أزمة ثقة تفاقم مأزق الريال الإيراني

«الحرس» و«الحكومة» بين المستفيدين من تراجع سعر العملة أمام الدولار

إيرانيون يصطفون أمام مكتب صيرفة في طهران الشهر الماضي (أ.ب)
إيرانيون يصطفون أمام مكتب صيرفة في طهران الشهر الماضي (أ.ب)
TT

أزمة ثقة تفاقم مأزق الريال الإيراني

إيرانيون يصطفون أمام مكتب صيرفة في طهران الشهر الماضي (أ.ب)
إيرانيون يصطفون أمام مكتب صيرفة في طهران الشهر الماضي (أ.ب)

بعد صمت طويل إزاء الأزمة التي أصابت العملة الإيرانية منذ مايو (أيار) الماضي عقب إعلان ترمب انسحاب إدارته من الاتفاق النووي، ظهر أحد أعضاء الحكومة الإيرانية ليعقب على الحدث.
محمود واعظي، مدير مكتب الرئيس الإيراني وأحد الأعضاء المؤثرين في الحكومة الإيرانية، قال أول من أمس إن الحكومة لن تقف مكتوفة اليدين إزاء الأحداث التي تشهدها العملة الصعبة وارتفاع أسعارها في الأسواق، وإنما لديها خطط للقضاء على الأزمة في غضون 7 أشهر أو 8.
وجدد واعظي مرة أخرى اتهامات المسؤولين الإيرانيين إلى أطراف خارجية، وقال إن «الاقتصاد الإيراني يتعرض لمؤامرة دولية» إلا إنه لم يوضح تماما طبيعة الخطة التي تنوي الحكومة إجراءها، ليبقى الباب مفتوحا أمام التكهنات.
ومع ذلك، فإن السوق لم تبد رد فعل إيجابياً يذكر إزاء ما أعلنه المسؤول الإيراني الذي يقال عنه إنه احتل بشكل غير مباشر مكانة إسحاق جهانغيري المساعد الأول للرئيس الإيراني. وأوردت الصحف الإيرانية عن خبراء اقتصاديين أن السبب وراء عدم تجاوب السوق مع تصريحات واعظي أن «السوق سمعت كثيراً من كلام أهل الحكومة قبل هذا، لكنه غير دقيق، ولذلك يعرف أهل السوق أن الكلام لن يترجم إلى أفعال ملموسة».
لم يتوقف انهيار العملة الإيرانية منذ عام تقريبا. ويكفي وصف الأزمة بالاستناد إلى ما تذكره المواقع الاقتصادية حول أن العملة الإيرانية شهدت انخفاضا بنحو 473 في المائة خلال عام واحد إذا أخذنا بعين الاعتبار أسعارها في الأسبوع الثالث من سبتمبر (أيلول) الماضي.
وخلال الأشهر الأربعة الماضية شهدت العملة نفسها انخفاضا في قيمتها بلغ 300 في المائة. وتبين الدراسات الاقتصادية أن معدلات انهيار العملة ترتفع كلما اقترب موعد تنفيذ الموجة الثانية من العقوبات الأميركية المقرر تطبيقها في بدايات نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل ومن المقرر أن تشمل النفط الإيراني. السبب في ذلك هو انخفاض إيرادات إيران من مبيعات نفطها والخوف المتزايد لدى عامة الناس من أن تفقد النقود التي في أيديهم قيمتها فيهرعون إلى استبدال العملات الصعبة بها، مما يترك بدوره ضغوطا أكبر على أسعار العملة المحلية نتيجة ارتفاع الطلب على العملة الصعبة وانخفاض المعروض.
لكن المشكلة لم تقف عند هذه الحدود؛ وإنما انعكست على الاقتصاد بشكل عام. ما وراء الأرقام التي يصدرها البنك المركزي والتي تبين أن الاقتصاد الإيراني يتجه بسلام نحو رقم التضخم الذي أصدره عن الشهر السادس الإيراني؛ إذ أكد فيه أن المعدل عند 13.5 في المائة، أن كل الأرقام تشير إلى كارثة.
بدورها تؤكد أرقام صادرة عن اتحاد العقاريين أن معدل أسعار البيوت ومعدل إيجارها ارتفع بأكثر من 70 في المائة خلال عام واحد. كما أن أسعار السيارات كذلك شهدت ارتفاعا وصل خلال أغسطس (آب) الماضي إلى نحو 63 في المائة استنادا إلى أرقام رسمية.
وهذه ليست إلا البدايات؛ فقد شهدت البضائع اليومية والبضائع المنزلية خلال الأشهر الستة الماضية ارتفاعات وصلت إلى 300 في المائة، وخير شاهد على ذلك الحملة الشعبية التي ظهرت على شبكات التواصل الاجتماعي حول قياس أسعار علب معجون الطماطم؛ إذ تشهد ارتفاعا بهذا المعدل.
