هجوم مسلح يباغت استعراضاً عسكرياً للقوات المسلحة الإيرانية في الأحواز

عشرات القتلى والجرحى في صفوف «الحرس الثوري» والجيش... وطهران تتوعد بالرد

TT

هجوم مسلح يباغت استعراضاً عسكرياً للقوات المسلحة الإيرانية في الأحواز

أدى هجوم مباغت أمس، استهدف، استعراضا سنويا للقوات المسلحة الإيرانية إلى سقوط العشرات من «الحرس الثوري» والجيش وعدد من المدنيين بين قتلى وجرحى في الأحواز جنوب غربي البلاد، ووصفت طهران الهجوم بـ«الإرهابي» واتهمت دولا إقليمية والولايات المتحدة بالوقوف وراء الهجوم وتوعدت بـ«الرد» فيما طالب المرشد الإيراني علي خامنئي بملاحقة منفذي الهجوم بعد لحظات من تأكيد الرئيس الإيراني حسن روحاني إصدار أوامر للأجهزة الأمنية مشيرا إلى «رد قاطع ومدمر على أدنى تهديد».
وقال رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الإيراني، مجتبى ذو النوري، إن إحصائية القتلى بلغت نحو 29 شخصا ونقلت وكالة فارس عنه قوله بأن عدد الجرحى تجاوز 57 شخصا. وذكر شهود عيان أن عدد القتلى تخطى 40 شخصا فيما قالت وكالات رسمية بأن 60 جريحا سقطوا في الأحواز، أثناء استعراض عسكري سنوي تشهده كبريات المدن الإيرانية إضافة إلى مدن حدودية كانت مسرحا لحرب الخليج الأولى بين إيران والعراق.
وقال شهود عيان بأن إطلاق النار بدأ بعد نحو 15 دقيقة على بداية الاستعراض العسكري في الساعة الثامنة و45 دقيقة صباحا أمام مركز قيادة الجيش الإيراني في الجنوب (فيلق 92 للمشاة) وأظهرت صور تناقلتها وكالات مقتل اثنين من المهاجمين تنكر أحدهم بملابس قوات الباسيج.
وأظهر مقطع مسجل جرى توزيعه على وسائل الإعلام الإيرانية جنودا يزحفون على الأرض بينما تنطلق أعيرة نارية صوبهم وقال شهود العيان بأن لحظة إطلاق النار تزامنت مع مرور كتيبة مشاة تابعة لـ«الحرس» أمام المنصة. وعرض مقطع مسجل بثه الموقع الإلكتروني للتلفزيون الرسمي لقطات لجنود مذهولين يتساءل أحدهم وهو يقف أمام المنصة «من أين جاءوا؟». ورد آخر «من خلفنا» بحسب رويترز.
وبحسب شهود عيان فإن الهجوم استهدف تحديدا منصة كبار المسؤولين في الأحواز، من بينهم ممثل المرشد الإيراني وخطيب جمعة الأحواز ومحافظ الأحواز (خوزستان) وقائد الجيش في منطقة غرب إيران وقيادات من «الحرس الثوري» والاستخبارات الإيرانية. وذكر الشهود أن النيران أطلقت من عدة اتجاهات على المنصة الرئيسية وأشار شاهد عيان إلى إطلاق النار من فوق مبانٍ قريبة من مكان الاستعراض.
ووفقا للرواية الرسمية فإن إطلاق النار بدأ من حديقة مجاورة لشارع يفصل بين حي سكني ومقر فيلق 92 التابع للجيش الإيراني والمكلف بحماية الحدود مع العراق.
وأظهرت قائمة نشرها للمرة الأولى موقع «رجانيوز» المحافظ مقتل 16 من منتسبي «الحرس الثوري». وضمت قائمة قتلى «الحرس» عقيدا ونقيبا وثلاثة آخرين لم تذكر رتبهم العسكرية إضافة إلى 11 مجندا. وقتل رجل دين من المكتب الدعائي التابع للجيش الإيراني يدعى محمد افشنكي إضافة إلى طفل كان يرافق والده الضابط في قوات الجيش برتبة رائد. وشملت خمسة آخرين مجهولي الهوية.
