بانوراما للسينما العربية الجادة في مالمو

5 أيام حافلة بأفلام الهجرة والواقع

فيلم الافتتاح «طلق صناعي»
فيلم الافتتاح «طلق صناعي»
TT

بانوراما للسينما العربية الجادة في مالمو

فيلم الافتتاح «طلق صناعي»
فيلم الافتتاح «طلق صناعي»

تنطلق اليوم، الجمعة، أعمال الدورة الثامنة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» وتستمر حتى العاشر من الشهر وتحتوي على 45 فيلماً من ثمانية عشر بلد بينها عشرة عربية هي السعودية والإمارات ولبنان ومصر والعراق وفلسطين وسوريا وعُمان وقطر وتونس. الدول غير العربية هي المحطات التي لجأ إليها مخرجون عرب للتمويل ومن بينها فرنسا وسويسرا وألمانيا والسويد.
تنضوي هذه الأفلام تحت ستة أقسام. فيلما الافتتاح والختام، وأفلام مسابقة الأفلام الروائية الطويلة (9 أفلام)، ومسابقة الأفلام التسجيلية الطويلة (6 أفلام)، ومسابقة الأفلام التسجيلية القصيرة (9 أفلام)، ومسابقة الأفلام الروائية القصيرة (15 فيلماً)، وقسم «ليالٍ عربية» (فيلمان).
الخروج إلى العالم
قبل ثماني سنوات كان هذا المهرجان حلماً صغيراً لدى رئيسه محمد القبلاوي. سويدي من أصل فلسطيني فتح عينيه على حب السينما وطموحاته أن يقدّم في السويد مهرجاناً للسينما العربية. بذلك كشف عن حبه واهتمامه بالسينما العربية بحد ذاتها وعن رغبته في السعي لأن تشهد حضوراً في ذلك البلد الاسكندنافي.
هذا التأسيس لم يكن جديداً بحد ذاته. فمهرجانات للأفلام العربية كانت قد توزعت ما بين باريس وروتردام ولندن وسان فرانسيسكو وتورونتو وواشنطن العاصمة وسواها حول العالم. الاختلافات بين كل مهرجان منها وآخر قليلة جداً. المدينة التي يُقام فيها المهرجان الواحد هي أكبر هذه الاختلافات، أما المنهج ذاته وما يقوم عليه كل مهرجان وما يحاول إنجازه من هدف فهو واحد رغم بعض التفاصيل.
تطلع السينمائيون إليه في دورته الأولى لكنهم اهتموا به فعلاً بعد نجاح تلك الدورة والدورة الثانية التي زاد فيها إصرار رئيسه على المواصلة مدركاً الدور الذي يريد أن يلعبه ومستطلعاً أدوات اللعبة. ما إن أجادها بعد حين حتى استوى المهرجان كلياً كأحد أهم المهرجانات العربية التي تقام خارج حدود العالم العربي، بل -مع الأخذ ببعض المعايير- أهمها فعلاً.
الآن، وإذ يباشر دورته الثامنة بخطوات واثقة تعكسها الأفلام المنتقاة للغاية بات مقصد العديدين من الباحثين عن فرصة الخروج من العالم العربي صوب الأسواق الدولية خصوصاً بعدما أضاف إلى قنواته سوقاً يلتقي عندها منتجون وموزعون بغاية تبادل المنافع التجارية لسينما ما زالت تحتاج إلى الكثير من الدعم لكي تتحوّل إلى وجود فعلي ومؤثر.
فيلم الافتتاح في هذه الدورة للمخرج الجديد خالد دياب وعنوانه «طلق صناعي»، الفيلم الذي شهدت عروضه التجارية في مصر والإمارات ولبنان اهتماماً ملحوظاً هو العمل الأول لدياب كمخرج، لكنه الفيلم السادس من كتابته، إذ سبق له أن وضع نصوص أفلام معروفة مثل «الجزيرة 2» و«اشتباك».
في فيلمه هذا يطرح مشكلة هروب البعض إلى دول الخارج بحثاً عن مستقبل أفضل، لكنه ليس فيلم قوارب مهاجرة مهددة بهيجان البحر أو نفاد الوقود، بل يتحدث عن زوجين (حورية فرغلي وماجد الكدواني) يريدان الحصول على فيزا للهجرة إلى أميركا ويبتدعان خطة يعتقدانها مؤكدة: اقتحام السفارة الأميركية وإنجاب طفلهما المنتظر فيها.
فيلم الختام يختلف في مضمونه وفي ما يحاول إيصاله من رسالة: طبيب يشرّح جثة ضحية لهجوم إرهابي ويأتي التقرير مخالفاً لكل التوقعات، لكن صحافية مثابرة تؤمن بما قام به وتذود عنه أمام هجمات إعلامية. الفيلم من بطولة أحمد الفيشاوي وروبي ومحمد ممدوح.
