«إعلان الخرطوم» يوصي الدول العربية بالتوسع في خدمات الإنترنت الموجهة للزراعة

«إعلان الخرطوم» يوصي الدول العربية بالتوسع في خدمات الإنترنت الموجهة للزراعة
TT

«إعلان الخرطوم» يوصي الدول العربية بالتوسع في خدمات الإنترنت الموجهة للزراعة

«إعلان الخرطوم» يوصي الدول العربية بالتوسع في خدمات الإنترنت الموجهة للزراعة

اختتم المنتدى الإقليمي الأول للزراعة الذكية، الذي نظمته المنظمة العربية للتنمية الزراعية، بالتعاون مع المنظمة العربية لتكنولوجيا المعلومات والاتصال، ووزارتي الزراعة والاتصالات، أعماله أول من أمس في السودان، بمشاركة عدد من الدول والمؤسسات والمنظمات ذات الصلة، ومجموعة من الخبراء.
وصدر عن المنتدى «إعلان الخرطوم»، الذي تعهد فيه المشاركون بالعمل سوياً على زيادة أعداد المزارعين العرب المستخدمين للإنترنت، وفق اتفاق يعزز التعاون الإقليمي بين الدول العربية والأفريقية، لتحقيق مستقبل أفضل للزراعة الذكية في الوطن العربي.
وحث الإعلان الدول العربية على التوسع في استخدام التقنيات الحديثة في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، التي أتاحت للمزارع أن يستخدم هاتفه للحصول على الخدمة أو الإرشاد بتكاليف زهيدة، خصوصاً أن كثيراً من مزارعي دول العالم يستخدمون الهاتف الجوال في عملياتهم الزراعية، وكان له أثر إيجابي، إذ ساهم في تضاعف إنتاجيتهم.
وشهدت الجلسة الختامية للمنتدى توقيع مذكرتي تفاهم: الأولى بين المنظمة العربية للتنمية الزراعية والهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي، والثانية بين الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي والمنظمة العربية لتكنولوجيا المعلومات.
وأشاد كمال حسن علي، الأمين العام المساعد رئيس قطاع الشؤون الاقتصادية ممثل الأمين العام للجامعة العربية، خلال مخاطبته المنتدى، بمبادرة ومساندة وزارة الاتصالات السودانية لتنظيم المنتدى.
وأكد على دعم الجامعة العربية لإنفاذ «إعلان الخرطوم» بعد النجاح الذي حققته النقاشات والعروض والنماذج التي شهدتها الجلسات منذ بداية انعقاد المنتدى.
ومن جانبه، أشاد محمد بن عمر، أمين المنظمة العربية لتكنولوجيات المعلومات والاتصال، بتنظيم المنتدى، ممتدحاً جهود المنظمة العربية للتنمية الزراعية، واهتمامها بتطوير القطاع الزراعي، كما أشاد بكل الجهات التي رعت المنتدى، مؤكداً مواصلة العمل معها لإنفاذ كل توصيات بيان الخرطوم.
في حين أوضح عمار حمدين، رئيس الإدارة الاستراتيجية والارتباط للاتصالات بالمنظمة، أهمية تنفيذ كل توصيات المنتدى، وقال: «نحن شركاء أساسيين مع كل الجهات لإزالة الفقر وتطوير الزراعة».
وأعلن طارق حمزة زين العابدين، الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوداتل»، تبنيه كل ما جاء في «إعلان الخرطوم»، باعتبار أن المجموعة هي الشريك الاستراتيجي والراعي للمنتدى، وقال إن شركته أنشأت مزرعة لتدريب 100 مزارع في مجال الزراعة الذكية.
وفي مؤتمر صحافي عقب اختتام جلسات المنتدى، أقرت وزارة الزراعة والغابات السودانية بوجود صعوبات تواجه تحقيق تنمية زراعية مستدامة من خلال تقنيات الزراعة الذكية، على رأسها محدودية الانتشار الجغرافي لتلك التقنيات وتغير المناخ، وذلك على الرغم من إعداد الوزارة خطة وبرنامجاً حتى عام 2020 لاستخدام التقنيات الذكية في الزراعة.
