الوقيان: نخشى أن تصلنا الحرائق

يرى أن الوعي بالقضية القومية شهد تراجعا ملحوظا

د. خليفة الوقيان
د. خليفة الوقيان
TT

الوقيان: نخشى أن تصلنا الحرائق

د. خليفة الوقيان
د. خليفة الوقيان

منذ سبعينات القرن الماضي، عرف الباحث والشاعر الكويتي د. خليفة الوقيان بدفاعه عن «القضية العربية»، إلى جانب دفاعه عن قضية الإنسان عموما وحريته، والديمقراطية بوصفها ضمانا لسلامة المجتمع وتماسك السلطة، وهو يرى أن الإيمان بالقضية العربية في عصر التشظي وصعود العصبيات خشبة الخلاص الوحيدة لمجابهة دعوات التمزق الطائفي والقبلي التي تعصف بالعالم العربي.
وكغيره من المثقفين الكويتيين والخليجيين، تعرض إيمانه القومي للامتحان، بعد احتلال الكويت، وما بعده، لكن المفاجأة أن كل ما حدث لم يزده إلا تشبثا بالقضية التي حملها طويلا وآمن بها.
الحوار التالي معه يستشرف هموم المثقف في عصر صعود الأصوليات، ويطل أيضا على المشهد الثقافي في الكويت.
* رسالتك للماجستير عام 1974 حملت عنوان: «القضية العربية في الشعر الكويتي»، هل تراجع منسوب الوعي بالقضية القومية في الشعر والثقافة الكويتية؟
- الوعي بالقضية القومية شهد تراجعا ملحوظا على المستوى العربي عامة، والكويت ليست استثناء، والوطن العربي يعيش في هذه المرحلة حقبة التشرذم والانتماءات الضيقة: الطائفية، القبلية، العنصرية، بل إن الانتماء الوطني – وليس القومي فقط – أصبح مهددا الآن، فبعض التيارات الأصولية لا تعترف بشيء اسمه الوطن، أو الهوية الوطنية، فكيف نتوقع منها الاعتراف بالهوية القومية؟
* هل ما زلت تؤمن بأهمية القومية العربية بعد كل هذا الخذلان العربي؟
- نعم، ما زلت أؤمن أن خلاص الأمة العربية من أمراض الطائفية والقبلية، وكل أشكال التمزق والهوان، لا يتأتى إلا من خلال الانتماء إلى فكرة تتجاوز الانتماءات الضيقة، وتنصهر في داخلها كل المكونات، وتحتشد كل الطاقات.
أيهما أفضل، وأكثر ضمانا لأمن المواطن العربي: الانتماء إلى أمة تمتد حدودها من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، أم الانتماء إلى كيانات صغيرة ضعيفة، تتطاحن فيما بينها، بل تقتتل مكوناتها بسبب الاختلاف في تفسير أحداث تاريخية وقعت قبل أربعة عشر قرنا، أو تسيل دماؤها نتيجة تباين الاجتهادات في تفسير نص أو تأويل حكم يتعلق بقضية فرعية.
أما الخذلان العربي الذي يشعر به المواطن، فلم يأتِ نتيجة خلل في النظرية القومية، بل جاء بسبب الانحراف في التطبيق، ففي كل فكرة، أو نظرية، هناك مفكرون ومناضلون حقيقيون ينشدون الصالح العام، وهناك انتهازيون ومتسلقون وطلاب سلطة ينحرفون بالأفكار النبيلة عن أهدافها ومساراتها الصحيحة، ويتسببون في تشويهها.
* كتابك «الثقافة في الكويت: بواكير - اتجاهات - ريادات» يؤكد وجود ثقافة عريقة في الخليج، فلماذا ما زال البعض ينظر بإجحاف إلى الثقافة الخليجية؟
- نحن المسؤولون، لأننا مقصرون في التعريف بأنفسنا وبتاريخ منطقتنا وإسهاماتها في الثقافة العربية، والآخرون مقصرون أيضا، لأنهم لا يبذلون الجهد في سبيل التعرف علينا.
ويبدو أن هناك شريحة لا يستهان بها – من العرب وغيرهم – تحمل صورة نمطية عن منطقة الجزيرة والخليج العربي، وتعتقد أننا حفنة من البدو هبطت عليها الثروة النفطية، فأوجدت فيها بعض المظاهر الثقافية، ولذلك أعتقد أننا مطالبون بتكثيف جهودنا البحثية للتعريف بمنطقتنا في المراحل السابقة لظهور النفط.

