فان غوخ يكشف النقاب عن الوجه القاتم للعبقرية

في رسائله إلى أخيه كما في لوحاته الفريدة

من لوحات فان غوخ
من لوحات فان غوخ
TT

فان غوخ يكشف النقاب عن الوجه القاتم للعبقرية

من لوحات فان غوخ
من لوحات فان غوخ

الذين يرون أن السيرة الحقيقية للكتّاب والفنانين تتمثل في نصوصهم وأعمالهم، ليسوا مخطئين تماماً. لا بل إن مدارس عديدة في النقد الحديث قد ذهبت إلى الفصل الكامل بين التاريخ الشخصي للفنان، وبين نتاجه الإبداعي الذي يؤرخ لحياة صاحبه، وفق صيرورته الذاتية ومنطقه الخاص. إلا أن هذه الفرضية التي وُضعت لحماية الأعمال الأدبية والفنية من الإسقاطات الأخلاقية والسياسية والشخصية المسبقة، لا تتعارض مع رغبتنا الملحة في التعرف على الحيوات الخاصة لأولئك الذين يتوارون خلف مواهبهم الفائرة، والذين رفعتهم عطاءاتهم إلى مصاف الأسطورة. ولعل الوجه الأمتع لفنون السيرة والرسائل والقص لا يتصل بفتنة السرد وحدها، بل بإزاحة الستار عما هو غامض وأسطوري في حياة الكتّاب، وتمكيننا من تعقب تفاصيل عيشهم، والوقوف على المشترك الإنساني الذي يجمعنا بهم، ورؤيتهم سافرين من أي قناع. فنحن حين نقرأ اعترافات روسو ورامبرانت، وسير كازانتزاكيس وبونويل ورينوار ودالي وماركيز ونيرودا وغيرهم، نشعر أنهم باتوا أقرب إلينا مما كنا نتصور، كما نحاول العثور على الخيوط التي تربط الحياة بالفن من جهة، وتكشف عن الوجه القاتم للعبقرية من جهة أخرى.
لربما شكلت رسائل فان غوخ إلى أخيه تيو أحد أفضل ما قدمه لنا فن الرسائل على امتداد التاريخ من متعة أدبية وثراء معرفي وتعبير مؤثر عن شقاء الإنسان المبدع، وهو يواجه المرض والعوز والوحدة القاتلة. وإن المرء ليحار حقاً في قدرة الفنان الهولندي الأشهر على أن يكتب خلال عقد من الزمن المئات من الرسائل المؤثرة التي يقع معظمها في باب الأدب الخالص، بموازاة الآلاف من اللوحات المتنوعة والقيمة التي أنجزها في أواخر حياته. وإذا كان ثمة من دلالة ما يمكن للقارئ استخلاصها لدى قراءة هذا السفْر الضخم من النصوص الموزعة بين البوح الشخصي والسيرة والشكوى والنقد الفني، فهو أن فان غوخ المريض والفقير والمتوحد لم يكن يرى في الرسم وحده ما يعيد إليه توازنه المختل وينقذه من عزلته المتمادية، بل كان يحتاج إلى وسيلة إضافية يستطيع من خلالها أن يرفع الصوت في وجه عصره، كما في وجه قدره القاسي، وكانت هذه الوسيلة هي الكتابة. ولأنه كفنان لم يقدّر في عصره تمام التقدير، ولم تأخذ لوحاته طريقها إلى البيع أو الرواج، فقد وجد في كتابة الرسائل ما يُشعره أن ثمة في هذا العالم الخاوي من يكشف له سريرته ويبوح له بمكنوناته. ولم يكن هناك من أحد ليتفهمه ويصغي إلى آلامه سوى أخيه تيو، الذي يصغره بأربع سنوات. ذلك أن أباه تيودوروس، وهو الكاهن الذي يعظ في الأرياف، والذي نجح أحياناً في دفعه إلى تبني الخيار ذاته، كان يمثل كل ما هو تقليدي ومحافظ ومجافٍ لروح التمرد والمغامرة. ولم تكن أمه بقادرة على تسوية وضعه مع أبيه، وهي الأقرب إلى عقلية زوجها ومفاهيمه الأخلاقية والدينية. لهذا لم يكن غريباً أن يكتب، وقد رُفض من الجميع: «هناك نفورٌ من احتوائي في البيت مماثل للنفور من احتواء كلب أشعث كبير، سيقتحم الحجرات بأرجله الموحلة». ولهذا بدا تيو بمثابة خشبة الخلاص الوحيدة التي ظهرت للأخ الأكبر وهو يصارع الأمواج العاتية للظلم والعزلة والتصدع العقلي.
