تونس: العد العكسي لنهاية ائتلاف حاكم

سباق مع الزمن بين أنصار القطيعة ودعاة التوافق

تونس: العد العكسي لنهاية ائتلاف حاكم
TT

تونس: العد العكسي لنهاية ائتلاف حاكم

تونس: العد العكسي لنهاية ائتلاف حاكم

أحدثت تصريحات الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي عن القطيعة مع حزب «حركة النهضة»، أكبر التنظيمات الإسلامية في تونس، زوبعةً غير مسبوقة داخل الطبقة السياسية وصناع القرار السياسي والمراقبين الأجانب لتجربة الانتقال الديمقراطي في البلاد. ولقد تراوحت ردود الفعل على تلك التصريحات بين استبشار بعض المعارضين بتصدّع الائتلاف الحاكم بين «النهضة» وحزب «نداء تونس» - حزب الرئيس -، واعتراضات قوية عليها في محاولة لتجنب القطيعة النهائية بين الحزبين اللذين اعتبر الرئيس التونسي وزعماء «النهضة» أن التوافق بينهما منذ خمس سنوات كان وراء نجاح ما سُمّي بالاستثناء الديمقراطي التونسي. فهل ينتصر دعاة العودة إلى القطيعة والصدام بين العلمانيين والإسلاميين، أم أولئك المتمسّكون بخيار التوافق وتبادل التنازلات السياسية؟ وكيف سيتطوّر المشهد السياسي بعد تعمّق الهوّة بين جناحي الحزب الحاكم من جهة، ومؤسستي رئاسة الجمهورية بزعامة الباجي قائد السبسي ورئاسة الحكومة بزعامة يوسف الشاهد من جهة ثانية؟

في ظل انحياز قيادة حزب «حركة النهضة» الإسلامي التونسي وعشرات من أعضاء البرلمان من تيارات مختلفة إلى رئيس الحكومة يوسف الشاهد، مقابل اصطفاف قيادة النقابات والحزب الحاكم ضده، ارتسمت علامات استفهام كبيرة حول ما إذا كان الشاهد وحلفاؤه سيربحون معركتهم المفتوحة مع قصر قرطاج الرئاسي ونجل الرئيس حافظ الباجي قائد السبسي وحلفائه، أم يحصل العكس.
إنه، حقاً، السباق مع الزمن بين أطراف سياسية واجتماعية كثيرة تسير في خطّين متوازيين: خط التوافق، وخط القطيعة والصدام، مع أن عين كل السياسيين مصوّبة منذ الآن نحو انتخابات العام المقبل الرئاسية والتشريعية التي أكد الرئيس التونسي تنظيمها في موعدها.
تصريحات الرئيس الباجي قائد السبسي تحدّثت لأول مرة منذ انتخابات 2014 عن القطيعة مع قيادة «النهضة»، على الرغم من تنويهه بعلاقاته الشخصية بزعيم الحركة راشد الغنوشي. في المقابل وجه علي العريِّض، رئيس الحكومة الأسبق ونائب رئيس «النهضة»، رسائل تطمين جديدة للرئيس قائد السبسي. ولقد حاولت تصريحات العريِّض ورفاقه محاصرة الأزمة، ونفت أن تكون رئاسة الحركة أرادت توجيه رسائل سياسية إلى الرئيس توحي بالقطيعة معه ومع قيادة الحزب السياسي الذي أسسه قبل 6 سنوات، وتمكن بفضله من الفوز في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية عام 2014.