* قضية الحرية

* توصف بأنك أديب وكاتب مؤمن بقضية الإنسان وحقه في التعبير.. ماذا حقق الإنسان في الكويت والخليج عموما من رصيد لهذه القضية؟
- لم يحقق الإنسان في الكويت أو الخليج والوطن العربي بعامة سوى قدر يسير من حقه في التفكير والبحث العلمي والتعبير. قلت في أكثر من مناسبة إن هناك أكذوبة كبيرة مفادها أن الكويت تتمتع بهامش كبير من الحرية، والسبب هو ما يراه المتلقي من امتلاء وسائل الإعلام بالنقد الجارح الذي يوجهه الكتاب للمؤسسات الرسمية ولقيادات السلطة التنفيذية، ويضاف إلى ذلك ما هو معلوم من مواد الدستور الكويتي التي تكفل الحريات، فالمواد 30 و35 و36 و37 تؤكد أن الحرية الشخصية مكفولة، وحرية الاعتقاد مطلقة، وحرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، وحرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة، وهذه نصوص جميلة، ويظن من يقرأها أننا نعيش في إنجلترا أو السويد.
* وما الحقيقة؟
- الحقيقة خلاف ذلك، فهذه المبادئ والنصوص الدستورية مقيدة بقوانين صارمة تعطلها، وتفرغها من محتواها، كما أنها خاضعة لتفسير أو تأويل سلطة أخرى غير شرعية تمارس الإرهاب الفكري باسم الدين، وتلاقي استسلاما وخنوعا من أدوات السلطة التنفيذية، التي يفترض أنها شرعية، وأنها القيمة، والمطالَبة بتطبيق أحكام الدستور الذي يكفل الحريات.
* لكنك في الكويت يمكنك أن تنتقد أو حتى تشتم كبار المسؤولين في الدولة، ثم تذهب إلى بيتك، وتنام وأنت مطمئن.. أليس كذلك؟
- الحقيقة أن أهل الفكر والبحث العلمي في غير حاجة إلى شتم المسؤولين. إن ما يحتاجون إليه هو مناقشة القضايا الفكرية التي تتعلق بتشكيل عقول أبنائهم، وبمستقبل أمتهم – دون مساس الثوابت – من جهة، ودون التعرض للإرهاب الفكري من جهة أخرى.

* ماذا يريد الكويتيون؟

* ما العوائق التي تقف في وجه المبدع الكويتي؟
- من أهم العوائق التي تقف في وجه الإبداع: ضيق هامش الحرية خلافا لما يقتضيه منطق العصر، وانفتاح الفضاء، وتطور وسائل الاتصال.
والمشكلة المستعصية على الحل في الوطن العربي والعالم الإسلامي – وبخاصة في العقود الأخيرة – هي التشويه المتعمد للدين، والسعي إلى إقحامه في كل مفردة من مفردات حياتنا، وتحميله من ثم مسؤولية محاربة الإبداع والبحث العلمي، وإشاعة ثقافة الكراهية أو الدروشة والخرافة، والدين من كل ذلك براء، كيف يتسنى للفنان التشكيلي أن يبدع إذا كان بيننا من ينظر إلى الأعمال الفنية الخالدة بوصفها أصناما يمكن أن تعبد؟
حين يذهب الطفل – في البلدان غير الإسلامية – إلى مدرسته فسوف يرى الأعمال الفنية العظيمة منتشرة في الميادين والشوارع والمعابد، فتنمي لديه الإحساس بالجمال وحب الحياة، وترقق مشاعره، وتهذب سلوكه، وتدفعه إلى العمل والإبداع.
أما الطفل لدينا، حين يخرج إلى الشارع أو يفتح كتابه المدرسي، فسوف يرى عبارات الزجر، وكره الآخر، وتقبيح الحياة، وتشجيع استعجال الموت.
هل نقول إن الخطوة الأولى للتخفيف من موجة الغلو، المنتِج للإرهاب تكمن في تشجيع الإبداع والتذوق الفنيين؟
* ما مشكلة المثقفين الكويتيين اليوم؟
- من أهم مشكلات المثقفين بعامة – في هذه المرحلة – تراجع لغة الحوار وحضور لغة الدم، في أزمنة سابقة كان المفكرون والفلاسفة والعلماء والأدباء يتناولون أكثر القضايا الفكرية تعقيدا دون أن يتعرضوا للأذى – باستثناء حالات نادرة – أما اليوم فالأمر مختلف؛ إذ بإمكان عامل لم ينهِ الدراسة الابتدائية أن يغتال مفكرا، دون أن يقرأ له حرفا. والمشكلة المعقدة تكمن في تخلي دولنا عن مسؤولياتها في توفير الأمن الفكري للمواطن، وتركها تلك المهمة الخطيرة لجماعات سياسية فكرية لها رؤيتها الضيقة حينا، ولها في أحيان أخرى أهدافها المعروفة للوصول إلى السلطة.
* لاحظنا في مراحل سابقة من السبعينات والثمانينات أن هناك قضية تشغل بال المثقفين في الكويت.. الديمقراطية تحديدا.. اليوم ما هي قضية المثقفين هناك؟
- شغلت قضية «الديمقراطية» الكويتيين منذ مطلع القرن المنصرم، وفي العام 1921 أقاموا مجلسا للشورى، ثم تطور الفكر السياسي لديهم، فأقاموا في العام 1938 مجلسا تشريعيا منتخبا، وأصدروا دستورا، تقول المادة الأولى منه: «الأمة مصدر السلطات ممثلة في هيئات نوابها المنتخبين»، وهذا يعني أن قضية الديمقراطية لم تظهر في السبعينات والثمانينات، ولكنها تعرضت لنكسات متتالية.
وعلى هذا الأساس نستطيع القول: إن قضية الحفاظ على المكاسب الديمقراطية والدفاع عنها ضد القوى غير المؤمنة بها سوف تبقى حاضرة دائماً.

