أميركا وإيران أمام الجمعية العامة

TT

أميركا وإيران أمام الجمعية العامة

تنطلق أعمال الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة في نيويورك اليوم وسط تطورات سياسية تخص الدول العربية، من ضمنها التطورات في الملفات السورية والفلسطينية واليمنية. ومن بين الملفات التي طرأت عليها تغييرات مهمة منذ العام الماضي الملف الإيراني، خصوصاً مع التركيز الأميركي على ضرورة مواجهة النشاط الإيراني في المنطقة. فبعد أشهر من التصريحات الشديدة اللهجة ضد طهران من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تتبلور سياسة أميركية أكثر وضوحاً حول كيفية التعامل مع إيران؛ بعد التخلي عن الاتفاق النووي هذا العام، وإعلان نية تشديد العقوبات على طهران بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، هناك تحرك أميركي جدي في وضع السياسات الخارجية في المنطقة ضمن استراتيجية أوسع لمواجهة التوسع الإيراني. هذا التوجه ليس جديداً من إدارة ترمب، ولكن تتسارع وتيرته، والفرصة أمام الدول العربية للاستفادة من المصالح التي تتلاقى مع واشنطن في هذا المجال، خصوصاً خلال اللقاءات الدولية في نيويورك هذا الأسبوع.
بعد أن أجرت الإدارة الأميركية مشاورات مع حلفائها حول هذا الملف، تخصص واشنطن حيزاً كبيراً من مشاركتها في الجمعية العامة في دورتها الـ73 لحشد تأييد دولي ضد سياسات النظام الإيراني. وبالإضافة إلى خطابه أمام الجمعية العامة، يترأس الرئيس الأميركي اجتماعاً لمجلس الأمن، حول «منع انتشار الأسلحة النووية»، يضع الملف الإيراني في صلب التحرك الأميركي على الصعيد الدولي. ومن المرتقب أن يعلن ترمب ضرورة وضع آليات دائمة للحد من برنامج إيران النووي، على عكس القرار الذي صادق عليه سلفه باراك أوباما، والذي وضع حداً له لفترة 10 سنوات فقط.
بكل تأكيد، التحرك الأميركي لم يلاقِ دعماً دولياً واسعاً حتى الآن، بينما تهتم أوروبا بمصالحها التجارية مع إيران، إذ هناك مصالح روسية وصينية مع طهران تعتمد على إمدادات النفط. كما أن موسكو وبكين تفضلان عزل واشنطن عن حلفائها الأوروبيين التقليديين، مستخدمتين الخلاف الإيراني لهذا الغرض. وتأمل طهران أن تلعب على هذه الاختلافات للمراوغة. ولكن في الواقع، العقوبات الأميركية المرتقبة في نوفمبر المقبل ستضع الشركات العملاقة ودولاً أوروبية أمام اختيار صعب بين السوق الأميركية والسوق الإيرانية؛ وهنا سيكون الخيار أكثر إلحاحاً. ومن المفارقات أن خطاب الرئيس الإيراني حسن روحاني أمام الجمعية العامة متوقع اليوم أيضاً؛ بعد ساعات قليلة من خطاب ترمب. وقد بدأت إيران نشاطاتها الدبلوماسية والتحركات لكسب التأييد من الأوساط الليبرالية والمعاهد الفكرية في نيويورك.
عودة إلى المنطقة، فإن اللهجة الأميركية المتصاعدة ضد الأعمال الإيرانية تحتاج إلى رسم سياسات عربية واضحة حول ملفات المنطقة. والاهتمام الأميركي بتشكيل تحالف عربي يضم دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن (مع إمكانية مشاركة المغرب) يأتي ضمن السعي الأميركي لحلف قوي لمواجهة إيران، وإعادة التوازن للمنطقة. ومن المتوقع أن يبحث ترمب ومسؤولوه هذا المقترح مع المسؤولين العرب في نيويورك هذا الأسبوع. وعلى الرغم من أن ملامح هذا التحالف لم تتبلور كلياً، إذ تدرس الدول المعنية هذا المقترح، فإنه يجب التفاعل معه، وكسب الأميركيين، بينما يبحثون عن حلول جديدة في المنطقة.
الاهتمام الأميركي المتجدد في الملف السوري يأتي اليوم ليس فقط من أجل محاربة «داعش»، الذي استغل الفراغ الأمني في هذا البلد الجريح، ولكن أيضاً من أجل محاربة التمدد الإيراني فيه. وعشية إلقاء الرئيس ترمب خطابه أمام الجمعية العامة، أعلن مستشاره للأمن القومي جون بولتون، من نيويورك، أمس، أن الولايات المتحدة لن تترك سوريا «ما دام هناك قوات إيرانية خارج الحدود الإيرانية». الوجود الإيراني على الأراضي السورية - من خلال الميليشيات والقوات التابعة لها والعتاد العسكري - يقلق الأميركيين والإسرائيليين على حد سواء. وإسقاط الطائرة الروسية الأسبوع الماضي، بنيران سورية كانت تستهدف طائرة إسرائيلية، يظهر مدى إمكانية جر دول أخرى في مواجهة عسكرية تضر المنطقة كلها. لذا يجب أن يركز الموقف العربي من سوريا على ضرورة التوصل إلى حل سياسي يحمي السوريين، ويجنب المنطقة المزيد من الأزمات. ولدى الدول العربية الغنية ذات الثقل السياسي فرصة لإعادة الصوت العربي للملف السوري، بعد أن استحوذت تركيا وإيران وروسيا على الساحة.
ويجب أن تدفع الدول العربية لوضع الملف اليمني ضمن الجهود الأميركية والدولية؛ ذلك أن المعاناة اليمنية المرتبطة بالانقلاب الحوثي تتصاعد بسبب الدعم الإيراني للحوثيين. وبعد أن كان من المؤمل أن يتحرك الملف اليمني على خلفية اجتماعات جنيف بداية هذا الشهر، برعاية الأمم المتحدة ودعم أميركي، رفض الحوثيون المشاركة في المحادثات، وأعادوا الجهود السياسية إلى نقطة الصفر. قدرة إيران وحلفائها على تعطيل الجهود السياسية لاستقرار المنطقة دليل على عدم التوازن فيها، وضرورة عودة الصوت العربي المؤثر.
كل هذه التطورات أمام المسؤولين المجتمعين في نيويورك هذا الأسبوع بينما يدرسون المقترحات الأميركية حول طهران. ولا شك أن إيران تشكل اختباراً أمام الأمم المتحدة وآلياتها، ففي حين يشدد المسؤولون الإيرانيون على أنهم ملتزمون بنص الاتفاق النووي الذي صادق عليه مجلس الأمن، إلا أنهم يرفضون التعاطي مع الدلائل الواضحة على خرقهم قرارات دولية حول برنامجهم للصواريخ الباليستية، التي بات الحوثيون و«حزب الله» يعتمدون عليها ضمن آلياتهم العسكرية. كما أن قرار مجلس الأمن رقم 2231 الصادر عام 2015 يحظر تطوير صواريخ يمكن أن تجهز برؤوس نووية، بينما تطور إيران برنامجها الصاروخي.
ومن دون شك، فإن التحرك الأميركي في الملف الفلسطيني يثير القلق، ويصعب من إنجاح الجهود الرامية للحد من مشاريع إيران، حيث إن التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة يعتمد على اتباعها سياسة إيجابية شاملة للمنطقة يمكن دعمها. وبنقلها سفارتها إلى القدس، وإغلاق السفارة الفلسطينية في واشنطن، وإضعاف منظمة «الأونروا»، تضعف إدارة ترمب الجهود العربية الرامية لمواجهة التوسع الإيراني الذي لطالما تاجر بالقضية الفلسطينية، من دون تقديم المساعدات الإنسانية الفعالة للفلسطينيين، أو القيام بتحرك ملموس لنصرة الفلسطينيين. وسيكون أمام الدول العربية في نيويورك فرصة مهمة لدعم فلسطين، ومطالبة واشنطن بتغيير نهجها، من أجل العمل الجدي نحو استقرار حقيقي للمنطقة.



