«دار الصياد» تودع قراءها «حفاظاً على كرامة سعيد فريحة»

مؤسسة صحافية لبنانية أخرى تهوي

TT

«دار الصياد» تودع قراءها «حفاظاً على كرامة سعيد فريحة»

منذ ثلاث وأربعين سنة، ورفيق خوري يرأس تحرير جريدة «الأنوار» التي سيصدر آخر أعدادها اليوم السبت، ويبزغ يوم الاثنين من دونها، ومن بعدها سيأفل نجم كل إصدارات «دار الصياد» العريقة التي عمرها من عمر لبنان، وتاريخها مرتبط مع تاريخه.
لم يتحدث رفيق خوري طوال نهار أمس بعد ذيوع الخبر لأحد. «ليس عندي ما أقوله سوى أن إقفال هذه المؤسسة مرتبط بتاريخ ينتهي. وكنت أنا نفسي شاهداً على تلك الحقبة من الازدهار المبشّر، الذي لم يؤد إلا إلى ما نرى اليوم من انحدار. أشياء كثيرة انتهت في لبنان، منها السياسة والمسرح والشعر والاقتصاد. هل هناك من يستطيع أن يخبرنا إذا كان ساستنا بعد خمسين سنة سيبدأون، يبدأون فقط بوفاء ديون لبنان. ليس من إجابة».
وكان الخبر قد وقع ثقيلاً على اللبنانيين. صحيح أن الجميع يعرف أن ثمة صعوبات تجتازها الدار، ولم تعد فاعلة بالقدر الكافي منذ زمن بعيد؛ لكن خبر الإغلاق الكلي لم يكن متداولاً. ويقول صحافيون يعملون في جريدة «الأنوار» إنهم لم يبلغوا حتى أمس بأي شيء، ولم يصلهم أي إنذار بإنهاء خدماتهم، أو إعلام بأن مطبوعاتهم ستتوقف. يتحدثون عن أخبار كانت تسري همساً بأن قراراً اتخذ بإنهاء العمل في 15 من الشهر المقبل، وأنه سيتم الإبقاء على بعض المطبوعات؛ إلا أن المفاجأة كانت هي في تقديم الموعد، وسرعة القرار، والحسم بإيقاف كل الإصدارات فجأة، ومن دون سابق إنذار.
ورغم أنه يصعب حصر عدد الموظفين المتضررين بسبب التشعيب الكبير في المؤسسة؛ فإن التقديرات تشير إلى نحو ثمانين موظفاً.
و«دار الصياد» مؤسسة كبرى وعريقة، أسسها الصحافي العصامي والكاتب سعيد فريحة. ولدت باكورة مطبوعاته مجلة «الصياد» عام 1943 مع الاستقلال، وبقيت تصدر إلى اليوم، وعام 1954 تم بناء «دار الصياد» في الحازمية التي ستصبح علماً يستدل بها، وتتالت الإصدارات لتبصر النور مجلة «الشبكة» الشهيرة عام 1956، وشكلت نمطاً جديداً في التعاطي مع الأخبار الفنية، لتصدر جريدة «الأنوار» عام 1959، وكرت من بعدها سبحة المطبوعات التي بقيت تصدر منها حتى إعلان الإغلاق، كل من: «فيروز»، و«الفارس»، و«الدفاع العربي»، و«سحر» و«الإداري».
وتنضم «دار الصياد» بجريدتها ومجلاتها، إلى قاطرة المطبوعات اللبنانية التي تودع قراءها، واحدة بعد أخرى، دون بصيص أمل في عودتها، وتحل مكانها مواقع إلكترونية لا تتمكن من سد فراغ صار مخلخلاً اجتماعياً، وثقافياً؛ لا بل يهدد الحياة الديمقراطية اللبنانية.