وبالنظر إلى الأرقام الرسمية؛ فقد شهدت رواتب الموظفين في إيران انخفاضا في قيمتها مقابل العملات العالمية؛ ففي بداية العام الإيراني كان الحد الأدنى من الأجور في إيران عند 285 دولاراً لكنه اليوم لا يتجاوز 70 دولارا. لكن الحكومة، وعلى لسان المساعد الاقتصادي للرئيس، رفضت حتى الآن أي برامج لرفع الحد الأدنى من الأجور خلال هذا العام الذي تجاوز النصف قبل أسبوع.
المشكلة باختصار، كما يصفها خبراء الشأن الاقتصادي في موقع «خبر أونلاين» التابع لرئيس البرلمان، هي أن «الاقتصاد الإيراني في أزمة كبيرة حتى إذا كان الرئيس روحاني حاول خلال جلسة برلمانية لمساءلته التقليل من شأنها ووصفها بالمشكلة البسيطة». ولا شيء في الأفق يدل على تحسن الوضع؛ إذ إن الموجة الثانية من العقوبات لم يتم تفعيلها بعد، وهي تحمل الأسوأ للاقتصاد الإيراني المستند إلى النفط.
وإذا كانت «مصائب قوم عند قوم فوائد»، فإن الأزمة التي يشهدها الاقتصاد الإيراني ليست مصيبة لكل الجهات؛ وإنما ثمة جهات تستفيد من هذه الأزمة؛ على رأس هذه الجهات الحكومة بذاتها التي يتهمها البعض بأنها «هي التي تصب الزيت على نار أسعار الدولار المرتفعة في السوق».
صحيح أنه من المبالغ فيه أن نقول إن الحكومة هي التي افتعلت الأزمة أو حركتها، لكنها استغلت الموقف. هذا ما يقوله أستاذ علم الاقتصاد في جامعة «بهشتي» بطهران، الذي يقول إن الحكومة تعمدت الصمت إزاء الارتفاعات المتتالية لأسعار الدولار لأنها تربح من وراء ارتفاع سعره. الحكومة اعتمدت 3800 تومان لسعر الدولار في الموازنة العامة لهذا العام، مما يجعل لديها فائضا كبيرا جراء بيع العملة الصعبة التي تمتلكها في الأسواق بأسعار تبلغ عدة أضعاف المبلغ المعتمد. وفي أسوأ الحالات، فإن الحكومة حصلت على كل ما خططت له من إيرادات بالريال لكل العام؛ فقط من خلال إيراداتها من بيع النفط خلال نصف العام الأول، وإن كل ما تجنيه من الآن فصاعدا ليس إلا فائضا في الإيرادات. وهذا بالضبط ما قاله وزير النفط الإيراني بيجن زنغنه قبل عدة أيام.
من جهة أخرى، فإن الحكومة ومن وراء بيعها الدولارات النفطية بأضعاف السعر المعتمد، استطاعت أن تجمع كميات من العملة الوطنية لسد ديونها الداخلية للبنوك والمقاولين وللقيام بجولة مناورات تتمثل في احتمال إصدار قسائم مساعدات غير نقدية بين المواطنين.
وليست الحكومة هي المستفيد الوحيد من وراء ارتفاع أسعار النفط. «الحرس الثوري» كذلك من أكبر المستفيدين. الجهاز العسكري الأكثر نفوذا في إيران بات يملك، وفق آراء المحللين السياسيين ووفق أرقام شبه رسمية، نحو 40 في المائة من حجم الاقتصاد إلى جانب منظمات مرتبطة به. «الحرس الثوري» اليوم يسيطر على أكبر المشروعات الاقتصادية من تشييد سدود ومد جسور وطرق واتصالات، ويمتلك ما لا يقل عن بنكين، و6 مؤسسات مالية استثمارية عملاقة، وحصصاً في كثير من البنوك الأخرى جبنا إلى جنب حصته في مجال استخراج النفط وتصديره، ويهيمن على عدة موانئ خارج سيطرة الحكومة، مما يجعله من أكبر من يمتلكون مخزون العملة الصعبة في إيران.
هذا من شأنه أن يفسر الصمت في الأجهزة الحكومية وفي الأجهزة الرسمية على حد سواء إزاء الأزمة التي تأكل الاقتصاد الإيراني. كما أن من شأنه أن يفسر المواقف التصعيدية التي باتت تصدر بكثرة عن لسان رجال الحكومة ورجال «الحرس» على حد سواء، وتعمق الأزمة بين إيران والعالم. «مواقف ثورية» بغية التأثير على أسعار النفط العالمية والعمل على ارتفاعها نظرا لما يجنيه ذلك من إيرادات للحكومة ولـ«الحرس»... آثارها تبقى كارثية على الاقتصاد وعلى المجتمع.
السبت الماضي، قال وزير الطرق الإيراني عباس آخوندي؛ أحد الوزراء المتوقع استجوابهم والمعروف عنه أنه يتحدث بنبرة التجار، إن «المواقف الثورية التي تصدر عن رجال النظام يدفع فاتورتها الغالية الشعب».



