تعليم اللغة العربية يثير جدلاً كبيراً في فرنسا

تيار اليمين المتطرف يحذر من خطر «التعريب»... ومثقفون يدافعون

ادرجت اللغة العربية بشكل رسمي في المناهج الفرنسية منذ 2017 كلغة أجنبية
ادرجت اللغة العربية بشكل رسمي في المناهج الفرنسية منذ 2017 كلغة أجنبية
TT

تعليم اللغة العربية يثير جدلاً كبيراً في فرنسا

ادرجت اللغة العربية بشكل رسمي في المناهج الفرنسية منذ 2017 كلغة أجنبية
ادرجت اللغة العربية بشكل رسمي في المناهج الفرنسية منذ 2017 كلغة أجنبية

جدل واسع يقسم الأوساط الثقافية والسياسية الفرنسية هذه الأيام، والسبب هو إعلان وزير التربية والتعليم جان ميشال بلانكي نيته تعميم تعليم اللّغة العربية في المدارس من المرحلة الابتدائية لغاية الثانوية. النبأ أقام الدنيا ولم يقعدها، والهجوم جاء تحديداً من أطراف سياسية يمينية، على أن كثيرا من الشخصيات العلمية والأدبية دافعت عن اللغة العربية كلغة حية ومهمة وحق التلاميذ الفرنسيين في تعلمها.
القرار جاء بعد نشر توصيات تقرير معهد «مونتان للبحوث والدراسات» الذي أعده الأكاديمي حكيم القروي. التقرير يكشف أن عدد التلاميذ الذين يتعلمون اللغة العربية في المدارس الفرنسية قد انخفض للنصف في أقل من عشرين سنة، وفي المقابل فإن تعليم هذه اللغة يلاقي طلباً قوياً في المدارس الإسلامية والمساجد الخارجة في معظمها عن إطار رقابة وزارة التربية والتعليم. الإعلان الذي تحدث فيه الوزير أيضاً عن ضرورة تطوير تعليم اللّغة الصينية والروسية إلى جانب العربية والارتقاء بها للمكانة المهمة التي تستحقها كلغة أدب وثقافة، لقي هجوما عنيفا من طرف سياسيين من اليمين، لكن تحديدا على اللغة العربية: الكاتب ووزير التربية السابق في عهد جاك شيراك لوك فيري (2000-2004) وصف القرار بالفكرة «الخاطئة»، متسائلاً عن جدوى محاربة الأصولية بينما يتم إدخال العربية لمدارس الجمهورية. وتعجبت الناطقة باسم حزب اليمين لورانس سيليي كيف يتم تسخير الجهود للغة أخرى غير الفرنسية؟ وتحدث المسؤول في تيار اليمين المتطرف لويس أليو ورفيق رئيسة الحزب مارين لوبان، عن «آيديولوجية الخضوع». أما نيكولا دوبون إينيون زعيم حركة «فرنسا واقفة» فقد تحدث عن «خطر تعريب فرنسا». والملاحظ هو أن هذه الأصوات المتخوفة تربط عامة تعليم اللّغة بانتشار الأصولية والتطرف بين أوساط شباب الهجرة، وتراه كتعبير عن رفض الاندماج في المجتمع ورفض مبدأ العلمانية، وهي الحجة التي يصفها المدافعون عن اللغة العربية بـ«السخافة». الباحث والأكاديمي بييرلوي ريموند يكتب على صفحات موقع «ميديابارت» الإعلامي المستقل: «وصف اللّغة العربية بأنها لغة مجموعات قومية وربطها بآيديولوجيات سياسية عقائدية ينم عن جهل تام بأهمية هذه اللغة التي تعبر عن حضارة وثقافة عريقة تعود لآلاف السنين استفادت منها الإنسانية جمعاء. فهل نصف الثقافة والفن اللذين قدمهما لنا المبدعون العرب عبر قرون بإنتاج مجموعات قومية؟ العلوم والفلسفة والطب التي ندرسها اليوم في بلادنا، الروائع المعمارية كقصور الأندلس أو الكنوز التي تحتضنها متاحفنا هل هي روائع قومية؟»، الباحث في علوم اللسانيات المعروف كلود هجّاج يحاول فهم هذه الردود العنيفة بقوله: «لماذا سوء الفهم وهذه الحماقة الهذيانية؟ لأننا ببساطة نقترب من شيئين يميزان الفرنسي عن غيره، اعتزازه المبالغ فيه بلغته والتكشير عن أنيابه فور إحساسه بالخطر من أي منافسة، وعقليته الاستعمارية التي تجعله يعتقد أنه مهما تنازل وأعطى فإن الآخر سيطلب أكثر». الباحث في اللّسانيات لويس جان كالفي يقول: «إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم نحتج على تعلم الروسية بين 1917 و1991 أيام الشيوعية؟ اللّغة العربية تبدو كغابة من الرموز يضيع فيها مواطنونا الذين يجدون صعوبة في إدراك معنى أن تتعلم لغة الآخر وليس أن تتعلم لغة ديانة الآخر». وكتبت الإعلامية نادية دام عموداً مؤثراً في موقع «سلات» عنوانه: «أعلم لماذا لا أفقه كلمة بالعربية رغم أنها لغتي الأم»، حاولت فيه تفسير الأسباب وراء عدم إتقانها للغة العربية: «لأنه خلال سنوات طفولتي الكل تعامل مع لغة آبائي وأجدادي إما بالازدراء أو بالخوف أو بالإشفاق الساخر، في كل مرة تذاع فيها موسيقى شرقية كانت كل الأعين تتجه لي بإلحاح لأرقص رغم أني لا أستطيع هز وسطي ولا قيد أنملة...، كم مرة رأيت نظرات التوبيخ في أعين المارة عندما تحدثني أمي بالعربية ونحن في الشارع وكأني أرفض الاندماج في المجتمع الفرنسي لأني أتكلم هذه اللغة.. رأيت في طفولتي نظرات إعجاب لأساتذتي تجاه زملائي الصينيين لأنهم يتقنون اللغتين ولم أرها تجاه زملائي العرب رغم أننا كنا نتقن لغتين أيضاً». أما الروائي صاحب جائزة الغونكور، جيروم فيراري، الذي عمل أيضا كمترجم وأستاذ وأقام في دول عربية كالجزائر والإمارات فكتب على صفحات جريدة «لا كروا» مقالاً بعنوان: «بارانويا»، مدافعاً فيه عن اللّغة العربية وفند تهمة النزعة القومية التي توجه لها. يقول: «قد تنطبق صفة (القومية) على اللّهجات الجهوية التي يستعملها الملايين يومياً من الدار البيضاء إلى أبوظبي لكن هذا لا ينطبق على العربية الفصحى التي لا تلقن إلا خارج الإطار العائلي.... السؤال هو أين ومع من يتعلم هؤلاء الصغار لغتهم الأم؟؟ أن تكون اللغة العربية لغة الأدب والفلسفة والشعر لا يهم هؤلاء السّاسة، ما يهُمهم هو خلق الجدل وشحن الجموع بمشاعر الكراهية والحقد». ويضيف هذه الطرائف عن سنوات عمله في التعليم: «أتذكر قصّة ذلك الزميل الذي شرح لتلاميذه أن (باراكوكا) التي تعني كلمة برقوق باللغة الكورسيكية هي آتية من كلمة البرقوق بالعربية وكيف أنه تفاجأ بعدها بسيل من شكاوى الأولياء التي أرسلت للإدارة ضده بحجة التخوف من خطر (الأسلمة) الذي يتعرض له التلاميذ في المدرسة...».