انحياز للشاهد ضد نجل الرئيس

غير أن المعطيات الموضوعية تؤكد أن الخلافات بين قيادات الحزبين الكبيرين المشاركين في الائتلاف الحاكم خلافات حقيقية، وتعمقت منذ مطلع العام الحالي بسبب معارضة قيادة «النهضة» دعوات الرئيس ونجله إلى إسقاط حكومة يوسف الشاهد، وانحيازها إليه في خلافاته مع زعيم الحزب الذي أوصله وغالبية الوزراء وأعضاء البرلمان إلى الحكم قبل 4 سنوات.
في المقابل، تمسكت «النهضة» بموقفها بحجة الدفاع عن الاستقرار الحكومي والسياسي وطنياً، وهذا، رغم المطالبات العلنية بإقالة الشاهد الصادرة عن الرئيس التونسي ونجله حافظ المدير التنفيذي للحزب الحاكم وعن زعيمي نقابات العمال نور الدين الطبوبي واتحاد رجال الأعمال سمير ماجول... وكذلك عن قيادات أحزاب المعارضة مثل عصام الشابي أمين عام «الحزب الجمهوري» وغازي الشواشي زعيم حزب «التيار الديمقراطي» ومحسن مرزوق الوزير السابق وزعيم حزب «مشروع تونس».

معركة الكل ضد الكل

واستفحل الأمر منذ مايو (أيار) الماضي، عندما قرر الرئيس التونسي والزعيم المؤسس لـ«نداء تونس» تعليق العمل بما سُمّي بـ«وثيقة قرطاج» بنقاطها الـ64 التي صاغها مسؤولون في رئاسة الدولة وخبراء سياسيون ونقابيون طوال 4 أشهر، وضمنوها استراتيجية جديدة وتصورات شاملة لمعالجة مشكلات تونس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية.
والواقع، أن الأفرقاء السياسيين وصلوا إلى هذا المأزق بسبب اعتراض «النهضة» على النقطة 64 من «وثيقة قرطاج 2» الخاصة بتغيير رئيس الحكومة، ودعت إلى تكليف الحكومة نفسها بتنفيذ الاستراتيجية الجديدة واللجوء عند الاقتضاء إلى تغيير بعض الوزراء دون المساس برئيسها الشاهد. ومن ثم، تعمقت الهوة بين الطرفين لما أدلى الشاهد بحوار تلفزيوني حمّل فيه نجل الرئيس والمسؤول الأول في حزب «نداء تونس» حافظ قائد السبسي مسؤولية جلّ الأزمات التي تعاني منها البلاد ومؤسسات «نداء تونس»، وبينها خسارته نحو مليون صوت في الانتخابات البلدية العامة التي نظمت يوم 6 مايو الفائت مقارنة بانتخابات. يذكر أن «النداء» حصل في تلك الانتخابات على المرتبة الثانية بعد «النهضة» بعدما سبق له التفوق عليها في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية السابقة بنحو نصف مليون صوت.
وهكذا، أوجدت «معركة الكل ضد الكل»، منذ مطلع الصيف المنقضي، اصطفافاً سياسياً بين قطبين سياسيين: الأول بزعامة رئيس الجمهورية ونجله وقطاع من كوادر «نداء تونس» والزعماء النقابيين، والثاني بزعامة رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي فتح في الوقت عينه عدداً من الملفات السياسية التي منحته شعبية نسبية، من بينها بعض ملفات سوء التصرف والفساد، واستفاد من دعم «النهضة» صاحبة الكتلة الأولى في البرلمان له. وفي ظل هذا الدعم والخلافات الكبيرة داخل حزب «النداء» والمعارضة الليبرالية واليسارية، عجزت رئاسة الجمهورية عن إقالة حكومة الشاهد عبر البرلمان.

