أزمة ثقة تفاقم مأزق الريال الإيراني

«الحرس» و«الحكومة» بين المستفيدين من تراجع سعر العملة أمام الدولار

إيرانيون يصطفون أمام مكتب صيرفة في طهران الشهر الماضي (أ.ب)
إيرانيون يصطفون أمام مكتب صيرفة في طهران الشهر الماضي (أ.ب)
TT

أزمة ثقة تفاقم مأزق الريال الإيراني

إيرانيون يصطفون أمام مكتب صيرفة في طهران الشهر الماضي (أ.ب)
إيرانيون يصطفون أمام مكتب صيرفة في طهران الشهر الماضي (أ.ب)

بعد صمت طويل إزاء الأزمة التي أصابت العملة الإيرانية منذ مايو (أيار) الماضي عقب إعلان ترمب انسحاب إدارته من الاتفاق النووي، ظهر أحد أعضاء الحكومة الإيرانية ليعقب على الحدث.
محمود واعظي، مدير مكتب الرئيس الإيراني وأحد الأعضاء المؤثرين في الحكومة الإيرانية، قال أول من أمس إن الحكومة لن تقف مكتوفة اليدين إزاء الأحداث التي تشهدها العملة الصعبة وارتفاع أسعارها في الأسواق، وإنما لديها خطط للقضاء على الأزمة في غضون 7 أشهر أو 8.
وجدد واعظي مرة أخرى اتهامات المسؤولين الإيرانيين إلى أطراف خارجية، وقال إن «الاقتصاد الإيراني يتعرض لمؤامرة دولية» إلا إنه لم يوضح تماما طبيعة الخطة التي تنوي الحكومة إجراءها، ليبقى الباب مفتوحا أمام التكهنات.
ومع ذلك، فإن السوق لم تبد رد فعل إيجابياً يذكر إزاء ما أعلنه المسؤول الإيراني الذي يقال عنه إنه احتل بشكل غير مباشر مكانة إسحاق جهانغيري المساعد الأول للرئيس الإيراني. وأوردت الصحف الإيرانية عن خبراء اقتصاديين أن السبب وراء عدم تجاوب السوق مع تصريحات واعظي أن «السوق سمعت كثيراً من كلام أهل الحكومة قبل هذا، لكنه غير دقيق، ولذلك يعرف أهل السوق أن الكلام لن يترجم إلى أفعال ملموسة».
لم يتوقف انهيار العملة الإيرانية منذ عام تقريبا. ويكفي وصف الأزمة بالاستناد إلى ما تذكره المواقع الاقتصادية حول أن العملة الإيرانية شهدت انخفاضا بنحو 473 في المائة خلال عام واحد إذا أخذنا بعين الاعتبار أسعارها في الأسبوع الثالث من سبتمبر (أيلول) الماضي.
وخلال الأشهر الأربعة الماضية شهدت العملة نفسها انخفاضا في قيمتها بلغ 300 في المائة. وتبين الدراسات الاقتصادية أن معدلات انهيار العملة ترتفع كلما اقترب موعد تنفيذ الموجة الثانية من العقوبات الأميركية المقرر تطبيقها في بدايات نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل ومن المقرر أن تشمل النفط الإيراني. السبب في ذلك هو انخفاض إيرادات إيران من مبيعات نفطها والخوف المتزايد لدى عامة الناس من أن تفقد النقود التي في أيديهم قيمتها فيهرعون إلى استبدال العملات الصعبة بها، مما يترك بدوره ضغوطا أكبر على أسعار العملة المحلية نتيجة ارتفاع الطلب على العملة الصعبة وانخفاض المعروض.
لكن المشكلة لم تقف عند هذه الحدود؛ وإنما انعكست على الاقتصاد بشكل عام. ما وراء الأرقام التي يصدرها البنك المركزي والتي تبين أن الاقتصاد الإيراني يتجه بسلام نحو رقم التضخم الذي أصدره عن الشهر السادس الإيراني؛ إذ أكد فيه أن المعدل عند 13.5 في المائة، أن كل الأرقام تشير إلى كارثة.
بدورها تؤكد أرقام صادرة عن اتحاد العقاريين أن معدل أسعار البيوت ومعدل إيجارها ارتفع بأكثر من 70 في المائة خلال عام واحد. كما أن أسعار السيارات كذلك شهدت ارتفاعا وصل خلال أغسطس (آب) الماضي إلى نحو 63 في المائة استنادا إلى أرقام رسمية.
وهذه ليست إلا البدايات؛ فقد شهدت البضائع اليومية والبضائع المنزلية خلال الأشهر الستة الماضية ارتفاعات وصلت إلى 300 في المائة، وخير شاهد على ذلك الحملة الشعبية التي ظهرت على شبكات التواصل الاجتماعي حول قياس أسعار علب معجون الطماطم؛ إذ تشهد ارتفاعا بهذا المعدل.