لبنان بين مسارين متعاكسين: تفاوض معلّق وميدان يتسارع

جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)
جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

لبنان بين مسارين متعاكسين: تفاوض معلّق وميدان يتسارع

جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)
جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)

تتسع في لبنان الفجوة بين مسار تفاوضي يتحرك ببطء وميدان تتسارع تطوراته، مع استمرار العمليات الإسرائيلية مقابل تعثر الترتيبات التي يفترض أن تقود إلى الجولة الثامنة من المفاوضات برعاية أميركية، مما يثير مخاوف من أن تصل الأطراف إلى الجولة المقبلة أمام وقائع جديدة فرضتها التطورات العسكرية.

وتزداد الضغوط مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر (تشرين الأول)، وتوقف المحادثات الأميركية-الإيرانية، في حين لا يزال لبنان ينتظر موعد الجولة الجديدة وحسم آلية التحقق والانتقال إلى مرحلة جديدة من «المناطق التجريبية».

حفرة خلّفتها غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة البرج الشمالي قرب مدينة صور بجنوب لبنان يوم 6 أغسطس 2026 بالتزامن مع تصعيد ميداني واستمرار المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية في روما برعاية أميركية (أ.ف.ب)

التفاوض تحت النار

وقال النائب بلال الحشيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المسار التفاوضي القائم حالياً لا يمكن أن يتقدم إذا لم يمارس الأميركيون ضغطاً فعلياً على إسرائيل، خصوصاً لجهة بدء الانسحاب من بعض المناطق، بما يمنح المفاوضات صدقية، ويعطي الحكومة اللبنانية ورئيس الجمهورية قوة في إدارة هذا المسار».

وأضاف الحشيمي: «إذا لم يحصل أي تحرك في هذا الاتجاه، ولم تبدأ إسرائيل بالانسحاب، فستبقى المفاوضات في مكانها. وعامل الوقت مهم جداً، لأن استمرار المراوحة يجعل الأمور أكثر تعقيداً، خصوصاً أن (حزب الله) يراقب مسار الأمور والوقت الذي تستغرقه المفاوضات».

ورأى أن «إسرائيل تعمل اليوم على التفاوض تحت النار، فالضرب مستمر، والدمار مستمر، والقتل مستمر، وفي اعتقادي لا يمكن للمفاوضات أن تستمر بهذه الطريقة»، محذراً من أن «استمرار التصعيد الميداني قد يعرقل المفاوضات ويمهد لجولة جديدة من الحرب، خصوصاً أن المسار التفاوضي لم يصل حتى الآن إلى نتيجة ملموسة».