ورقة الإسلام والحداثة

في هذه الأثناء تحرّكت قيادات من القطبين لبناء جبهات انتخابية سابقة لأوانها تأهباً للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرّرة في العام المقبل. ولقد استخدم الرئيس التونسي في الأثناء ورقة سياسية ثقافية اجتماعية توقّع أن ينجح من خلالها في توجيه ضربة قوية إلى «النهضة» وحلفائها، وبينهم رئيس حكومته المتمرد. إذ غيّر قائد السبسي سلاح الصراع فتبنّى مشروعاً جديداً لتعديل قانون الأحوال الشخصية المثير للجدل يشمل المساواة في الإرث، كانت قد أعدته لجنة من الخبراء العلمانيين الليبراليين واليساريين بزعامة الخبير في الدراسات الحضارية والأديان المقارنة عبد المجيد الشرفي والحقوقية النسوية بشرى بالحاج أحميدة. هذا المشروع نجح في إبراز اصطفاف انتخابي سابق مبكّر شبيه بما جرى في 2014 بين ما سُمّي بتياري الحداثة والهوية، أو تياري التجديد والمحافظة. وكسب قائد السبسي وأنصاره بفضل هذا المشروع دعماً كبيراً من داخل النخب الحداثية والنسوية والإعلامية والثقافية التونسية والأجنبية، مثلما كشفته وسائل الإعلام التونسية والمظاهرات المناصرة له والمعارضة لـ«حركة النهضة»، مع اتهامها بالمحافظة والتزمت.
بيد أن استطلاعات الرأي، التي أعدتها مراكز مستقلة تونسية وأجنبية، بينها مؤسسة «سيغما كونساي»، كشفت أن الغالبية الساحقة من التونسيين والتونسيات يتحفّظون على المشروع الرئاسي للمساواة بين الجنسين في الإرث، ويعارضون بقوة بعض توصياته التحررية الأخرى، بينها الإقرار بحقوق المثليين والعلاقات الجنسية خارج مؤسسة العائلة.
وبالتالي، استرجعت «النهضة» موضوعياً دعماً معنوياً وسياسياً من نحو مليون من ناخبيها المحافظين والمتدينين، الذي صوّتوا لمرشحيها في انتخابات 2011، ثم خسرت أصواتهم في انتخابات 2014 البرلمانية وانتخابات 2018 البلدية، في أعقاب ما اتهمت به من تنازلات سياسية وفقهية تحت ضغط العلمانيين والعواصم الغربية، وذلك في سياق محاولاتها البرهنة على الصبغة المدنية للحركة، وعلى قبولها التأقلم مع قيم الحداثة والمعاصرة.

الذكرى الخامسة للقاء باريس

هذا الاصطفاف السياسي والانتخابي، والبدء المبكّر لعملية التحضير لانتخابات 2019، أبرزا رئيس الحكومة يوسف الشاهد الشاب (42 سنة) في موقع المرشح الأوفر حظاً لخوض مغامرة الرئاسيات المقبلة. وحقاً، نجح الشاهد في أن يجمع حوله قطاعاً من كوادر حزبه ومن المنشقّين عنه، إلى جانب تيار من نشطاء «النهضة» الذي قد يكتفي بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية على غرار ما فعل في 2014، بسبب المعارضة الإقليمية والدولية لوجود محسوبين على تيارات الإسلام السياسي على رأس الدولة.
وعلى الرغم من أجواء الإجازات الصيفية والأعياد، تواصلت المقابلات بين قيادات من الحزبين الكبيرين من جهة، وبين الرئيس التونسي ورئيس «النهضة» حليف رئيس الحكومة من جهة ثانية. لكن الأوضاع تطورت سلباً، وكادت تؤدي إلى قطيعة عندما أدلى الرئيس التونسي بتصريحات تلفزيونية تتهم الحكومة الحالية ورئيسها بالولاء لـ«حركة النهضة»، وبخسران حزامها السياسي الذي كان يضم النقابات ونحو 5 أحزاب.