ولعل الصلة غير السوية بالأب قد عمقت ذلك الجرح النفسي الذي ظل يتسع أكثر فأكثر في داخل الابن المتقاذَف أبداً بين القيم الدينية ونقيضها، بين الامتثال والمعصية، وبين المروق وتأنيب الضمير. وهو ما يعبر عنه فنسنت في إحدى رسائله إلى تيو بالقول: «إن أبي لا يعرف الندم كما تعرفه أنت. كل ما هو من بني الإنسان يؤمن أبي باستقامته الشخصية. فيما أنا وأنت وكل البشرية مسكونون بالشعور بأننا نتكون من الأخطاء والمحاولات اليائسة».
لم يكن غريباً أن تحتل رسائل فان غوخ إلى تيو أكثر من تسعين في المائة من مساحة رسائله، فيما توزعت النسبة القليلة الباقية بين أمه وشقيقتيه وزوجة أخيه وبعض الرسامين وتجار الفن. فتعلقه بأخيه لم يكن بسبب تلقيه مساعداته المالية فحسب، بل بسبب ذلك الجرح النفسي الغائر في أعماقه، والمتأتي من كون أبويه قد استعارا له اسم أخيه الأكبر الذي لم يمهله الموت أكثر من عام واحد، بما جعل فان غوخ يشعر وكأن حياته ليست سوى ضرب من ضروب الصدفة، أو أنه يعيش بالنيابة عن أخيه الراحل. وهو الشعور ذاته الذي طارد بعده بعقود فنان إسبانيا الشهير سلفادور دالي، الذي حمل هو الآخر اسم أخ له غدر به الموت، قبل أن يكمل السادسة من عمره.
والحقيقة أن العلاقة بين الأخوين تكاد من غير زاوية تكون فريدة من نوعها، حيث تنقلب معها الأدوار ليلعب الأخ الأصغر الدور المحوري في العلاقة، بحكم كونه موظفاً متميزاً في مؤسسة فنية وخبيراً في التسويق، وبحكم كونه معيل أخيه الوحيد ومرشده وحائط مبكاه. ولأن الرسائل، التي ترجمها ياسر عبد اللطيف ومحمد مجدي تحت عنوان «المخلص دوماً فنسنت»، لا تتضمن أياً من ردود تيو على شكاوى أخيه وتطلباته المستمرة، فهي تجعل من الأخ الأصغر حالة سديمية مبهمة، أو تحوله إلى متكأ ومخلص وحائط مبكى، لا أكثر. كأن تيو كما تُظهره الرسائل لم يوجد في الأصل إلا ليخرج أخاه من عتمة اليأس إلى عتبة الخلق الإبداعي. وهو بالتالي نقيض لصورة الأخ القاتل أو الغيور التي يمثلها كلٌّ من قابيل وإخوة يوسف. ومع أن صاحب لوحة «عباد الشمس» يُظهر في بعض رسائله نوعاً من الإشفاق على أخيه، ويخاطبه قائلاً: «لن أرغب في الازدهار إذا كانت النتيجة أن تذبل أنت. لن أرغب في تطوير ما هو فني بداخلي إذا كان يتوجب عليك أن تقمع من أجلي ما هو فني فيك»، إلا أن انهياراته المادية والعصبية كانت أقوى من مثل هذه المشاعر، تماماً كما هو حال المشرف على الغرق الذي تدفعه غريزة البقاء إلى التضحية، ولو دون قصد، بحياة من يهرع لإنقاذه من الهلاك.
يعرض فان غوخ في رسائله إلى تيو كلَّ ما يدور في ذهنه من هواجس، وما يعترض حياته من صعاب. على أن أياً من الرسائل المتنوعة لا تخلو من الإشارة إلى المبلغ النقدي الذي اعتاد الفنان المفلس على تسلمه من أخيه بشكل دوري.