وقال وزير الدولة بالزراعة، نهار عثمان نهار، أن من أبرز تحديات الزراعة الذكية ارتفاع أسعار المنتجات والتطبيقات الذكية وطرق الاستخدام، بجانب الحاجة لأنشطة تدريبية للمزارعين على هذه التقنيات. ودعا الوزير إلى ضرورة استخدام التقنيات التي تحافظ على البيئة للاستفادة منها في جذب الاستثمارات، وكذلك أوصى ببناء الشراكات الذكية، مؤكداً سعي وزارته لشراكات مع جميع الأطراف لتطبيق التقنيات الحديثة على أرض الواقع.
من جهته، دعا المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الزراعية، إبراهيم الدخيري، إلى إيجاد الإطار التشريعي والقانوني للزراعة الذكية، وتوطين مزيد من التقنيات الحديثة بالسودان لتأمين الأمن الغذائي.
وحول مبادرة الرئيس السوداني، عمر حسن البشير، للأمن الغذائي العربي المجازة من الدول العربية قبل 5 سنوات، فإنها لم تقطع شوطاً كبيراً في التنفيذ، حيث لا تزال فاتورة استيراد الغذاء للدول العربية تتجاوز 25 مليار دولار سنوياً، وقال الدخيري إن هناك تعاطياً مع المبادرة، لكنه أقل من الطموحات.
وأضاف الدخيري أن استثمارات الصناديق العربية، التي يفترض أن تمول المبادرة، تحكمها أطر مالية، رغم وجود دراسة شاملة عن المبادرة، مشيراً إلى أنه جرت اجتماعات بغرض تحريك المبادرة، وتقديم الدعم للدراسات، مبيناً أن العمل في المبادرة لم يتوقف.
وكشف الدخيري عن تقاطعات بين المبادرة التي يتولى إدارتها ومبادرات مشابهة في المنطقة العربية، مشيراً إلى أنه لا توجد سوى مبادرتين للأمن الغذائي: الأولى سعودية، يطلق عليها مبادرة الأمير عبد الله بن عبد العزيز؛ والثانية مبادرة ملك المغرب.
وقدمت في الجلسة الختامية للمنتدى عدة أوراق عمل عن قضايا مختلفة، تطرقت لتجربة المنظمة العربية في التطبيقات التكنولوجية الحديثة للزراعة المستدامة وإدارة الموارد وتغير المناخ.
من ضمن هذه الأوراق ورقة أحمد غريشي، خبير الغابات وإدارة المراعي، الذي يؤكد على دعم المنظمة لكل البرامج التي يطرحها ويقدمها السودان.
وجاءت ورقة ثانية تحت عنوان «الحقول المتصلة بأفريقيا.. حول تخفيف مخاطر المزارعين»، قدمها أحمد رشوان، المدير التنفيذي لشركة «ساوي» للتجارة بمصر، وورقة ثالثة عن البيئة وتغير المناخ والاقتصاد الدوار، قدمتها إيمان فاروق، رئيس قسم الآثار البيئية، وورقة رابعة حول الإدارة المتكاملة لأشجار الزيتون، قدمها أحمد عوض، مدير المعمل المركزي للمناخ الزراعي بمركز البحوث بمصر.
واستعرض المنتدى على مدى 3 أيام الزراعة الذكية المناخية في الشرق الأدنى ومنطقة شمال أفريقيا، قدمها بابا جانا أحمدو، ممثل منظمة الأغذية العالمية (فاو).
وكشفت الورقة أن التغيير المناخي في الدول العربية يهدد الإنتاج بالقطاع الزراعي والثروة الحيوانية، مستعرضة جهود المنظمة العربية في وضع الاستراتيجيات وبناء القدرات وزيادة التوعية والتشبيك بين المؤسسات الزراعية والمختصة. ودعت الورقة إلى إعطاء أولوية لزيادة التمويل بالقطاع الزراعي، وتشجيع الاستثمار، وتوفير البيانات والمعلومات، والاهتمام بنظم الإنذار المبكر وإدارة المخاطر، بجانب ابتكار أساليب وأطر وسياسات جديدة للتغلب على الآثار الناجمة عن التغيير المناخي، وزيادة وعي المواطنين بالزراعة الذكية.
وقدم مكتب الصين للملاحة الفضائية للمنتدى ورقة حول الزراعة الدقيقة، وأخرى حول مهام الملاحة الفضائية، التي توفر 95 في المائة من المعلومات التي تساعد على تحديد النظام الهوائي، والإرشادات الآمنة وكثير من الخدمات الزراعية. وقالت وانغ لي، مديرة المركز الدولي الصيني للملاحة، إن العالم العربي يمكن أن يستفيد من هذه التقنيات، ويتمتع بالخدمات التي تتم عبر 19 قمراً صناعياً تعمل على تحليل البيانات.