وبالنظر إلى الأرقام الرسمية؛ فقد شهدت رواتب الموظفين في إيران انخفاضا في قيمتها مقابل العملات العالمية؛ ففي بداية العام الإيراني كان الحد الأدنى من الأجور في إيران عند 285 دولاراً لكنه اليوم لا يتجاوز 70 دولارا. لكن الحكومة، وعلى لسان المساعد الاقتصادي للرئيس، رفضت حتى الآن أي برامج لرفع الحد الأدنى من الأجور خلال هذا العام الذي تجاوز النصف قبل أسبوع.
المشكلة باختصار، كما يصفها خبراء الشأن الاقتصادي في موقع «خبر أونلاين» التابع لرئيس البرلمان، هي أن «الاقتصاد الإيراني في أزمة كبيرة حتى إذا كان الرئيس روحاني حاول خلال جلسة برلمانية لمساءلته التقليل من شأنها ووصفها بالمشكلة البسيطة». ولا شيء في الأفق يدل على تحسن الوضع؛ إذ إن الموجة الثانية من العقوبات لم يتم تفعيلها بعد، وهي تحمل الأسوأ للاقتصاد الإيراني المستند إلى النفط.
وإذا كانت «مصائب قوم عند قوم فوائد»، فإن الأزمة التي يشهدها الاقتصاد الإيراني ليست مصيبة لكل الجهات؛ وإنما ثمة جهات تستفيد من هذه الأزمة؛ على رأس هذه الجهات الحكومة بذاتها التي يتهمها البعض بأنها «هي التي تصب الزيت على نار أسعار الدولار المرتفعة في السوق».
صحيح أنه من المبالغ فيه أن نقول إن الحكومة هي التي افتعلت الأزمة أو حركتها، لكنها استغلت الموقف. هذا ما يقوله أستاذ علم الاقتصاد في جامعة «بهشتي» بطهران، الذي يقول إن الحكومة تعمدت الصمت إزاء الارتفاعات المتتالية لأسعار الدولار لأنها تربح من وراء ارتفاع سعره. الحكومة اعتمدت 3800 تومان لسعر الدولار في الموازنة العامة لهذا العام، مما يجعل لديها فائضا كبيرا جراء بيع العملة الصعبة التي تمتلكها في الأسواق بأسعار تبلغ عدة أضعاف المبلغ المعتمد. وفي أسوأ الحالات، فإن الحكومة حصلت على كل ما خططت له من إيرادات بالريال لكل العام؛ فقط من خلال إيراداتها من بيع النفط خلال نصف العام الأول، وإن كل ما تجنيه من الآن فصاعدا ليس إلا فائضا في الإيرادات. وهذا بالضبط ما قاله وزير النفط الإيراني بيجن زنغنه قبل عدة أيام.
من جهة أخرى، فإن الحكومة ومن وراء بيعها الدولارات النفطية بأضعاف السعر المعتمد، استطاعت أن تجمع كميات من العملة الوطنية لسد ديونها الداخلية للبنوك والمقاولين وللقيام بجولة مناورات تتمثل في احتمال إصدار قسائم مساعدات غير نقدية بين المواطنين.
وليست الحكومة هي المستفيد الوحيد من وراء ارتفاع أسعار النفط. «الحرس الثوري» كذلك من أكبر المستفيدين. الجهاز العسكري الأكثر نفوذا في إيران بات يملك، وفق آراء المحللين السياسيين ووفق أرقام شبه رسمية، نحو 40 في المائة من حجم الاقتصاد إلى جانب منظمات مرتبطة به. «الحرس الثوري» اليوم يسيطر على أكبر المشروعات الاقتصادية من تشييد سدود ومد جسور وطرق واتصالات، ويمتلك ما لا يقل عن بنكين، و6 مؤسسات مالية استثمارية عملاقة، وحصصاً في كثير من البنوك الأخرى جبنا إلى جنب حصته في مجال استخراج النفط وتصديره، ويهيمن على عدة موانئ خارج سيطرة الحكومة، مما يجعله من أكبر من يمتلكون مخزون العملة الصعبة في إيران.
هذا من شأنه أن يفسر الصمت في الأجهزة الحكومية وفي الأجهزة الرسمية على حد سواء إزاء الأزمة التي تأكل الاقتصاد الإيراني. كما أن من شأنه أن يفسر المواقف التصعيدية التي باتت تصدر بكثرة عن لسان رجال الحكومة ورجال «الحرس» على حد سواء، وتعمق الأزمة بين إيران والعالم. «مواقف ثورية» بغية التأثير على أسعار النفط العالمية والعمل على ارتفاعها نظرا لما يجنيه ذلك من إيرادات للحكومة ولـ«الحرس»... آثارها تبقى كارثية على الاقتصاد وعلى المجتمع.
السبت الماضي، قال وزير الطرق الإيراني عباس آخوندي؛ أحد الوزراء المتوقع استجوابهم والمعروف عنه أنه يتحدث بنبرة التجار، إن «المواقف الثورية التي تصدر عن رجال النظام يدفع فاتورتها الغالية الشعب».