وأشار إلى أن «لبنان لا يزال عند مرحلة المناطق التجريبية، وحتى في المناطق التي جرى الحديث عنها، مثل زوطر ومحيطها، لا تزال النيران الإسرائيلية تصل إليها، ولم تعطِ إسرائيل حتى الآن الضوء الأخضر الذي يسمح للجيش اللبناني بتنفيذ ما هو مطلوب منه بالكامل، وبالتالي نحن لا نزال أمام أزمة حقيقية».

ولفت الحشيمي إلى أن «الانتخابات الإسرائيلية باتت على الأبواب، وموضوع لبنان وأمن إسرائيل يمكن أن يتحول إلى شعار قوي في الحملات الانتخابية»، معتبراً أن «نتنياهو قد يستفيد من التصعيد أو حتى من حرب جديدة لتعزيز موقعه السياسي وموقع حزبه»، ومشدداً على أن «هناك خطراً جدياً من الذهاب إلى الحرب».

وأضاف: «إذا قام (حزب الله) بردود قوية تجاه إسرائيل، فقد ندخل في مواجهة واسعة وطويلة، ولا سيما في ظل التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يزيد حساسية الوضع في لبنان وتعقيده».

وانتقد الحشيمي في الوقت نفسه غياب الدعم السياسي الملموس للدولة اللبنانية، قائلاً: «المشكلة الأساسية أن الحكومة ورئاسة الجمهورية لا تتلقيان حتى الآن المساعدة المطلوبة من المجتمع الدولي، خصوصاً من الأميركيين. الدولة تحتاج إلى أن تحصل على شيء ملموس يمكن أن تقدمه إلى اللبنانيين، وعلى الأقل تحتاج إلى انسحاب إسرائيلي من بعض المناطق».

وتابع: «مرّ نحو شهر أو شهرين على مسار المفاوضات، ولم يتغير شيء حتى الآن، بل إن الأمور تزداد سوءاً، ولذلك بدأ الناس يسألون: لماذا نستمر في المفاوضات إذا لم تكن هناك نتائج؟».

واعتبر أن «من الأخطاء التي ارتكبناها أننا قدمنا الكثير من دون الحصول في المقابل على شروط واضحة تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي ووقف إطلاق النار، وحتى بعدما انتقلنا إلى مفاوضات مباشرة، لم نحصل على نتيجة ملموسة حتى الآن».

وأشار إلى أنه «لا يوجد حتى الآن موعد محدد لجولة جديدة من المفاوضات»، مضيفاً: «الجميع يتوقع أن يحصل تطور ما في أي لحظة، لكننا نتمنى ألا نذهب إلى الحرب، لأن الوضع في لبنان، اقتصادياً ومعيشياً، مأساوي جداً، والمواطن اللبناني هو من يدفع الثمن الأكبر في نهاية المطاف».

مقر سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث عُقدت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية (أ.ب)

للميدان حسابات أخرى

في المقابل، يفصل النائب أديب عبد المسيح بين المسارَيْن، ويرفض اعتبار الميدان صانعاً لشروط الجولة المقبلة.

وقال عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط»: «يجب فصل المسار التفاوضي عن الميدان، لأن للميدان حسابات أخرى. ومما لا شك فيه أن إسرائيل تستخدم عدم نزع سلاح (حزب الله) لتقوم باعتداءات أكثر، وتستفيد سياسياً من هذه الاعتداءات في ملفاتها الداخلية المرتبطة بالانتخابات المقبلة».

وأضاف: «أما التفاوض الذي تسير فيه الدولة فمن المبكر الحديث عن نتائجه، لأنه إذا لم تكن له انعكاسات أو نتائج، فلا يكون ناجحاً. لكن من الممكن أن نتحدث عن هذا الموضوع لأنه، بكل بساطة، لا يوجد شيء آخر غيره، حتى لو كان الوضع متأزماً».

وتابع عبد المسيح: «المسار التفاوضي، أو مسار واشنطن الذي اتبعه رئيس الجمهورية، ليس هناك أي بديل عنه». وسأل: «ما البديل؟ العودة إلى حضن إيران؟ مهما كان هذا المسار صعباً إذا لم ينجح اليوم فسينجح غداً، وإذا لم ينجح قبل الانتخابات فسينجح بعدها، لكن من الضروري جداً عدم إفلات هذه الورقة».

وقال: «قد لا نربح هذه الورقة الآن، لكن بالتأكيد سنربحها لاحقاً»، معتبراً أن الميدان لا يصنع شروط الجولة المقبلة، وأضاف: «الميدان الآن هو الأولوية بالنسبة إلى إسرائيل، وهذا واضح، ولديها حساباتها الخاصة في هذا الموضوع».

وأشار إلى أن «الأولوية بالنسبة إلى إسرائيل في الميدان مرتبطة بعدم إفلات ورقة الجيش الإسرائيلي من يد نتنياهو، لأنه بحاجة إلى عشرة أو اثني عشر صوتاً أو مقعداً نيابياً، كي يحصل على الأكثرية في الداخل الإسرائيلي، والجيش ضروري، ويلعب دوراً في هذا الموضوع».

وختم عبد المسيح بالقول: «الملف التفاوضي اليوم هو ورقة ضامنة لأمور مهمة جداً للبنان، منها أن إسرائيل ستنسحب يوماً ما، وأن الإدارة الأميركية مضطرة إلى دعم الجيش اللبناني، وأن صاحب القرار في لبنان هو الدولة اللبنانية».