وقال اللواء أبو الفضل شكارجي إن المهاجمين أربعة. وتضاربت الأنباء الرسمية حول عدد المهاجمين ومقتلهم. وبينما نقلت ايسنا عن القيادي الإيراني مقتل المسلحين الأربعة قالت وكالة «مهر» نقلا عن شكارجي بأن ثلاثة مهاجمين قتلوا في العملية قبل أن يلفظ المهاجم الرابع آخر أنفاسه بالمستشفى بعد لحظات من نقله.
وبحسب رواية شكارجي أن «المسلحين خبؤوا السلاح قرب محل الاستعراض العسكري قبل أن يتغلغلوا بين حشود الجماهير قرب الاستعراض» وتابع أن المهاجمين استخدموا أسلحة خفيفة من نوعية كلاشنيكوف، مؤكدا أنهم أطلقوا النار باتجاه المنصة الرئيسية.
وقال شكارجي بأن «المهاجمين واجهوا ردا سريعا من القوات الأمنية في المكان وانتهى تبادل إطلاق النار بإصابة المهاجمين».
وتناقلت مواقع التواصل لحظات من مداهمات نفذتها قوات الأمن في الحي المجاور.
وفي الساعات الأولى تناقلت وكالات «الحرس الثوري» تسجيلات تظهر حالة الهلع بين الجنود وسقوط عدد كبير منهم في اللحظات الأولى من الهجوم فيما تناقلت وكالات أنباء حكومية صورا لمواطنين تجمهروا لمشاهدة العرض العسكري في منطقة «لشكرآباد» الشعبية المجاورة لأكبر قواعد الجيش الإيراني ومراكز للاستخبارات و«الحرس الثوري».
وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني يلقي خطابا في طهران أثناء الهجوم. فيما نشر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف تغريدة عبر «تويتر» تضمنت رسائل إلى جهات خارجية وتضمنت تغريدة أربع صور من وكالة «ايسنا» المقربة من الحكومة تظهر الهلع بين النساء والأطفال.
وسرعان ما وجهت إيران التهم إلى دول إقليمية بالوقوف وراء تدريب جماعة أحوازية مسلحة واعتبرت العملية «إرهابية». وتوعد مسؤول كبير «الحرس الثوري» بالرد على الهجوم.
وفي أول رد للمرشد الإيراني علي خامنئي دعا الأجهزة المسؤولة إلى ملاحقة المتورطين في الهجوم بـ«أسرع وقت ممكن» وتسليمهم للقضاء بحسب ما أورد موقعه الرسمي. واتهم خامنئي دولا إقليمية والولايات المتحدة بالوقوف وراء الهجوم وقال في هذا الصدد إن «القلوب الحاقدة لا يمكنها أن ترى انبثاق القوة في استعراض القوات المسلحة» مشيرا إلى أن بلاده ستواصل تنمية قدراتها العسكرية. ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية عن مستشار المرشد الإيراني في الشؤون العسكرية اللواء يحيى رحيم صفوي قوله «على الأعداء ألا يتوهموا أن بوسعهم أن ينالوا العزة بهذه الفعلة المشؤومة. سيرد شعب إيران وقواته المسلحة على هذا».
من جانبه، وجه الرئيس حسن روحاني أوامر إلى الأجهزة الأمنية لمتابعة أحداث الأحواز. ونقلت وكالات أنه أجرى اتصالا بوزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي ومحافظ الأحواز غلام رضا شريعتي الذي كان بين المسؤولين لحظة الهجوم.
وأصدر روحاني الأوامر اللازمة إلى وزارة الأمن لتعبئة إمكانات جميع الأجهزة الأمنية لكشف الإرهابيين وارتباطاتهم والتصدي القاطع لكل من له صلة بهذه الجريمة الإرهابية، بحسب وكالة أنباء فارس التابعة لـ«الحرس».
وقال روحاني إن «الرد على أدنى تهديد سيكون قاطعا ومدمرا، إلا أن على الذين يقدمون الدعم الإعلامي والمعلوماتي للإرهابيين أن يتحملوا المسؤولية».
