مخيم الركبان السوري على أبواب «المصالحات» والتسوية

مخيم الركبان قرب الحدود السورية - الأردنية («الشرق الأوسط»)
مخيم الركبان قرب الحدود السورية - الأردنية («الشرق الأوسط»)
TT

مخيم الركبان السوري على أبواب «المصالحات» والتسوية

مخيم الركبان قرب الحدود السورية - الأردنية («الشرق الأوسط»)
مخيم الركبان قرب الحدود السورية - الأردنية («الشرق الأوسط»)

عقد وجهاء من العشائر وممثلون مدنيون عن مخيم الركبان الواقع أقصى جنوب شرقي سوريا على الحدود السورية - الأردنية، اجتماعا مع ممثلين عن النظام السوري، بينهم ضابط في منطقة الجليغم الحدودية مع المنطقة الـ55، المحمية من قاعدة التنف التي يديرها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.
وبحسب وثيقة أولية، عرضت بنود الاتفاق بين الأطراف الممثلة لمخيم الركبان والنظام الذي توصلت إليه الأطراف، يوم السبت الماضي 29 سبتمبر (أيلول) 2018، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، فإن الاجتماع بين الأطراف عقد في تمام الساعة الثانية ظهراً بعد موافقة رئيس شعبة المخابرات التابع للنظام المسؤول عن منطقة البادية، والتنسيق مع الفرع 221 الذي تنتشر عناصره وحواجز تابعه له في المنطقة المتاخمة للمنطقة المحمية الـ55 التي يوجد بها مخيم الركبان؛ حيث تم الاجتماع في منطقة محايدة قريبة من حاجز يعرف باسم حاجز الجليغم.
وأوردت الوثيقة عدة مطالب لممثلي مخيم الركبان، أولها علاج الحالات الصحية الحرجة التي حدد عددها بـ150 حالة، وطالبوا بتلقي هذه الحالات العلاج في مشافي الحكومة السورية في دمشق أو غيرها، وتسوية أوضاع الأشخاص المرضى الذين سيتم أخذهم إلى مشافي النظام، سواء كانت تسوية أمنية أو التخلف عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية.
ولم تذكر اللجنة المدة المخصصة للتسوية بستة أشهر، على غرار مناطق التسويات والمصالحات التي جرت في سوريا، كما طالب وفد مخيم الركبان بإنشاء نقطة طبية مؤقتة قريبة من مواقع النظام المتاخمة للمنطقة التي يوجد بها المخيم. في المقابل، أبلغهم وفد النظام السوري بوجود نقطة طبية قرب حاجز الجليغم.
كما يتعهد، بحسب الوثيقة الأولية، كلّ شخص قائم على مجموعته في مخيم الركبان بوضع جداول اسميّة لكلّ الأشخاص، للبدء في إجراء تسوية شاملة لهم، إضافة إلى تقديم وثائق ولوائح للمتخلفين عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية وفق جداول مستقلّة، وقائمة مستقلة ثانية تشمل أسماء الموظفين الراغبين في العودة إلى وظائفهم في مناطق النظام.
كما طالب عدد من عرب الزرقاء بأن تسمح لهم الفرقة الأولى في جيش النظام بـ«نقل المياه من سد كذبة إلى مواشيهم في منطقة جليغم وفق شروط يتم الاتفاق عليها»، وطالب وجهاء مدينة القريتين ووجهاء من مدينة تدمر، بالسماح لهم بنقل المجموعات المدنية التي يقومون عليها في مخيم الركبان بسياراتهم الخاصة، بعد تسوية أوضاعهم، وتزويد الطرف الثاني بكافة المعلومات عن الشاحنات الناقلة وأصحابها وركابها.
فيما تعهد ضابط أمن المنطقة الـ55 التي يوجد بها مخيم الركبان «أبو الأثير الخابوري» أحد القادة العسكريين في «جيش مغاوير الثورة» الذي يشرف عليه التحالف الدولي في منطقة التنف والمنطقة الـ55 المحيطة بها، بحماية وضمان أي قوافل إنسانية وإغاثية، والكوادر المشرفة على التوزيع بالكامل، على أن تكون غير مصحوبة بأي جهة أمنية أو عسكرية تابعة للنظام السوري. كما طالب أحد الوجهاء الممثلين عن مخيم الركبان بانتقال الرافضين للتسوية وعدد من الأهالي إلى الشمال السوري، عبر طريق محددة من البادية إلى الشمال السوري، دون أي سلاح، وفي حال وجد أي سلاح يتم تسليمه أصولاً.
في المقابل، تعهد وفد النظام السوري بنقل مطالب الممثلين عن مخيم الركبان إلى دمشق على وجه السرعة، وأنه سيكون هناك لقاء آخر لنقل ما تمت الموافقة عليه من قبل النظام، ومن المتوقع دخول الحالات الإنسانية غداً أو بعد غد لأي منطقة في سوريا تحت سيطرة النظام لتلقي العلاج. وتعتبر الوثيقة بمطالب وجهاء الركبان مقدمة للنظام السوري، للبدء في عمليات التسوية والمصالحات مع النظام السوري.