تعليم اللّغة العربية... الجدل القديم الجديد على أن قنبلة تعليم اللغة العربية التي تهدد بالانفجار في وجه أصحابها كلما طرحوها للنقاش ليس بالأمر الجديد. نجاة بلقاسم فالو التي احتلت منصب وزيرة التربية والتعليم بين 2014-2017 ذاقت الأمرين حين حاولت عرض الموضوع للنقاش، حيث قوبلت بهجوم شديد لدرجة اتهامها «بالعميلة المأجورة لخدمة أسيادها الأصوليين»، بسبب أصولها المغربية رغم أنها أكدت مراراً وتكراراً أن التعليم لن يتخذ صفة إلزامية ولن يكون إجبارياً.
لكن تعليم اللّغة العربية حاضر في فرنسا منذ قرون. الباحث في اللسانيات لويس جان كالفي يذكرنا في مقال بعنوان «اللّغة العربية أداة انفتاح في فرنسا المنغلقة على نفسها» على موقع ميديا بارت، «بأن أولى تجارب تعليم اللغة العربية تعود للقرن الثامن عشر في عهد الملك فرنسوا الأول، حيث كانت تدرس في معهد اللّغات الشرقية للدبلوماسيين وضباط البحرية، وأن أول مناظرة للغة العربية فتحت في فرنسا تعود للبداية القرن العشرين عام 1905، حيث كانت الوحيدة بين اللّغات الأوروبية الأخرى (الألمانية، الإيطالية، الإسبانية والبرتغالية) التي تحظى بالاهتمام».
الأرقام التي نشرتها صحيفة «لوموند»، استنادا لتقارير وزارة التربية والتعليم في فرنسا، تؤكد أن عدد التلاميذ الذين يتلقون دروس اللغة العربية قد تضاعف خلال العشرية الأخيرة، رغم أنه يبقى ضعيفاً عامة مقارنة بالطلب الشديد. العدد قفز من 6512 عام 2007 إلى تقريبا 14 ألف تلميذ عام 2017، بما فيهم الفرنسيون القاطنون في جزر الكاريبي، ويتوزعون كالتالي: أكثر من 567 في المرحلة الابتدائية، 4579 في المرحلة المتوسطة وأكثر من 6600 في المرحلة الثانوية. المشكلة حسب ما يشير له التقرير هي نقص أساتذة اللّغة العربية والكوادر المؤهلة للتدريس، حيث إن مسابقة الوزارة لتعيين أساتذة اللّغة العربية لم تفتح عام 2018 سوى 5 مناصب وثلاثة بالنسبة لمسابقة المناظرة.
إلى هذه الأرقام يضاف حوالي 48129 تلميذاً يتلقون دروس اللّغة العربية في إطار ما يسمى برامج «إلكو» و«أيلي» التي تعتمد على إرسال دول المغرب العربي لبعثات تتولى تدريس اللغة الأصلية للمهاجرين. العائق كما يشير له الملاحظون هو الاختلاف في المناهج وعدم ملاءمتها للبيئة الأوروبية للتلاميذ، إضافة لانقطاع معظمها بسبب نقص الميزانيات. على أن معضلة المدارس الخاصة التي تتولى تعليم اللغة والتربية الدينية هي أكثر ما يضايق الدوائر التربوية في فرنسا، لأن معظمها ينشط بدون تراخيص ولا يخضع لرقابة الوزارة. تقرير وزارة التربية الفرنسية يشير إلى أنه من بين الـ9000 مؤسسة تربوية التي تعمل بموجب عقد رسمي مع الوزارة 7500 هي مدارس كاثوليكية، 300 يهودية و.... ثلاث فقط إسلامية، ما يعني أن الغالبية الساحقة لهذه المدارس تنشط في فرنسا بصفة غير شرعية.


