، لكن كثيرا منهم ليست لهم انتماءات حزبية.
* يعني لا تعدون أنفسكم قد خسرتم في هذه الانتخابات، أو بالأحرى في البرلمان الجديد؟
- نحن، جماعة الإخوان، لسنا طرفا في المعادلة السياسية أصلا.. حزب العدالة والبناء لم يخض الانتخابات بصفته حزبا، وكذلك التحالف وبعض الأحزاب الأخرى، لكن خاضوا الانتخابات أفرادا.
* هناك كثير من الأقاويل عن جماعة الإخوان في ليبيا، وعلاقتها بهذه الدولة أو تلك. ما تعليقك؟
- البعض يأخذ علينا أننا نكن كل تقدير واحترام للدول التي ساعدتنا في بداية الثورة، سواء قطر أو الإمارات أو السودان، أو غيرها من الدول التي وقفت معنا. فلهذا لا بد دائما أن نتوجه لهم بالشكر والعرفان. هذا رقم واحد.. رقم اثنين نقول إن القرار الليبي لا بد أن يبقى مستقلا عن الكيانات الإقليمية والدولية دون أن يتدخل أي منها في شؤون ليبيا. نحن نشجب تدخل قطر إن كان لها تدخل في القرار الليبي، كما نشجب تدخل الإمارات، أو غيرها، في القرار الليبي وتقسيمها للصف الليبي، فهذا الأمر مسألة مبدأ. نشجب تدخل الدول، أيا كانت، في الشأن الداخلي.
* يجري في الوقت الحالي تدارس مقترحات من أجل نقل مقر البرلمان من طرابلس إلى بنغازي. وكذلك يوجد حديث عن احتمال نقل مقر الحكومة أيضا. هل برأيك يمكن لنقل هذه المقرات من المنطقة الغربية في البلاد إلى المنطقة الشرقية، أن تسهم في تخفيف النزاع في ليبيا، أم يزيده تعقيدا؟
- أعتقد أن هذه المسألة مسألة شكلية سواء كان المقر في طرابلس أم في بنغازي. هذا لا يشكل فرقا كبيرا، لكن الشيء الأساسي الذي ينبغي الاستفادة منه من تجربة المؤتمر الوطني (البرلمان) السابق، هو أنه لا بد أن يتوفر الأمن والأمان لمجلس النواب حتى يستطيع أن يشتغل بحيث لا يعمل تحت تهديدات، ولذلك حتى لو جرى نقل المقر إلى بنغازي فيجب أن تكون هناك تهيئة للأجواء حتى يستطيع أن يكون لمجلس النواب القدرة على قيادة البلاد في هذه المرحلة الحرجة. ثم ما الإشكال في أن يكون مقره في بنغازي طالما توفر الأمن والأمان؟!
* توجد اتهامات من جانب بعض وسائل الإعلام المصرية تقول إن جماعة إخوان ليبيا تستقبل وتخفي كوادر وعناصر من جماعة الإخوان المصريين الهاربين، وتحشد داخل ليبيا من أجل تشكيل ما يسمى «الجيش المصري الحر» لتنفيذ عمليات عبر الحدود ضد السلطات المصرية مستقبلا.
- الإعلام المصري مصاب بهستيريا ويحتاج إلى علاج، وعلاجه هو أن يفتح الباب أمام الرأي والرأي الآخر. هذا أمر.. والأمر الثاني هو أننا، إخوان ليبيا، لسنا جزءا من تنظيم الإخوان المصري.. نحن نحمل فكر الإخوان المسلمين، ولكننا تنظيم ليبي نشأ من ليبيين، وهو تنظيم مستقل في إدارته وفي أعماله وفي اهتماماته. وهذا ما أؤكد عليه باستمرار.. أما المسألة الثالثة فنحن لم نستقبل أيا من الإخوان المسلمين المصريين.. إخوان مصر موجودون في السجون أو خارج السجون، لكن ليس في ليبيا. الأمر الآخر هو أن الإخوة المصريين عليهم ألا يصدروا مشاكلهم الداخلية إلى الشأن الليبي. نحن في ليبيا لنا معادلة تختلف تماما عن المعادلة في مصر. وفي ليبيا نحن لا نقبل مثلا عودة حكم العسكر مرة ثانية إلى ليبيا. نحن عانينا من حكم عسكري أكثر من 40 سنة، والآن لا نقبل بذلك.. أما كون أنه في مصر قبلوا ومشوا في هذا الاتجاه فلهم ظروفهم ولهم أسبابهم ومسبباتهم، لكن نحن في ليبيا نرفض هذه العودة للعسكرة من جديد. نحن ندعو إلى إقامة دولة ديمقراطية فعلية فيها توزيع للسلطات وفيها استقلالية للقضاء واستقلالية للإعلام. هذه هي كل المسائل التي ندعو إليها.. نحن، الإخوان المسلمين في ليبيا، شركاء، وجزء من فعاليات هذا المجتمع، ولسنا أصحاب هيمنة أو سيطرة. نحن من البداية، منذ ما بعد ثورة 17 فبراير 2011 اعتمدنا مبدأ المشاركة، وليس مجرد شعار، بل مبدأ المشاركة وليس المغالبة. نحن جزء من تيار إسلامي عريض موجود في ليبيا. ونتحرك في هذا الإطار.