إصلاحات تنظيمية وتمويلية تقفز بتملُّك المنازل في السعودية إلى 66 % خلال عقد

أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
TT

إصلاحات تنظيمية وتمويلية تقفز بتملُّك المنازل في السعودية إلى 66 % خلال عقد

أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)

أسهمت جهود الحكومة السعودية مستندةً إلى برنامج الإسكان، أحد برامج «رؤية 2030»، في تسريع وتيرة التملك، بعدما اختُصرت فترات الانتظار الطويلة إلى إجراءات ميسّرة مدعومة بحلول تمويلية مبتكرة، ومنصات رقمية متكاملة. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة تملّك الأسر بشكل ملحوظ لتصل إلى نحو 66 في المائة خلال عقد واحد، في مؤشر واضح على فاعلية السياسات المتبعة، وقدرتها على تحقيق الاستقرار، وتعزيز جودة الحياة.

وشهد القطاع العقاري والإسكاني في المملكة تحولاً نوعياً خلال السنوات الماضية، مدفوعاً بمستهدفات «رؤية 2030»، وتدخلات الحكومة الأخيرة التي وضعت تملّك المواطنين للمساكن في صدارة أولوياتها التنموية، مع حزمة واسعة من الإصلاحات التنظيمية، والتشريعية، إلى جانب تطوير منظومة التمويل العقاري، وتوسيع الخيارات السكنية، وتمكنت الدولة خلالها من إعادة تشكيل السوق العقارية لتصبح أكثر توازناً وكفاءة في تلبية الطلب المتزايد.

ومهدت «رؤية 2030» الطريق لإصلاح البيئة التنظيمية والتشريعية للقطاع العقاري والإسكان، بهدف إيجاد حلول للتحديات التي مرَت على هذه المنظومة، في إدراك للقيمة الاجتماعية والاقتصادية للعقار.

ووضعت مستهدفاً طموحاً، وهو رفع نسبة تملك الأسر السعودية لمنازلهم، لتنتج خلال 5 أعوام فقط من رفع النسبة من 47 في المائة إلى 60 في المائة بنهاية 2020.

ضبط العلاقة الإيجارية

نجحت «رؤية 2030» في إعادة صياغة المشهد العقاري والإسكاني بالمملكة، محولة القطاع من مرحلة التحديات الهيكلية المتمثلة في فجوة العرض والطلب وطول فترات الانتظار، إلى منظومة متينة ومبتكرة تواكب المتغيرات المتسارعة. وبحلول عام 2025، أثبتت السياسات الإسكانية كفاءتها عبر اختصار رحلة المستفيد من انتظار دام لسنوات إلى دعم فوري مكن أكثر من 851 ألف أسرة من امتلاك منازلها.

كما أن محدودية الحلول والخيارات العقارية بطأت نمو المعروض، الأمر الذي استدعى تدخلاً تشريعياً وتنظيمياً يستفيد من التحول الرقمي، ورغبة الناس في بذل الخير، والمساهمة الاجتماعية.

مشروع «نساج تاون» في ضاحية الواجهة بالدمام وهو أحد مشاريع برنامج سكني بالشراكة مع القطاع الخاص (واس)

وبرز الاهتمام بمعالجة التشوهات في السوق العقارية عبر مجموعة من التوجيهات، بهدف تحقيق التوازن بين الطلب والعرض، ومن ذلك التوجيهات الصادرة للمنظومة في الرياض، والتي شملت توجيهاً بمضاعفة مشروعات الإسكان شمال العاصمة للضعفين، ورفع الإيقاف عن تطوير أكثر من 81 كيلومتراً مربعاً من الأراضي في شمال المدينة، والعمل على توفير أراضٍ سكنية مخططة ومطورة للمواطنين بعدد ما بين 10 إلى 40 ألف قطعة سنوياً خلال الـ5 سنوات بأسعار لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع.

وأصدرت الموافقة على الأحكام النظامية الخاصة بضبط العلاقة بين المؤجر والمستأجر بالرياض، بالإضافة إلى التعديلات على نظام رسوم الأراضي البيضاء، والتوجيه برصد ومراقبة أسعار العقار في العاصمة، والمدن الأخرى، والرفع بتقارير دورية.