من الآبار وصولاً إلى الميزانية... أين تذهب أموال النفط الليبي؟

أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)
أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)
TT

من الآبار وصولاً إلى الميزانية... أين تذهب أموال النفط الليبي؟

أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)
أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)

يحاصر الظلام الدامس مناطق ليبية عدّة، من بينها ضاحية «عين زارة» بالعاصمة طرابلس، حيث يقطن الباحث عز الدين مختار، الذي دفعته أزمة انقطاع الكهرباء في جُل مدن بلاده إلى طرح تساؤلات عدّة تتعلق بمسارات عوائد النفط، التي لم تسلم من «الفساد»، ولماذا لم تنهض ليبيا من كبوتها حتى الآن؟ ولماذا تستمر معاناة قطاعات واسعة من المواطنين في بلد يحصل على مداخيل هائلة بفضل عائدات النفط؟

تعتمد ليبيا على عائدات النفط بنسبة تقارب 98 في المائة، لكن يظل الاستفهام الأبرز كيف يتم تجميع عائداته؟ وكيف يتم إنفاقها في ظل الانقسام الحكومي الذي تعيشه؟ ولماذا يشتكي سكانها الفقر؟ علماً أنها تمتلك أكبر احتياطي في أفريقيا، وتنتج وتصدر قرابة 1.4 مليون برميل في اليوم.

بداية، تتكفل المؤسسة الوطنية للنفط بتحصيل إيرادات مبيعات النفط الخام والغاز بالدولار الأميركي، وإيداعها في حساباتها لدى «المصرف الليبي الخارجي»، ثم تحويل هذه الإيرادات من المصرف الخارجي إلى حسابات «مصرف ليبيا المركزي» في طرابلس، حيث تُقيّد كإيرادات سيادية للميزانية العامة، وتُحوَّل إلى الدينار الليبي. (الدولار يساوي 6.36 دينار في السوق الرسمية)، في حين يسجل 9.12 في السوق الموازية.

أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)

بعد ذلك تأتي الخطوة التالية بتولي وزارة المالية في طرابلس أذونات الصرف، بناءً على الترتيبات المالية المعتمدة، ويبدأ «المصرف المركزي» في تسييل الأموال للقطاعات والجهات الحكومية، وفق أبواب الموازنة العامة للدولة.

وعانت عائدات صادرات النفط في ليبيا من فترات تذبذب كبيرة خلال السنوات الماضية؛ إذ تراوحت ما بين 18 و22 مليار دولار، لكنها قفزت إلى قرابة 18 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الجاري، بزيادة تقارب الضعف عن الفترة ذاتها العام الماضي، وفق وزارة الاقتصاد في حكومة «الوحدة» المؤقتة.

ويرجع محمد الشحاتي، الخبير النفطي الليبي، هذه الزيادة خلال تلك الفترة إلى الحرب الإيرانية.

أين الخلل؟

يشخّص اختصاصيو الاقتصاد الليبي، ومن بينهم الدكتور أيوب الفارسي، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الأزمة الليبية في الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل. وقال إن حالة الاقتصاد الليبي «تشكل نموذجاً واضحاً لكيفية تحوّل الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية إلى أزمة مالية مركبة، حيث يتقاطع غياب التنويع الاقتصادي مع التشرذم السياسي، ليُنتجا وضعاً معقداً يمس الحياة المعيشية للمواطنين».

تزويد محطة «الرويس» الليبية بالغاز يسهم في استقرار شبكة الكهرباء (المؤسسة الوطنية للنفط)

وأوضح الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، أن بنيان الاقتصاد الليبي «يقوم على نموذج الدولة الريعية، التي تعتمد بشكل شبه كلي على عائدات صادرات النفط لتغذية الخزانة العامة وتأمين العملة الأجنبية».

وذهب في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «هذا الاعتماد الأحادي على النفط أوجد اختلالات هيكلية عميقة، في مقدمتها تهميش القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، وتضخم الجهاز الإداري للدولة لاستيعاب العمالة في وظائف حكومية غير منتجة، إلى جانب الاعتماد المباشر على الاستيراد لتغطية أغلب السلع الاستهلاكية».

وتظل الأنشطة الصناعية في ليبيا محدودة ومقتصرة في مجملها على القطاع الخاص والصناعات البسيطة، وسط انتقادات لتمركز السوق لدى عدد محدود من التجار والمستوردين؛ ما عزز تدفق السلع المستوردة على حساب الإنتاج المحلي.

وفي جل الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها المدن الليبية، يتساءل المنددون بالحكومة: أين تذهب أموال النفط؟ ولماذا يعاني المواطنون رغم أنهم أبناء دولة منتجة للطاقة؟

حقل «البوري» النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

في هذا السياق، يلفت الشحاتي إلى ضرورة التمييز بين قيمة النفط المُنتَج، والإيرادات التي تعود فعلياً إلى الخزانة العامة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» موضحاً أن «ليس كل برميل يُنتَج في ليبيا يتحول إلى دولار يدخل الخزانة العامة مباشرةً، بالنظر إلى وجود حصة للشريك الأجنبي»، مبرزاً أن «الشركات الأجنبية، وفق ترتيبات تعاقدية مختلفة، أصبحت شريكة في الإنتاج».

وتحدث الشحاتي عن مفارقة لافتة، مفادها أن ليبيا «ورغم كونها دولة منتجة للنفط، فإنها أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد البنزين والديزل، وغيرها من المنتجات النفطية لتغطية احتياجات السوق المحلية، وبالتالي فإن جزءاً متزايداً من الموارد يتحول إلى عملة أجنبية لتمويل واردات المحروقات».