كما تكشف الرسائل عما يتفشى في عالم الفن من أمراض التجارة والجشع وإخضاع الفن لمنطق الربح المجرد وقواعد العرض والطلب. ومع أن مسرح النصوص كان موزعاً بين عواصم ومدن مختلفة مثل أمستردام ولاهاي ولندن وباريس، إلا أن عشقه للطبيعة والأرياف، حيث يتحول الفضاء الشاسع أمامه إلى وليمة بصرية متنوعة الأضواء والظلال، كان أعمق من أي عشق آخر.
ورغم أن باريس بجمالها وعراقتها كانت قبلة الكتاب والفنانين في عصره، فهو لم ير فيها سوى مقبرة واسعة، كما يعبر في إحدى رسائله. وهي وفق تعبيره مؤلفة من شقق باردة لا من بيوت دافئة للسكنى.
أما ولعه بالضوء وتدرجاته الباهرة فكان السبب الأهم الذي دفعه في السنوات التي سبقت انتحاره إلى الإقامة في الجنوب الفرنسي، حيث تقدم الطبيعة تحت شمس مكتملة الوهج أجمل لوحاتها وعروضها اللونية.
وإذا كان فان غوخ قد التقى مع الانطباعيين في غير زاوية ومنظور، إلا أنه ذهب أبعد في استنفاره للحواس وفي المراهنة على كل ما تختزنه أعصابه من طاقة. وهذه السمة بالذات هي التي جمعته بنيتشه ذي النزوع الغرائزي الديونيزي، وهي التي دفعته إلى التعلق المرضي بغوغان، ذي النزعة البدائية الوحشية. وذلك ما عناه في قوله «ينبغي للمرء أن يحتفظ بشيء من الطبيعة الأصلية لروبنسون كروزو أو الهمجي، وعليه ألّا يجعل اللهب في روحه يذوي أبداً».
وإذا كان فان غوخ قد رأى في الرسم والكتابة شكلاً من أشكال الرد على أمراضه وصدوع نفسه، فقد رأى في المرأة والحب التعويض الملائم عن خيباته الحياتية وعن شعوره الممض بالعزلة والتوحد.
على أنه لم يحصل بالمقابل على العلاقة الثابتة والسوية التي توفر له الطمأنينة والاكتفاء. فلا قريبته التي شغف بها اكترثت بما أصابه من حروق وهو يضع يده في لهب المصباح كبرهان معمد بالألم على حبه لها، ولا العاهرة المتشردة التي شاطرها وابنها الإقامة في المسكن إياه كفّت عن مطارحة الرجال الغرام، كما سبق ووعدته، ولا استطاعت أذنه المقطوعة التي أرسلها هدية إلى إحدى معشوقاته أن تعدّل من مشاعرها نحوه. وما ضاعف من وساوسه القهرية هو فشله الموازي في الحفاظ على صداقته مع غوغان، الذي اضطر إلى هجره نهائياً بعد أن بلغ به مزاجه العنيف حد مهاجمته بالسكين في إحدى المواجهات الحادة بين الصديقين اللدودين. لقد حز في نفسه من جهة أخرى ألا تجد لوحاته الرواج الذي تستحق عند المتعاطين بتجارة اللوحات، وأن يعجز بالتالي عن الرد على كرم أخيه بالمثل كما ظل دائماً يكرر على مسامعه.
وحيث كانت آلام داء الصرع تتضاعف داخل رأسه كان سكان آرل في الريف الفرنسي يطالبون السلطات بالحجر عليه وإيداعه إحدى المصحات، بحيث بدا انتحاره بمثابة التتويج الطبيعي لجلجلة عذاباته. ومع إن فان غوخ لم يُظهر خلال كتاباته النقدية أي تعاطف مع شعر بودلير فقد بدا الاثنان وجهين لشقاء واحد وعبقرية مثخنة بالآلام. ولعل جان بول سارتر يترجم واقع الأول ويصيبه في صميمه، حين كتب عن الثاني «لمّا لم يكن قد نجح في أن يرى نفسه، فسوف ينقب في ذاته على الأقل كما ينقّب السكين في الجرح، آملاً أن يصل إلى العزلات الأعمق التي تشكل طبيعته الحقيقية».