ويأتي الخبر الجديد بعد إغلاق جريدة «السفير»، وكذلك توقف جريدة «البيرق» ومجلة «الحوادث» وأخواتها بعد وفاة ملحم كرم، وتخلي أولاده عن إرث وجدوه ثقيلاً ومربكاً. وهو تماماً ما يحدث الآن مع «دار الصياد» التي يرى أولاد الراحل سعيد فريحة الثلاثة أنهم غير قادرين على سد عجزها المالي وخساراتها المتتالية. وقالت ابنته إلهام في جملة مقتضبة: «أدينا قسطنا للعلا والوطن. وحان الوقت للتوقف، حفاظاً على كرامة سعيد فريحة». أما المطبوعات اللبنانية التي لا تزال تقاوم، فمن بينها «النهار» التي اضطرت لتسريح عدد من صحافييها بعد صعوبات في تسديد الرواتب، والحال نفسها تعاني منها صحيفة «المستقبل». ولا تكاد تفلت صحيفة من العسر والشكوى.
ويعيد رفيق خوري الأمر إلى شح الإعلانات التي تصل إلى الصحف بعد أن ظهرت أسواق أخرى. ويقول: «أنا الجيل الثاني بعد غسان تويني وكامل مروة، وأولئك الكبار الذين نهضوا بالصحافة. من جاءوا بعدنا لا يقرأون، ولا يهتمون. أنا درّست في كلية الإعلام وتركت لأنني لا أرى جدوى من أجيال لا تقرأ وتريد فيلماً وكاسيتاً. هذا يدل على هشاشة المجتمع والثقافة فيه». ويضيف خوري: «أنا واحد ممن واكبوا صعود النهضة في الستينات. كنت صديقاً لعاصي ومنصور الرحباني والرسامين والأدباء». ويعيد خوري إجهاض تلك المرحلة التي يصفها بـ«الهائلة» إلى الحرب اللبنانية التي لم تمر دون عواقب، وإلى غياب الوطنية والهوية، وهو ما نلحظه في أبسط الأمور الحياتية.
نموذج سعيد فريحة مؤثر للغاية، فقد عاش كما يروي هو نفسه ثلاث حروب كبيرة، الحرب العالمية الأولى، والثانية، والأهلية اللبنانية. عشية 1914 كانت الضائقة الكبرى. وقد كتب عن تلك الطفولة قائلاً: «خرجت من ويلات الحرب صبياً يتيماً بلا أبوين، ونحيلاً هزيلاً بلا عافية، وأكثر من ذلك أمياً جاهلاً بلا علم». أحبط الصغير بعد حصار الأتراك لبيروت والجبل، وسرعان ما وجد نفسه يعمل في النهار ليتعلّم في الليل، معتمداً على نفسه. والأمر لم يكن سهلاً، والحروف الأبجدية هي كل ما بقي في ذاكرته من أيام المدرسة التي غادرها عند اندلاع الحرب وإغلاق المدارس. وغالباً ما كان سعيد فريحة الفتى يختار مكانه للقراءة تحت قنديل «اللوكس» في الشارع الذي يمتد من أول سوق النجارين إلى بيته في الأشرفية، ولا يفهم ما يقرأ. هرب الطفل مع عائلته من بيروت إلى حلب، عرف مظالم جمال باشا، ورأى السجن والإعدام والجوعى. نشأ على التمرد، ورفض فكرة أي محتل أجنبي لبلاده؛ خصوصاً فكرة الانتداب على سوريا ولبنان. دخل باكراً معترك الكتابة بعد كده اليومي في القراءة، وبدأ الكتابة في جريدة «الراصد» لوديع عقل. وتنقل في المجلات والصحف إلى أن أصدر مجلته «الصياد» التي عرفت بمنحاها الاستقلالي الحر، ونفحها الديمقراطي البعيد عن الطائفية، ومن هنا انطلق.
كان سعيد فريحة في الصحافة مدرسة، وداره كما مطبوعاته كانت مساحة لكبار الكتاب، من مارون عبود إلى سعيد عقل والأخطل الصغير، كما نزار قباني وتوفيق يوسف عواد، وعمر أبو ريشة وبدوي الجبل.