تلك المتشاركة في المسابقة الروائية الطويلة تحتوي على «واجب» للأميركية (من أصل فلسطيني) الذي يدور حول الواقع الحاضر للوضع الفلسطيني، إنما من دون الدخول في متاهات القضية. أب (محمد بكري) يستعين بابنه المهاجر إلى إيطاليا (صالح بكري) والذي عاد في زيارة لتوزيع بطاقات دعوة حفل عرس ابنته. الخلاف ينشب حول قائمة المدعوين التي تشمل شخصاً إسرائيلياً يراه الأب السبب في أنه ما زال يعمل أستاذاً في مدرسة ويراه الابن عميلاً إسرائيلياً يفرض مناهج الدراسة وما هو متاح للطلاب دراسته.
في الوضع الفلسطيني ذاته يوفر رشيد مشهراوي فيلمه «كتابة على الثلج» حول وجه آخر من وجوه ذلك الوضع: خلال قصف غزة الكثيف قبل سنوات قليلة يلجأ ثلاثة أشخاص إلى منزل رجل (غسان مسعود) وزوجته (عرين عمري) هرباً من الموت. واحد من هؤلاء اللاجئين مسلح وينتمي إلى «حماس» (من دون ذكر اسمها ويؤديه عمرو واكد)، والآخر جريح (رمزي مقدسي)، والشخص الثالث هي الفتاة التي تعمل في الهلال الأحمر الفلسطيني (يمنى مروان). الدراما كلها تقع في هذا البيت الذي لا يتسع لتضارب الآراء السياسية والعاطفية فيه.
محطات الهروب
ما يقع في العالم العربي من أحداث يقوم المخرج التركي أنداش أوغلو بتحويله إلى فيلم عنوانه «مسافر حلب إسطنبول»، يلجأ فيه إلى عرض رحلة فتاتين (صبايا مبارك وروان أسكيف) هرباً من سوريا إلى تركيا. لا يفصح التلخيص المنشور على موقع المهرجان عن الكثير في ما يتعلق بالحكاية، لكنّ المؤكد أن الفيلم يؤمّن ما يشير إليه عنوانه الواضح، مع تصوير لمأساة النازحين وما يعترضهم من مشكلات.
وهناك رحلة أخرى يؤمّها المخرج العراقي محمد الدراجي في فيلم يحمل الكلمة ذاتها «الرحلة»، لكنها ليست رحلة بعيدة. بطلته امرأة ربطت نفسها بحزام ناسف وانصاعت لرغبة إرهابيين لتفجر نفسها في محطة قطارات بغداد. الناتج فيلم حيوي الحركة وتشويقي المعالجة مع محطات للوقوف على بضعة مضامين مختلفة.
لكن في إطار الهجرة مرّة أخرى نجد الفيلم التونسي «بنزين» لسارة عبيدي. هذا الفيلم يتمحور حول زوجين يعيشان في قرية صغيرة. ابنهما اختفى والبحث عنه يقودهما لاكتشاف أنه انتهج مبدأ جماعة تكفيرية. الدراما ليست في البحث ذاته بل في العلاقة بين الزوجين كما في علاقتهما الواهية بالأمل في لقائهما مع ابنهما الوحيد.
من لبنان يأتي «غداء العيد» للوسيان بورجيلي: دراما ليس عليها أن تغادر البيت الواحد (حيث تقع الأحداث)، فالفيلم، وعنوانه «غداء العيد»، يتناول حكاية عائلة مسيحية كبيرة تلتئم على سُفرة عامرة هي وبعض ضيوفها. فجأة يتحول اللقاء السعيد إلى سجال سياسي وعائلي عندما تفقد ربة البيت مالاً أودعته حقيبتها.
الأفلام الأخرى لا تقل أهمية وهي، كسابقاتها المذكورة أعلاه، بعض أفضل ما سعت السينما العربية لتقديمه. هناك «السعداء» لصوفيا جامة (الجزائر)، و«ورد مسموم» للمصري أحمد فوزي صالح، والمغربي «ليلي» لفوزي بن سعيدي (أحد أهم مخرجي المغرب حالياً). وفي مسابقة الفيلم التسجيلي الطويل تجذبنا الأفلام الستة: «الرجل خلف المايكروفون» لكلير بلحسين (تونس)، و«مرايا الشتات» لقاسم عبد (العراق)، و«الجمعية» لريم صالح (مصري، لبناني، قطري)، و«في الظل» لندى مازني حفيظ (تونس)، و«بيت النهرين» لمايا منير (سوريا)، كما «كباش ورجال» لكريم صياد (فرنسا، سويسرا).
وما يلاحظ أعلاه كثرة الأفلام التي حققتها نساء، لكنّ لهذا وقفة أخرى مختلفة.
عروض جديدة