إيران تُصعّد في «هرمز» بعد تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
TT

إيران تُصعّد في «هرمز» بعد تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)

صعّدت إيران، أمس (الأربعاء)، في مضيق هرمز بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار؛ إذ تعرضت 3 سفن لهجمات متلاحقة، واحتجز «الحرس الثوري» اثنتين.

وجاء التصعيد تزامناً مع الإبقاء على باب التفاوض موارباً وفي ظل انتظار المفاوض الباكستاني تقليص الفجوة بين الجانبين.

وأكد الرئيس الأميركي أنه سيمدد الهدنة بانتظار «مقترح موحد» من طهران، مع إبقاء الجيش على أهبة الاستعداد، ومواصلة الحصار على الموانئ الإيرانية.

كما قال ترمب إن استئناف المحادثات «ممكن» خلال الأيام المقبلة، مشدداً على أن الحصار البحري يظل أداة الضغط الأساسية. وأكّد أن إيران لن تنتزع اتفاقاً من دون تقديم عرض واضح.

في المقابل، قال رئيس البرلمان الإيراني كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إن وقف إطلاق النار لا معنى له إذا استمر الحصار البحري.

ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين أن واشنطن ترى «انقساماً حاداً» بين المفاوضين والعسكريين داخل طهران، وأن غياب مركز قرار واضح يعرقل بلورة موقف موحد.

كما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أن ترمب سيمنح إيران بضعة أيام لتقديم خطة سلام.

وفي هرمز، أفاد مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني بأن سفينة حاويات تعرضت لإطلاق نار من زورق تابع لـ«الحرس الثوري»، ما ألحق أضراراً جسيمة بجسر القيادة، فيما تعرضت سفينة ثانية لإطلاق نار من دون تسجيل أضرار، قبل أن تعلن وسائل إعلام إيرانية استهداف سفينة ثالثة واحتجاز السفينتين «إم إس سي فرانشيسكا» و«إيبامينونداس».


إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
TT

إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)

بدأت إيران بتوثيق الهجمات الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت مراكزها العلمية، وتعمل على إعداد ملف قانوني لملاحقتهما في المحافل الدولية، وفقاً لما ذكرته وكالة مهر الإيرانية للأنباء.

