«مسك الخيرية» تجمع الشباب مع رؤساء تنفيذيين وصانعي السياسات

أنهت أسبوعاً من النشاطات المكثفة في نيويورك

جانب من جلسة نظمتها «مسك الخيرية» حول تأثير الشباب على الاقتصاد في نيويورك أول من أمس (مسك)
جانب من جلسة نظمتها «مسك الخيرية» حول تأثير الشباب على الاقتصاد في نيويورك أول من أمس (مسك)
TT

«مسك الخيرية» تجمع الشباب مع رؤساء تنفيذيين وصانعي السياسات

جانب من جلسة نظمتها «مسك الخيرية» حول تأثير الشباب على الاقتصاد في نيويورك أول من أمس (مسك)
جانب من جلسة نظمتها «مسك الخيرية» حول تأثير الشباب على الاقتصاد في نيويورك أول من أمس (مسك)

في إطار «منتدى بلومبرغ العالمي للأعمال» الذي عقد بفندق بلازا على هامش المداولات رفيعة المستوى للدورة السنوية الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، استضافت مؤسسة «مسك الخيرية» جلسة حول تأثير الشباب على الحركة الاقتصادية، بعنوان: «التشويش بدافع الاستقرار: كيف يطبع الشباب الاقتصاد بطابعهم»، مما فتح آفاقا لدمج فئات جديدة وفرص عمل غير معهودة أو لم تكن موجودة في السابق.
وشارك في الجلسة عدد من الشباب والمبتكرين وصانعي السياسات، الذين ركزوا على التأثير الاقتصادي الهائل للشباب، خصوصاً أنهم ممن يتفاءلون دائماً بقدراتهم ويقدّرون الاقتصاد المعولم ولديهم روح المبادرة، ولكنهم لا يزالون غير ممثلين بصورة كافية في عملية صنع القرار.
وتحدثت المديرة التنفيذية لـ«منتدى مسك العالمي» شيماء حميد الدين، عن المنتدى كمنصة عالمية للمؤسسة، موضحة أن «مهمة مسك هي تمكين الشباب كي يصيروا مشاركين ناشطين في الاقتصاد المستقبلي». وقالت إن «مسك الخيرية» تنفذ مهمتها من خلال «استضافة مناسبات دولية لتحفيز النقاش وتزويد الشباب بالمهارات اللازمة لتحقيق الازدهار في الاقتصاد المستقبلي، والقيام بأبحاث لمساعدة الحكومة وصانعي السياسات ومراكز الدراسات والأبحاث على فهم كيف تؤثر التغيرات العالمية على الشباب، وبناء شبكات الشراكة مع المنظمات غير الحكومية والشركات والمنظمات التعليمية والهيئات الدولية لدعم الشباب».
وافتتح الجلسة المستشار الرفيع في مؤسسة بلومبرغ جوش شتاينر، قائلاً إن «ما من مؤسسة أخرى تتحرك بالسرعة والدراية الموجودة لدى مسك في القضايا المحيطة بالشباب». وأدار شتاينر نقاشا ديناميكياً بين حلقة من قادة الأعمال التجارية الدوليين ورجال أعمال شباب من الحضور.
وتكلّم أحد مؤسسي شركة «هايبرلوب»، ومديرها التنفيذي جوش غيغل، عن كيف تؤدي وسائل النقل الجديدة إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي، وعن الاختصاصات الاقتصادية المختلفة والفرص المتاحة للناس للعمل من أماكن بعيدة، مشيراً إلى عمل تقوم به شركته مع «مسك الخيرية» بمشاركة من متخرجين وطلاب مدارس الثانوية. وقال المشاركون إنهم سيستخدمون «هايبرلوب» لإنشاء خدمات جديدة بدلاً من السفر فقط.
ولفت أحد مؤسسي شركة «أوبر» ورئيسها التنفيذي دارا خسروشاهي، إلى أنه يمكن للتكنولوجيات الجديدة أن تغير طريقة عمل الناس وحياتهم. وقال إن الوصول إلى وسائل النقل عالية التقنية يتيح «الوصول إلى الفرص لنسبة أكبر من السكان». وأشار إلى أهمية الشركات التي تعكس قاعدة عملائها، مشيراً إلى وجود 70 ألف شاب من السائقين في «أوبر»، ولافتا إلى أن «أحد قدامى كبار السن في الشركة» الحديثة العهد أصلاً وصف برنامج شركاء سائقي «أوبر» بأنه «أكثر ذكاء من خوارزميات الذكاء الاصطناعي». وأضاف أن «الذكاء البشري يضع دوائر حول الذكاء الاصطناعي»، موضحاً أن «أوبر» أرادت إنشاء «ممرات» خاصة بالأشخاص، مثل استخدام تقنية «أوبر» لمساعدة اللاجئين على إيجاد طريقهم في المدن الجديدة للعثور على عمل. وقال إن الاقتصاد الهرمي الذي يعود إلى 20 أو 30 عاماً، حين كان يجري إخبار الموظفين «بما يجب عليه القيام به»، تحول إلى «نظام بيئته قائمة على المهمة التي ترونها في قوة العمل».