Angelo ★★★
• دراما تاريخية (القرن الثامن عشر) حول الصبي الأفريقي أنجيلو الذي جيء به كعبد إلى أوروبا وعومل ككيان عجيب. يذكّر بفيلم عبد اللطيف قشيش «فينوس السوداء».
A Private War ★★★
• بعد «8 أيام في عنتيبي» تعود الممثلة روزمند بايك لتاريخ المنطقة الأمنية في دور الصحافية الأميركية ماري كولفين التي قُتلت خلال تغطيتها أحد حروب المنطقة.
Venom ★
• من منتجات سلسلة «مارفل» شخصية «فينوم» كما يؤديها توم هاردي. من يحب أفلام الشركة عليه البحث عن فيلم آخر، كون هذا الفيلم لا يستحق ما هو أبعد من «التريلر».


مقالات ذات صلة

كيف صنعت مجوهرات عزة فهمي لغة فيلم أم كلثوم «الست»

لمسات الموضة المجوهرات كانت ضمن الحبكة السردية والبصرية للفيلم ونجحت أمينة غالي في تحقيق رؤية مروان حامد (عزة فهمي) play-circle 02:28

كيف صنعت مجوهرات عزة فهمي لغة فيلم أم كلثوم «الست»

دخول عزة فهمي عالم السينما ينسجم أولاً مع تاريخها في صناعة التراث وثانياً مع حركة عالمية لم تعد تكتفي برعاية المهرجانات أو الظهور على السجادة الحمراء.

جميلة حلفيشي (القاهرة)
يوميات الشرق روب راينر وميشيل راينر يحضران حفل توزيع الميداليات تكريماً للفائزين بجوائز مركز كنيدي السنوية السادسة والأربعين في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن العاصمة في 2 ديسمبر 2023 (إ.ب.أ)

احتجاز نجل روب راينر بعد العثور على المخرج وزوجته مقتولين بطعنات

عُثر على جثمان المخرج والممثل الأميركي روب راينر وزوجته ميشيل مقتولين في منزل بلوس أنجليس يملكه راينر، حسبما أفاد مسؤول في سلطات إنفاذ القانون الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق فيلم «الست» يحقق افتتاحاً قوياً بأكثر من مليون ريال في أسبوعه الأول (imdb)

شباك التذاكر السعودي: «السلم والثعبان» يتصدر... وافتتاح قوي لـ«الست»

واصل شباك التذاكر السعودي أداءه المستقر خلال الأسبوع الثاني من ديسمبر، محققاً إيرادات تتجاوز 14 مليون ريال، مع بيع نحو 286 ألف تذكرة.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
يوميات الشرق نسمة محجوب مع منى زكي (حساب نسمة محجوب على فيسبوك)

نسمة محجوب: تجربتي في «الست» التحدي الأصعب بمشواري

أعربت المطربة المصرية نسمة محجوب عن فخرها بمشاركتها في فيلم «الست» بالأداء الصوتي للأغنيات، والذي اعتبرته أصعب تحدٍّ خلال مشوارها الفني.

مصطفى ياسين (القاهرة)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في مهرجان البحر الأحمر (يوتيوب)

زانغ زونغشين لـ«الشرق الأوسط»: عملي في المصانع والحراسة كان ملهماً

يقول المخرج الصيني زانغ زونغشين لـ«الشرق الأوسط» إن طريقه إلى السينما لم يبدأ من المعاهد السينمائية، بل من حياة مليئة بالانتقال والعمل الشاق.

