جوازات السفر السورية بـ2500 دولار في السوق السوداء

اتجاه دمشق لتغييرها يهدد المعارضة بـ«الإقامة الجبرية»

جوازات السفر السورية بـ2500 دولار في السوق السوداء
TT

جوازات السفر السورية بـ2500 دولار في السوق السوداء

جوازات السفر السورية بـ2500 دولار في السوق السوداء

تمادت السلطات السورية بعيدا في الضغط على معارضيها المقيمين في الخارج على الرغم من «نصائح روسية» قيل إنها أسديت إليها لعدم القيام بتغيير جوازات السفر السورية الرسمية، بما يعنيه ذلك من حرمان آلاف المعارضين من التجول بحرية في العالم بسبب عدم قدرتهم على استصدار جوازات سفر جديدة أو تجديد الموجود في حوزتهم، كما قد تنهي «السوق السوداء» التي يستمد منها المعارضون وثائقهم.
وعلى الرغم من أن جوازات السفر السورية هي حديثة نوعا ما، وتلائم كل متطلبات المطارات الدولية لجهة القراءة الإلكترونية، فإن السلطات السورية تسعى إلى إقرار قانون جديد للجوازات، يتضمن في أحد بنوده استبدال النسخة الموجودة من جوازات السفر بأخرى «حديثة». وتتشابه جوازات السفر السورية إلى حد كبير مع تلك المعمول بها في لبنان، مع اختلاف في الأسماء فقط، وهي كانت وضعت في التداول معا في أوائل عام 2000.
وكشف مصدر بارز في المعارضة السورية عن معلومات عن نية النظام القيام بهذا الأمر منذ نحو شهرين، لكنه عاد وسحب هذه الخطوة بطلب من الروس الذين عدوا أن هذه الخطوة «غير مبررة وتعطي رسالة سلبية للمجتمع الدولي».
وقالت صحيفة «الوطن» السورية أمس إن اللجنة المشكلة لتعديل قانون نظام جوازات السفر أنهت عملها، وسيعرض مشروع القانون الجديد على مجلس الشعب لمناقشته قريبا وإقراره قانونا نافذا. ونقلت الصحيفة عن مصدر مسؤول في «وزارة الداخلية» أن مشروع القانون «سيحد من تزوير التأشيرات وجوازات السفر». وأضاف المصدر أن مشروع القانون يتلاءم مع التطورات التكنولوجية، كما أنه نص على عقوبات لمن يخالف أحكامه، كالعمل على تسهيل الحصول على تأشيرات غير نظامية للمغادرة خارج سوريا. ولفت المصدر إلى أن مشروع القانون «وضع إجراءات صارمة للحصول على جواز السفر للحد من تزويره».
ويقول معارض سوري مقيم في الخارج إن جواز السفر، كان دائما من وسائل النظام التاريخية، للضغط على معارضيه، حيث لم يكن يمنح لأي شخص يشتبه بمعارضته النظام، وبالتالي وضعه فيما يشبه إقامة الجبرية في بلاده، فيما يهدف المشروع الحالي إلى وضع مئات آلاف السوريين في حالة مشابهة في البلدان التي يقيمون فيها حاليا.
ومنذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، ازداد إلى حد كبير عدد المعارضين السوريين في الخارج. ويتجول معظم هؤلاء بوثائق السفر السورية التي انتهت صلاحية معظمها وتم تجديدها بطرق مختلفة، بعضها نظامي وبعضها الآخر يعتمد على الرشاوى والتزوير.
عمليا، لم تكن الجوازات تشكل أزمة كبيرة للقادرين على دفع ثمنها. ويقول ضابط سوري منشق إنه استطاع الحصول على جواز سفر أصلي أصدر من دمشق في عام 2013، على الرغم من أنه عسكري (والعسكر لا يمنحون جوازات سفر إلا للمهمات الخاصة) وعلى الرغم من انشقاقه وهربه من وحدته العسكرية في مدرسة المشاة في حلب. ويشير الضابط إلى أنه فر إلى تركيا ومن هناك استطاع تدبير جواز السفر بعد دفع بدل مادي.
وبينما يفقد مئات آلاف السوريين القدرة على الحصول على جوازات سفر، كحال السوريين في ليبيا الذين يقدر عددهم بنحو 600 ألف سوري، لعدم وجود قنصلية، وهذا الأمر نفسه ينطبق على الكثير من الدول الأخرى التي أقفلت سفارات النظام.
وبما أن أيا من الدول، لم يعترف بسلطة بديلة عن النظام السوري، يبقى المعارضون تحت رحمة سفارات النظام، التي تعطي بعضهم جوازات سفر وتحجبها عن آخرين. وفي تركيا التي طردت سفير النظام، وتعد ملاذا آمنا للمعارضة السورية، ما تزال الجهة الرسمية المخولة التعامل مع السوريين هي القنصلية السورية التي يحتشد مئات السوريين يوميا أمام أبوابها للحصول على جوازات سفر، أو القيام بإجراءات تتعلق بأحوالهم الشخصية.