واستمر تنفيذ القطاع العقاري خلال العام الماضي، بما يسهم في إيجاد سوق حيوية وجاذبة، عبر التوسع في العمل على ضمان شمولية وتكامل بيانات الأراضي، والممتلكات، ليتخطى مؤشر «نسبة تغطية الأراضي والممتلكات في المملكة» مستهدفه البالغ 45 في المائة، محققاً ما نسبته 53 في المائة.

القروض العقارية

ونتيجةً لهذه الإجراءات المتتالية وجهود الـ10 أعوام الماضية منذ إطلاق «رؤية 2030»، تمكنت السعودية من تحقيق 66.24 في المائة نسبة تملّك المواطنين للمساكن خلال العام السابق، ووصول إجمالي قيمة القروض العقارية القائمة للأفراد أكثر من 907 مليارات ريال (241 مليار دولار) في الربع الثالث من 2025، وبلوغ عقود المنتجات السكنية لأكثر من مليون عقد، ومنتج الأراضي بما يزيد عن 74 ألف عقد.

وبالنسبة لعقود منتج البناء الذاتي فقد تجاوزت 286 ألفاً في العام المنصرم، ومنتج الوحدات الجاهزة بما يزيد عن 534 ألف عقد، أما نصيب عقود منتج البيع على الخريطة فقد تجاوز 114 ألف عقد.

البيئة التنظيمية والتشريعية

وازدادت قدرة المنظومة الإسكانية والعقارية على توفير الحلول المتنوعة، مستفيدة من البيئة التنظيمية والتشريعية، لتصبح هناك منتجات متنوعة شملت الأراضي، والبيع على الخريطة، والوحدات الجاهزة، والبناء الذاتي، ويحفز ذلك منصات رقمية تسهل تجربة الوصول إليها، إلى جانب منظومة تمويلية تعمل وفق ضوابط متوازنة، لتقليل الأعباء المالية على الأسر.

وأصبح أثر السياسات في الإسكان والعقار واضحاً، بتمكين الأسر السعودية من تسهيلات غير مسبوقة، إذ اختصرت رحلة المؤهلين للاستفادة من الدعم السكني المتمثل في التمويل العقاري، من انتظار يستغرق عدة سنوات إلى دعم يحصل عليه المواطن في غضون وقت قصير، ليشهد عدد الأسر التي امتلكت منازلها زيادة ملحوظة وصلت إلى أكثر من 851 ألف أسرة بنهاية العام الفائت لترتفع بدورها نسبة امتلاك المنازل.


«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
TT

«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)

يتجه مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نحو عقد اجتماع تاريخي يوم الأربعاء المقبل، في لحظة توصف بأنها «منعطف السيادة والرحيل»؛ إذ يُفترض أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول قبل انتهاء ولايته في منتصف مايو (أيار) المقبل.

ويأتي هذا الوداع المرتقب يومي 28 و29 أبريل (نيسان) وسط أجواء مشحونة تضع المؤسسة النقدية الأقوى في العالم في عين عاصفة مزدوجة؛ حيث تتقاطع نيران الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط مع صراعات النفوذ السياسي داخل واشنطن، مما يجعل قرار تثبيت أسعار الفائدة المتوقع في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة مجرد قشرة خارجية لتعقيدات أعمق بكثير.

لقد بات المشهد الاقتصادي الذي يغادر فيه باول منصبه محكوماً بجغرافيا سياسية متفجرة، بعدما تسببت المواجهات العسكرية في مضيق هرمز في إرباك سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الطاقة إلى مستويات حرجة. هذا الواقع الجيوسياسي الجديد أعاد إحياء شبح التضخم الذي قفز في مارس (آذار) الماضي إلى 3.3 في المائة، مما أجبر «الاحتياطي الفيدرالي» على التخلي عن خطط التيسير النقدي والتمسك بسياسة «الانتظار والترقب». وبدلاً من أن ينهي باول حقبته بانتصار ناجز على الغلاء، يجد نفسه مضطراً لترك الدفة وسط «صدمة طاقية» تعصف بميزانيات المستهلكين والشركات على حد سواء، مما يجعل أي حديث عن خفض قريب للفائدة أمراً سابقاً لأوانه.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أما على الصعيد القانوني والسياسي في واشنطن، فلم تكن رحلة الخروج لباول أقل تعقيداً، إذ عاشت أروقة «الفيدرالي» حالة من «الحصار السياسي» نتيجة الضغوط المستمرة من البيت الأبيض، والتي بلغت ذروتها في التحقيقات التي طالت تكاليف تجديد المقر الرئيسي للبنك. ورغم أن الأيام القليلة الماضية شهدت انفراجة مشوبة بالحذر بقرار وزارة العدل الأميركية إسقاط التحقيق الجنائي وإحالته إلى المفتش الداخلي، إلا أن هذه «المناورة» تركت أثراً عميقاً في علاقة البنك بالسلطة التنفيذية، خصوصاً بعدما وصفها باول سابقاً بأنها وسيلة ضغط سياسي واضحة.