مقالات ذات صلة

الإعلانات القديمة تحكي قصة تصاعد ثقافة الاستهلاك في مصر

يوميات الشرق معرض أزياء لفصل الشتاء في ثلاثينات القرن الماضي (الكتاب)

الإعلانات القديمة تحكي قصة تصاعد ثقافة الاستهلاك في مصر

يتخطى دور الإعلان الترويج لسلعة أو منتج أو مشروع، حيث يمكن أن يصبح الإعلان مؤشراً ودالاً على نمط الحياة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماعه مع الرئيس الفرنسي بقصر الإليزيه في باريس يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

البابا ليو عن حظر «سي إن إن»: أرحّب بكل الصحافيين لتغطية أخباري

أكد البابا ليو، بابا الفاتيكان، مجدداً على دعمه لحرية الصحافة، في ردِّه على سؤال حول قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، منع وسائل إعلام بدخول البيت الأبيض.

الولايات المتحدة​ غرفة جيمس إس. برادي للإحاطة الصحافية في البيت الأبيض في العاصمة واشنطن 21 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«العدل الأميركية» تجيز منع ترمب وسائل إعلام من دخول البيت الأبيض

خلصت وزارة العدل الأميركية إلى جواز منع البيت الأبيض شبكات «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من التغطية الإعلامية في المقر الرئاسي بناءً على طلب ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا سانتياغو سيري مبتكر منصة «إل بريمير فيكا» El Primer Feca الإخبارية المنتَجة بالكامل بالذكاء الاصطناعي يعرضها خلال مقابلة في بوينس آيرس (أ.ف.ب)

برنامج أخبار بالذكاء الاصطناعي يثير غضب الأوساط الإعلامية في الأرجنتين

أثار برنامج إخباري أُعدّ بالكامل بالذكاء الاصطناعي، من محتواه إلى الصور الرمزية للصحافيين، استياء الأوساط الإعلامية الأرجنتينية التي حذّرت من تهديد للمهنة.

«الشرق الأوسط» (بوينس آيرس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشارك في مراسم قص الشريط لافتتاح مهبط المروحيات الجديد بالبيت الأبيض (د.ب.أ) p-circle

ترمب يفتتح مهبط مروحيات في البيت الأبيض... ووسائل الإعلام تُقاطع

استعرض الرئيس الأميركي مهبط المروحيات الجديد بالبيت الأبيض، الاثنين، مع إبعاد شبكات التلفزيون الكبرى كاميراتها بسبب عدم السماح لشبكة «سي إن إن» بتغطية الحدث.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«حماس»: نرفض أن يكون الدم الفلسطيني وقوداً للانتخابات الإسرائيلية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
TT

«حماس»: نرفض أن يكون الدم الفلسطيني وقوداً للانتخابات الإسرائيلية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)

قال رئيس حركة «حماس» خليل الحية، السبت، إن الحركة ترفض أن يكون الدم الفلسطيني وقوداً للحملات الانتخابية في إسرائيل، متهماً كل الأحزاب الإسرائيلية بالمشاركة في قتل فلسطينيين.

وقال الحية: «رسالتي للعالم، لا نقبل أبداً أن يكون الدم الفلسطيني هو وقود الانتخابات الإسرائيلية». وأضاف: «كلٌّ، كما يقال، تآجر (شارك) في دمنا، ما يعنينا هو أن يصل شعبنا الفلسطيني إلى أهدافه ومبتغاه وحقوقه المشروعة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأشار الحية إلى أن الانتخابات الإسرائيلية «متكررة بين الحين والآخر، وشعبنا الفلسطيني يبحث عما يحقق حقوقه، وبغض النظر عمن يأتي من الأحزاب الإسرائيلية... شعبنا الفلسطيني عانى من كل الأحزاب الإسرائيلية على مدار التاريخ وعشرات السنين».

وقال إن «الدعاية الإسرائيلية والدعاية الانتخابية إنما وقودها الدم الفلسطيني والحق الفلسطيني، ويتصارعون على من يهضم الحق الفلسطيني، لا من يتعايش ويقدم نفسه للعالم كإنسان».

وتشهد إسرائيل انتخابات تشريعية في 27 أكتوبر (تشرين الأول).

وبحسب استطلاعات الرأي، يُتوقَّع أن تكون متقاربة النتائج بين المعسكر الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والمعسكر الذي يقوده خصمه الرئيسي الوسطي غادي آيزنكوت زعيم حزب «يشار» (مستقيم).


مصر: رحيل الزند يسترجع معارك القضاء و«الإخوان» خلال حكم مرسي

المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)
المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)
TT

مصر: رحيل الزند يسترجع معارك القضاء و«الإخوان» خلال حكم مرسي

المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)
المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)

جاءت وفاة المستشار أحمد الزند، وزير العدل المصري الأسبق، السبت، لتستعيد فصولاً من المواجهة التي خاضها الراحل مع جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة، خلال حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، عندما كان (الزند) رئيساً لنادي القضاة، وما تلاها من مواقف بعد سقوط حكم «الإخوان» عام 2013، وسط تباين حاد في ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، بين نعيه بوصفه أحد رموز القضاء المصري، ومنشورات تعيد تصريحاته ومواقفه الجدلية، وصولاً إلى تعليقات حمل بعضها قدراً من «الشماتة».

وتُوفي الزند (مواليد 1946) عن عمر ناهز 80 عاماً، بعد وعكة صحية نُقل على أثرها إلى المستشفى، وفقاً لما أعلنته أسرته، وشُيّع جثمانه من «مسجد المشير طنطاوي» (شرق القاهرة).