كما أشار الشحاتي إلى وجود مشكلة تتمثل في أن ليبيا «لا تنشر بصورة منتظمة حساباً موحداً وسهل القراءة، يجيب بوضوح عن سؤال بسيط: كم بلغت القيمة الإجمالية للنفط المنتج؟ وكم ذهب إلى الشركاء؟ وكم تم تصديره لحساب الدولة؟ وكم وُجّه للسوق المحلية؟ وما هي الإيرادات الصافية التي أصبحت متاحة فعلياً للإنفاق العام؟».

وهنا يعتقد أن «الأرقام المتداولة تعطي أجزاءً من الصورة، لكنها لا تقدم دائماً الصورة الكاملة لحركة الإيرادات من البئر إلى الحسابات العامة للدولة».

وتتركز آبار وحقول النفط في ليبيا بشكل رئيسي في حوض سرت (شرق)، الذي يضم نحو 82 في المائة من الاحتياطي النفطي، إضافة إلى حقول جنوب غربي البلاد في حوض مرزق، والمناطق البحرية قبالة الساحل.

* أزمات الوقود والكهرباء

رؤية الفارسي والشحاتي، التي كشفت عن بعض نقاط الخلل في مسار رحلة النفط من الآبار إلى الموازنة العامة، تتزامن مع أزمة انقطاع الكهرباء راهناً، والتي أدخلت ليبيا مرحلة «بلاك آوت» مرات عدة خلال الأيام الماضية، إلى جانب انقطاع للتيار لمدد تتجاوز 17 ساعة يومياً في بعض المناطق، وهو ما عدّه الباحث الاقتصادي مختار، جزءاً من أزمات مالية متكررة تعانيها بلاده، ومنها شح الوقود.

مضاعفة معدل الإنتاج بأحد الآبار بحقل «أبو الطفل» بزيادة بلغت 798 برميل يومياً (المؤسسة الوطنية للنفط)

وأرجع مختار في حديث إلى «الشرق الأوسط» ما يعانيه جُل الليبيين إلى «الفساد»، و«إنفاق لا محدود» على حكومتين متنازعتين على السلطة في غرب ليبيا وشرقها، إلى جانب «تهريب النفط عبر شركة (أركنو) التي يذهب عائدها إلى أشخاص بأعينهم، وليس إلى خزينة الدولة».

وهنا يرصد مختار عمق الأزمة الاقتصادية في ليبيا المتمثلة في الدعم؛ إذ يذهب أكثر من 60 في المائة من ميزانية البلاد إلى ملف دعم الوقود، الذي طالب حكومة طرابلس برفعه تدريجياً، ثم وضع خطة وطنية لتأهيل الكوادر البشرية، وقال بهذا الخصوص: «ليس لدينا مهارات صناعية في أي شيء؛ فضلاً عن أننا نستورد كل شيء من الزبادي والألبان والفواكه والخضراوات والأسماك المجمدة، وحتى الملابس الداخلية، كله من الخارج».

وتحتل ليبيا المرتبة الـ10 عالمياً من حيث احتياطيات النفط المؤكدة، باحتياطيات تبلغ نحو 48.3 مليار برميل، وفق بيانات «وورلد ميتر».

وقال فريق الخبراء في تقريرهم الأخير بشأن الوضع في ليبيا، الذي يغطي المدة الممتدة ما بين أكتوبر (تشرين الأول) 2024 وفبراير (شباط) 2026، إن «(أركنو) عملت على تحويل 3 مليارات دولار على الأقل من العائدات النفطية إلى حسابات بنكية خارج ليبيا ما بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025».

وحسب التقرير، فإن «أركنو»، التي تأسست عام 2023 بوصفها شركة خاصة، تخضع لسيطرة غير مباشرة من جانب صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وتواجه اتهامات بـ«تهريب النفط».

وسبق أن استقصت وكالة «رويترز» حول الشركة، وخلصت إلى أن بعض إيرادات النفط «تتحول بعيداً عن مصرف ليبيا المركزي»، استناداً إلى وثائق شحن وبيانات لمجموعة بورصات لندن وشركة «كبلر».

كيف يتم توزيع الإيرادات؟

تتوزع الإيرادات النفطية، وفق خبراء واقتصاديين، على الأبواب الأربعة المعتمدة في الموازنة العامة؛ إذ يستحوذ الباب الأول الخاص بـ«المرتبات والأجور» على النسبة الأكبر من الإيرادات، وتُصرف لجميع موظفي القطاع العام في مختلف المناطق (شرقاً وغرباً وجنوباً)، عبر منظومة الرقم الوطني الموحدة.

جانب من حقل «أبو الطفل» النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

ويلي ذلك الباب الثاني المخصص لـ«النفقات التسييرية» لتشغيل الوزارات والمؤسسات العامة، في حين يبرز الباب الثالث الخاص بـ«الدعم» كأحد أهم الأبواب، لكونه يغطي دعم الوقود والمياه والكهرباء. أما الباب الرابع، فيتمثل في «التنمية والمشاريع» الموجهة للبنية التحتية، فضلاً عن المخصصات الموجهة للمؤسسة الوطنية للنفط لضمان إدامة الإنتاج وزيادته.