لندن تتهم طهران باستهداف «قاعدة فيرفورد»

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

لندن تتهم طهران باستهداف «قاعدة فيرفورد»

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، أن التهديد الأمني الذي استهدف «قاعدة فيرفورد» الجوية، التي يستخدمها الجيش الأميركي في الحرب على إيران، جرى «بتوجيه شبه مؤكد» من «الحرس الثوري» الإيراني.

واستدعت لندن أمس، السفير الإيراني لديها للتعبير عن احتجاجها، كما أدرجت مواطنين إيرانيين اثنين على قائمة العقوبات، «لدورهما في تسهيل أنشطة عدائية نيابة عن النظام الإيراني، بقصد التهديد بشن هجمات في الخارج أو التخطيط لها أو تنفيذها»، وذلك على خلفية الحادثة الغامضة التي وقعت في 27 سبتمبر (أيلول).

وحذّرت الولايات المتحدة وشركاؤها، ومنهم أستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا، إيران من الإقدام على أعمال عدائية على أراضيها. وقال البيان المشترك الذي وقعته 29 دولة، إن «أي محاولة من جانب إيران لتهديد أشخاص على أراضينا، أو إسكاتهم، أو ترهيبهم، أو مضايقتهم، أو إلحاق الأذى بهم، أو إكراههم.... يُعدّ أمراً غير مقبول».


حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

قال رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، الاثنين، إن التهديد الأمني الذي استهدف قاعدة «فيرفورد» الجوية، التي يستخدمها الجيش الأميركي في الحرب على إيران، جرى «بتوجيه شبه مؤكد» من «الحرس الثوري» الإيراني.

وفي هذا السياق، أعلنت لندن استدعاء السفير الإيراني فيها، وإدراج مواطنَين إيرانيين اثنين على قائمة العقوبات، على خلفية الحادثة الغامضة التي وقعت في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت الأسبوع الماضي، بشكل مفاجئ، سحب جميع قاذفاتها من طراز «بي1» من القاعدة التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، عقب الحادثة.

وقال بيرنهام أمام «مجلس العموم (البرلمان)»: «تقييمنا هو أنه من المرجح للغاية أن يكون قد جرى التنسيق في إيران، وبتوجيه شبه مؤكد من (الحرس الثوري) الإيراني». وأضاف: «لن نتسامح مع هذه التهديدات على أراضينا. سنتصدى بحزم لاستخدام إيران الشبكات الإجرامية، مستخدمين كامل صلاحياتنا لاستهدافها واستهداف قنوات تمويلها».

وأعلنت وزارة الخارجية البريطانية استدعاء السفير الإيراني في لندن.

شرطيان بريطانيان في محيط قاعدة «فيرفورد» الجوية (رويترز)

وقال وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند: «نعلن أيضاً تصنيف مواطنَين إيرانيين اثنين؛ لدورهما في تسهيل أو الانخراط في أنشطة عدائية نيابة عن النظام الإيراني، بقصد واضح يتمثل في التهديد بشن هجمات في الخارج أو التخطيط لها أو تنفيذها».

وأثارت الواقعة تكهنات واسعة منذ استدعاء الشرطة إلى القاعدة الواقعة في جنوب غربي إنجلترا، بعدما أبلغ مزارع عن وجود مجموعة من الرجال معهم شاحنات صغيرة بيضاء، يمارسون نشاطاً وصفه بأنه «مريب».

ورغم إجراء شرطة مكافحة الإرهاب تحقيقاً موسعاً، فإنه قد أُفرج بكفالة عن المشتبه فيهم الـ7 الذين أوقفوا على مدى أيام، ومن بينهم مواطن بريطاني - إيراني، من دون توجيه اتهامات إلى أي منهم.

