تأجيل استئناف الحوار الوطني التونسي إلى الاثنين.. وعقبات أمام نجاحه

بائع تونسي يعرض أعلاما وقبعات في ساحة محمد البوعزيزي بسيدي بوزيد بمناسبة احتفالات انطلاق الثورة في تونس (أ.ف.ب)
بائع تونسي يعرض أعلاما وقبعات في ساحة محمد البوعزيزي بسيدي بوزيد بمناسبة احتفالات انطلاق الثورة في تونس (أ.ف.ب)
TT

تأجيل استئناف الحوار الوطني التونسي إلى الاثنين.. وعقبات أمام نجاحه

بائع تونسي يعرض أعلاما وقبعات في ساحة محمد البوعزيزي بسيدي بوزيد بمناسبة احتفالات انطلاق الثورة في تونس (أ.ف.ب)
بائع تونسي يعرض أعلاما وقبعات في ساحة محمد البوعزيزي بسيدي بوزيد بمناسبة احتفالات انطلاق الثورة في تونس (أ.ف.ب)

تقرر تأجيل استئناف الحوار الوطني في تونس إلى بعد غد الاثنين، بعد أن كان مقررا أن تعود جلساته للانعقاد أمس. وتجري منذ التوصل مساء السبت الماضي إلى اختيار مهدي جمعة وزير الصناعة الحالي في حكومة علي العريض لترؤس الحكومة الجديدة مشاورات متعددة لاستئناف هذا الحوار المعلق منذ بداية الشهر الماضي.
وفي هذا الصدد، أجرى رؤساء المنظمات الراعية للحوار (نقابة العمال، واتحاد الأعراف، وعمادة المحامين، ومنظمة الدفاع عن حقوق الإنسان) في اليومين الأخيرين اتصالات مكثفة، حيث التقوا أمس الجمعة كلا من راشد الغنوشي رئيس حزب حركة النهضة الإسلامية القائد للائتلاف الحاكم في تونس، ومصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان التونسي)، وكانوا قد التقوا صباح أول من أمس الخميس رئيس الجمهورية المؤقت المنصف المرزوقي، والباجي قائد السبسي رئيس حزب حركة نداء تونس (ليبرالي).
وقال مصدر قريب من رباعي المنظمات الوطنية لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك تقدما كبيرا لتحضر كل الأطراف السياسية جلسات الحوار المقبلة»، مضيفا أنه «يجري العمل على تذليل ما تبقى من عقبات». كما علمت «الشرق الأوسط» من مصادر أخرى مطلعة تشارك في الحوار أن هذا التأجيل في استئناف الحوار جاء بالخصوص لـ«فسح المجال أمام بعض الأحزاب حتى تعيد النظر في مواقفها بخصوص المشاركة في الحوار».
ولئن كان أحمد نجيب الشابي، القيادي في الحزب الجمهوري المعارض (وسط اليسار)، قد أعلن بداية الأسبوع عن مقاطعة حزبه للحوار، وهو ما رأت فيه بعض الجهات موقفا قد يتسبب للحزب في الإحراج في صورة قبول بقية الأحزاب المعارضة بالعودة لطاولة الحوار، فإن حزب حركة نداء تونس عبر عن استعداده للمشاركة في عملية استئناف الحوار، وكذا بالنسبة لحزب المسار الاجتماعي الديمقراطي (يساري). في حين أعلنت الجبهة الشعبية (تجمع لأحزاب يسارية وقومية عربية) يوم الخميس الماضي على لسان حمة الهمامي الناطق الرسمي باسمها عن «تعليق مشاركتها في هذا الحوار في انتظار التشاور مع شركاء الجبهة من داخل جبهة الإنقاذ المعارضة ومن خارجها». ومن المنتظر أن تكون الجبهة قد عقدت أمس اجتماعا لتحديد موقفها النهائي من العودة للمشاركة في أولى جلسات الحوار الاثنين المقبل.