* لكن ما ردك على ما يقال عن دعم إخوان ليبيا لما يسمى «الجيش المصري الحر»؟
- هذه أكاذيب تصنع في الغرف المغلقة يراد منها الوصول لعمل سياسي معين، لكن أنا أقول إننا، أصلا، لم نعلم عن مصطلح «الجيش الحر» إلا من خلال القنوات الإعلامية التي تردد هذا الكلام الذي لا يوجد له أصل في الواقع. وليس لنا «جيش حر مصري» ولا غير مصري، ولسنا نتعامل في السر في مثل هذه المسائل. ونأمل أن تكون علاقتنا مع جيراننا المصريين علاقة حسن جوار ومصالح مشتركة بين البلدين وألا يجري جرهم إلى مثل هذه الاتهامات والعمل الاستخباراتي الذي يسيء للعلاقات في المستقبل.
* هناك بعض الأطراف في الحكومة الليبية ترى أنه ينبغي الاستعانة بالمجتمع الدولي لحل المشاكل الداخلية العالقة في ليبيا، وهناك اجتماعات لدول الجوار بخصوص الوضع الداخلي الليبي المثير للقلق خاصة فيما يتعلق بتأمين الحدود. ما رأيك في هذا الحراك؟
- أولا نحن نسمع من بداية ثورة 17 فبراير أنه يوجد رفض من كل الليبيين لإيجاد أي قوات في ليبيا من غير الليبيين. ثانيا نحن الليبيين نستطيع أن نحل مشاكلنا فيما بيننا. ثالثا ما يحدث هو توجه من الحكومة الحالية وهو ينم عن ضعف بعد أن عجزت عن تسيير الأمور الداخلية سواء في الملف الأمني أو في ملف الجيش أو ملف الثوار، وعدد من الملفات الأخرى التي ورثتها الثورة من العهد السابق.. وفشلت الحكومة في أن تجد حلولا لكل هذه الملفات، وهي تريد اليوم، بعد أن أفلست، أن تنقل ذلك للمجتمع الدولي. أعتقد أن أكبر خطأ يقعون فيه هو أن يجري إرسال قوات خارجية إلى ليبيا. عندئذ سيتناسى الليبيون كل مشاكلهم ويقفون أمام القوى القادمة من الخارج سواء كانت عربية أو عالمية. لذلك، ما نوصي به هو أنه على الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية أن تساعد وتدعم الحوار الليبي والوصول إلى اتفاقات «ليبية - ليبية» وليست خارجية. إنما إدخال قوات إلى ليبيا بحجة حفظ النظام أو بحجة تطوير شوكة الحكومة أو غيرها فهذا سيؤدي إلى نبذ الحكومة وإلى اتفاق الليبيين ضد مثل هذا التدخل الخارجي إذا حدث.
* وبالنسبة لاجتماعات دول الجوار الليبي والنشاط الذي تقوم به الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي بهذا الخصوص. كيف تنظر لها؟
- الموضوع جد حساس.. نحن نثمن ونقدر هذه المساعي الحميدة من الجامعة العربية ومن الأمم المتحدة، وغيرها من المؤسسات الدولية. وهذا جهد طيب طالما يصب في النهاية في حوار «ليبي - ليبي»، وهذا يوجب على الأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي أن يقفوا مع مجلس النواب المقبل الذي ينبغي أن يعقد سريعا حتى يتسلم زمام الأمور ويشكل حكومة قوية تستطيع أن تواجه التحديات الموجودة. وأن يؤيدوا ويساعدوا في طريق إتمام لجنة الدستور لعمل مشروع الدستور الذي تعده سريعا، حتى ينطلق، وأن تستمر عمليات الانتخابات المحلية في البلديات لتكوين مجالس بلدية للقضاء على المركزية التي تعانيها مناطق كثيرة. إذا ساروا في هذه الخطوات؛ الحوار ودعم المؤسسات القائمة، أعتقد أن هذا سيكون جهدا طيبا. أما إذا تجاوزوا ذلك إلى أن يصبح هناك تدخل خارجي، عندئذ المعادلة ستتغير بالكامل، وهذا ما نحذر منه باستمرار.
* حتى تكون الأمور واضحة.. هل الدعوة للحوار «الليبي - الليبي» تشمل جميع الأطياف الليبية بمن فيها من يسمون «الأزلام»، أي أنصار النظام السابق، ومجموعة قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وبعض الميليشيات المصنفة ميليشيات إرهابية من جانب الولايات المتحدة الأميركية؟ هل الحوار سيشمل الجميع أم أن هناك استثناءات في رأيك؟
- أي فصيل أو مجموعة طالما تقبل بالمسار الديمقراطي وبنتائج الصندوق الانتخابي وبإقامة دولة المؤسسات والتداول السلمي للسلطة.. طالما قُبلت هذه الثوابت فأنا أعتقد أن الكل يحضر، أما إذا كان هناك من يرى أن مسألة الديمقراطية كفر أو غير مقبولة، أو غيرها مما يصب في هذا الاتجاه، فهؤلاء هم من حكموا على أنفسهم بالإبعاد.



قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.


«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.