أحمد أمين: لا أهتم بالحسابات التجارية لتقديم أجزاء درامية جديدة

أحمد أمين انجذب لشخصية «النص» (صفحته على فيسبوك)
أحمد أمين انجذب لشخصية «النص» (صفحته على فيسبوك)
TT

أحمد أمين: لا أهتم بالحسابات التجارية لتقديم أجزاء درامية جديدة

أحمد أمين انجذب لشخصية «النص» (صفحته على فيسبوك)
أحمد أمين انجذب لشخصية «النص» (صفحته على فيسبوك)

تحدث الفنان المصري أحمد أمين عن أسباب تقديمه الجزء الثاني من مسلسل «النص» خلال موسم دراما رمضان الحالي، بدلاً من تقديم «الصفارة 2». وأكد، خلال حواره مع «الشرق الأوسط»، استمتاعه برحلته الفنية مع «النص». كما تحدث عن أبرز ملامح الجزء الثاني، وكواليس اختياره كتاب «مذكرات نشّال» لتحويله عملاً درامياً. إلى جانب ذلك، كشف أمين عن رأيه في الأعمال الإذاعية ودراما السير الذاتية، فضلاً عن مشروعاته السينمائية والمسرحية الجديدة.

وعن سبب تقديمه «النص 2» هذا العام، رغم المطالبات على وسائل التواصل الاجتماعي بتقديم جزء ثانٍ من «الصفارة»، قال أحمد أمين: «أحب (الصفارة) كثيراً، لكن تقديم جزء ثانٍ دائماً يعتمد على وجود قصة أقوى من الموسم الأول. فمن الضروري أن يتطور الفنان من عمل إلى آخر. ولا أزال أفكر في فكرة جديدة لـ(الصفارة)؛ لأن الجزء الأول كان يقوم على لعبة تتضمن سؤالاً: ماذا لو غيّرت جزءاً من حياتك؟ وكيف سيكون مصيرك في المستقبل؟ لذلك أحتاج إلى رسالة وحبكة درامية لا تقل جودة عن الأولى، بل تتفوق عليها».

وأضاف أمين أن «قصة مسلسل (النص)، الذي يشارك في بطولته نخبة من الفنانين، كانت مبنية منذ البداية على جزأين. وكان الجزء الأول بعنوان (ملحمة الصعاليك)، وهدفه تقديم شخصيات (النص) وفريقه، بينما يأتي الجزء الآخر استكمالاً لهذه الملحمة».

ورغم استمتاعه برحلة «النص»، كشف أحمد أمين عن أن الشخصية أرهقته في التقمص واختيار الملابس وغيرها من التفاصيل، موضحاً: «كل شخصية تحتاج إلى تحضير ومذاكرة وبروفات كثيرة، لكن تقديم عمل تدور أحداثه في زمن قديم يتطلب مجهوداً أكبر من فريق الديكور والملابس والإكسسوارات. فلا يمكن لأي شخصية استخدام أشياء من الزمن الحالي، وهنا يبرز الدور المهم لفريق البحث والتدقيق التاريخي».