وهنا يلفت الشحاتي إلى مشكلة تتمثل في أن 26 في المائة من العائدات النفطية يذهب لتوريد المحروقات، أي ما يعادل 7 مليارات دولار، في حال كان سعر البرميل عند 70 دولاراً للبرميل، مبرزاً أن «المؤشرات هذا العام تشير إلى ارتفاع أضخم قد يصل إلى ما بين 8 و9 مليارات دولار؛ نتيجة ارتفاع سعر النفط لأكثر من 85 دولاراً للبرميل، وكذلك إلى توسع الفارق بين أسعار الخام وأسعار الديزل والبنزين نتيجة الشح في الأسواق»، كما لفت إلى «الارتفاع في الاستهلاك المحلي بسبب النمو الاقتصادي من جهة، وتصاعد عمليات التهريب من جهة أخرى».

كما كشف الشحاتي عن أزمة ثانية، تتمثل في «عدم وجود ميزانية معتمدة في البلد حتى نستطيع أن نحدد كيفية التوزيع بين الفئات والتوزيع الإقليمي الجغرافي، ولكن الواضح هو سيطرة مراكز المدن الرئيسية على معظم المصاريف»، مشيراً في هذا السياق إلى «اختلال كبير وواضح في المرتبات بين الأقاليم الثلاثة وبين الدرجات الوظيفية ونوعيات الوظيفة؛ وهي مشكلة لها أبعاد خطيرة في خلق فجوات مالية واسعة بين الطبقات، وحتى موضوع توحيد الإنفاق التنموي، الذي تم الاتفاق عليه، لا يبدو أنه مطبق بشكل سليم لعدم وجود معايير واضحة، وعدم وجود ميزانية متكاملة».

وبشأن هذه النقطة تحديداً، أوضح الشحاتي أنه «لا توجد معايير لتوزيع عوائد النفط، وعملية التوزيع تتم بشكل عشوائي غير مستدام».

وتشير البيانات إلى أن تصنيف ليبيا في مؤشر مدركات الفساد تراجع في أحدث تصنيف إلى المرتبة الـ177، من أصل 182 دولة في 2025، بعد أن كان في المرتبة الـ173 من 180 دولة عام 2024؛ ما يعكس استمرار تفاقم مستويات الفساد، وغياب أي تحسن ملموس خلال العامين الأخيرين.

معاناة الاقتصاد المحلي

سلط تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن ليبيا الضوء على استمرار معاناة الاقتصاد المحلي من اختلالات هيكلية عميقة، جراء ارتفاع مستويات الإنفاق العام، والاعتماد الأحادي على عائدات النفط والغاز، بالتزامن مع الضغوط المتزايدة على أسعار الغذاء والوقود والكهرباء.

شركة «سرت» تنهي التجارب التشغيلية لتزويد محطة سرت البخارية بالغاز الطبيعي (المؤسسة الوطنية للنفط)

ويغطي التقرير، الذي قُدم إلى مجلس الأمن الدولي في 17 أغسطس (آب) الحالي، الفترة من الأول من أبريل (نيسان) وحتى 28 يوليو (تموز) الماضي. ونقل عن صندوق النقد الدولي أن العجز المالي في ليبيا بلغ 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي، في حين قفز الدين العام إلى 146 في المائة من الناتج المحلي، بالتوازي مع ارتفاع التضخم إلى مستويات خانقة تسجل خانة العشرات؛ ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين.

ولحظ التقرير الأممي وجود «ارتفاعات غير مبررة في استهلاك الوقود من قِبل الأجهزة العسكرية والأمنية وقطاع الطاقة، فضلاً عن تكرار الشراء المزدوج».

تأثير الانقسام المؤسسي

فاقم الانقسام السياسي والمؤسسي، وتعدد السلطات في ليبيا من الوضع الاقتصادي، وفق الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، الذي يرى أن هذه «الاختلالات» لم تبق في حدودها الهيكلية التقليدية، وقال إن هذا الوضع «أدى إلى نشوء مالية عامة متوازية، وتمدد مفرط في الإنفاق الاستهلاكي لتغطية متطلبات الأطراف المتنافسة؛ ما رفع بند المرتبات والدعم إلى مستويات غير مسبوقة».

ومع تكرار صدمات إغلاق الحقول النفطية في السابق، وتراجع الإيرادات الفعلية، لجأت السلطات المالية إلى التمويل بالعجز والتوسع في الدين العام؛ ما أغرق السوق بكتل نقدية لا تقابلها أي زيادة في الإنتاج المحلي، حسب الفارسي.

وكانت الإيرادات النفطية لعام 2025 قد بلغت 21.9 مليار دولار، حسب «المؤسسة الوطنية للنفط»، مقارنة بـ18.6 مليار دولار خلال عام 2024، بزيادة قدرها 15 في المائة.

وهنا يُجمل الفارسي تأثير هذه «الاختلالات» على السياسة النقدية ومعيشة المواطنين، وقال إن هذا التدهور في المالية العامة وضع السلطة النقدية في موقف معقد، وأجبرها على اتخاذ قرارات اضطرارية لحماية الاحتياطيات وتدارك العجز. مشيراً إلى أن هذا الأمر «أدى إلى تآكل قيمة العملة الوطنية، وشح السيولة وانعدام الثقة، بالإضافة إلى شلل أدوات التنمية؛ إذ تحولت السياسة النقدية من أداة لتحفيز النمو والاستثمار إلى أداة لإدارة الأزمات اليومية».