إن هذا التحول في الموقف القانوني قد يمهد الطريق لانتقال أكثر سلاسة للسلطة النقدية، ويزيل حجر العثرة أمام تأكيد خليفته المرتقب كيفين وارش في مجلس الشيوخ، خاصة بعدما رهن مشرعون بارزون موافقتهم بإنهاء هذا الملف القضائي المثير للجدل. وتترقب الأسواق الآن المؤتمر الصحافي لباول، ليس فقط لسماع قراءته للأرقام، بل لاستنباط موقفه النهائي وحسم التكهنات حول ما إذا كان سيغادر مجلس المحافظين بالكامل، أم سيبقى عضواً حتى عام 2028 لضمان انتقال آمن وصون استقلالية القرار النقدي في وجه الهجوم العنيف الذي تتعرض له المؤسسة.

وارش يؤدي اليمين الدستورية خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ب)

في المقابل، يبرز اسم كيفين وارش كخليفة يتأهب لقيادة «ثورة تصحيحية» داخل «الفيدرالي»، واعداً بتغيير جذري في طريقة تواصل البنك مع الأسواق وتقليص ميزانيته العمومية المتضخمة. هذا الانتقال من «عهد باول» إلى «عهد وارش» يمثل نقطة تحول جوهرية في الفكر النقدي الأميركي؛ حيث يسعى وارش إلى تقليل الاعتماد على «التوجيهات المستقبلية» المفصلة والعودة إلى نهج أكثر حزماً تجاه التضخم.

وبينما يطوي باول أوراقه في هذا الاجتماع الأخير، يظل السؤال المعلق في فضاء الاقتصاد العالمي: هل سيتمكن «الفيدرالي» من الحفاظ على بوصلته المستقلة وسط هذه الرياح العاتية، أم أن «نظاماً جديداً» قد بدأ يتشكل بالفعل تحت ضغط الأزمات الدولية والتقلبات السياسية؟


«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)

لم تكتفِ السعودية بما حققته على مدى عقود من مكانة راسخة بوصفها المورِّد الأكثر موثوقية للطاقة في العالم، بل آثرت أن تُعيد النظر في علاقتها بثرواتها، وأن تسأل سؤالاً مختلفاً: كيف نجعل ما لدينا يعمل بأقصى طاقته؟ في عالم يتغيّر بسرعة.

كان ذلك جوهر ما جاءت به «رؤية 2030»، حين رأت في تنويع مصادر الطاقة وتعظيم قيمة النفط والغاز فرصاً ثمينة لتحقيق مزيد من الازدهار، مواكبةً للمتغيرات البيئية التي يشهدها العالم. وكانت أولى العلامات الدالة على هذا التحول إعادةُ تسمية وزارة البترول والثروة المعدنية لتصبح وزارة الطاقة، في إشارة واضحة إلى توسيع الأفق من النفط والغاز وحدهما إلى منظومة طاقة شاملة تضم المتجددة في صميمها.

أرض مؤهلة بطبيعتها

لم يكن الاختيار بلا دراسة. فالمملكة تمتلك من الممكِّنات الجغرافية ما يجعلها في مكانة تنافسية استثنائية؛ مناخ يُساعد على نجاح مشروعات الطاقة الشمسية، ومساحات شاسعة ملائمة لمشروعات طاقة الرياح، وتنوع جغرافي يُسهم في تنمية طاقة الهيدروجين، كل ذلك مدعوماً بقدرات استثمارية وخبرات بحثية متراكمة.

على هذه الأرض الخصبة، انطلقت سلسلة من المبادرات والمشروعات؛ إذ أُطلق البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين للطاقة المتجددة، وأُسس المركز الوطني لبيانات الطاقة المتجددة، لتتبعها مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بهدف تعزيز كفاءة توليد الكهرباء.