مقالات ذات صلة

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

الولايات المتحدة​ دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

أظهر بحث جديد أن مدى جودة مدرستك الثانوية قد يؤثر على مستوى مهاراتك المعرفية في وقت لاحق في الحياة. وجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 من البالغين الأميركيين الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية في الستينات أن أولئك الذين ذهبوا إلى مدارس عالية الجودة يتمتعون بوظيفة إدراكية أفضل بعد 60 عاماً، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز». وجد الباحثون أن الالتحاق بمدرسة مع المزيد من المعلمين الحاصلين على تدريب مهني كان أوضح مؤشر على الإدراك اللاحق للحياة. كانت جودة المدرسة مهمة بشكل خاص للمهارات اللغوية في وقت لاحق من الحياة. استخدم البحث دراسة استقصائية أجريت عام 1960 لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

نفت الحكومة المصرية، أمس السبت، عزمها «إلغاء مجانية التعليم الجامعي»، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. وتواترت أنباء خلال الساعات الماضية حول نية الحكومة المصرية «إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية»، وأكد مجلس الوزراء المصري، في إفادة رسمية، أنه «لا مساس» بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره «حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين».

إيمان مبروك (القاهرة)
«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

لا يزال برنامج «تشات جي بي تي» يُربك مستخدميه في كل قطاع؛ وما بين إعجاب الطلاب والباحثين عن معلومة دقيقة ساعدهم «الصديق (جي بي تي)» في الوصول إليها، وصدمةِ المعلمين والمدققين عندما يكتشفون لجوء طلابهم إلى «الخصم الجديد» بهدف تلفيق تأدية تكليفاتهم، لا يزال الفريقان مشتتين بشأن الموقف منه. ويستطيع «تشات جي بي تي» الذي طوَّرته شركة الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي»، استخدامَ كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى شبه بشري، عبر «خوارزميات» تحلّل البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النصُّ الذي يوفره البرنامج

حازم بدر (القاهرة)
تحقيقات وقضايا هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

رغم ما يتمتع به «تشات جي بي تي» من إمكانيات تمكنه من جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بسرعة كبيرة، توفر وقتاً ومجهوداً للباحث، وتمنحه أرضية معلوماتية يستطيع أن ينطلق منها لإنجاز عمله، فإن للتقنية سلبيات كونها قد تدفع آخرين للاستسهال، وربما الاعتماد عليها بشكل كامل في إنتاج موادهم البحثية، محولين «تشات جي بي تي» إلى أداة لـ«الغش» العلمي.

حازم بدر (القاهرة)
العالم العربي بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

اعتبر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن مسألة التعايش والتسامح ليست مطروحة على العرب والمسلمين في علاقتهم بالأعراق والثقافات الأخرى فحسب، بل أصبحت مطروحة حتى في علاقتهم بعضهم ببعض. وقال بن عيسى في كلمة أمام الدورة الحادية عشرة لمنتدى الفكر والثقافة العربية، الذي نُظم أمس (الخميس) في أبوظبي، إن «مسألة التعايش والتسامح باتت مطروحة علينا أيضاً على مستوى بيتنا الداخلي، وكياناتنا القطرية، أي في علاقتنا ببعضنا، نحن العرب والمسلمين».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

انتخاب أول امرأة لرئاسة مؤسسة «سينيماتيك فرنسيز» للأعمال السينمائية

الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير خلال جلسة تصوير لفيلم «أغنى امرأة في العالم» بروما 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير خلال جلسة تصوير لفيلم «أغنى امرأة في العالم» بروما 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

انتخاب أول امرأة لرئاسة مؤسسة «سينيماتيك فرنسيز» للأعمال السينمائية

الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير خلال جلسة تصوير لفيلم «أغنى امرأة في العالم» بروما 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير خلال جلسة تصوير لفيلم «أغنى امرأة في العالم» بروما 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أصبحت الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير Isabelle Huppert، الخميس، أول امرأة تُنتخب رئيسة لمؤسسة «سينيماتيك فرنسيز» (مكتبة السينما الفرنسية) المعنية بالأعمال السينمائية، وفق ما أعلنت المؤسسة، في بيان.

وتخلف أوبير (73 عاماً) المُخرج الفرنسي اليوناني كوستا غافراس (93 عاماً) الذي شغل منصب رئيس «سينيماتيك فرنسيز» منذ عام 2007. وقد انتخبها مجلس الإدارة لولاية مدتها ثلاث سنوات حتى سنة 2029، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتُعدّ أوبير من أكثر الممثلات الفرنسيات غزارة في الإنتاج، وقد حصدت عدداً كبيراً من الجوائز في فرنسا وخارجها.

وتتمثل مهمتها الجديدة في صون إرث السينما، سواء سينما المؤلف أم السينما التجارية، داخل هذه المؤسسة التي تأسست عام 1936 وتتخذ من حي بيرسي في باريس مقراً لها.

وتحتفظ «سينيماتيك فرنسيز» بـ50 ألف فيلم من التراث السينمائي، ونحو مليون وثيقة مرتبطة بالسينما، بالإضافة إلى آلاف الأجهزة.

تنظّم المؤسسة التي يُغطّى ثلاثة أرباع تمويلها دعم حكومي، عروضاً استعادية لأفلام مخصصة لممثلين أو مُخرجين، ومَعارض على غرار معرض مارلين مونرو الأخير.


الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء
TT

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

لم تكن الأنهار على امتداد العصور مجرد تفصيل عابر في حياة البشر، ولا كانت مجاريها مجرد ناقل للمياه، من مساقطها الأم إلى مصباتها البحرية، بل لطالما أسهمت من خلال دورها المحوري في إخصاب الأرض ورفدها بأسباب النماء، وسد غائلة الجوع والعطش عن كائناتها المختلفة، وفي جعل الكوكب الأرضي مكاناً صالحاً للعيش، وفي رسم خرائط الهجرات التي رسمت من خلالها حدود الدول.