لماذا لا تُحل الأزمة المالية؟

يرجع اقتصاديون سبب أزمة ليبيا المالية إلى أسباب عدّة، من بينها وفق ما يرصد الشحاتي «تفشي الفساد بشكل غير مسبوق»، وقال بهذا الخصوص: «لم يعد الفساد يقتصر على الهوامش، بل أصبح يستحوذ على جوهر المال العام في قطاعات أساسية؛ ما يعطل أي محاولة إصلاح».

كما يعزو الأزمة إلى «غياب الرؤية المؤسسية بعد تفكك الإدارة الوسطى، التي كانت تربط السياسات المالية والنقدية بالواقع الاقتصادي، وتوفر غطاءً سياسياً موحداً، فأصبحت السياسات منفصلة عن حقائق الاقتصاد، وفقدت القدرة على استعادة التوازن».

كما يرى الشحاتي أن الإصلاحات الكلاسيكية التي نجحت في دول أخرى «لا يمكن أن تنجح في ليبيا؛ نظراً لغياب سلطة سياسية مركزية قادرة على وضع رؤية مؤسسية وردع الفساد، الذي انتشر أفقياً وعمودياً في أجهزة الدولة والقطاع الخاص».

واستكمالاً لرؤية الحل، انتهى الفارسي إلى أن استمرار الأزمة المالية والنقدية في ليبيا يستلزم «معالجة جذور المشكلة عبر توحيد إدارة المالية العامة، وضبط الإنفاق الحكومي، والشروع في إصلاحات هيكلية حقيقية، تنقل البلاد تدريجياً من استهلاك الريع إلى بناء اقتصاد متعدد الموارد».

وللخروج من هذه الأزمة الراهنة، لم يفت الباحث عز الدين مختار أن يطالب الحكومة في طرابلس بـ«وضع خطة استراتيجية للاستفادة من الموارد البشرية، والاهتمام بالصناعات الصغرى والمتوسطة» للخروج من أزمة الاعتماد فقط على عائدات النفط.

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

يشار إلى أن مسعود سليمان، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، قال في تصريحات إعلامية الأسبوع الماضي، إن بلاده تحتاج إلى استثمارات تتراوح بين 30 و40 مليار دولار لتطوير مواردها النفطية والغازية غير المستغلة، موضحاً أن مؤسسته تستهدف رفع الإنتاج إلى مليوني برميل يومياً بحلول 2030.


مَن المسؤول عن ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب الليبي؟

شبان ليبيون خلال مشاركتهم في الانتخابات البلدية بترهونة (أ.ب)
شبان ليبيون خلال مشاركتهم في الانتخابات البلدية بترهونة (أ.ب)
TT

مَن المسؤول عن ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب الليبي؟

شبان ليبيون خلال مشاركتهم في الانتخابات البلدية بترهونة (أ.ب)
شبان ليبيون خلال مشاركتهم في الانتخابات البلدية بترهونة (أ.ب)

يطمح الشاب الليبي حسن محمد، الذي تخرج قبل عام في كلية الاقتصاد بجامعة درنة، لإيجاد وظيفة بالجهاز الإداري للدولة تتطابق مع تخصصه، وتجنبه عناء الانتظار لسنين في طابور البطالة كحال الكثير من أبناء جيله.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط» إنه يتنقل حالياً بين مهن بسيطة في القطاع الخاص، من بيع الملابس والأغذية إلى العمل في المخابز، لكنها «تظل أعمالاً غير مستقرة وبدخل محدود»، لا يقارن بأمان الوظيفة الحكومية، التي يرى أن الجمع بينها وعمل إضافي مساءً هو السبيل الوحيد لبناء أسرة مستقبلاً.

يلجأ عديد من الشبان العاطلين عن العمل إلى المهن البسيطة في انتظار عمل مستقر (الشرق الأوسط)

أما بالنسبة للشاب بدر هلال، المتخرج في إحدى الكليات العلمية بجامعة طرابلس، فإن الحل هو السفر إلى أوروبا عبر منحة دراسية؛ وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد تبديد سنوات دراستي مع أقراني خلف مكاتب الوظيفة الحكومية دون إنتاج حقيقي، وبرواتب لا تكفي لمواجهة غلاء المعيشة».

أزمة جيل محاصَر

يرى مراقبون أن حالتي محمد وهلال تجسدان أزمة جيل محاصَر بين قطاع عام مشبع بالموظفين وقطاع خاص محدود الأثر؛ مما قفز ببطالة الشباب في ليبيا إلى مستويات قياسية، حيث صنفتها منظمة العمل الدولية على أنها الأعلى في شمال أفريقيا في تقرير لها بنسبة 50.1 في المائة للفئة العمرية (15 - 24 عاماً)، مقابل 18.8 في المائة لمعدل البطالة العام».

وأعاد التقرير، الذي حمل عنوان «اتجاهات الاستخدام العالمية للشباب 2026»، طرح تساؤلات جوهرية حول عجز بلد نفطي غني عن استيعاب نصف طاقاته الشابة، مقارنةً بدول جوار أقل موارد وأكثر سكاناً، ومدى ارتباط هذا العجز بالانقسام السياسي والمؤسساتي، الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات.