والنتيجة أرقام تتحدث بوضوح: ارتفعت الطاقة الإنتاجية لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة من 3 غيغاواط عام 2020 إلى 46 غيغاواط عام 2025. وبلغ إجمالي المشروعات المرتبطة بهذا القطاع 64 مشروعاً تتوزع بين 40 مشروعاً للطاقة الشمسية، و9 مشروعات لطاقة الرياح، و15 مشروعاً لتخزين الطاقة.

الهيدروجين: الرهان الكبير

في قلب مدينة نيوم، يُولد مشروعٌ لا مثيل له على وجه الأرض؛ إنه مشروع الهيدروجين الأخضر، الأكبر والأول من نوعه عالمياً، بطاقة إنتاجية تبلغ 600 طن من الهيدروجين الأخضر يومياً.

ولدعم هذا التوجُّه، انطلقت المرحلة الأولى من مركز ينبع للهيدروجين الأخضر، مزوَّداً بمنشآت لتوليد الكهرباء من مصادر متجددة، ومحطات لتحلية المياه، ووحدات للتحليل الكهربائي، ومنشآت لتحويل الهيدروجين إلى أمونيا خضراء، فضلاً عن محطة تصدير مخصصة.

مدينة «أوكساجون» في السعودية (نيوم)

سباق البطاريات... والمملكة تقترب من الصدارة

الأرقام في قطاع تخزين الطاقة لا تقل إثارة؛ إذ تقترب المملكة من الصين في سباق تكلفة مشروعات تخزين البطاريات على المستوى العالمي، بتكلفة تبلغ 409 دولارات للكيلوواط للمشاريع ذات السعة التخزينية لأربع ساعات، مقارنة مع 404 دولارات للصين.

وقد بلغت إجمالي سعات مشروعات تخزين الطاقة المطروحة 30 غيغاواط/الساعة، بينما وصل ما ربط منها بالشبكة الكهربائية إلى 8 غيغاواط/الساعة.

وفي إنجاز لافت، نجحت «أرامكو» في تشغيل أول نظام تخزين طاقة متجددة من نوعه عالمياً لدعم عمليات إنتاج آبار الغاز، بقدرة 1 ميغاواط/ساعة، يدعم تشغيل 5 آبار لمدة 25 عاماً. ويعتمد هذا النظام على براءة اختراع سعودية، ويُمثل بديلاً موثوقاً لحلول الطاقة الشمسية التقليدية، بكفاءة عالية في الظروف المناخية القاسية واستجابة ذكية لاحتياجات الطاقة المتغيرة.

«سبارك»... حين تُصبح الصناعة هي القيمة

أدركت «رؤية 2030» أن الإنتاج وحده لم يعد كافياً، وأن القيمة الحقيقية تكمن في بناء صناعات وتوطين سلاسل الإمداد وتعزيز المحتوى المحلي. من هنا وُلدت فكرة مدينة الملك سلمان للطاقة «سبارك»، باستثمارات تفوق 12 مليار ريال 3.2 مليار دولار، وأكثر من 60 مستثمراً محلياً وعالمياً.

تقع «سبارك» في موقع استراتيجي قريب من مصادر الطاقة وشبكات الشحن والتصدير، وتضم ميناءً جافاً يتيح وصولاً أسرع. وقد افتُتح حتى الآن 7 مصانع، بينما يجري حالياً إنشاء 14 مصنعاً آخر.

توازن لا تفريط

في حين يتجه العالم نحو التحول لبدائل النفط والغاز، تتبنى المملكة رؤية مغايرة ترى أن التحول المتسرع قد يُضر بأمن العالم ونموه، في ظل عدم قدرة الطاقة المتجددة وحدها على تلبية الاحتياجات التنموية بشكل كامل.

لذا تواصل المملكة الاستثمار في استكشاف الحقول النفطية وتطويرها، ومن أبرز ذلك تطوير حقل الجافورة غير التقليدي، الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، الذي سيُسهم في تعظيم سلاسل قيمة الغاز والصناعات البتروكيميائية.

وهكذا تسير المملكة على خط دقيق يجمع بين صون إمدادات الطاقة للعالم، والدفع بالاستثمار في التقنيات التي تُزيل الانبعاثات الكربونية؛ لتكون اليوم مركزاً شاملاً للطاقة، ونموذجاً في الإدارة الرشيدة.