وإذا كانت الأنهار، وفق ما أظهره التاريخ وأكدته الأدلة المحسوسة، قد هيأت الظروف الملائمة لنشوء الحضارات الكبرى، وبُنيت على ضفافها كبريات المدن والعواصم، فلا بد أن تكون تبعاً لذلك محل احتفاء الشعوب القديمة في اليونان ومصر وبلاد الرافدين، وفي شرق العالم وغربه، وأن تكون منجماً للأساطير وآلهة الخصب، وأن تقام لها الاحتفالات والأعياد والأضحيات من كل نوع. ولأن حضور الماء مقترن بحضور الحياة، وغيابه مقترن بغيابها، فقد كان من الطبيعي أن تشكل الأنهار ومجاري المياه وأحواضها، أحد أكثر مسببات الحروب، والنزاعات الدموية بين البشر.

وكما أن على الثلج أن يخسر هويته ومادته الصلبة، ليرفد بالماء اللازم مجاري الأنهار، فإن ما يحدث للأنهار هو الشيء نفسه، ولو بصورة أخرى، حين تكتشف أن حلمها الدهري بعناق البحر والاتحاد فيه، لا سبيل إلى تحقيقه إلا عبر فنائها بالذات. وقد أسهمت الأنهار في تغذية قرائح الشعراء والمبدعين بما يلزمها من الاستعارات، لا بفعل تكوينها اللولبي، المتراوح بين الظهور والخفاء، وهندستها الجمالية التلقائية، ولا بسبب غضب شتائها الطوفاني، أو نعاس صيفها المقمر فحسب، بل بسبب قدرتها الفائقة على الملاءمة بين حاجة الجماعة إلى تاريخ مشترك، وحاجة الأفراد إلى تأهيل ذاكرتهم بالأسرار.

ولهذه الأسباب وغيرها، تمكنت الأنهار بمختلف أحجامها، من رفد الأذهان ورفوف المكتبات، بأعمال وسرديات شديدة الفرادة، من بينها «الدون الهادئ» لشولوخوف، و«قلب الظلام» لكونراد، و«ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ، و«ثلاثمائة فرسخ على الأمازون» لجول فيرن، و«هناك أنهار في السماء» لأليف شافاك.

وإذا كان الليطاني لا يَثبت بمعايير الطول والغزارة والاتساع أمام أنهار العالم الكبرى، فإنه بالقياس إلى البلد الصغير الذي يشقه مجراه من الوريد إلى الوريد، يلعب الدور نفسه الذي يلعبه أترابه في حياة الشعوب والجماعات. إضافةً إلى أنه شكَّل على المستوى الجيوسياسي، محلاً للتجاذب المتواصل بين القوى الدولية المتصارعة، وبخاصة في الفترة التي أعقبت سقوط الدولة العثمانية، حيث تمكنت دولة الانتداب الفرنسي من أن تنجح في دفع الحدود الجنوبية للبنان الكبير، قليلاً إلى ما وراء النهر.

أما الليطاني نفسه، فقد تمكّن منذ خروجه من نبع العلَّيق غربي بعلبك، حتى مصبه في المتوسط، إلى الشمال من صور، من أن يجتذب إلى مجراه كثيراً من الروافد، بدءاً من البردوني وعمّيق والخريزات، وصولاً إلى ينابيع عين الزرقا والحجير والخردلي ووادي السلوقي وغيرها. كما أن إسهامه في حياة الفلاحين الساكنين إلى جواره، تراوح بين ري الأراضي العطشى، وتوليد الكهرباء، وبين إتراع قصص الحب بما يلزمها من الظلال والشجن الرومانسي. وهو إذ أعطى كنيته لبعض القرى، كما هو حال «علي النهري»، و«دير قانون النهر»، اتخذ من بعض محطات مجراه أسماء جانبية له، حتى إذا بلغ المصب أطلق عليه الجنوبيون اسم نهر «القاسمية».