وفي تصريحات أدلى بها خلال زيارة لجامعة «الشهيد بهشتي» في طهران، قال نائب الرئيس الإيراني لشؤون العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة حسين أفشين إن هذا الجهد يتم تنفيذه «من خلال الدائرة القانونية في رئاسة الجمهورية»، بحسب تقرير الوكالة.

ووفقا للحكومة الإيرانية، تضررت أكثر من 20 جامعة في إيران جراء الضربات منذ بدء الحرب، كما تم استهداف أكاديميين فيما تزعم طهران أنها محاولة لإضعاف الأسس العلمية والثقافية للبلاد.

وصرح أفشين بأن «الهجمات على البنى التحتية العلمية والجامعية ليست مجرد اعتداء على الممتلكات والمعدات، بل هي هجوم على أسس إنتاج المعرفة، وتدريب الموارد البشرية الماهرة، ومستقبل التنمية في البلاد».

وأضاف أن السلطات الإيرانية تجمع «كافة الوثائق الفنية، وتقارير الخبراء، والأدلة الميدانية" تمهيدا لتقديمها "عبر القنوات القانونية المتاحة إلى الهيئات الدولية ذات الصلة»، وفقا لما ذكرته وكالة مهر.


انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
TT

انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

صعّدت الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط مع اقتراب حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» من مسرح العمليات، في وقت عادت فيه «يو إس إس جيرالد فورد» إلى المنطقة، لتنضم إلى «يو إس إس أبراهام لينكولن».

ويضع هذا التحرك ثلاث حاملات طائرات أميركية في نطاق عملياتي واحد أو على مقربة منه، مع مجموعة ضاربة ثالثة تضيف نحو 5000 عنصر وثلاث مدمرات مرافقة، في أكبر حشد بحري من هذا النوع منذ عام 2003، في سياق توسيع الحصار البحري المفروض على إيران.

وتشير المعطيات إلى أن البحرية الأميركية تعمل على تشكيل طوق بحري متدرج يمتد من البحر الأحمر إلى بحر العرب والمحيط الهندي، بما يتيح التحكم بخطوط الملاحة المؤدية إلى الموانئ الإيرانية، مع إبقاء وحدات قتالية في حالة جاهزية للتحرك السريع نحو الخليج العربي ومضيق هرمز.

عودة «فورد» إلى المنطقة

عادت حاملة الطائرات «جيرالد فورد» إلى الشرق الأوسط بعد عبورها قناة السويس إلى البحر الأحمر برفقة مدمرتين، لتدخل مجدداً نطاق العمليات بعد توقف سابق بسبب حريق اندلع في مارس (آذار) في أحد مرافقها الداخلية. واستأنفت الحاملة انتشارها بعد إصلاح الأضرار، لتلتحق بالمسرح العملياتي ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية.

وانضمت «فورد» إلى «أبراهام لينكولن» العاملة في شمال بحر العرب، ما يعني وجود حاملتي طائرات قادرتين على تنفيذ عمليات جوية وبحرية متزامنة، تشمل الطلعات القتالية والاستطلاع والدعم اللوجيستي، إضافة إلى تغطية عمليات الحصار البحري.

«لينكولن» وغطاء بحر العرب

تواصل «أبراهام لينكولن» العمل في شمال بحر العرب، حيث تؤدي دوراً محورياً في العمليات الجوية والرقابة البحرية. وتعمل الحاملة ضمن مجموعة ضاربة تضم سفناً مرافقة وأنظمة دفاع جوي وصاروخي، ما يوفر لها قدرة على تنفيذ مهام متعددة تشمل الحماية البحرية، ومرافقة السفن، وتقديم الإسناد لعمليات الاعتراض والتفتيش.

ويتيح وجود «لينكولن» في هذا القطاع تغطية مساحات واسعة من المجال البحري الممتد بين بحر العرب والمحيط الهندي والخليج العربي، مع قدرة على دعم عمليات الحصار البحري المستمرة على الموانئ الإيرانية.

اقتراب «بوش» من مسرح العمليات

تتحرك حاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» نحو الشرق الأوسط عبر المسار الجنوبي حول رأس الرجاء الصالح، بدلاً من المرور عبر مضيق باب المندب. ويُتوقع أن تصل إلى بحر العرب خلال أيام، ما يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية إلى ثلاث مجموعات ضاربة في المنطقة أو على مقربة منها، بحسب ما أوردته صحيفة «فايننشال تايمز».