أحمد عدلي (جدة)

السينما في 2025... عام مفصلي لتطور تقنيات الإبهار

«سريع وغاضب» واللامعقول (يوينڤرسال)
«سريع وغاضب» واللامعقول (يوينڤرسال)
TT

السينما في 2025... عام مفصلي لتطور تقنيات الإبهار

«سريع وغاضب» واللامعقول (يوينڤرسال)
«سريع وغاضب» واللامعقول (يوينڤرسال)

في مجمله، كان عام 2025 نقطةً مفصلية في مسار السينما على أكثر من صعيد. بدقّة عالية يمكن تحديد العام الحالي على أساس نقطة تفصل بين ما قبله وما بعده، تماماً كما حدث عندما داهم وباء «كورونا» العالم قبل 5 سنوات، فوجدت السينما، كغيرها من القطاعات، نفسها في موقع التحدي والمواجهة.

لكنّ ما يحدث هذه المرّة يختلف؛ فالسينما تدخل عصراً جديداً تبلورت ملامحه في الأعوام السابقة، ثم تجسّد عام 2025 بوصفه واقعاً ثابتاً وقوة مؤثرة في مختلف عناصر الصناعة. الإحاطة بهذه التطورات تكشف حجم تأثير دخول التقنيات إلى عمق البنية الصناعية للسينما.

«بوليت» المطاردة تبدو واقعية لليوم (وورنر)

استبدال شامل

حتى سنوات قليلة مضت، ظلّ إنتاج الأفلام يجري بالطريقة التقليدية: الموافقة على المشروع، ومن ثَم تطويع كل الإمكانات الفنية والتقنية لخدمته وفق موضوعه ونوعه. وكان من المعتاد اللجوء إلى تقنيات الكمبيوتر غرافيكس لإتمام ما يصعب تحقيقه واقعياً، مثل مشاهد مطاردات السيارات في أفلام مثل «بولِت» (Bullitt) 1968، و«ذَ فرنش كونكشن» (The French Connection) 1971، و«رونَن» (Ronin) 1998، التي كانت تُنجز بجهود بشرية شاقة وبمخاطر حقيقية.

اليوم تغيّر القاموس التنفيذي بالكامل. بات في الإمكان تصوير ممثل يركض في «شوارع باريس»، وهو في الحقيقة واقف داخل ستوديوهات «يونيڤرسال»، أمام شاشة خضراء. ويكفي عقد مقارنة بين تلك الأفلام الكلاسيكية وأي فيلم من سلسلة «Fast and Furious» للتأكد من حجم التحوّل.

لكن المدّ لا يتوقف هنا. فالاعتماد على الذكاء الاصطناعي شهد هذا العام قفزة جديدة. صار من الممكن، تنفيذ الفيلم من السيناريو إلى الشاشة عبر منظومة غير بشرية بالكامل: كتابة، إخراج، تصوير، مونتاج، بل وحتى أداء الممثلين.

دافع رئيس

قبل أسبوعين، اعتلى المخرج غييرمو دل تورو منصّة «أميركان فيلم إنستتيوت» لتسلُّم جائزته عن فيلمه الجديد «فرانكنستين»، ونال تصفيقاً حاراً حين أعلن: «فيلمي فني في كل لقطة. خالٍ بنسبة 100 في المائة من الذكاء الاصطناعي».

وعلى الرغم من هذه المواقف، يبقى الدافع الأساسي لاعتماد التقنية واضحاً: تقليص الميزانيات الضخمة للأفلام التجارية. فالذكاء الاصطناعي قادر على خفض التكاليف إلى النصف تقريباً، بحيث تبقى الرواتب هي العبء الأكبر وحدها.

وهذا يتقاطع مع استعداد جمهور واسع لقبول كل ما يقدّم له ما دام يحتوي على جرعات عالية من الأكشن والخيال، دون الاكتراث بما إذا كان الفيلم «بشرياً» أم مُنتجاً آلياً.

«فرانكنستين» 100 في المائة سينما (نتفليكس)

تفكير بالنيابة

يرى المدافعون عن الذكاء الاصطناعي (AI) أنّه يطوّر بصريات الفيلم ويجوّد مؤثراته، لكن هذا صحيح بقدر محدود. فالسينما بلغت قممها على أيدي فنانين أكفّاء صنعوا روائع مثل «ووترلو»، أو «بوني وكلايد»، أو «لورنس العرب»، أو «صنست بوليڤارد»، أو «القيامة الآن».

ما يطلبه الذكاء الاصطناعي ببساطة هو: «لا تفكّر... سأفكّر نيابةً عنك».

وهو ما يشبه ما حدث مع الهواتف الذكية وخرائط «غوغل»: استبدال الجهد الذهني بالاعتماد التام على التقنية.