أحمد أمين (صفحته على فيسبوك)

وعن كواليس اختياره كتاب «مذكرات نشّال» لتحويله عملاً فنياً تشويقياً كوميدياً، قال أحمد أمين: «أسرتني شخصية (النص) منذ قراءتي للمذكرات، وقد عملنا على معالجتها درامياً لمدة 3 سنوات، مستفيدين من هذه المذكرات التي تضمنت مواقف يومية في الشارع المصري خلال تلك الفترة، وصولاً إلى معالجة درامية متماسكة أسهمت في تشكيل شخصيات مسلسل (النص) حالياً».

وأوضح أمين أن «الكتاب لم يكن رواية بالمعنى التقليدي، بل كان تجميعاً لمواقف أو يوميات نشّال في تلك الحقبة المميزة من تاريخ مصر. لذلك كانت القصة هي البطل الرئيسي، وكان بناء نسيج درامي محكم هو الأولوية الأولى في العمل».

وعن أبرز أحداث «النص 2»، قال أمين إن «شخصيات الجزء الأول كانت لا تزال في مرحلة البحث ومحاولة فهم العالم، وكانت طموحاتها بسيطة. أما في الجزء الثاني، فتجد هذه الشخصيات نفسها مضطرة إلى تحمّل اختياراتها ونتائجها». وأضاف: «حرص صُنّاع العمل على الاقتراب أكثر من فكرة كيف يمكن للإنسان العادي أن يصبح جزءاً من لحظة تاريخية أكبر منه؛ فالبطل أصبح لديه أسرة يسعى لحمايتها، لكن الأحداث التي تدور في زمن الحرب العالمية الثانية تدفعه هو وفريقه إلى الانخراط في سلسلة من مهام الجاسوسية».

وعن إمكانية تقديم «النص 3» في موسم رمضان 2027، قال أحمد أمين: «أتمنى أن يحقق الجزء الثاني النجاح وأن ينال إعجاب الجمهور، لكن ما يحكمنا دائماً هو جودة القصة، وليس الحسابات التجارية. فالقرار يجب أن يأتي من داخل صُنّاع العمل وبشكل صادق».

وكان أمين قد قدم سابقاً برامج عدّة، منها «البلاتوه»، و«الفاميليا». وأشار إلى أن فكرة تقديم برامج مشابهة خلال الفترة المقبلة «تظل متاحة في أي وقت، لكن المحرك الأساسي دائماً هو الفكرة الجيدة التي تقدم شيئاً جديداً يمتع الجمهور».

وعن علاقته بالإذاعة، وما إذا كان التعبير الصوتي يختلف عن الأداء أمام الكاميرا، وأيهما أصعب، قال أحمد أمين: «للإذاعة مكانة خاصة وجمهور مميز. فالتمثيل هو التمثيل في النهاية، لكن الأدوات تختلف بين التلفزيون والإذاعة، في حين يظل الهدف واحداً، وهو إشراك الجمهور في الأحداث وجعلهم يعيشون القصة بطريقة ممتعة».

الملصق الترويجي لمسلسل «النص» (الشركة المنتجة)

وعن رأيه في دراما «السير الذاتية»، بعد أن قدّم دور الطبيب المعالج وزوج السيدة أم كلثوم في فيلم «الست»، الذي عُرض قبل أشهر في دور السينما وحصد عن دوره إشادات نقدية وجماهيرية واسعة، قال أحمد أمين: «لن أقول عن أعمال السيرة الذاتية أكثر مما قاله أساتذتنا من الفنانين؛ فهي ممتعة ومليئة بالتفاصيل الواقعية، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على قدر من المخاطرة. فصناعة الدراما قد تضطر أحياناً إلى تغيير بعض الوقائع، وقد لا يوفق صناع العمل دائماً في ذلك، لأنهم يحاولون إرضاء نوعين من الجمهور: محبي الشخصية الحقيقية التي تُقدَّم، ومحبي العمل الفني بشكل مطلق».