ومع أن الليطاني قد ارتبط في أذهان كثيرين بالجنوب اللبناني، رغم أن معظم المسافات التي يقطعها تنتمي إلى البقاع، فإن الأمر عائد على الأرجح، إلى أن الشطر الأخير من النهر، حيث تكاد الحدود اللبنانية والفلسطينية تتلامسان تماماً في غير موضع، كان ولا يزال الجزء الأكثر عرضة للأطماع من سواه. فهو الذي اشتعلت من حوله الحروب، وسُميت باسمه «عملية الليطاني»، وتعمدت كل قطرة من مياهه بدماء الجنوبيين، كما بدموعهم وعرق جباههم وتباريح قلوبهم المجهدة.

أما في أزمنة السلم والتعاقب الوادع للسنين، فلطالما أسهمت الطبيعة الأليفة للنهر، والتقارب الحميم بين ضفتيه، في جعله مقصداً شبه دائم لأبناء جبل عامل، يلوذون بمياهه من حر الصيف، ويبثّونه لواعج قلوبهم وشكاواهم من شح المواسم وانقلاب الأحوال، ويُلقون إليه بأجسادهم التعبى، وأرواحهم الظامئة إلى السكينة.

وإذا كان من البديهي، أن يشكل الليطاني، بمياهه الرقراقة وأشجاره الظليلة ومشهديته الاحتفالية الباذخة، أحد ينابيع الإلهام الأكثر ثراءً لشعراء جبل عامل وكتابه، فإن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، هو ألا يحظى النهر بالاهتمام نفسه، الذي لقيته أنهار العالم المماثلة، رغم كل ما يزخر به حوضه من إرث غني، متصل بعضه بالأساطير والطقوس والشعائر الدينية والدنيوية، وبعضه الآخر بالفلكلور والأهازيج والأغاني.

ورغم كل ما بذلته من جهد في هذا المجال، فإن كل ما أمكنني العثور عليه هي أبيات كتبها الشاعر العباسي عبد المحسن الصوري، ابن مدينة صور، تحت عنوان «لا يوم كيومنا بشاطئ ليطا»، وهو اسم النهر آنذاك. وفي تلك الأبيات، ذات النظم المتكلف والتقفية المتعسفة، التي اضطره اسم النهر إلى استخدامها، يقول الصوري:

والطلُّ ينشر كلّ وقتٍ لؤلؤاً فيها سقيطا

وجواهر الأنوار تُطلِع من زبرجدها خليطا

فإذا رأيت الدرّ أبصرت العقيق به منوطا

حالٌ تردُّ إلى التصابي كلَّ كسلانٍ نشيطا

وقد اختلف الوضع قليلاً بين نهايات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، حيث إن تحلُّق العامليين حول النهر لم تقتصر أسبابه على ما وفرته لهم ضفافه من مساحات الفرح والبهجة، بل لأنهم رأوه، في ظل التبلور الصعب للكيانات السياسية الوليدة، بوصفه رمز وجودهم، وصورة هويتهم القلقة والباحثة عن التحقق. وحيث شكّل اختيار وادي الحجير، أحد أجمل بقاع النهر، مكاناً لانعقاد المؤتمر الشهير الذي تنادى إليه العامليون للإعلان عن مبايعة فيصل الأول عام 1920 ملكاً على بلاد الشام، تجسيداً واضحاً لرمزية المكان وخصوصيته ودلالاته، فقد تحول الوادي المذكور وللأسباب نفسها، إلى ملتقى أثير للشعراء وتابعيهم، والى موئل دوري للمناظرات الأدبية والفكرية، ولمجالس الشاي والأنس والسمر.

وإذ كان من الطبيعي في تلك الفترة، أن تنعكس ملامح النهر وصوره الموزعة بين أودية الحجير والخردلي والسلوقي وغيرها، في قصائد العامليين ومقطوعاتهم، فقد خصه برسائل الحب والحنين وقصائد الوصف، غير واحد منهم، فكتب علي محمود الأمين، قصيدة عن وادي السلوقي، مطلعها «طرزتْ ثرَّةُ السحابِ الدَّفوقِ، بصنوف الأزهار وادي السلوقي». وكتب الفقيه المعروف محسن الأمين، قصيدة جاء فيها:

وادي الحجيْر سقاكَ وكَّافُ الحيا

كم فيك للأبصار من مستمتَعِ

جُمعتْ من الأشجار فيك بواسقٌ أمثالها

بسواكَ لم تتجمّع

ولقد تقاسمنا الغضا وغصونهُ

في راحتيك وناره في أضلعي

وادٍ حكتْ أزهارهُ ورياضهُ وجهاً

من الحسناء غير مقنَّعِ

على أن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، لا ينحصر فقط بما تعرض له الليطاني من ظلم أهل السلطة والمتنفذين، ومقاولي الثروات الطبيعية، والتسبب بتلويث مياهه، وتحويل مجراه إلى مستنقع للسموم، بل بكون هذا الجمال الملحمي، الذي شكَّل الظهير الأكثر صلابة، للغة شعراء الجنوب وكتابه اللاحقين، لم يجد عدا استثناءات قليلة، صداه المناسب فيما ظهر لهم من قصائد وأعمال شعرية وروائية. وإذ تحتاج مقاربة هذه الإشكالية إلى غير هذا المقام، فإن ما أستطيع قوله أخيراً هو أن عظمة الأنهار لا تقاس بأحجامها وغزارة مياهها، بل بكونها واسطة عقد الذاكرة الجمعية، وبكونها مصدراً دائم التجدد للإلهام والأمل، وإرادة البقاء. وإذا كان بدر شاكر السياب قد رفع جدولاً صغيراً كنهر بويب، المحاط بغابات النخيل الوارفة في جنوب العراق، إلى مقام الأسطورة، فحريٌّ بأن يحظى الليطاني من الشعراء والكتاب الذين تربوا في كنف مياهه، بالتكريم نفسه والاهتمام إياه.


قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
TT

قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا

تمّ استكشاف سلسلة من القصور الأموية الموزّعة على نواحٍ من بوادي بلاد الشام خلال النصف الأول من القرن العشرين، وخرجت حملات التنقيب المتعاقبة في هذه المنشآت بمجموعات متنوّعة من اللقى الأثرية، شكّلت مادة للتعريف بالفنون الأموية المدنية. يعود الجزء الأكبر من هذه اللقى في الأصل إلى حلل زينية معمارية، ويعتمد في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، وتُعتبر أهمّ شواهده تلك التي خرجت من قصر المَشتى في الأردن، وقصر الحير الغربي في سوريا، وقصر هشام في فلسطين. تتكوّن هذه النقوش الجصيّة من شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرّدة والعناصر التصويرية المتعدّدة، منها النباتي، ومنها الحيواني، ومنها الآدمي. تحضر هذه العناصر المختلفة في قطعة كبيرة مستديرة الشكل، قيل إنها كانت تزيّن قبة ديوان قصر هشام، بأسلوبها الفني الرفيع، وتختزل جمالية خاصة طبعت الفن الإسلامي المدني في تلك المرحلة المبكرة من تكوينه.

تجمع حلل قصر هشام بين عناصر متعدّدة تعود إلى فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، وتعكس قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا تبدو هذه الحلل متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأموي. إلى جانب الزخارف المكوِّنة للعناصر المعمارية، كالتيجان والأفاريز والفتحات المعروفة بالنوافذ، اعتمدت هذه الحلل سلسلة من العناصر النباتية، منها أغصان الكرمة وسعف النخيل وبعض الثمار، كما اعتمدت سلسلة متنوعة من الأشكال الحيوانية، منها المعز الجبلية والغزلان والقردة والأرانب والخيول المجنحة، إضافة إلى أصناف عدة من الطيور. حضرت هذه العناصر الحية في شبكات زخرفية غلب عليها طابع التحوير والموازاة والتجانس المحكم، وحوى بعض منها عناصر آدمية متعدّدة الأشكال، بدت مدمجة بشكل كامل في التصاميم النباتية والسلاسل الزخرفية الهندسية. تجلّى هذا الانصهار بشكل لافت في قطعة دائرية من الحجم الكبير، رأى أهل الاختصاص أنها كانت تزيّن على الأرجح قبة تعلو قاعة قيل إنها تمثّل الديوان الخاص بقصر هشام، وهذه القاعة مربّعة، وطول ضلعها نحو 4 أمتار.