ونعى «نادي قضاة مصر»، في بيان، السبت، الزند، واصفاً إياه بأنه «فقيد القضاء المصري ورمز من رموزه»، متذكّراً ما وصفه بـ«أدوار ومواقف في خدمة القضاء وقضاياه». كما نعاه عدد من القضاة والشخصيات العامة، بينهم المستشار حمدي عبد التواب، وكيل نادي القضاة السابق، الذي وصفه بـ«الأب الروحي» و«أسد القضاة»، في حين تداول آخرون صوراً ومقاطع من فترات رئاسته للنادي، مشيدين بما عدّوه مواقف داعمة لاستقلال القضاء.

في المقابل، أعادت منشورات «سوشيالية» نشر مقاطع للزند ارتبطت بمواقفه الحادة من جماعة «الإخوان» وقياداتها، إلى جانب تصريحات أخرى أثارت انتقادات واسعة في حينها. وتحوّلت بعض التعليقات من استعادة الخلاف السياسي إلى «الشماتة» في وفاته.

وانتُخب الزند رئيساً لـ«نادي قضاة مصر» عام 2009، ثم أعيد انتخابه عام 2012، ليصبح أحد أبرز وجوه المواجهة القضائية مع نظام «الإخوان»، لا سيما عقب «الإعلان الدستوري» الذي أصدره مرسي، وما تبعه من تحركات لتعليق العمل بالمحاكم، ورفض الإشراف على الاستفتاء.

وتولى الزند وزارة العدل في مايو (أيار) 2015، قبل أن يُعفى من منصبه في مارس (آذار) 2016، عقب أزمة أثارها تصريحه بأنه سيعاقب المخطئ «حتى لو كان نبياً»، رغم استدراكه العبارة واعتذاره عنها.

ويرى الباحث المصري في شؤون الحركات الإسلامية ماهر فرغلي، أن إعادة تداول المقاطع الجدلية للزند مع إعلان وفاته «أمر متوقع»، بالنظر إلى ارتباط حضوره بمرحلة شديدة الاستقطاب في تاريخ مصر الحديث.

وقال فرغلي لـ«الشرق الأوسط» إن «الشماتة في موت الخصوم ليست جديدة لدى جماعة (الإخوان)، واستدعاء هذه المقاطع يأتي ضمن التذكير بمواقف الزند منها، ودوره في الصدام بين نادي القضاة والجماعة، وما أعقب أحداث 30 يونيو (حزيران)».

وأضاف أن الزند «كان لاعباً بارزاً في المشهد القضائي، وكانت له تصريحات شديدة في هجومه على (الإخوان)»، موضحاً أن «الجماعة وأنصارها يحمّلونه، وفقاً لتصورهم، جانباً من المسؤولية عن الأحكام والملاحقات التي تعرضوا لها خلال تلك الفترة». لكن فرغلي لفت، في الوقت نفسه، إلى أن «الزند نفسه كان حاداً في تصريحاته»، وأن «بعض عباراته أثارت قطاعات واسعة من الرأي العام، ومن بينها المقطع الذي عُرف إعلامياً بحديث (الأسياد والعبيد)، فضلاً عن تصريحه بأنه سيعاقب المخطئ (حتى لو كان النبي)، وهي الأزمة التي انتهت بإعفائه من منصب وزير العدل رغم اعتذاره».

وترى الدكتورة آية صلاح، أستاذة علم الاجتماع السياسي، أن اسم الزند «ارتبط بمرحلة شائكة وملغّمة في التاريخ المصري، وكان حضوره صاخباً واقترن بتصريحات ومواقف أثارت جدلاً واسعاً».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «منصات التواصل أحيت تلك التصريحات، خصوصاً أن المقاطع المصوّرة يعاد تداولها بصورة انتقائية، وأحياناً مجتزأة من سياقها، وفقاً لموقف كل طرف والغرض الذي يسعى إليه».

وبحسب صلاح، لا يتحوّل إعلان وفاة الشخصيات الخلافية على مواقع التواصل إلى مناسبة للنعي فقط، بقدر ما يصبح «لحظة لإعادة تنشيط الذاكرة السياسية وإعادة تقييم صاحبها».

وأضافت: «كان من الطبيعي أن تستخدم قطاعات من (الإخوان) وأنصارهم خبر الوفاة لاسترجاع فصول صراع الجماعة مع مؤسسات الدولة خلال حكم مرسي وما أعقب 30 يونيو، باعتبار الزند أحد أبرز وجوه المواجهة القضائية معها؛ فالجدل الذي رافق رحيله لا يرتبط بشخصه فقط، وإنما بمرحلة سياسية لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، رغم ابتعاده عن المجال العام منذ سنوات قبل وفاته».