ولا يعمل الذكاء الاصطناعي وحده في هذا المسار. فعام 2025 هو الامتداد الأكثر شراسة لما بدأ قبل سنوات مع المنصّات المنزلية، التي توفّر عليك مهمّة الانتقال إلى صالات السينما. غايتها ليست راحتك ولا حتى مساعدتك على الحد من النفقات (لم ترتفع أسعار التذاكر إلى المستوى الحالي إلا كرد فعل على انخفاض الإقبال) بل مد أصابعها إلى محفظتك كل شهر. أنت بالتالي، وعلى عكس روعة الحضور الفعلي لصالة السينما، لست أكثر من رقم محفوظ ومصمم لكي تُفيد جهة لن تقوم مطلقاً بتوفير أفلام فنية أو تعالج موضوعات جادّة بفاعلية طالما إنها ليست مطلب الجمهور.

وفي هذا السياق جاء هجوم «نتفليكس» الأخير لشراء «وورنر»، في خطوة توسّع رقعة هيمنة المنصّات. بينما جاء دخول «باراماونت» على خط الاستحواذ لعرقلة هذا التفرّد وإعادة بعض التوازن إلى المنافسة.

لكن السينما المناوئة لم تُهزم بعد وتجد في المهرجانات الفنية مساحة كبيرة للمقاومة كما في مواقف مخرجين يدركون جيّداً أن عليهم الصمود في وجه هذه التيارات.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام من مهرجان «البحر الأحمر» تكسر المعتاد

«العميل السري» (مهرجان البحر الأحمر)
«العميل السري» (مهرجان البحر الأحمر)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام من مهرجان «البحر الأحمر» تكسر المعتاد

«العميل السري» (مهرجان البحر الأحمر)
«العميل السري» (مهرجان البحر الأحمر)

THE SECRET AGENT ★★★★

إخراج: ‪ كلايبر مندوزا فيلو‬

البرازيل | تشويق سياسي

عروض 2025: مهرجان «البحر الأحمر»

يتألّف هذا الفيلم الذي شهد عرضه الأول في مهرجان «ڤينيسيا» هذا العام واستُقبل جيداً في مهرجان البحر الأحمر قبل أيام من 3 أقسام، كل منها بعنوان مختلف، لكن ليس بغرض سرد 3 حكايات مختلفة، بل لربط أحداث كل فصل وشخصياته بخيط واحد يتناول، بالإيحاء غالباً، الجريمة السياسية في البرازيل سنة 1977. وسواء تحدّث القسم الأول عن جرائم قتل ارتكبها نظام تلك الفترة ضد المواطنين، أو رغبة بطل الفيلم مارسيلو (واغنر مورا) في البحث في أرشيف الدولة عن تاريخ عائلته (القسم الثاني)، أو لجوئه للتخفي بعيداً عن أعين مطارديه في محاولته لإعادة فهم وتقييم الواقع المُعاش (عموم الأقسام الثلاثة)، فإنه يوفّر من خلال شخصية بطله نظرة جامعة لأثر الاضطهاد السياسي على حياته فرداً وحياة الآخرين مجموعةً. وهو يفعل ذلك بدراية كاملة وبحرية فنية تجعل الفيلم أكثر إشباعاً لمحبي السينما وتمنح المُشاهد معالجة تبدو كما لو كانت مستقاة من خطوط أحداث لا نراها، بل نعايشها كما نعايش الماثل أمامنا. هذا كان شغل فيلو منذ فيلمه الأول «أصوات مجاورة» (Neighboring Sounds) وما زال شغله الآن، حيث ما نراه وما لا نراه يتساويان في الإيحاء والأهمية.

يستخدم فيلو السينما مرآة تعكس ذاكرة تقض المضاجع. مارسيلو يعيش في ماضيه كما في واقعه الحالي. يلجأ إلى بلدة تعيش طقوساً احتفالية لا يأبه لها كثيراً، إذ إن غايته إعادة الوصل بينه وبين ابنه الذي يعيش في الخيال. كل هذا والشعور بأن السلطة والعاملين فيها أو متعاملين معها موجودون عن قرب، حتى وإن لم نرَ لهم حضوراً فعلياً.

يتحرك الفيلم بحرية بين موضوعاته وأقسامه، غير مرتبط بمنهج سرد معيّن، ولكثرة مشاغله وما يود البحث فيه هناك تطويل يطغى، لكنه يبقى قادراً على جذب الاهتمام طوال الوقت. ما يتبلور على الشاشة هو عمل يجمع بين سيرة شبه شخصية لرجل يرفض نسيان الأمس وبين حب السينما كلغة تعبير، وثقة المخرج بالكيفية التي ينجز فيها مفرداته هذه.