وترافق «بوش» ثلاث مدمرات، ما يعزز قدرات الحماية والهجوم والدفاع الجوي للمجموعة. ويتيح هذا الانتشار تغطية متداخلة للبحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، مع قدرة على إعادة التموضع السريع نحو الخليج العربي في حال تطلبت العمليات ذلك.

وسيضيف وصولها نحو خمسة آلاف عنصر إلى المنطقة ضمن مجموعة ضاربة ثالثة، ما يرفع مستوى الحشد البحري الأميركي إلى أكبر مستوى له منذ حرب العراق عام 2003.

أظهرت بيانات التتبع عبر موقع «فلايت رادار24» تحليق طائرة لوجستية من طراز «في - 22 أوسبري» قرب جزر القمر، في مؤشر على وجود أو اقتراب الحاملة «بوش» من مسرح العمليات. وتُستخدم هذه الطائرات لنقل الأفراد والبريد والحمولات وقطع الغيار بين القواعد البرية وحاملات الطائرات في البحر.

ويُعد ظهور هذه الطائرات على أنظمة التتبع المدني مؤشراً غير مباشر على مواقع المجموعات البحرية، في ظل التزام السفن العسكرية عادةً بإجراءات تقليل البصمة الإلكترونية وعدم بث مواقعها بشكل مباشر.

قوات برمائية وانتشار بحري موسع

بالتوازي مع حاملات الطائرات، دفعت الولايات المتحدة بقوات إنزال بحرية كبيرة إلى المنطقة؛ فقد وصل نحو 3500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم 2200 من عناصر الوحدة الاستكشافية 31، على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس تريبولي» والسفينة «يو إس إس نيو أورليانز»، ثم انضمت إليهما لاحقاً سفينة الإنزال «يو إس إس راشمور».

كما تتحرك مجموعة برمائية ثانية تضم نحو 4500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم عناصر الوحدة الاستكشافية 11، على متن مجموعة «بوكسر» التي تضم «يو إس إس بوكسر» وسفينتين مرافقتين. وكانت هذه المجموعة قد غادرت بيرل هاربر في الأول من أبريل (نيسان)، ويُتوقع وصولها إلى المنطقة في نهاية الشهر.

طائرة من طراز «في - 22 أوسبري» (أ.ب)

نفذت قوات من مشاة البحرية عمليات إنزال انطلاقاً من «تريبولي»، حيث استخدمت مروحيات لنقل عناصر سيطرت على سفينة الشحن الإيرانية «توسكا» في بحر العرب. وتعد هذه العملية أول عملية مصادرة لسفينة منذ بدء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.

وتوفر هذه القوات قدرة على تنفيذ عمليات صعود على متن السفن أو إنزال مباشر من البحر باستخدام مروحيات وزوارق إنزال ومركبات برمائية، بما يعزز من فاعلية الحصار البحري وقدرته على فرض السيطرة على خطوط الملاحة.

قوات برية وجاهزية تدخل

أمر البنتاغون بنشر ما يصل إلى 3000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً، وهي قوة مظلية قادرة على الانتشار السريع باستخدام طائرات نقل عسكرية من طراز سي-17 وسي-130. كما تم نشر نحو 10 آلاف جندي مدربين على عمليات الاستيلاء على الأرض والاحتفاظ بها.

وتتمتع هذه القوات بقدرة على تنفيذ عمليات إنزال جوي خلال ساعات، مع إسقاط الأفراد والمركبات والمدفعية في مناطق العمليات. وتعمل هذه الوحدات بالتوازي مع القوات البرمائية، ما يوفر خيارات متعددة للانتشار الميداني.

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 25 فبراير الماضي (رويترز)

شبكة حصار بحري متكاملة

يشمل الانتشار الأميركي مدمرات وسفن إنزال ومنصات استطلاع وطائرات دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون»، إضافة إلى طائرات تزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135». وتؤدي هذه الشبكة دوراً محورياً في مراقبة السفن واعتراضها، وتأمين خطوط الملاحة، وتنفيذ عمليات الإنفاذ البحري.

