مالطا ترضخ للضغوط والوعود وتقبل رسو سفينة الإنقاذ «أكواريوس» لديها

الأوروبيون تقاذفوا المسؤولية... وباريس تتمسك بقانون «المرفأ الأقرب»

السلطات المالطية سمحت أمس لسفينة الإنقاذ «أكواريوس» بالدخول إلى مينائها (أ.ب)
السلطات المالطية سمحت أمس لسفينة الإنقاذ «أكواريوس» بالدخول إلى مينائها (أ.ب)
TT

مالطا ترضخ للضغوط والوعود وتقبل رسو سفينة الإنقاذ «أكواريوس» لديها

السلطات المالطية سمحت أمس لسفينة الإنقاذ «أكواريوس» بالدخول إلى مينائها (أ.ب)
السلطات المالطية سمحت أمس لسفينة الإنقاذ «أكواريوس» بالدخول إلى مينائها (أ.ب)

أخيراً، سمحت مالطا، بعد تمنعٍ، للسفينة «أكواريوس» بالرسو في أحد موانئها وإنزال المهاجرين واللاجئين الـ58 الذين أنقذتهم، الأسبوع الماضي، في مياه المتوسط مقابل الشواطئ الليبية. وبذلك تكون حكومة فاليتا قد وضعت حداً لأزمة إنسانية وسياسية ودبلوماسية تفاقمت في الأيام الأخيرة. وهذه الأزمة الجديدة تسببت بها «أكواريوس» العائدة لمنظمة الإغاثة الإنسانية الفرنسية «إس أو إس متوسط»، وجاءت بعد الأزمة الحامية التي اندلعت بينها وبين حرس الحدود البحرية الليبيين، أواسط الأسبوع الماضي، والتي كادت تصل إلى حدود المواجهة، وانتهت بتحذير من الطرف الليبي بتفادي العودة مجدداً إلى المياه الإقليمية الليبية.
وللمرة الثالثة هذا الصيف، يجد ربان السفينة، روسي الجنسية، نفسه، ومعه المهاجرون واللاجئون الذين تم إنقاذهم، وبينهم أكثرية من النساء والأطفال (35)، في مأزق. والسبب أن كافة الموانئ المالطية (في مرحلة أولى) والإيطالية أغلقت بوجه «أكواريوس»، التي طلبت النجدة من فرنسا كـ«لفتة استثنائية وإنسانية». لكن باريس صمت أذنيها، ورفضت السماح لسفينة الإنقاذ بالرسو في مرفأ مرسيليا كما طلبت منها منظمة الإغاثة. ومثلما كان متوقعاً أثارت هذه الأزمة الإنسانية هياجاً سياسياً حاداً وانقساماً بين من يدعو للسماح للسفينة بالرسو، وهم بشكل عام اليسار واليسار المتشدد، وبين من يرفض ذلك قطعاً، وهم اليمين واليمين المتطرف. أما الحكومة فإنها تتمسك بأهداب قانون البحار الذي ينص على رسو السفينة في «أقرب ميناء آمن». وفي هذه الحالة كما في الحالتين السابقتين اللتين عاشتهما «أكواريوس»، فإن الميناء الآمن إما هو مالطي أو إيطالي، وبالتالي فإن مرفأ مرسيليا ليس الحل الأمثل. ولذا بدا أن الأزمة تدور في حلقة مفرغة حتى قبلت مالطا بتغيير موقفها بفعل الضغوط التي مورست عليها والوعود التي أغدقت بمساعدتها في تقاسم عبء هؤلاء الأشخاص.
حقيقة الأمر أن الحلقة الجديدة من مسلسل «أكواريوس» تعكس عجز الاتحاد الأوروبي حتى اليوم عن العثور على صيغة توافقية لمواجهة ملف الهجرات المكثفة التي تصب على أراضيه، رغم القمة الأخيرة التي استضافتها مدينة سالزبورغ النمساوية وقمة بروكسل نهاية يونيو (حزيران) الفائت. فالمقررات التي اتخذت خلال القمة الأخيرة تنص على أن ترسو السفينة التي تحمل مهاجرين ولاجئين في المرفأ الأقرب، على أن يسارع الأوروبيون، طوعياً وليس إلزاماً، في تقاسم الأعباء لجهة توزع اللاجئين على البلدان المتبرعة.
الحال أن روما وفاليتا ترفضان العمل بهذا المبدأ، على عكس الآخرين، وعلى رأسهم فرنسا، التي تتمسك به لأنه يعفيها من فتح موانئها حتى لا تشكل سابقة. وأمس، قالت وزيرة الشؤون الأوروبية ناتالي لوازو، إنه يتعين «إنزال ركاب (أكواريوس) فوراً، وليس تغليبهم عناء الإبحار خمسة أيام إضافية (للوصول إلى مرسيليا)، واليوم المرفأ الأقرب يقع في مالطا أو في إيطاليا». وأضافت الوزيرة الفرنسية: «إننا نعمل من أجل حل أوروبي، كما فعلنا في مناسبات سابقة» ما يعني توزيع اللاجئين والمهاجرين، وإبعاد من لا يحق له اللجوء إلى المكان الذي جاء منه. وهاجمت لوازو، إيطاليا، متهمة إياها بمخالفة القانون الدولي، وبالتجرد من كل حس إنساني. ورغم ذلك، فقد بدت «متفائلة» بإمكانية العثور على حل سريع.
الواقع أن فرنسا، بعكس مالطا أو إيطاليا، لم تسمح أبداً لأي سفينة إنقاذ بالرسو في موانئها، ويستبعد أن تلين هذه المرة مخافة أن تستدعي بعدها مرات كثيرة. والأسباب ليست فقط متعلقة بالبعد الجغرافي للموانئ الفرنسية، والدليل على ذلك أن «أكواريوس» اضطرت في مرة سابقة أن ترسو في ميناء فالنسيا، وأن تنزل هناك المئات من المهاجرين واللاجئين، رغم أن مرفأ مرسيليا أقرب مسافة من مرفأ فالنسيا. ولذا، فإن الأسباب سياسية أكثر منها جغرافية. لكن اللافت أن الرئيس ماكرون، الذي يريد أن يكون رأس حربة «التقدميين» المنفتحين والليبراليين في الانتخابات الأوروبية، الربيع المقبل، في مواجهة «القوميين المنغلقين»، لا تنم مواقفه عن كثير من الانفتاح في موضوع الهجرات.
أمس، أطلق فريدريك بينار، مدير العمليات في منظمة «إس أو إس متوسط»، نداءً «رسمياً» ملحاً باتجاه السلطات الفرنسية يطلب منها «لأسباب إنسانية» أن تسمح بدخول «أكواريوس» إلى مرفأ فرنسي، وإنزال الأشخاص الذين أنقذتهم في مياه المتوسط مقابل الشواطئ الليبية. لكن حتى مساء أمس لم تصدر عن السلطات الفرنسية أي إشارة تدل على ليونة في الموقف، خصوصاً بعد أن حمل اليمين واليمين المتشدد بعنف على الرئيس ماكرون وحكومته. فقد أعلن وزير الداخلية الأسبق ومستشار رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني، أن فرنسا «ليس لها أن تتلقى أمثولات من أحد»، وأنه إذا كانت إسبانيا تتبع سياسة استقبال المهاجرين «فليذهبوا إلى إسبانيا».
وقال النائب أريك سيوتي من الحزب نفسه إنه «لا يتعين أن يتحول أي مرفأ فرنسي إلى لامبادوزا ثانية»، في إشارة إلى الجزيرة الإيطالية الأقرب إلى شواطئ شمال أفريقيا، التي تتجه إليها غالبية مراكب الهجرات. أما مارين لوبن، زعيمة حزب «التجمع الوطني» (الجبهة الوطنية سابقاً) فقد غردت قائلة: «كلا وألف كلا. لا يجب السماح لـ(أكواريوس) بالرسو في مرسيليا».
على الجهة المقابلة للخريطة السياسية الفرنسية، ترتفع أصوات اليسار واليسار المتطرف داعية إلى فتح الموانئ بوجه «أكواريوس». وقال ديفيد أسولين، نائب رئيس الحزب الاشتراكي، إنه «لا يجوز أن نترك أشخاصاً لمصيرهم بحجة أنه يتعين على آخرين القيام بذلك». وذهب جان لوك ميلونشون، النائب وزعيم اليسار المتشدد في الاتجاه نفسه، معتبراً أن مساعدة هؤلاء الأشخاص «واجب وعمل يشرف فرنسا».