BLACK RABBIT‪,‬ WHITE RABBIT ★★★

إخراج: شهرام مقري

طاجيكستان/ الإمارات العربية

المتحدة | دراما

عروض 2025: مهرجان «البحر الأحمر»

هذا فيلم غريب يُقدّر لحريّة المخرج في معالجته المبنية، بوضوح، على الخروج من شروط السرد المعتمد عادةً إلى آخر يتطلّب من المُشاهد التحرك بالاتجاه نفسه، متجاوزاً بدوره ما اعتاد عليه.

«أرنب أسود، أرنب أبيض» (مهرجان البحر الأحمر)

يدور في أرض تعود إلى استوديو حيث يُصوَّر فيلمان معاً في رقعة واحدة. رغبة المخرج مقري تعتمد على الإكثار من استخدام حريّته في رصف الفيلم الذي يريد كما يريده. هذا يخلق وضعاً تتكرر فيه المشاهد والحوارات، كما الحال عادةً خلال صنع الأفلام. نرى المشهد نفسه مع تغيير طفيف أكثر من مرة، تبعاً لرؤية مخرج يهوى التجريب ويراه مدخلاً مناسباً لسينماه. امرأتان ورجل ومسدس قديم هم محور ما يدور، لكن في وسط ما يبدو تكراراً، حضور لطبقات جديدة تتوالى الظهور.

من حسنات الفيلم التصوير (لمرتضى غايدي)، الذي يؤسس لنظام عمل متكامل يتواكب مع رغبة المخرج في تشغيل مخيلة المُشاهد وتعزيز أسلوبه. في أحيان كثيرة، يؤدي ذلك، ولو بالقصد، إلى الخلط بين الحدث الذي يقع في الفيلم الذي نراه، وذلك الحدث الآخر الذي ينطوي عليه الفيلم داخل الفيلم.

LOST LAND ★★★

إخراج: أكيو فوجيموتو

اليابان/ ماليزيا/ فرنسا

دراما عن الهجرة

عروض 2025: مهرجان «البحر الأحمر»

لا بد أن الشعور الإنساني في صميمه هو ما يدفع مخرجاً يابانياً للانتقال إلى بنغلاديش لتصوير موضوع محلي الحدث مع شخصيات محلية بدورها.

«أرض مفقودة» (مهرجان البحر الأحمر)

في «أرض مفقودة» متابعة لمصير صبي في الرابعة من العمر وشقيقته ابنة التاسعة، وقد قررا الاشتراك في رحلة تبدأ في حافلة تقل عشرات الأشخاص وتنتهي بهما بعد أيام من المشاق، وقد أصبحا وحيدين. مما يتبدى أن غاية المخرج فوجيموتو هي الحديث عن الهجرة غير الشرعية عموماً، مع تمهيد للشخصيتين قبل التحوّل عنهما لتصوير آخرين يؤمّون الهدف نفسه ويعيشون مصاعبه. سيعود المخرج للصبي شافي وأخته سميرة لاحقاً بعد أن يؤسس صورة عامة.

رغبة هذين الولدين هي ترك بنغلاديش في محاولة للقاء والديهما اللذين كانا قد هاجرا إلى ماليزيا. ليس هناك كثيراً لتداوله حول ظروف ما قبل قرارهما بالهجرة، لكن الحكاية تنتهي بهما وقد وجدا نفسيهما في تايلاند. على ذلك، يلتقي هذا المنهج مع حقيقة أن الشخصيات المحيطة تهاجر من دون القدرة على اتخاذ قرارات صائبة. في عموم الفيلم، هم آملون بمستقبل أفضل في عالم لا أمل فيه بالنسبة إليهم على الأقل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


شهد أمين لـ«الشرق الأوسط»: «هجرة» يكسر نموذج المرأة الواحدة

شهد أمين في حوار معها من داخل مهرجان البحر الأحمر (المهرجان)
شهد أمين في حوار معها من داخل مهرجان البحر الأحمر (المهرجان)
TT

شهد أمين لـ«الشرق الأوسط»: «هجرة» يكسر نموذج المرأة الواحدة

شهد أمين في حوار معها من داخل مهرجان البحر الأحمر (المهرجان)
شهد أمين في حوار معها من داخل مهرجان البحر الأحمر (المهرجان)

بين حضور دولي، بدأ مع فيلم «سيدة البحر» عام 2019، وصولاً إلى اختيار فيلمها الجديد «هجرة» لتمثيل السعودية في سباق الأوسكار 2026، تبدو المخرجة السعودية شهد أمين أكثر وضوحاً في صياغة رؤيتها السينمائية، خاصة أن الفيلمين يتقاطعان في السرد النسوي، حيث يقدمان نظرة لأحوال المرأة ومعالجة عميقة لقصصها.