وأرجع وزير الدولة الأسبق للشؤون الاقتصادية، سلامة الغويل، تفاقم مستويات البطالة في ليبيا إلى «الانقسام السياسي وسوء توزيع عوائد النفط، وعدم تدشين مشروعات إنتاجية تستوعب الخريجين». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه منذ 2011، «تعاقبت نحو عشر حكومات على إدارة البلاد، بعضها تركز بالعاصمة والآخر بشرق البلاد، مما حال دون وضع رؤية استراتيجية لربط الشباب بسوق العمل وتأهيله لها».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين؛ الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير الشرق وأجزاء من الجنوب، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

أزمة كوادر مدربة

وفقاً للغويل، فإن غياب الرؤية حيال هذه الأزمة، «حصر التوظيف في القطاع الحكومي، الذي أصبح يضم نحو مليونين ومائتي ألف موظف، أي ما يعادل نحو ثلث سكان البلاد، البالغ عددهم نحو 7.5 مليون نسمة»، لافتاً إلى أن الالتحاق بالجهاز الإداري «ليس سهلاً ولا يرتبط بالشهادة، وإنما غالباً بواسطة أحد أصحاب النفوذ».

وقلل الغويل من قدرة القطاع الخاص على استيعاب العمالة في ليبيا، واصفاً إياه بالمتعثر «نتيجة الفوضى الأمنية وتدهور البنية التحتية، من كهرباء وإنترنت ومياه، والأهم ندرة الكوادر المحلية المدربة، مما يدفع إلى تفضيل العمالة الوافدة لرخصها ومرونتها».

واستعرض الغويل معوقات أخرى لإقامة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، «كصعوبة التمويل المصرفي وغياب الحوافز الضريبية، وتعقيد الإجراءات التشريعية، مما يدفع أصحاب رؤوس الأموال إلى أنشطة استهلاكية، كالمطاعم والمقاهي، بدلاً من مشروعات إنتاجية كالمصانع القادرة على استيعاب أعداد كبيرة من اليد العاملة».

في المقابل، يرى عضو مجلس النواب الليبي، محمد عامر العباني، أن بلاده تعاني «بطالة نوعية»، ناجمة عن رفض قطاع واسع من الشباب الانخراط في مهن متاحة بسوق العمل، وحصر تطلعاتهم في وظائف ذات بريق اجتماعي، ومستقبل مهني وراتب مضمون.

وأوضح العباني، الأكاديمي المختص في تدريب القوى العاملة، لـ«الشرق الأوسط»، أن كثيراً من الشباب يبتعد عن المهن الحرفية والصناعية والخدمية الأكثر طلباً في السوق الليبية، كالتمريض والزراعة والبناء وصيانة السيارات وأعمال النظافة، بداعي أنها «لا تليق بمركزه الاجتماعي»، مشيراً إلى أن هذا الأمر مهَّد للعمالة الوافدة الاستحواذ على 99 في المائة من هذه المهن.

ونفى العباني «وجود فجوة عميقة بين مخرجات التعليم وسوق العمل»، وقال إن «الكليات النظرية تُخرج أعداداً تفوق الاحتياج، لكن التدريب النوعي يمهد لاستيعاب الجميع».

تصاعُد أسعار السلع والخدمات دفع الشباب مرغماً إلى اقتحام مهن كانت حكراً على العمالة الوافدة (أ.ف.ب)

أما الناشط السياسي الليبي، حسام القماطي، فقدم رؤية مغايرة، مفادها أن «تصاعد أسعار السلع والخدمات، وتبديد مدخرات الأسر جراء تدهور العملة المحلية، دفع الشباب مرغماً لاقتحام مهن كانت حكراً على العمالة الوافدة».

وحمَّل القماطي مسؤولية «تصاعد البطالة للتشوه الاقتصادي والإداري الناتج إلى الانقسام والفساد».

وقال القماطي لـ«الشرق الأوسط» إن من يريد العمل اليوم أمامه ثلاثة خيارات: الواسطة للالتحاق بوظيفة حكومية، أو الهجرة، أو الخيار الأخطر، وهو ترك التعليم والانضمام لمجموعات مسلحة، مقابل رواتب تفوق أضعاف ما يتقاضاه أقرانه، الذين كانوا ربما متفوقين عليه دراسياً».

أوضح القماطي أن بعض الشباب الراغب في العمل يجد نفسه مضطراً إلى الانضمام للمجموعات مسلحة مقابل رواتب عالية (الشرق الأوسط)

وحذر القماطي من التداعيات النفسية والاجتماعية الخطيرة للبطالة، كتصاعد معدلات تعاطي المخدرات بين الشباب والإصرار على الهجرة، معتبراً ذلك انعكاساً «لإدراك الشباب عجزه عن تغيير الواقع، مع استمرار تأجيل الانتخابات وتشبث الفرقاء المتصارعين على السلطة والثروة بمقاعدهم، وتوجيه عوائد النفط لخدمة أجنداتهم».

في المقابل، شكك عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، في أرقام التقرير الدولي، موضحاً أن «من هم في سن العمل نحو أربعة ملايين، يعمل أكثر من مليونين ومائتي ألف منهم لدى الدولة، إلى جانب العاملين بالقطاع الخاص المحدود، وهو ما يجعل النسب التي أوردها التقرير لا تكتسب مصداقية».

ودعا ابن شرادة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى تنشيط القطاع الخاص عبر مزيد من المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يقلل الأعباء على الباب الأول بالميزانية، أي رواتب العاملين بالدولة.

وطبقاً لبيانات المصرف المركزي، تجاوزت فاتورة الرواتب لعام 2025 حاجز الـ73 مليار دينار، مستحوذةً على ما يقارب نصف الميزانية العامة المعتمدة.