ويقول معارض سوري مقيم في تركيا إن سفارة بلاده تطلب الوثائق من الراغبين بالحصول على جوازات السفر، على أن يعود بعدها بنحو أسبوعين إلى شهر، فإما أن يعطى جوازا جديدا، وإما أن يجري تبليغه بأنه «عليك محكمة» أي إن هناك ملاحقة قضائية بحقه تمنعه من الحصول على الجواز. ويشير المعارض إلى أن مهلة الحصول على الجواز قد تصل أحيانا إلى نحو شهرين.
وبعد سيطرة المعارضة على حلب، سيطرت بعض الجهات في المعارضة على مخزون كبير من اللصقات الخاصة بتجديد جوازات السفر، بالإضافة إلى جوازات سفر فارغة، وأخرى منجزة عليها أسماء أصحابها. وقد استفاد هؤلاء منها إلى حد كبير، فبدأت عملية تجديد جوازات السفر عبرهم بحيث يجري التجديد بمبلغ يصل إلى نحو 1500 دولار، فيما يدفع «رسم» الجواز الجديد نحو 2500 دولار. وهي عملية متقنة لجهة تأمينها كل المواصفات المطلوبة في السفارات والمطارات. كما عمد هؤلاء أيضا إلى بيع وثائق سفر بأسماء أشخاص آخرين عليها صورة الشخص الذي اشترى الجواز.
ووجد المعارضون السوريون وسائل مختلفة للحصول على وثائق سفر تمكنهم من التجول في العالم، فمنهم من حصل وثائق سورية جرى شراؤها، أو دفعت رشاوى للحصول عليها، ومنهم من حصل على وثائق أجنبية. علما أن قطر منحت الكثير من القيادات السورية وثيقة سفر لمرة واحدة سمحت لهم العام الماضي بالسفر إليها للمشاركة في اجتماعات تأسيس الائتلاف الوطني السوري.
ويمتلك الكثير من المعارضين السوريين جنسيات أجنبية تمكنهم من السفر بجوازاتهم الأجنبية، فممثل الائتلاف في الولايات المتحدة يحمل الجنسية الأميركية، ومثله رئيس بيت الخبرة السوري رضوان زيادة وكذلك رئيس المكتب الإعلامي للائتلاف السوري خالد الصالح، والمعارضة فرح الأتاسي، وأيضا سالم المسلط وجمال الورد.
ويمتلك المعارض السوري برهان غليون الجنسية الفرنسية، ومثله منذر ماخوس (ممثل الائتلاف في فرنسا) الذي يمتلك أربع جنسيات فخرية منها الروسية. ويمتلك المعارض السوري نذير الحكيم الجنسية الفرنسية بدوره، أما رئيس المجلس الوطني المعارض جورج صيرا والمعارضة سهير الأتاسي، فهما يمتلكان حق اللجوء السياسي في فرنسا ويسافران بأوراق فرنسية تثبت ذلك.
ويمتلك زعيم حركة الإخوان المسلمين السابق صدر الدين علي البيانوني جواز سفر بريطانيا، ومثله ممثل الائتلاف في لندن وليد سفور والمعارض أنس العبدة، وهما من حركة الإخوان أيضا.
أما سنحاريب ميرزا فلديه الجنسية الألمانية، وعبد الأحد أصطيفو الجنسية البلجيكية، وحسان الهاشمي الكندية، وعالية منصور اللبنانية، وخالد خوجة التركية، فيما يمتلك بدر الدين جاموس، الأمين العام السابق للائتلاف الجنسية المالدوفية.
أما رئيس الائتلاف الحالي هادي البحرة، فيحمل جواز سفر سوريا، وكذلك الرئيس السابق أحمد الجربا، وهما سيكونان في طليعة المتضررين من تغيير جوازات السفر السورية.
وينص مشروع القانون السوري الجديد على منح جوازات السفر على اختلاف أنواعها لطالبيها من المواطنين السوريين وللجهات والأشخاص، الذين يرى وزير الداخلية موجبا لمنحهم جوازات السفر. وبين مشروع القانون أنه لا يحق لوزير الداخلية سحب جوازات السفر من أي مواطن، وكان القانون الحالي قد منح هذه الميزة لوزير الداخلية. وتضمن مشروع القانون فرض عقوبات على كل من يخالف أحكام القرارات الصادرة بالحبس حتى ثلاث سنوات وبغرامة مالية لا تقل عن 100 ألف ليرة أو بإحدى هاتين العقوبتين. كما فرض مشروع القانون العقوبات ذاتها على كل من يبدي أمام الجهات المختصة أقوالا كاذبة أو يقدم إليها أوراقا غير صحيحة مع علمه بذلك لتسهيل حصوله أو حصول غيره على تأشيرة خروج تتيح له مغادرة الأراضي العربية السورية. علما أن القانون الحالي كان قد فرض عقوبة السجن لثلاثة أشهر وغرامة مالية لا تتجاوز 500 ليرة.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.