وسلط الرئيس التنفيذي لشركة تصنيع لبن «تشوباني» في الولايات المتحدة حمدي أولوكايا الضوء على الممارسات التجارية اللازمة لمشاركة المجتمعات المهمشة والشباب. وأشار إلى أن شركته «غيرت بالكامل» طريقة توظيف الأشخاص حتى قبل اكتمال بناء مصنع ما، ومن خلال العمل مع الحكومة والجامعة المحلية على تطوير المهارات. وحض الشركات على «متابعة ما هو الصحيح الذي ينبغي القيام به، وليس فقط ما هو السهل». وتمنى على الشباب ألا «يصيروا مثلنا» ولكن أن «يبقوا من هم». ولفت إلى أن أعماله كانت «مثل الأمم المتحدة» تضم نسبة 30 في المائة من اللاجئين والمهاجرين.
وأفادت الرئيسة التنفيذية لشركة «آكومين»، وهي مؤسسة عالمية غير ربحية تستثمر في الأعمال التجارية المستدامة والقادة والأفكار، أن مجتمع الأعمال عليه أن يقوم بالمزيد للوصول إلى المجموعات المستبعدة، عبر النظر إلى الفقراء المعدمين في كل أنحاء العالم كـ«موظفين وعملاء». وقد ساعدت واحدة من شركات «آكومين»، وهي «لايبو نت»، ما يصل إلى 600 ألف رجل أعمال في الهند، من الذين قاموا تالياً بإيجاد أكثر من 700 ألف فرصة عمل. ودعت إلى «تغيير التفكير» من أجل العثور على أنظمة «تطلق طاقات الجميع»، بما في ذلك الفئات الضعيفة والفقيرة.
وتحدثت الشريكة المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة «إندافور» ليندا روتنبرغ، باعتبارها جزءاً من حركة الأعمال الريادية العالية التأثير في اقتصاد اليوم، فرأت أن «الخطر الأكبر هو عدم المخاطرة على الإطلاق»، مشيرة إلى الحاجة لمزاوجة التكنولوجيا مع مشاكل الحياة الحقيقية، مثل استخدام المزارعين الذين يستخدمون الهواتف المحمولة للوصول إلى الأسواق الحقيقية، وأهمية تحديد المكانة المحلية للابتكارات العالمية.
وتبادل رواد الأعمال الشباب الكثير من الأفكار في الجلسة، حيث رأت المديرة التنفيذية لمعهد «تشوبرا مايند برين» لينا ناصر أن «الشباب لديهم المزيد من الفرص والبنية التحتية لإسماع أصواتهم»، لكن في كثير من الأحيان لا تصل الرسائل الإيجابية حول الفرص الخاصة بالشباب إلا إلى فئة قليلة منهم.
وأفاد المشارك الآخر من الشباب المؤسس والرئيس التنفيذي لـ«براكتيس مايكس بيرفكت» كريم أبو النجا أن الفوائد التي جناها من طلب المساعدة دائماً. وتساءل: «كيف نتغلب على وصمة طلب المساعدة؟».
وتحدثت مؤسسة شركة «ليرن فيست» ومديرة الابتكارات في «نورثويسترن ميوتشوال» أليكسا فون توبل عن تفاؤلها بالمستقبل بسبب «الطريقة المدهشة التي يجري فيها تمكين الشباب»، مضيفة: «أتوق إلى ما بين عشر سنوات و15 سنة من أجل أن أرى رواد الأعمال الذين نقوم بتمكينهم وإطلاق العنان لهم».
واختتمت جلسة «مسك الخيرية» في منتدى بلومبرغ العالمي للأعمال أسبوعاً من النشاطات في نيويورك، كانت وقعت خلالها شراكة مع مكتب مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الشباب لتصير أول منظمة غير حكومية تقدم تعهداً مباشرا لتنفيذ استراتيجية الأمم المتحدة للشباب. وشهد حفل التوقيع كل من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيس مركز مبادرات مسك بدر العساكر ووزير الخارجية السعودي عادل الجبير.