وعما إذا كانت هناك شخصية يطمح إلى تقديم سيرتها الذاتية فنياً، قال أحمد أمين: «لا توجد في ذهني شخصية محددة، لكنني أحب أن أقدم شخصية يعرف الناس عنها مجرد عنوان، ولا يعرفون حقيقتها الإنسانية».

وعن ظهوره «ضيف شرف» في بعض الأعمال الفنية، وما إذا كان يُعدّ ذلك إضافة إلى رصيده الفني أم مجرد مجاملة لصُنّاع العمل وزملاء المهنة، أكد أحمد أمين أنه يستمتع بهذه الفكرة، موضحاً: «غالباً ما تكون مشاركة ضيف الشرف مغامرة قصيرة وظهوراً خاصاً، وأتمنى أن يكون كل ظهور قدمته قد أضاف شيئاً إلى العمل».

وأشار أمين إلى أن انشغاله بالدراما التلفزيونية ربما أبعده إلى حد ما عن السينما والمسرح، لافتاً إلى أنه يعمل حالياً على التحضير لمشروعات سينمائية عدّة يأمل أن ترى النور خلال العام الحالي. كما أكد أنه أطلق مشروعاً «شبه مسرحي»، يتمثل في جولة لعروض «ستاند أب كوميدي»، كان قد بدأها العام الماضي ويواصلها هذا العام، وهي تجربة شخصية وإنسانية يروي خلالها قصته منذ ما قبل تخرجه في الجامعة وحتى اتجاهه إلى التمثيل.


رصد ولادة نادرة لنجم مغناطيسي

تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)
تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)
TT

رصد ولادة نادرة لنجم مغناطيسي

تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)
تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)

رصد علماء الفلك، وللمرة الأولى ولادة نجم مغناطيسي أو كما يعرف علمياً بالنجم النيوتروني الدوار ذي المغناطيسية الفائقة، مؤكدين أنه مصدر الطاقة وراء بعض ألمع النجوم المتفجرة في الكون.

ويؤكد هذا الاكتشاف نظرية طرحها فيزيائي من جامعة كاليفورنيا الأميركية في بيركلي قبل 16 عاماً، ويؤسس لظاهرة جديدة في النجوم المتفجرة: المستعرات العظمى التي تتميز بـ«تذبذب» في منحنى ضوئها، وهو ما يُعزى إلى افتراضات نظرية النسبية العامة لألبرت آينشتاين.

ووفق الورقة البحثية التي نُشرت اليوم (الأربعاء) في دورية «نيتشر» العلمية الشهيرة، لطالما حيّرت المستعرات العظمى فائقة اللمعان علماء الفلك منذ اكتشافها في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. إذ كان يُعتقد أنها ناتجة عن انفجار نجوم ضخمة جداً، ربما تعادل كتلتها 25 ضعف كتلة شمسنا، لكنها ظلت ساطعة لفترة أطول بكثير مما هو متوقع عند انهيار النواة الحديدية للنجم وانفصال طبقاته الخارجية.

كان دان كاسن، عالم الفيزياء الفلكية النظرية وأستاذ الفيزياء الحالي في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، أول مَن اقترح في عام 2010، أن النجم المغناطيسي هو مصدر التوهج طويل الأمد. ووفقاً لهذه النظرية، فعندما ينهار نجم ضخم في نهاية عمره، فإنه يسحق جزءاً كبيراً من كتلته متحولاً لنجم نيوتروني شديد الكثافة - وهو مصير قريب جداً من الانهيار إلى ثقب أسود.