وصنّفت السلطات البريطانية الواقعة، في حينها، حادثةً «كبيرة»؛ مما أدى إلى إخلاء قرية مجاورة للقاعدة، غير أن مصدر التهديد وطبيعته ظلا يكتنفهما الغموض.

ولم يعثر المحققون على أي متفجرات داخل الشاحنات الصغيرة، لكنهم عثروا على كمية من البنزين، وفق ما ذكره مسؤولون.

وذكّر ميليباند بأن المملكة المتحدة قد «صنّفت (الحرس الثوري) الإيراني بموجب صلاحياتنا الجديدة المتعلقة بتهديدات الدول، وفرضت عقوبات كبيرة على المسؤولين عن أنشطة إيران الخبيثة».


تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
TT

تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)

يتباعد موقفا طهران وواشنطن حول شروطهما للعودة إلى التفاوض، مما يجعل فرص إنهاء الحرب تبدو بعيدة في الوقت الحالي. وقالت إيران إنها ما زالت تواصل دراسة الرد الأميركي على مقترحها الرامي إلى إعادة فتح مضيق هرمز خلال 7 أيام وإنهاء الحرب، وسط تعثر الجهود الدبلوماسية بسبب الخلاف على شروط استئناف المفاوضات، لا سيما إصرار واشنطن على بحث الملف النووي الإيراني منذ البداية، وليس في مرة لاحقة.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مؤتمر صحافي يوم الاثنين، أن بلاده لا تزال تدرس الرد الأميركي، وأنها ستنقل موقفها إلى واشنطن عبر الوسطاء فور الانتهاء من تقييمه، مؤكداً استمرار تبادل الرسائل بين الطرفين من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وتضطلع قطر وباكستان بدور الوساطة، إلى جانب أطراف أخرى أبرزها روسيا التي عادت إلى ساحة الوساطة بقوة مؤخراً في مسعى يرمي إلى إنهاء الحرب التي دخلت شهرها الثامن.

خلاف على الشروط

لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة ترمب في شمال طهران (إ.ب.أ)

تأتي التصريحات الإيرانية في وقت تواجه فيه الجهود الدبلوماسية صعوبات في التوصل إلى صيغة مشتركة لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة. وكانت طهران قد قدمت مقترحها في منتصف سبتمبر (أيلول)، وأكدت لاحقاً تلقيها رداً أميركياً، لكن الاتصالات لم تحقق تقدماً ملموساً منذ ذلك الحين.

من جانبه، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، إن الردَّ الأميركي على الشروط السبعة الواردة في المقترح الإيراني بفتح مضيق هرمز خلال 7 أيام، «غيرُ كافٍ». وأضاف أن واشنطن وافقت على بعض الشروط الإيرانية، لكنها لم توضح موقفها من بقية الشروط، من دون أن يحدد أي الشروط التي وافقت عليها واشنطن وتلك التي لن توافق عليها.

وأضاف أن بعض المسائل لا تزال بحاجة إلى توضيح، من دون الكشف عن طبيعتها.

وأشار رضائي إلى أن إيران لن تعود إلى النهج الدبلوماسي السابق، قائلاً إن «دبلوماسية إيران تغيّرت»، في إشارة إلى تمسك بلاده بموقفها في المفاوضات.

وتكتسب الأزمة أهمية دولية بالنظر إلى الدور الاستراتيجي للمضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس التجارة العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، مما يجعل استعادة حركة الملاحة فيه عاملاً رئيسياً في أي تسوية محتملة.

توسيع نطاق المواجهة

بزشكيان ورضائي يحضران اجتماعاً بشأن إعادة الإعمار (الرئاسة الإيرانية)

وبالتزامن مع تعثر المسار الدبلوماسي، صعّد رضائي لهجته تجاه الولايات المتحدة، متهماً إدارة الرئيس دونالد ترمب بالفشل في تحقيق أهدافها العسكرية المتعلقة بالمضيق، وموجهاً انتقادات حادة إلى لعمليات الأميركية.

كما حذّر من أن تجدد القتال على نطاق واسع قد يدفع إيران إلى استهداف بنى تحتية في المنطقة، تشمل الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ومواقع أخرى، في تهديد من شأنه توسيع نطاق المخاطر الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالصراع.

ولم يقدم رضائي تفاصيل إضافية عن طبيعة الأهداف المحتملة أو توقيت تنفيذ هذه التهديدات، التي تأتي في ظل استمرار التوترات وتعثر الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.

