40 سنة على تقسيم قبرص والآلام والأحزان تتوارث

40 سنة على تقسيم قبرص والآلام والأحزان تتوارث

الأحد - 23 شهر رمضان 1435 هـ - 20 يوليو 2014 مـ

بعد مرور 40 سنة على تقسيم جزيرة قبرص، لا يزال التلامذة القبارصة اليونانيون والأتراك الذين لم يعايشوا الحرب، يتعلمون رواية تتصل بتوارث الآلام والأحزان أكثر من التاريخ، ما من شأنه أن يرسخ الخلاف بين المجموعتين.

في 20 يوليو (تموز) 1974 نزلت طلائع القوات التركية في مدينة كيرينيا شمال قبرص من أجل حماية الأقلية القبرصية التركية، كما أعلن رسميا بعد محاولة انقلاب تهدف إلى ضم الجزيرة المتوسطية إلى اليونان.

الانقلاب لم ينجح. لكن في الأسابيع الأولى التي تلت ذلك، اجتاحت تركيا القسم الشمالي للجزيرة، واستولت على 37 في المائة من الأراضي. وخلف النزاع، بحسب السلطات القبرصية اليونانية، ثلاثة آلاف قتيل و1400 مفقود وعشرات آلاف الجرحى.

ومنذ ذلك الحين تتجابه ذاكرتان جماعيتان في كتب التاريخ؛ في الجانب اليوناني 1974 عام الاجتياح، وفي المقابل الجانب التركي يرى أن 1974 يسجل عملية سلام قامت بها تركيا لحماية مجموعتها.

وأوضح طاهر غوكتشيبل رئيس نقابة المعلمين الثانويين في «جمهورية شمال قبرص التركية» أن «هناك عملية سلام من جهة واجتياحا من جهة أخرى، مما يشكل اتجاهين مختلفين تماما، وذلك ينعكس في برامج التاريخ في هذا الجانب وذاك».

وأضاف مدرس التاريخ: «إن المجموعتين اللتين عاشتا نحو 500 أو 600 سنة معا ربطت بينهما زيجات، وتقاسما البازارات والحياة اليومية نفسها. لكن لا شيء من كل ذلك مكتوب في الكتب»، معبرا عن أسفه للغياب التام لأي تطابق في برامج التعليم.

وأشار إلى اختلاف آخر أساسي. فبالنسبة للقبارصة الأتراك، بدأ النزاع في 1958 (أول أعمال عنف بين المجموعتين) أو في 1963 (أعمال عنف أخرى، ونحو 500 قبرصي تركي مفقود)، أما بالنسبة للقبارصة اليونانيين، فبدأ كل شيء في 1974، مع ذكر النذر القليل عن أول صدامات بين المجموعتين.

أما العواقب، فجاءت وخيمة. وقال المدرس: «انظروا إلى مجموعة إيلام (القبرصية اليونانية القومية المتشددة) كيف يمكن لهؤلاء الشبان كره أناس لم يعرفوهم أبدا؟ هنا رهان التربية، لأنه إن علمناهم أن الآخر هو العدو، فهم سيكرهون بعضهم».

ويسهب كيرياكوس باشوليدس رئيس جمعية الحوار والبحث التاريخي وأستاذ التاريخ في الاتجاه نفسه، إذ يقول: «إن الأجيال الجديدة ترعرعت مع رؤى إثنية أحادية، وهم بالتأكيد لا يمكنهم تجنب الآراء النمطية المسبقة عن الآخر، العدو والهمجي».

وفي كتابه التاريخ يتذكر بتروس (21 سنة) جيدا صور مدن فماغوستا وبيلابايس أو كيرينيا في «الأراضي المحتلة» بشمال الجزيرة مع عبارة «لا تنسى أبدا».

ويروي وهو جالس مع عدد من أصدقائه في أحد مقاهي نيقوسيا: «كيف أكتشف شيئا فشيئا أنه يوجد طريقة أخرى لوصف الماضي. وحوله ديزيريه وهي قبرصية تركية في الـ16 من عمرها، وآندي في الـ17 وقبرصية يونانية أخرى عبرن عن رأي متقارب، ونظرن بمرارة إلى ما تعلمنه في المدارس.

وتتذكر آندي التي اضطر والدها للهرب من الشمال في 1974: «كانوا يتحدثون إلينا عن مآثر أبطالنا، وفي كتب التاريخ ليس هناك سوى رأي الكاتب، من دون أي مصدر آخر. على سبيل المثال، لم يتحدثوا إلينا مطلقا عن نزاعات بين المجموعتين. ويعلمونا القومية اليونانية».

واستطردت ديزيريه التي درست في الجانب التركي قبل أن تختار الذهاب إلى مدرسة دولية في المنطقة الجنوبية لنيقوسيا: «نحن، علمونا القومية التركية.. اليونانيون فعلوا هذا وذاك، والأتراك كانوا الضحايا، القبارصة الأتراك كانوا الضحايا، والأتراك جاءوا لإنقاذهم.

ومن خلال المشاركة في أنشطة ثنائية بين المجموعتين، وقراءة الكتب، و«بفضل الإنترنت والعولمة» اكتشفوا، كما قالت آندي، «أن الآخرين عانوا أيضا».

وهي معاناة استخدمت في الغالب بطريقة أحادية الجانب. وأوضح موظف في وزارة التربية فضل التكتم عن اسمه أن الأساتذة القبارصة اليونانيين نصحوا باستقدام عائلات ولاجئين للإدلاء بشهاداتهم.

وهو ما يرمز إلى تاريخ «متوارث» لا يسمح بأي إعادة نظر.

لكن الحل موجود على ما قالت ديزيريه ضاحكة، وهو «الدمج بين الكتب».


اختيارات المحرر

فيديو