ويغطي هذا الانتشار الممرات البحرية الرئيسية، بما في ذلك مضيق هرمز وخليج عمان وبحر العرب، مع قدرة على متابعة السفن الداخلة والخارجة من نطاق الملاحة المرتبط بإيران.

ويمنح وجود ثلاث حاملات أو ما يقارب ذلك الولايات المتحدة قدرة كبيرة على توزيع الطلعات الجوية ومهام الحماية البحرية والاستطلاع بعيد المدى. وتوفر الحاملات غطاءً دائماً لعمليات التفتيش والاعتراض، وتدعم القدرات اللوجستية والقتالية للقوات المنتشرة في البحر.

ومع استمرار الحصار، تتحول هذه الحاملات إلى منصات لفرض ضغط متواصل على إيران، من دون الحاجة إلى إعلان حملة هجومية جديدة. كما يسمح هذا الانتشار بالحفاظ على الجاهزية إذا فشلت المساعي السياسية واضطرت واشنطن إلى توسيع العمليات مجدداً.

زورق على متن سفينة الهجوم البرمائية «يو إس إس بوكسر» «واسب» خلال عمليات الإنزال من السفينة إلى الشاطئ في المحيط الهادئ، في 18 مارس 2026 (البحرية الأميركية)

جاهزية عملياتية مستمرة

توفر الوحدات الاستكشافية البحرية قدرة على تنفيذ إنزال سريع من السفن إلى الساحل باستخدام زوارق ومروحيات و«في - 22 أوسبري»، مع نقل الوقود والإمدادات مباشرة من البحر. وتتيح هذه القدرات استمرار العمليات لفترات ممتدة مع دعم لوجستي من السفن القريبة.

في المقابل، تعتمد قوات الفرقة 82 المحمولة جواً على إسقاط سريع مع إمدادات تكفي من يوم إلى يومين، قبل الحاجة إلى إعادة الإمداد عبر الجو أو من خلال خطوط دعم إضافية.

تؤمّن هذه التشكيلات العسكرية قدرة على تنفيذ عمليات بحرية وجوية وبرية متزامنة، تشمل الحصار البحري، وعمليات الاعتراض، والإنزال، والتدخل السريع. ومع وجود ثلاث حاملات طائرات ومجموعتين برمائيتين وقوات محمولة جواً، يكتمل انتشار عسكري متعدد الأبعاد يغطي كامل مسرح العمليات البحري المحيط بإيران، مع جاهزية مستمرة لتنفيذ المهام العملياتية المختلفة.

يأتي هذا الحشد ضمن عملية «ملحمة الغضب»، حيث بلغ عدد المصابين في صفوف القوات الأميركية 400 عنصر، بينهم 271 من الجيش و64 من البحرية و19 من مشاة البحرية و46 من سلاح الجو. كما بلغ عدد القتلى 13 عسكرياً، سقطوا في المراحل الأولى من الحرب.

وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق العمليات العسكرية وتعدد أذرعها البرية والبحرية والجوية، في ظل استمرار الانتشار العسكري واسع النطاق.

قدرات إيرانية ما زالت قائمة

في المقابل، تشير تسريبات من مسؤولين أميركيين نقلتها شبكة ـ«سي بي إس نيوز» إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية لا تزال أكبر مما أعلنته الإدارة الأميركية؛ فبحسب هذه التقديرات، بقي نحو نصف مخزون الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاقها سليماً عند بداية وقف إطلاق النار، فيما لا يزال نحو 60 في المائة من الذراع البحرية لـ«الحرس الثوري» قائماً، بما في ذلك الزوارق السريعة الهجومية.

كما يعتقد أن نحو ثلثي القوة الجوية الإيرانية لا تزال قابلة للعمل، رغم الحملة الجوية المكثفة التي استهدفت آلاف المواقع. ويعني ذلك أن الانتشار الأميركي لا يواجه فراغاً عسكرياً، بل خصماً ما زال يحتفظ بقدرات كافية لإرباك الملاحة ورفع كلفة الحصار.