وتأتي هذه المواقف من المشاركة في عملية استئناف الحوار من عدمها، على خلفية الطريقة التي تمت بها عملية اختيار مهدي جمعة رئيسا جديدا للحكومة، حيث اعتبرت أحزاب المعارضة أن العملية لم تتم بالتوافق مثلما تنص على ذلك خارطة الطريق التي طرحها الرباعي الراعي للحوار على الأحزاب المشاركة في هذا الحوار، علما بأن ثمانية أحزاب من المعارضة لم تشارك في عملية التصويت على اختيار جمعة رئيسا للحكومة.
كما علمت «الشرق الأوسط» من نفس المصدر القريب من المنظمات الراعية للحوار أن لقاء الرباعي بمصطفى بن جعفر وراشد الغنوشي تناول بالأساس موضوع «تقدم المسار التأسيسي خاصة آجال الانتهاء من صياغة الدستور والمصادقة عليه، وتجاوز إشكال تكوين الهيئة المستقلة العليا للانتخابات». وتجدر الإشارة إلى أن حركة النهضة عبرت أكثر من مرة عن تمسكها بوجوب «تلازم المسارين الحكومي والتأسيسي»، وربطت ذلك بالاستقالة الفعلية لحكومة علي العريض. وهي تدفع باتجاه أن تتزامن عملية ممارسة الحكومة الجديدة لمهامها فعليا مع عملية المصادقة على الدستور الجديد وتكوين لجنة الانتخابات والإعلان عن تاريخ الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، علما بأنه يتوجب على الحكومة الجديدة لتسلم مهامها رسميا نيل ثقة المجلس الوطني التأسيسي الذي تحتفظ فيه النهضة بالأغلبية.
وترى بعض الأوساط المراقبة أن هذه المسألة من أهم العقبات التي سيصطدم بها الحوار الوطني عند استئنافه، وستكون محل أخذ ورد كبيرين، وقد تؤثر على روزنامة باقي بنود خارطة طريق الرباعي، خاصة من حيث الترتيبات العملية المتعلقة بتكليف رئيس الحكومة الجديد من قبل رئيس الجمهورية، ونيل ثقة المجلس التأسيسي وفقا لما هو منصوص عليه في القانون المنظم للسلطات الجاري به العمل في تونس منذ أواخر سنة 2011.
العقبة الأخرى تتعلق بتشكيلة الحكومة المرتقبة، حيث ينتظر أن تكون هذه المسألة بدورها محل تجاذبات كبرى بين أحزاب المعارضة والائتلاف الحاكم الذي تقوده حركة النهضة. ولئن كان هناك شبه إجماع على وجوب أن تكون الحكومة المقبلة مصغرة ويتراوح عدد أعضائها بين 15 و20 وزيرا على أقصى تقدير، فإن المعارضة ترى وجوب ألا تضم أي عضو من الحكومة الحالية. وتتحدث بعض الجهات عن استثناء وحيد يتصل بوزير الداخلية لطفي بن جدو الذي قد لا ترفضه المعارضة، في حين ترى أطراف من الائتلاف الحاكم أن الكثير من الوزراء الحاليين تتوافر فيهم صفة الاستقلالية، وأنهم مؤهلون لتقلد مناصب في الحكومة الجديدة، وهو الموقف الذي عبر عنه عماد الدايمي، الأمين العام لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، أحد أطراف الائتلاف الحاكم.