وتفيد النظرية بأنه إذا كان للنجم مجال مغناطيسي قوي، فإنه سيتضخم أثناء تكوين النجم المغناطيسي، مما ينتج عنه مجال أقوى من 100 إلى ألف مرة مقارنة بمجال النجوم النيوترونية الدوارة العادية – أو ما يسمى «النجوم النابضة».

ووفق الدراسة، يبلغ قطر النجوم النابضة وأشباهها الأكبر حجماً ذات المغناطيسية العالية، أو ما يُعرف بالنجوم المغناطيسية، نحو 10 أميال فقط، ويمكنها الدوران في فترات شبابها أكثر من ألف مرة في الثانية.

ومع دوران النجم المغناطيسي، يُسرع المجال المغناطيسي له الجسيمات المشحونة التي تصطدم بحطام المستعر الأعظم، مما يزيد من سطوعه.

وأكد جوزيف فرح، طالب الدراسات العليا في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، العلاقة بين النجوم المغناطيسية والمستعرات العظمى فائقة اللمعان بعد تحليل بيانات مستعر أعظم من عام 2024 أُطلق عليه اسم «SN 2024afav»، في ورقة بحثية نُشرت في مجلة «نيتشر» أيضاً.

قال أليكس فيليبينكو، أستاذ علم الفلك المتميز بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، والمؤلف المشارك في الورقة البحثية، وأحد المشرفين على فرح: «الأمر المثير حقاً هو أن هذا دليل قاطع على تكوّن نجم مغناطيسي نتيجة انهيار نواة مستعر أعظم فائق اللمعان».

وأضاف: «يرتكز هذا النموذج على أن كل ما نحتاجه هو طاقة النجم المغناطيسي الكامنة في أعماق المستعر الأعظم، إذ يتم امتصاص جزء كبير منها، وهذا ما يفسر سبب سطوعه الفائق».

اكتشاف بعيد

بعد اكتشاف المستعر الأعظم «SN 2024afav» في ديسمبر (كانون الأول) 2024، قام مرصد لاس كومبريس - وهو شبكة تضم 27 تلسكوباً حول العالم - بتتبعه وقياس سطوعه لأكثر من 200 يوم.

كما استخدم علماء الفلك بيانات رصدية لتقدير فترة دوران النجم النيوتروني - 4.2 مللي ثانية - ومجاله المغناطيسي، الذي يُعادل نحو 300 تريليون ضعف المجال المغناطيسي للأرض. وكلاهما من السمات المميزة للنجم المغناطيسي.

ويتوقع فرح العثور على عشرات أخرى من هذه المستعرات العظمى مع استعداد مرصد «فيرا سي روبين» لبدء تشغيله وعمل أشمل مسح للسماء الليلية حتى الآن.

وقال فرح: «هذا أكثر شيءٍ مثيرٍ حظيتُ بشرف المشاركة فيه. هذا هو العلم الذي حلمتُ به منذ صغري. إنه الكون يُخبرنا بصوتٍ عالٍ ومباشر أننا لا نفهمه تماماً بعد، ويُحفّزنا على تفسير ألغازه».


وفاة أم شابة بعد وصف مضادات حيوية غير مناسبة

صورة للضحية من (فيسبوك)
صورة للضحية من (فيسبوك)
TT

وفاة أم شابة بعد وصف مضادات حيوية غير مناسبة

صورة للضحية من (فيسبوك)
صورة للضحية من (فيسبوك)

خلص تحقيق قضائي في بريطانيا إلى أن الإهمال الطبي كان عاملاً مساهماً في وفاة أم شابة في لندن بعد إصابتها بتسمم الدم (الإنتان)، إثر تلقيها مضادات حيوية غير مناسبة لعلاج عدوى أصيبت بها عقب إجراء طبي بسيط. وفقاً لصحيفة «ستاندرد».

وتوفيت أليشا روتشستر (33 عاماً)، وهي موظفة صندوق في أحد البنوك، وتقيم في منطقة كرويدون جنوب لندن، بعد نحو أسبوعين من خضوعها لإجراء روتيني لإزالة خُراج من تحت إبطها الأيسر.