مقالات ذات صلة

تساؤلات حول دور «مجلس الأمن» في دفع ليبيا نحو الانتخابات

تحليل إخباري المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة لمجلس الأمن في 21 أغسطس 2025 (البعثة الأممية)

تساؤلات حول دور «مجلس الأمن» في دفع ليبيا نحو الانتخابات

على خلفية تحذيرات أممية بأن ليبيا «تواجه مفترق طرق سياسياً واقتصادياً وأمنياً»، تساءل متابعون عن الدور الذي يمكن أن يلعبه مجلس الأمن الدولي حيال الأزمة الراهنة.

جاكلين زاهر (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب وكارولين ليفيت وكبيرة مراسلي شبكة «سي بي إس نيوز» خلال حفل العشاء السنوي لرابطة مراسلي البيت الأبيض في واشنطن (رويترز) p-circle

قادة العالم يعربون عن صدمتهم بعد إطلاق النار في حفل حضره ترمب

أعرب قادة من مختلف أنحاء العالم الأحد عن صدمتهم إزاء الهجوم الذي وقع الليلة الماضية في حفل عشاء صحافي حضره الرئيس الأميركي دونالد ترمب بواشنطن

«الشرق الأوسط» (لندن)
أفريقيا صورة عامة لباماكو بعد هجمات شنَّها مسلحون على قواعد عسكرية في أنحاء البلاد (رويترز)

المتمردون الطوارق في مالي يعلنون اتفاقاً مع الروس لانسحابهم من كيدال

اندلعت مواجهات جديدة، اليوم (الأحد) في مدينة كيدال شمال مالي، بين متمرّدين وقوات حكومية مدعومة «بمرتزقة روس»، بحسب ما أفادت مصادر من الطوارق.

«الشرق الأوسط» (باماكو)
تحليل إخباري مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

تحليل إخباري بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

هل سنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية؟

أنطوان الحاج
شمال افريقيا شكشك مستقبلاً خوري وأولريكا ريتشاردسون في ديوان المحاسبة 23 أبريل (ديوان المحاسبة)

ليبيا: خوري تدافع عن مسار «4+4» لتجاوز خلافات «النواب» و«الدولة»

دافعت ستيفاني خوري نائبة المبعوثة الأممية في ليبيا عن إطلاق ما يعرف بـ«المجموعة المصغرة»، مشددة على ضرورة إبعاد التشكيلات المسلحة عن عمل الأجهزة الرقابية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...