وفي حوار أجرته معها لـ«الشرق الأوسط» من داخل مهرجان البحر الأحمر السينمائي بجدة، حيث يشارك فيلمها في المسابقة الرسمية، جاء السؤال الأول عن هذا التقاطع، لتجيب: «كنتُ واعية تماماً وأنا أعمل على (هجرة)، فأنا لا أريد تكرار نفسي، ولا تقديم فيلم يشبه (سيدة البحر)... أردتُ أن أكتب من نقطة مختلفة، من اللحظة التي نعيشها الآن، ومن السؤال الذي يشغلني شخصياً: ما الذي أريد قوله للعالم اليوم؟».

نساء الأجيال الثلاثة

أمين، التي تقدم في «هجرة» رحلة المرأة السعودية عبر 3 أجيال، تشير إلى انزعاجها من الفكرة الدارجة اليوم حول تصوير «المرأة المعاصرة» بوصفها النسخة الوحيدة الصحيحة، وكأنها جاءت لتُصحّح أخطاء الأجيال السابقة من الأمهات والجدات وكل النساء السابقات، مضيفة: «شعرتُ أن هذه النظرة فيها قدر من النرجسية». وتتابع: «نحن نرى الحياة اليوم من منظور معاصر ومختلف جذرياً، لكن هذا لا يعني أن تفكيرنا هو الصحيح وتفكيرهنّ هو الخطأ... كنتُ أريد أن أعطي حقاً للنساء اللواتي جئن قبلنا».

وتمضي لشرح رؤيتها التي تشكلت في «هجرة» قائلة: «أردتُ أن أقدم أجيال النساء من دون أحكام... نعم، هناك صراع بين الأجيال، لكنه صراع ينتهي بتفاهم، وبإدراك أن اختلافنا طبيعي وليس تهديداً. اليوم، العالم كلّه يضغط ليجعلنا نموذجاً واحداً، وفكرة واحدة... بمعنى: إذا لم تشبهني فأنت مخطئ أو شرير أو مريض. بينما الحقيقة أننا يمكن أن نختلف، ونظل نتقبّل بعضاً».

فيلم هجرة يتناول العلاقات المتشابكة بين أجيال من النساء (الشرق الأوسط)فيلم «هجرة» يتناول العلاقات المتشابكة بين أجيال من النساء (الشرق الأوسط)

«هجرة»... الحكاية العميقة

حضرت «الشرق الأوسط» عرض فيلم «هجرة» في المهرجان، حيث شهد إقبالاً كبيراً وبيعت التذاكر بالكامل، والفيلم الذي يأتي من بطولة خيرية نظمي ونواف الظفيري والوجه الصاعد لمار فادن، تعود قصته لعام 2001، حين تقرر الجدة اصطحاب اثنتين من حفيداتها لأداء فريضة الحج، وبعد أن تتوه واحدة منهما، تقرر الجدة في لحظة صعبة أن تترك الحج وتبحث عن حفيدتها الضائعة، وخلال الرحلة يتكشف الكثير من الأسرار.

شهد أمين حرصت على إظهار واقعية العلاقة الإنسانية بين الجدة والحفيدة، بعيداً عن الحوارات المطولة والتعابير المبالغ بها، حيث برزت لغة العيون والإيماءات بشكل أكبر في أداء كل شخصية، كما أظهرت تفاصيل ما يحدث حول رحلة الحج ذاتها، والشخصيات الهامشية التي تعيش على بيع السبح وماء زمزم وتوصيل الحجاج، والطقوس التي تعصف بالمكان في تلك الفترة الغنيّة بالقصص والأحداث، ما يجعله فيلماً ينحاز للعمق وصدق التجربة.

الأوسكار... الواقعية قبل الحلم

وبواقعية شديدة، تجيب أمين حول سؤالها عن فرص فيلم «هجرة» في الوصول إلى القائمة القصيرة ومن ثم النهائية للأوسكار، قائلة، «دعينا نقول إن الوصول إلى القائمة القصيرة هو الخطوة الأهم... وبصراحة، كل مخرج يكون لديه قدر من التفاؤل في هذه المرحلة، لكن يجب أن نكون واقعيّين؛ لأن الوصول إلى الأوسكار لا يعتمد فقط على جودة الفيلم، بل يحتاج أيضاً إلى حملة إعلامية ضخمة في لوس أنجليس».