في غضون ذلك، أظهر آخر استطلاع للرأي أنجزته إحدى المؤسسات التونسية المختصة أن 48 في المائة من التونسيين غير راضين عن الطريقة التي تمت بها عملية اختيار مهدي جمعة رئيسا للحكومة التونسية الجديدة، على أن نحو 70 في المائة من المستجوبين متفائلون بنجاحه في مهامه. أما بخصوص الانتخابات التشريعية المقبلة فقد أظهر استطلاع الرأي أن حركتي نداء تونس والنهضة تتصدران نوايا التصويت مع تقدم لنداء تونس على النهضة بـ11 نقطة. في حين جاء الباجي قائد السبسي في المرتبة الأولى من حيث نوايا التصويت في الانتخابات الرئاسية بـ34 فاصل 5، (علما بأنه كان حصل في استطلاع شهر أكتوبر/ تشرين الأول، الماضي، الذي أجرته نفس هذه المؤسسة، على نسبة 45 فاصل 3 في المائة) في حين جاء الرئيس الحالي محمد المنصف المرزوقي في المرتبة الثانية بـ7 فاصل 1 في المائة (محافظا على نفس النسبة تقريبا)، وحمة الهمامي في المرتبة الثالثة بـ6 فاصل 9 في المائة (متأخرا بنحو 3 نقاط عن الاستطلاع السابق).
على المستوى الأمني كشفت صحيفة «الشروق» اليومية التونسية في عددها الصادر أمس أن وزارة الداخلية «أحبطت مخططا لتفجير مقر الاتحاد العام التونسي للشغل (النقابة العمالية) عن طريق انتحاري كان يعتزم أن يفجر نفسه».
وأضافت الصحيفة استنادا إلى مصدر مطلع لم تبين الجهة التي ينتمي إليها أن «مدير عام إدارة المخابرات التابعة لوزارة الداخلية نجح في إحباط مخطط لتفجير مقر الاتحاد العام التونسي للشغل بالعاصمة». وقالت الصحيفة إن «معلومات استخباراتية وردت، تفيد بأن هناك شابا في الثلاثين من عمره كان يعتزم تفجير مقر منظمة الشغيلة»، مضيفة أنه «تمت مراقبة ساحة محمد علي (وسط العاصمة حيث يقع مقر اتحاد الشغل) من قبل الإرهابيين قبل يوم تنفيذ العملية»، مؤكدة أنه «وقع اعتقال منفذ ومخطط الجريمة».
كما بينت الصحيفة من جهة أخرى أن الإدارة العامة للمصالح المختصة التابعة لوزارة الداخلية التونسية «نجحت في إفشال عمليات تفجيرية بكل من ولايات سوسة والمنستير (الوسط الشرقي لتونس) وقبلي (الجنوب الغربي) وجندوبة (الشمال الغربي)»، وأنه «تمت الإطاحة بمجموعة من الخلايا الإرهابية كانت تخطط لضرب مؤسسات الدولة في هذه الفترة»، مضيفة أن «قوات الأمن ألقت القبض أيضا على 10 سلفيين متطرفين ينتمون إلى مجموعات إرهابية، وهم متهمون في قضايا أمنية خطيرة»، حسب أقوال الصحيفة.
من جهة أخرى، نشرت صحيفة «الشعب» الأسبوعية لسان حال الاتحاد العام التونسي للشغل مقتطفا من رسالة تهديد بالقتل موجهة إلى حسين العباسي، أمين عام نقابة العمال، قالت إنها وصلت إلى مكتبه يوم الاثنين الماضي عبر البريد. وجاء في مقال بالصحيفة أن «الرسالة ليست الأولى التي تصله (حسين العباسي)، مرة مهددة إياه بالقتل، ومرة بالسحل، وأخرى بالحرق والتفجير». واعتبرت الصحيفة أن هذه الرسائل «ممارسة من عدة ممارسات أخرى غايتها ترهيب قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل وقواعده». وأشارت الصحيفة إلى وصول رسالة التهديد الأخيرة إلى مكتب العباسي «مباشرة بعد يومين من تتويج جلسات الحوار الوطني وإعلان أولى نتائجه عن التوافق حول مهدي جمعة رئيسا للحكومة» وتجدر الإشارة إلى أن السلطات التونسية تؤمن منذ أشهر حراسة أمنية للمقر المركزي للاتحاد العام التونسي للشغل وسط العاصمة وبعض مقراته في عدد من المحافظات الأخرى، كما توفر الجهات الأمنية حراسة شخصية دائمة لحسين العباسي أمين عام اتحاد الشغل، وهو إجراء شمل أيضا العديد من الشخصيات السياسية التونسية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.