لا يكفي «أكواريوس» أن أحداً لا يريدها في داره، الأسوأ أنه بعد جبل طارق التي حرمتها الصيف الماضي من أن ترفع علمها، فقد عمدت بنما بدورها إلى حرمانها من علمها بفعل ضغوط مارستها عليها إيطاليا. وهكذا سيجد مشغلو «أكواريوس» أنهم سيكونون عاجزين قريباً جداً عن الاستمرار في مهمة إنقاذ اللاجئين والمهاجرين في مياه المتوسط. من هنا، جاء نداء الاستغاثة الذي وجهه مدير العمليات لبلدان الاتحاد الأوروبي من أجل إنقاذ الوضع، والطلب من بنما التراجع عن قرارها، أو أن «يتبرع» أحد البلدان الأوروبية بالسماح لـ«أكواريوس» بأن ترفع علمها.


مقالات ذات صلة

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

أوروبا مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

توصلت السلطات الفرنسية والبريطانية لاتفاق جديد لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش بشكل غير قانوني، إلا أن لندن ربطت جزءا من تمويلها بفعالية التدابير المتخذة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا يصطف المهاجرون في طوابير للحصول على شهادة النقل العام التي ستسمح لهم بطلب الحصول على تصاريح عمل وإقامة سريعة بالعاصمة الإسبانية مدريد (أ.ب)

عدد المهاجرين في الاتحاد الأوروبي بلغ ذروة عند 64.2 مليون في 2025

ذكر تقرير أن عدد المهاجرين المقيمين في الاتحاد الأوروبي ارتفع إلى ذروة غير مسبوقة عند 64.2 مليون في 2025، بزيادة تقارب 2.1 مليون مقارنة بالعام السابق.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا الشرطة خلال مهمة بمدينة لايبزيغ الألمانية 21 أبريل 2026 (د.ب.أ)

شبكة تهريب في ألمانيا تستخدم تصاريح إقامة لاجئين سوريين

أطلقت الشرطة الألمانية، الثلاثاء، عملية واسعة لتفكيك شبكة يُشتبه في استغلالها تصاريح إقامة تعود إلى لاجئين سوريين بهدف إدخال آخرين إلى البلاد بشكل غير قانوني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم مهاجرون على متن قارب ينتظرون المساعدة من قارب إنقاذ في البحر المتوسط 24 يوليو 2025 (رويترز)

الأمم المتحدة: 8 آلاف مهاجر لقوا حتفهم أو فُقدوا في عام 2025

قالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، اليوم (الثلاثاء)، إن نحو 8 آلاف شخص لقوا حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم الهجرة العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...