وتستكمل حديثها: «نتمنى الوصول إلى القائمة القصيرة، لكني أرى أن الوصول إلى القائمة النهائية صعب جداً... ومع ذلك، لم لا؟ نقول إن شاء الله... في هذا العام أفلام عربية جميلة وقوية، وجودتها عالية، وأتوقع أن يصل أحدها إلى الأوسكار... نتمنى أن نكون نحن، لكن قد يكون فيلماً عربياً آخر، لا أحد يعلم!».

أحدث جلسة تصوير لشهد أمين في مهرجان البحر الأحمر (المهرجان)

أفلام المهرجانات أم السينما التجارية؟

ولأن أفلام شهد أمين دائماً حاضرة في المهرجانات السينمائية بخلاف دور العرض التجارية، تحتم علينا سؤالها إن كانت مخرجة لأفلام المهرجانات، لترد: «بصراحة، نعم. أفلامي تُصنَّف عادة ضمن أفلام المهرجانات، صحيح أن (سيدة البحر) عُرض في صالات السينما، لكن حضوره كان أفضل في المهرجانات».

وترى أمين أن هناك فرقاً كبيراً بين أفلام شباك التذاكر والأفلام التي تُقدَّم للمهرجانات، وعن ذلك تقول: «الأفلام التجارية تستهدف السوق مباشرة، وتُبنى على فورمات معروفة تشبه ما اعتدنا عليه في السينما الأميركية أو نوع الأفلام الخفيفة التي يعرف الجمهور شكلها مسبقاً، بحيث يدخل المشاهد الفيلم وهو يعرف تقريباً الإيقاع المتوقع، والنهاية المحتملة، والمشاعر التي سيخرج بها».

وتضيف: «أفلام المهرجانات شيء آخر... فهي أفلام تحاول أن تأخذ الجمهور في رحلة مختلفة، بتجربة بصرية أو سردية غير مألوفة. ليست مصممة لاسترضاء الجميع، وقد لا تحظى بقبول واسع، لكنها دائماً تحمل طبقات وعمقاً وتجريباً أكبر من الأفلام التجارية، ولهذا السبب نجد المهرجانات تبحث عن هذا النوع من الأعمال؛ لأنها تضيف صوتاً جديداً وشكلاً جديداً للسينما».

وبالسؤال عن طرح «هجرة» في صالات السينما السعودية، تكشف أمين عن أن الموعد «قريب جداً»، وقد يكون «في مطلع عام 2026 تقريباً»، لكنها تؤكد أن القرار يعود للموزّعين والمنتجين. وتضيف: «الحلم الحقيقي لأي صانع أفلام هو تحقيق المعادلة الصعبة: فيلم يحمل عمقاً فكرياً وشاعرية، وفي الوقت نفسه يمنح الجمهور تجربة ممتعة ومؤثرة... إذا نجح (هجرة) في ذلك فسأكون ممتنّة جداً».

المخرجة العربية... خارج القوالب

وعند الحديث عن حضور المخرجات العربيات، من هيفاء المنصور إلى كوثر بن هنية ونادين لبكي وشيرين دعيبس، في المهرجانات الدولية، ترى أمين أن الصورة أكثر تعقيداً مما يبدو، قائلة: «في الغرب، وخصوصاً في أميركا، تعمل المخرجات غالباً في مساحة السينما المستقلة؛ لأن السينما التجارية ما زالت ذكورية... القصص يكتبها رجال، ويُنتجها رجال، وتُساق ضمن قوالب مألوفة».

وتشير إلى أن السينما المستقلة تمنح المخرجات مساحة أكبر لتقديم رؤية مختلفة، مضيفة: «في العالم العربي اليوم، عدد المخرجات الشابات أكبر من عدد المخرجين، ولهذا نراهن كثيراً في المهرجانات العالمية... البعض يظن أن وجود المرأة في هذه المنصات هو مجرد (مجاملة)، وهذا غير صحيح إطلاقاً... كل الأسماء التي نراها - من الخليج إلى شمال أفريقيا - قدّمت أفلاماً تستحق مكانتها».

وتختم المخرجة شهد أمين حديثها بالقول: «دائماً ما يُسألني الناس: ما الصعوبات التي واجهتها لأنك امرأة؟ الحقيقة أن المخرجات السعوديات والعربيات اليوم أكثر حضوراً من نظيراتهن في أوروبا... وأنا فخورة جداً بذلك».