وصلت هذه القطعة المستديرة مهشّمة، وتم جمع مكوّناتها المبعثرة وصهرها إثر عملية ترميم متأنية. تحضر في الوسط زهرة محوّرة هندسياً تحيط بها ستة وجوه آدمية صيغت في وضعية المواجهة. يشكّل هذا التأليف الدائري نواة هذه القبة المتقنة، ويبلغ طول قطره نحو 1.5 متر. تلتف الوجوه الستة في حلقة دائرية يحيط بها شريط تزيّنه أغصان مورقة. ويلتفّ من حول هذا الشريط شريط أكبر حجماً تزيّنه أغصان مورقة مغايرة في الشكل. حافظت الكتلة الوردية التي تحتل وسط الصورة على مكوّناتها بشكل شبه كامل، ونقع على صورة توثيقية لها في الكتاب المرجعي الذي نشرته جامعة أوكسفورد في سنة 1959، وحمل عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». تتألف الوردة من ست بتلات، تحيط بها سلسلة بتلات، ينقسم كل منها جزأين متجانسين. تحيط بهذه السلسلة ست أوراق نباتية عريضة من فصيلة الأقنثا، وهذه الفصيلة معروفة في قاموس الفن الكلاسيكي، وتشكّل عنصراً من عناصر الفنين اليوناني والروماني المتوارثين عبر العصور والقارات. على صعيد الأسلوب المتبع، تحل الوردة في قالب تحويري يغلب عليه الطابع الهندسي التجريدي. في المقابل، تحل أوراق الأقنثا في قالب كلاسيكي، وتحافظ بشكل كبير على مثالها الطبيعي.

تنعقد حول هذه الأوراق سلسلة من ستة وجوه، تتشابه حتى التماثل. تبدو هذه الوجوه النضرة أنثوية في المقام الأوّل، غير أن التفحّص فيها يظهر أن اثنين منها ملتحيان، ممّا يعني أنها تجمع بين وجوه من الجنسين. التكوين واحد، ويتمثل بوجه بيضاوي ممتلئ، بدت ملامحه المجسّمة واضحة وجليّة. العينان لوزيتان ضخمتان، يتوسّط كلّ منهما بؤبؤ على شكل ثقب دائري غائر، والحاجبان عريضان ومقوّسان ومنفصلان. الأنف ناتئ ومستقيم، ومنخراه ظاهران. الثغر منمنم، وتعلوه ابتسامة خفرة. العنق عريضة ومكتنزة، وتشكّل قاعدة للرأس المنتصب من فوقها.

يعلو كل رأس قوس تزينه سلسلة من الفصوص البيضاوية، وتشكل هذه الأقواس شريطاً يحدّه شريطان نحيلان يخلوان من أي زخرفة. يلتف فوق هذا الشريط غصن مورق تُظهر أوراقه أنه من فصيلة الكرمة. تنصهر هذه الكرمة داخل شريط يتألف من سلسلة مشابهة من الأقواس المتجانسة، في قالب يحافظ كذلك على طابعه الواقعي الكلاسيكي، كما تشهد أوراق الدالية المصوغة بأسلوب واقعي. يلتف حول هذه الدالية شريط يماثل الشريط الذي يحيط بالوجوه، ومن حول هذا الشريط، تلتف سلسلة من الأغصان اللولبية، تشكّل خانات دائرية تحوي كل منها نبتة محوّرة، تستعيد شكل الأقنثا بأسلوب زخرفي مبتكر. تأتلف هذه النبتة من ورقتين متعاكستين، تعلوهما ورقتان عموديتان، وبين هاتين الورقتين، ينساب كوز مثمر بدت حبوبه مرصوفة في كتلة متراصة. يكتمل هذا التكوين الزخرفي المتين مع شريط دائري يلتف من حوله، وتزيّن هذا الشريط كذلك فصوص بيضاوية، وفقاً للطراز المتبع.

تتميّز هذه الشبكة بدقّتها ورهافة صناعتها، كما تتميز بهذه السلسلة من الوجوه الفتية التي تحيط بالوردة التي تحتل وسط التأليف. تتبع هذه الوجوه أسلوباً محلياً شاع بشكل خاص في تدمر، وتحضر في شواهد أثرية أخرى خرجت من بين أطلال قصر هشام، منها لوح مستطيل حوى تسعة وجوه تطل من وسط سلسلة من الميداليات الدائرية المتشابكة. في هذه اللوحة، كما في العديد من اللقى الجزئية، تطلّ هذه الوجوه في وضعية المواجهة، وتفتح عيونها اللوزية الشاخصة، وكأنّها تتأمل في ما لا يُرى.