خلط أوراق

قيادة «حركة النهضة»، من جانبها، ردّت الفعل، وشنّت حملة واسعة لمنع القطيعة مع الرئيس التونسي والموالين له في حزبه عبر نشر رسالة مطوّلة وجهها رئيسها راشد الغنوشي إلى الرأي العام في مختلف وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية بمناسبة الذكرى الخامسة لـ«لقاء باريس» بينه وبين الباجي قائد السبسي الذي كان يتزعّم المعارضة. وأسفر اللقاء، الذي عقد في أغسطس (آب) 2013، بعد أسابيع قليلة من إسقاط حكم الدكتور محمد مرسي و«الإخوان المسلمين» في مصر، عن اتفاق بين قائد السبسي والغنوشي على أن تتنازل «النهضة» عن السلطة لفائدة «حكومة تكنوقراط» تشرف على تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية في 2014. وذكر الغنوشي، في رسالته المفتوحة إلى الشعب وإلى السياسيين، في الذكرى الخامسة لـ«اتفاق باريس»، بأن حركته تنازلت عن الحكم وهي في أوج القوة... فجنّبت البلاد أزمات وصراعات وحمامات دم، وأنجحت مجدداً خيار التوافق التونسي والانتقال الديمقراطي السلمي.
ونوّه الوزير السابق للخارجية رفيق عبد السلام (من «النهضة») بالمناسبة بحاجة تونس إلى التمسك بخيار التوافق بين قطبي الائتلاف الحاكم الذي بدأ في باريس في صيف 2013 بين قائد السبسي والغنوشي. وأورد عبد السلام أن التوافق بين «النهضة» مع الباجي قائد السبسي وأنصاره «لم يكن صفقة انتهازية أو خياراً تكتيكياً أو مناورة ظرفية، بل خياراً مبدئياً استفادت منه تونس وكل الأطراف... وأن حركة النهضة خرجت من الحكم في موفى 2013 ولكنها لم تخرج من السياسة. لم تنقذ نفسها وحسب من محرقة كانت تعد لها، بل أنقذت بانسحابها من السلطة الثورة من الارتداد، وأنقذت ما غدا يعرف بالنموذج التونسي والاستثناء التونسي: واحة للحرية والديمقراطية وسط فضاء عربي ضربه إعصار مدمّر».
كذلك اعتبر الوزير السابق للعدل نور الدين البحيري، أن البلد سيكون عرضة لمفاجآت خطيرة إذا ما ساير دعاة القطيعة والصدام والعنف والابتعاد عن مسار التوافق السياسي والمجتمعي بين قيادات الحزبين الكبيرين وبقية مكوّنات المجتمع المدني.

تطمينات وميزان قوى

ولكن، في مثل هذه الظروف، ثمة من يسأل: هل يكفي التذكير بهذا المسار لإقناع قائد السبسي وأنصاره وخصومه العلمانيين والليبراليين واليساريين المناصرين لرئيس الحكومة يوسف الشاهد بضرورة تجنب «سيناريو» دفع تونس مجدداً نحو القطيعة والعنف والعنف المضاد بين حزبي «النداء» و«النهضة»، أو بين تياري الحداثيين والمحافظين؟ وألن تربك أوضاع تونس الاقتصادية والاجتماعية، التي تدهورت كثيراً، دعاة الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتساهم في تفجير اضطرابات اجتماعية وأمنية جديدة يكون الشباب والعاطلون وقودها؟
الجميع في الحكم والمعارضة، داخل التيارات الحداثية والمحافظة، يقرّ بأن الأوضاع باتت هشة جداً في تونس وفي محيطها الإقليمي، وبأن انهيار العملة التونسية واستفحال المديونية وتنامي العجز التجاري ونسب البطالة والفقر، من التطورات الخطرة التي لا يخدمها إضعاف الدولة المركزية والإدارة، أو دفع السياسيين نحو القطيعة والصدام والعنف والعنف المضاد.

اليسار التونسي: المستفيدون من القطيعة كثيرون

> لكن، في الوقت ذاته كشفت ردود فعل زعماء من المعارضة اليسارية مثل حمّة الهمامي زعيم حزب «العمال الشيوعي»، وزياد الأخضر زعيم حزب «الوطنيين الديمقراطيين»، ومحمد عبو زعيم «التيار الديمقراطي»، أن المستفيدين من القطيعة بين حزبي الائتلاف الحاكم كثيرون. ولعل الأهم بالنسبة لهؤلاء جميعاً تحسين موقع الأطراف السياسية والحزبية المعارضة في الوقت نفسه للإسلاميين ولحلفائهم أنصار النظام السابق تحت يافطة حزب «نداء تونس» حيناً و«الائتلاف الوطني» حيناً آخر.
ويقلل الهمامي والأخضر ورفاقهما في اليسار النقابي والسياسي من أهمية الحديث عن قطيعة وصدام بين قيادات «النهضة» و«النداء»، أو بين قائد السبسي والشاهد والغنوشي، ويعتبرون أن أركان السلطة الحالية جميعاً «متحالفون مع مناصري الرأسمالية التقليدية داخل تونس، ومن بين تلامذة صندوق النقد الدولي والرأسمالية العالمية المتوحشة من جهة ثانية».
كذلك كشفت ردود فعل قياديين بارزين في اتحاد نقابات العمال، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، أن «الاتحاد العام التونسي للشغل» ماضٍ في التصعيد الاجتماعي، وفي التلويح بالإضراب العام في شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) المقبلين، لأسباب عديدة؛ من بينها محاولة إسقاط الحكومة وتغيير المشهد السياسي بما من شأنه إبراز قوة سياسية ثالثة تستفيد من تراجع شعبية حزبي الائتلاف الحاكم الحالي والفوز بغالبية نسبية في انتخابات العام المقبل.