* لا أعتسف كتابة الشعر

* آخر مجموعة شعرية صدرت لك كانت «حصاد الريح» في العام 1995. لماذا توقفت عن كتابة الشعر؟
- لم أتوقف عن كتابة الشعر بعد آخر مجموعة، ولكني أصبحت مقلا، ولا تفسير لدي لحالات المد والجزر في العملية الإبداعية، ولكن ما يهمني هو عدم اعتساف كتابة الشعر، إن لم يأتِ طوعا، لأن تكلف الكتابة ضرب من النظم البعيد عن روح الإبداع.
ومن جهة أخرى قد يكون انشغالي بالبحث في العقود الأخيرة، فضلا عن العمل الإداري المضني من أسباب قلة زيارة الشعر لي، وقد أقوم بنشر ما تجمع لدي في مجموعة شعرية خامسة في العام المقبل.
* شاركت في تأسيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب عام 1973، جنبا إلى جنب مع الرائدين الراحلين: عبد العزيز حسين، وأحمد مشاري العدواني، كيف ترى المجلس اليوم؟
- لا يزال المجلس الوطني للثقافة يقوم بدوره في حدود الإمكانات المحدودة، أو المتاحة له، وفي ظل غياب استراتيجية ثقافية للدولة، والاهتمام بالثقافة في الكويت مرتبط بالمبادرات الفردية أكثر من ارتباطه برؤية الدولة أو استراتيجيتها في هذا المجال، إن افترضنا وجود استراتيجية، فحين يتولى المسؤولية أعلام بحجم عبد العزيز حسين وأحمد العدواني وحمد الرجيب ومن هم في حكمهم من جيل النهضة، تتحرك عجلة التنمية الثقافية بصورة أسرع وأفضل.
* هل ساهمت خلافات الأعضاء بتراجع الدور الريادي لهذا المجلس بصفته راعيا للثقافة وحاضنا للإبداع؟
- لم تكن هناك خلافات بين أعضاء المجلس حين كنت أمينا مساعدا له، ولكن، عندما تقاعد الأستاذ عبد العزيز حسين، وتولى رئاسة المجلس وزير آخر، كان لهذا الوزير اجتهاد يقضي بتحويل المجلس إلى جهاز استشاري، وإلغاء استقلاله الإداري والمالي، وكان لي رأي مغاير، ولذلك استقلت من العمل، غير أن المجلس عاد إلى ممارسة دوره – بعد حين – كما استعاد استقلاله الإداري والمالي، وهو يعمل في حدود الإمكانات المحدودة المتاحة له.
* كان لديك رأي بشأن الشعر النبطي؛ حيث رأيت أن هذا الشعر كان في السابق أكثر أهمية، لأنه كان يؤرخ لأحداث تاريخية مهمة، بينما اليوم فهو أقل تأثيرا.. بماذا تفسر تمدد هذا الشعر إذن وانتشاره؟
- انتشرت في العقود القليلة الماضية ظاهرة الكتابة بالعامية من شباب متعلمين، يمتلك كثير منهم القدرة على الكتابة بالفصحى، لذلك كنت أتمنى من هذه الفئة من الشباب المبدعين أن يتيحوا لأنفسهم فرصة الانتشار جغرافيا وتاريخيا، فاللهجة العامية لا تتعدى رقعة محدودة من الأرض، كما أنها لا تمتد كثيرا في الزمن، لأنها متغيرة.
وأحسب أن من أسباب تمدد شعر العامية التماس الطريق الأسرع للانتشار بجهد يسير، فضلا عن اتساع ظاهرة التشرذم والتقوقع على المحلية.
* سيرة ذاتية
* دكتوراه في اللغة العربية من جامعة عين شمس 1980.
* عمل أمينا عاما مساعدا للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وعضوا بهيئة تحرير مجلة الثقافة العالمية، وعضوا بمجلس الجوائز بمؤسسة الكويت للتقدم العلمي، وبمجلس كلية التربية وكلية الآداب.
* عضو جمعية الصحافيين الكويتية، والاتحاد العام للصحافيين العرب، وأمين عام رابطة الأدباء بالكويت.
أصدر ثلاث مجموعات شعرية: «المبحرون مع الرياح 1974»، «تحولات الأزمنة 1983»، «الخروج من الدائرة 1988»، «حصاد الريح 1995»، كما صدرت مختارات له عام 1995.
* من مؤلفاته: «القضية العربية في الشعر الكويتي - شعر البحتري: دراسة فنية».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».