في نفس السياق، قال وزير الخارجية محمد جواد ظريف إن بلاده سترد على الهجوم بسرعة وحسم محملا عملاء نظام أجنبي المسؤولية عنه. وكتب تغريدة قائلا «هاجم إرهابيون بعد أن قام نظام أجنبي بتجنيدهم وتدريبهم وتسليحهم ودفع الأموال لهم. إيران سترد بسرعة وحسم دفاعا عن أرواح أبنائها».
وتضاربت المعلومات حول الجهة المسؤولة عن الهجوم وبينما أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن الهجوم عبر وكالة «أعماق» التابعة له غير أن «الحرس الثوري» قلل من إعلان «داعش» ووجه أصابع الاتهام إلى مجموعات أحوازية مناوئة للنظام.
وجاء إعلان «داعش» بعد ساعات من تبني «المقاومة الوطنية الأحوازية» مسؤولية الهجوم على القوات المسلحة الإيرانية. وقال متحدث باسم «حركة النضال العربي لتحرير الأحواز»، وهي جماعة عربية مناوئة للحكومة الإيرانية، لوكالة «رويترز» إن المنظمة التي تنضوي حركته تحت لوائها مسؤولة عن الهجوم على العرض العسكري. ولم تقدم أي من الجماعتين دليلا يثبت ما أعلنتاه.
وتعد «حركة النضال العربي لتحرير الأحواز» من بين أبرز الأحزاب التي أعلنت وجودها بعد الانتفاضة الشعبية في الأحواز أبريل (نيسان) 2005. وتقول الحركة إن فصيلها المسلح «كتائب محيي الدين آل ناصر» نفذت سلسلة عمليات عسكرية استهدفت منشآت النفط وأخرى حكومية وعسكرية. وتطالب الحركة بإعادة السيادة وإنهاء ما تعتبره احتلالا إيرانيا للأحواز.
وقال رئيس المكتب السياسي لـ«حركة النضال العربي لتحرير الأحواز»، حبيب جبر عبر حسابه في شبكة «تويتر» إن «استهداف الحرس الثوري في استعراضه العسكري في الأحواز من قبل المقاومة الوطنية الأحوازية يأتي في إطار الدفاع عن النفس وضد ميليشيا عسكرية إرهابية مصنّفة على المستوى الدولي».
وشهدت مدن الأحواز في مارس (آذار) الماضي، احتجاجات ردا على برنامج تلفزيوني إيراني تضمن «إساءات ضد العرب». وكانت الأحواز من بين المناطق التي شهدت احتجاجات ضد تدهور الوضع المعيشي في إيران بداية العام الحالي. وتضم الأحواز أكبر ذخائر النفط والغاز في البلاد إلا أنهم يشتكون من التمييز والحرمان ومحاولات تغيير الهوية العربية كما يتهم سكانها العرب السلطات الإيرانية بتنفيذ مشروع لتحويل مجرى الأنهار من المناطق ذات الأغلبية العربية إلى العمق الإيراني.
وفي إحصائية لافتة، قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في يونيو (حزيران) بأن إيران اعتقلت أكثر من 400 ناشط أحوازي خلال الاحتجاجات الإيرانية.
وفي السنوات الماضية أشارت تقارير المقرر الأممي الخاص بحقوق الإنسان في إيران إلى انتهاكات بحق القوميات غير الفارسية في البلاد ومن بينها اعتقالات عشوائية وإعدامات استهدفت العرب.
وعادة ما توجه السلطات الإيرانية تهما إلى الناشطين الأحوازيين بالانتماء لجهات خارجية. وتعود العمليات المسلحة الأحوازية المناوئة للوجود الإيراني إلى أول أيام نهاية حكم الشيخ خزعل آخر حكام الأحواز. وشهدت الأحواز انقساما بين سكانها في حرب الخليج الأولى، ومع ذلك، نفذت السلطات الإيرانية إعدامات ضد الناشطين العرب بتهمة الانتماء للأحزاب اليسارية والأحزاب القومية وتحديدا حزب البعث العراقي.
ويطالب الأحوازيون بإشراف دولي وإرسال لجان تقصي حقائق للاطلاع على سياسات تستهدف وجودهم وتنفي إيران تلك التقارير وتقول إن قضية الأحواز داخلية.