وبحسب مصادر ميدانية من داخل مخيم الركبان، فإن اللجنة الممثلة لسكان المخيم تمثلت بوجهاء عشائر العمور وبني خالد، وممثلين عن سكان مدن تدمر ومهين والقريتين (شرق حمص) القانطين في المخيم. واجتمعت مع وجهاء عشائر من مناطق النظام السوري وضابط من جيش النظام، بهدف الوصول إلى صيغة تفاهم لتسوية أوضاع الراغبين في مخيم الركبان، والعودة إلى مناطقهم وبلداتهم التي يسيطر عليها النظام السوري وفقاً للاتفاق، بعد تسوية أوضاع المطلوبين أمنياً والمتخلفين عن الالتحاق بالخدمة الإلزامية والاحتياطية، ومعالجة المرضى الموجودين في المخيم.
وأكد المصدر أن مخيم الركبان فيه مجلس إدارة مدنية مشكلة من قبل الأردن، ومجلس محلي آخر تم تشكيله من قبل التنف، وأن الممثلين لمخيم الركبان القائمين على الاتفاق الأخير هم من المجلس المشكل من قبل التنف، بإشراف «جيش مغاوير الثورة». وحضر الاجتماع الأخير كل من «أبو الأثير الخابوري» المسؤول عن أمن المنطقة الـ55 في «جيش مغاوير الثورة»، واثنان من الإعلاميين التابعين لـ«المغاوير»: «أبو عبد الله»، و«أبو جراح»، كما حضر ضباط من النظام السوري في البادية السورية.
وأشار إلى أن «فصيل (جيش مغاوير الثورة) كان حاضراً للاجتماع، كون المنطقة خاضعة لسيطرتهم؛ لكن ليس لهم دور في الاتفاق، وبالمقابل لن يعرقلوه، وسيدعم الفصيل أي قرار يتم التوصل إليه من قبل المفاوضين». وأكد المصدر أن فصائل المعارضة في المنطقة المحمية من التحالف (الـ55 كم)، وقاعدة التنف، لم تقف ضد الاتفاق، واعتبرته أمراً خاصاً بالمدنيين، مع التأكيد على الاستمرار في حماية المدنيين والمنطقة ضد أي هجمات.
وقال الشيخ فيصل الحدار، مسؤول الإدارة المدنية في مخيم الركبان لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحالة المأساوية والمعاناة مستمرة في المخيم منذ سنوات دون تدخل لحل مشكلاته، سواء من الأمم المتحدة أو (اليونيسيف)؛ حيث اقتصرت المساعدات المقدمة لسكان المخيم على أمور صحية وغذائية بسيطة، وسط انتشار للجوع والفقر والبطالة والأمراض، وتفاقم هذه الظواهر لعدم توفر أي مقومات للمخيم منذ سنوات».
وأشار إلى أن ما يريده سكان المخيم ضامن حقيقي للخلاص من مأساتهم في المخيم، وأن المساعي الأخيرة للتسوية وعودة الأهالي من المخيم إلى مناطقهم التي يسيطر عليها النظام، بحاجة إلى ضمانات حقيقة، لتضمن سلامتهم من الملاحقات الأمنية أو التجنيد الفوري في جيش النظام السوري أو الاعتقالات، وأن هذه الضمانات لا تزال معدومة حتى الآن، وهناك مخاوف من خروقات النظام السوري للاتفاق في المناطق المذكورة في الوثيقة، وأن معظم الأهالي الذين قبلوا بهذا الاتفاق من سكان مخيم الركبان هم من الذين لهم أقارب في مناطق النظام بريف حمص، أو من المناطق التي أجرت فصائلها تسويات مع النظام السوري مؤخراً، مثل فصيل «لواء شهداء القريتين» من مدينة القريتين شرق حمص.
سعيد سيف، مصور الفيلم الوثائقي «سكان الأرض المحرمة» الذي يحاكي معاناة سكان مخيم الركبان على الحدود السورية – الأردنية، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن سكان مخيم الركبان يعيشون مأساة حقيقية وسط صمت دولي عن معاناتهم، وإنه من خلال زيارته للمخيم يؤكد افتقار سكان مخيم الركبان لأبسط مقومات الحياة، وحتى المياه الصالحة للشرب، إضافة إلى انتشار الأوبئة والأمراض بين سكانه، خاصة الأطفال منهم، نتيجة طبيعة المنطقة الصحراوية القاحلة، وبعدها عن المناطق المأهولة، وانعدام المقومات الصحية في المخيم.
وأشار إلى أن العالقين في منطقة مخيم الركبان تلقوا وعوداً أممية كثيرة لتحسين أحوال المخيم، سواء التعليمية أو الصحية أو المعيشية، في حين كانت الوعود الدولية تختلف عن التطبيق على أرض الواقع؛ حيث كانت مساعدات جزئية لم تكبح ظاهرة التسرب الطلابي في المخيم، ولم تساعد العالقين فيه على تجاوز المحن الصحية التي يمرون بها، كما أن المساعدات الإغاثية التي كانت تقدم لسكان المخيم لم تكن ذات جودة عالية؛ لكنها تساعد على الاستمرار في الحياة، ولم تكن تكفي العائلة الواحدة لأيام قليلة.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.