ووفق ما استمعت إليه محكمة التحقيق، بدأت حالة روتشستر الصحية بالتدهور بعد أيام قليلة من العملية، إذ شعرت بتوعك، وظهرت علامات عدوى في الجرح. وخلال الأيام التالية سعت مراراً للحصول على المساعدة الطبية، حيث راجعت طبيباً عاماً، وقسم الطوارئ أكثر من مرة، إلا أن المضادات الحيوية التي وُصفت لها لم تكن فعالة ضد البكتيريا المسببة للعدوى.

وقالت مساعدة الطبيب الشرعي، سيان ريفز، إن العاملين في مستشفيات إبسوم وسانت هيليير الجامعية لم يلتزموا بالإرشادات الطبية المعتمدة فيما يتعلق بوصف المضادات الحيوية، كما لم تتم استشارة قسم الأحياء الدقيقة قبل اختيار العلاج المناسب.

وفي 13 أغسطس (آب) 2023 توجهت روتشستر إلى موعد طبي طارئ خارج ساعات العمل، حيث وُصف لها مضاد حيوي من عائلة البنسلين. وفي اليوم نفسه قصدت أيضاً قسم الطوارئ في مستشفى كرويدون الجامعي، حيث شُخِّصت حالتها على أنها عدوى في الجرح، وأُعيدت إلى منزلها، مع توصية بمواصلة العلاج.

لكن حالتها استمرت في التدهور، ما دفعها في مساء 14 أغسطس إلى التوجه إلى قسم الطوارئ في مستشفى سانت هيليير، حيث تلقت جرعة من مضاد حيوي عبر الوريد قبل أن يُسمح لها بالعودة إلى المنزل على أن تعود في اليوم التالي.

وأظهر التحقيق أن المضادات الحيوية التي وُصفت لها في تلك المرحلة لم تكن متوافقة مع الإرشادات المعتمدة في المستشفى، كما لم تكن فعالة ضد نوع البكتيريا المرجح تسببه بالعدوى.

وفي 16 أغسطس تلقت علاجاً يتوافق مع الإرشادات الطبية، إلا أن حالتها كانت قد تدهورت بشكل كبير. وبحلول 17 أغسطس نُقلت إلى وحدة العناية المركزة بعد إصابتها بصدمة إنتانية حادة مصحوبة بفشل في عدة أعضاء حيوية. ورغم إدخالها على جهاز التنفس الصناعي، وتلقيها علاجاً مكثفاً بالمضادات الحيوية، استمرت حالتها في التدهور إلى أن تعرضت لتوقف في القلب في الساعات الأولى من صباح 19 أغسطس، ولم يتمكن الأطباء من إنعاشها.

وخلص التحقيق إلى أنه كان ينبغي وصف المضاد الحيوي المناسب لها في 15 أغسطس، ولو حدث ذلك في ذلك الوقت فمن المرجح أنها كانت ستنجو. وتركت روتشستر خلفها ابنها كزافييه، الذي يبلغ اليوم ثماني سنوات.

وقالت والدتها، لورنا، إن ابنتها كانت «محبة، وحنونة، ومليئة بالتعاطف»، مضيفةً أنها كانت أماً مخلصة، وكان حبها لابنها واضحاً في كل لحظة يقضيانها معاً.

وقد باشرت العائلة إجراءات قانونية على خلفية الحادثة.

من جهته، قال الدكتور ريتشارد جينينغز، المدير الطبي لمجموعة مستشفيات سانت جورج وإبسوم وسانت هيليير الجامعية، إن المستشفى يقر بوقوع تقصير في علاج المريضة.

وأضاف: «ندرك أننا أخفقنا في حق السيدة روتشستر بعدم إعطائها المضادات الحيوية الصحيحة، وكانت لذلك عواقب مأساوية. نعتذر بصدق لعائلتها».