موازين القوى... والبديل المحتمل

يعتبر وزير التربية السابق والقيادي في حزب «نداء تونس» ناجي جلول، أن المشهد السياسي القادم في تونس لن يتحكم فيه مستقبلاً حزبا «النهضة» و«النداء»، ولكن الطرف السياسي الجديد الذي يمكن أن يفوز بأغلبية نسبية في الانتخابات البلدية المقبلة.
ويمضي جلول قائلاً: «إذا كانت كتلة حركة النهضة في البرلمان تحكمت في المشهد السياسي الحالي اعتماداً على 68 نائباً من بين 217 عضواً في البرلمان، واستفادت من تشرذم السياسيين، فإن البرلمان المقبل يمكن أن تتحكم فيه كتلة سياسية جديدة لديها أقل من 50 نائباً فقط». كما اعتبر 80 من بين قيادات حزب الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي أعلنوا انشقاقهم مؤخراً، وبينهم الوزيران السابقان عدنان منصر وطارق الكحلاوي، أن المشهد السياسي أصبح اليوم هشاً جداً، ويفتقر إلى زعماء يحترمون فعلاً الديمقراطية داخل أحزابهم وفي البلاد.
ومن ثم، ثمة من يتساءل: كيف سيتغير المشهد السياسي قبل انتخابات العام المقبل في ظل كل هذه التعقيدات؟ وهل يمكن صنع زعماء جدد في ظرف بضعة أشهر يكونون قادرين على كسب ثقة ملايين الناخبين؟ وهل يمكن لغالبية الناخبين والشباب المصابين بالإحباط بسبب إخفاقات أغلب النخب الليبرالية واليسارية والإسلامية الحاكمة والمعارضة أن يسترجعوا الثقة في صناديق الاقتراع وفي شعارات التداول السلمي على السلطة؟
كل الفرضيات واردة... لكن يبدو اليوم أن السباق على أشده بين أنصار التهدئة والتوافق من جهة، ودعاة القطيعة والصدام من جهة ثانية.
المعركة في 2013 حُسمت لصالح أنصار التوافق والائتلاف، لأن موازين القوى الداخلية والخارجية لم تكن لصالح حكومة «النهضة» وحلفائها ولا لفائدة معارضيها الاستئصاليين، وبينهم رموز النظام السابق. واليوم قد يستفيد رئيس الحكومة يوسف الشاهد وأنصاره، وبينهم وزراء وبرلمانيون ورجال أعمال، من إعلان القطيعة بين قصر قرطاج وقيادة «النهضة» لبناء حركة سياسية ثالثة مطلع العام الجديد تكون نواتها كتلة برلمانية جديدة ترفع شعار «التغيير» وكسب انتخابات موفى 2019.
كذلك قد تدعم بعض لوبيات المال والإعلام طرفاً سياسياً جديداً يعدّل المشهد السياسي، ويضع حداً للاستقطاب الثنائي الذي تعاني منه تونس منذ 40 سنة بين قطبين يتنازعان الحداثة والمحافظة، أو الليبرالية والدفاع عن الأصالة والهوية، أو العلمانية والإسلام.
وفي كل الحالات لا بد من توافر شروط عديدة، من بينها بروز زعماء جديد يتمتعون بالمصداقية والإشعاع، ويتصالحون مع الشباب والطبقات الوسطى والشعبية التي تعمقت القطيعة بينها وبين كل السياسيين بيمينهم ويسارهم منذ سنوات.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.