ارتفاع أسعار البيض في مصر... «سندوتشات المدارس» تعوض «خسائر الطيبات»

متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)
متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)
TT

ارتفاع أسعار البيض في مصر... «سندوتشات المدارس» تعوض «خسائر الطيبات»

متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)
متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)

تعد شيماء محمود (35 عاماً)، التي تسكن في منطقة شبرا الخيمة (شمال القاهرة)، البيض لنجلها يونس، كجزء شبه يومي لا يمكن الاستغناء عنه في الوجبة المدرسية (السندوتشات)، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «البيض هو أرخص»، ومناسب للمدرسة، لكنها شكت من زيادة تكلفة الوجبة المدرسية مع قفزة أسعار البيض هذه الأيام.

مثل شيماء تعتمد ملايين الأمهات على البيض كوجبة رئيسة خلال أيام الدراسة، ما انعكس في زيادة معدلات الطلب في السوق، عكس التراجع الذي شهدته الأسواق خلال الشهور الماضية، وأرجعه البعض إلى تأثير «نظام الطيبات» الغذائي، للراحل ضياء العوضي، والذي يحظر تناول البيض، أو الدجاج، وكثير من الأصناف الأخرى بداعي «الضرر».

ووصل متوسط سعر كرتونة البيض 140 جنيهاً (الدولار نحو 52 جنيهاً) في الأسواق، مرتفعة من نحو 90 جنيهاً قبل عدة أسابيع، في وقت يعتبر رئيس شعبة الثروة الداجنة بغرفة القاهرة التجارية، عبد العزيز السيد، أن ارتفاع السعر لا يصل لحد «تعويض خسائر» الفترة الماضية، وإنما «نقطة تعادل»، بمعنى تغطية تكلفة الإنتاج مع هامش ربح بسيط، لافتاً إلى أن جزءاً من الزيادة «غير مبرر، ومفروض من قبل الحلقات الوسيطة (الباعة)، أما أصحاب المزارع فيبيعون الكرتونة بـ115 جنيهاً».

وسبق أن أثار التراجع الكبير في سعر البيض الفترة الماضية جدلاً واسعاً واستغاثات من أصحاب المزارع، بدعوى تكبدهم خسائر، مطالبين آنذاك الحكومة بالتدخل لضبط المنظومة، ووضع آلية تحقق للمنتجين أسعاراً عادلة، ولم يلق المقترح صدى شعبياً، أو رسمياً، وسط تساؤلات عن غياب مثل هذه الدعوات في أوقات ارتفاع أسعار البيض، والدجاج.

ويفسر السيد الزيادة الكبيرة الأخيرة في سعر البيض بأنها نتيجة لقلة المعروض مقارنة بالفترة الماضية مع زيادة الطلب، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار، وفق سياسة «العرض والطلب». وأضاف: «في الشهور السابقة كانت لدينا وفرة كبيرة في الإنتاج، مع تراجع الطلب سواء بسبب الطيبات، أو انخفاض القوة الشرائية للمواطن، ما كبد المنتجين خسائر كبيرة، أدت إلى تخارج جزء منهم من السوق».

ويقول الخبير الاقتصادي وائل النحاس، لـ«الشرق الأوسط»، إن سوق الدواجن شهدت خسائر كبيرة الفترة الماضية، لم يصمد فيها سوى كبار المنتجين، بينما خرج الكثيرون، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيادات كانت متوقعة، سواء في أسعار الدواجن، أو البيض.

وتابع رئيس شعبة الثروة الداجنة: «مع انطلاق الدراسة، وهو الموسم الذي يتزايد فيه الطلب على البيض، فالأسرة التي لديها 3 أطفال تستهلك نحو كرتونة كل عشرة أيام، وهذا أدى إلى زيادة السعر».

وتشهد مصر معدلات مرتفعة من التضخم، إذ سجل معدل التضخم على أساس سنوي في أغسطس (آب) الماضي 14.5 في المائة مقارنة بـ14.9 في المائة يوليو (تموز) الماضي.

وتوقع الخبير الاقتصادي أن تكون الزيادة في سعر البيض مجرد بداية لسلسلة من الزيادات التضخمية في منتجات الدواجن خصوصاً، سواء في ظل زيادة علف الذرة الصفراء بمتوسط من 14 إلى 17 في المائة، وفول الصويا نحو 14 في المائة، وكلها من الأعلاف المستخدمة في تربية الدواجن، أو زيادة سلة الغذاء بوجه عام، نتيجة الأوضاع الإقليمية.

وأضاف: «الزيادات ستكون في السلع الأساسية التي يستخدمها المواطن، ولا يستطيع الاستغناء عنها، وتضعه هو والحكومة في مأزق».