ويتمثل أحد أبرز مواضع الخلاف في ترتيب الملفات المطروحة على طاولة التفاوض؛ إذ تصر الولايات المتحدة على مناقشة البرنامج النووي الإيراني منذ البداية، بينما تريد طهران إعطاء الأولوية لإعادة فتح مضيق هرمز واستعادة الأمن في الممر المائي، على أن يُبحث الملف النووي ضمن مسار المفاوضات لاحقاً.

حوار أميركي ـ إسرائيلي بشأن ضرب إيران

لافتة إعلانية كبيرة مناهضة لإسرائيل في خلفية ميدان وسط طهران 12 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

من جهة ثانية، أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

كان الكاتب في صحيفة «معاريف»، بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف عن أن مسؤولين أميركيين قالوا إن إسرائيل هي المتحمسة لاستئناف الحرب، فطلبوا منها مهاجمة إيران منفردة، كي تتحمل هي الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وأضاف بن كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة.

استعادة إنتاج المسيّرات والصواريخ

لافتة تحمل صورة ترمب بجوار منظومة صواريخ إيرانية في ساحة آزادي بطهران (رويترز)

جاء الطلب الأميركي بهجوم منفرد تقوم به إسرائيل، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

كانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت مؤخراً أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

تصعيد في «هرمز»

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

في غضون ذلك، أعلن «الحرس الثوري» أن قواته استهدفت، يوم الاثنين، سفينة كانت تحاول عبور مضيق هرمز، مما أدى إلى اشتعال النيران فيها. وقالت بحرية «الحرس الثوري» في بيان نُشر على موقعه الإلكتروني «سباه نيوز»، إن «ناقلة نفط عملاقة تعرضت لضربة في مضيق هرمز واشتعلت فيها النيران».

وأضاف البيان أن السفينة المستهدفة «حاولت العبور بعد تعطيل أجهزة التعرّف والتتبع الخاصة بها، وأنها تجاهلت التحذيرات الصادرة عن بحرية (الحرس الثوري)».

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ مما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً أن ناقلة نفط انفجرت، واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها المضيق مساء يوم الأحد، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز عبر المسار الجنوبي. وأفادت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية شبه الرسمية (إسنا) بأن هذه هي ثالث ناقلة نفط «مخالفة» تشتعل فيها النيران منذ يوم السبت، خلال عبورها مساراً غير مسموح به في مضيق هرمز.

وأكدت الوكالة أن «جميع السفن الموجودة في نطاق مضيق هرمز التي تطفئ أنظمة الملاحة والتعريف الخاصة بها ستُصنف على أنها معادية، وسيتم التعامل معها بحزم وشدة».

منافسة على التحكم في المضيق

من جانبها، أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، يوم الأحد، استهداف سفينة شحن تجارية في خليج عُمان في أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية.

وأوضحت «سنتكوم» في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة مستهدِفةً مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما، وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»؛ مما أدى إلى «تعطيل نظام الدفع، من دون إلحاق أضرار كاملة بالسفينة وطاقمها».

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، يوم السبت، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في «هرمز» بمقذوف مجهول أصاب جانبها الأيسر، وأدى إلى اندلاع حريق على متنها، وفقاً لإفادة قبطانها.

ومنذ بداية الحرب، استهدفت إيران مراراً سفناً حاولت عبور مضيق هرمز من دون الحصول على إذن منها.

كان قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري» علي عظمائي، قد حذّر خلال عطلة نهاية الأسبوع من أن أي سفينة تُغلق أجهزة التتبع لتجنب رصدها في أثناء عبور المضيق ستُعد هدفاً معادياً.

وقيّدت إيران حركة الملاحة في هذا المضيق الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط)، وفي المقابل، فرضت واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية. وأصبحت الملاحة في المضيق والتحكم بها إحدى نقاط التجاذب الأساسية بين طهران وواشنطن، إذ تتمسك الأولى بأن تكون هي المشرفة على حركة العبور عبر مسار تحدده، في حين ترفض الثانية وأطراف عدة أخرى هذا الأمر.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية.

وتعكس المواقف الإيرانية في مضيق هرمز والمفاوضات والملف النووي اتساع الفجوة مع واشنطن، مما يزيد من نطاق التوترات الإقليمية، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى تسوية للحرب مرتبطة بتجاوز الخلافات بشأن شروط التفاوض وترتيب أولوياته.

غير أن التهديدات باستهداف البنى التحتية الإقليمية، إلى جانب تصاعد الهجمات، تُبرز حجم المخاطر التي قد تواجه أي جهود لاحتواء الصراع ومنع امتداده إلى جبهات جديدة.