فرنسا تستضيف «قمة هرمز» بحضور صيني وغياب أميركي

ماكرون وستارمر أمام مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 6 يناير الماضي (د.ب.أ)
ماكرون وستارمر أمام مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 6 يناير الماضي (د.ب.أ)
TT

فرنسا تستضيف «قمة هرمز» بحضور صيني وغياب أميركي

ماكرون وستارمر أمام مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 6 يناير الماضي (د.ب.أ)
ماكرون وستارمر أمام مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 6 يناير الماضي (د.ب.أ)

تتأهب باريس، اليوم، لاستضافة قمة تهدف لبحث سبل إعادة فتح مضيق هرمز، في إطار مبادرة دولية جديدة لحماية حرية الملاحة، بمشاركة نحو 40 دولة.

وقالت مصادر رفيعة فرنسية وبريطانية إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر سيترأّسان القمة التي يشارك فيها حضورياً المستشار الألماني فريدريتش ميرتس، ورئيسة الوزراء الإيطالية جيورجينا ميلوني وآخرون، فيما يشارك فيها «عن بُعد» رؤساء دول وحكومات وممثلون آخرون.

وبحسب قصر الإليزيه، فإن المشاركة الواسعة تعود لكون عدد كبير من الدول تتحمل أعباء إغلاق مضيق هرمز، وما له من تبعات كبرى على اقتصادياتها وماليتها، فضلاً عن رغبتها في تأكيد مجموعة من المبادئ الأساسية التي تحكم قوانين الممرات والبحار والمحيطات. وتشمل المشاركة دولاً أوروبية وعربية وآسيوية وأفريقية ومن أميركا اللاتينية ودول من المحيط الهندي والهادئ؛ ما يوفر لها الطابع الدولي الواسع ويعكس الاهتمام العالمي بالتحديات التي تطرحها الحرب الراهنة. ولن تشارك الولايات المتحدة في المداولات.

«مسؤولية عالمية»

من المقرر أن يؤكد ستارمر خلال القمة أن «إعادة فتح المضيق بشكل فوري ومن دون شروط مسؤولية عالمية»، مشدداً على ضرورة التحرك لإعادة تدفق الطاقة والتجارة العالمية. كما سيعلن، إلى جانب ماكرون، الالتزام بإطلاق مبادرة متعددة الجنسيات لحماية حرية الملاحة، وطمأنة الشحن التجاري، ودعم عمليات إزالة الألغام لضمان استعادة الاستقرار والأمن.

وتجري حالياً التحضيرات لنشر جهد عسكري مشترك «ذي طابع دفاعي بحت» فور توافر الظروف المناسبة، على أن تُستكمل هذه الجهود بعقد قمة تخطيط عسكري متعددة الجنسيات، الأسبوع المقبل، في مقر القيادة المشتركة الدائمة بنورثوود.

كما يُتوقع أن يناقش الشركاء تعزيز التنسيق مع قطاع التأمين لتسريع عودة حركة الشحن التجاري «فور تحسّن الظروف».

يأتي هذا التحرك في وقت كثّف فيه ستارمر، الذي زار دول الخليج، الأسبوع الماضي، جهوده لضمان توظيف الأدوات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية لدعم وقف إطلاق النار، والحد من انعكاسات النزاع على تكاليف المعيشة في الداخل البريطاني.

ومن المنتظر أن يعقد ستارمر وماكرون اجتماعاً ثنائياً على هامش القمة، يتناول استمرار الدعم الأوروبي لأوكرانيا، إلى جانب قضايا مشتركة، تشمل الهجرة غير النظامية، والنمو الاقتصادي، وتعزيز الأمن الأوروبي.

رفع الحصار

من جهتها، تريد باريس أن ترى في التجمع الدولي تعبيراً عن «الطريق الثالث» الذي تدفع باتجاهه.

فمن جانب، هناك إيران التي تسلك سياسة محل انتقاد على المستوى الدولي بسبب طموحاتها النووية والباليستية.

ومن جانب آخر، هناك الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران التي تتم «خارج القوانين الدولية»، وكذلك الحصار الذي تفرضه البحرية الأميركية على الموانئ الإيرانية الذي ينتهك بدوره القوانين المشار إليها، وفق باريس.

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

وما يجمع بين الدول المعنية بـ«مؤتمر باريس» أنها ليست طرفاً مشاركاً في الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، بل إنها المتضررة منها ومن الحصار «المزدوج» المضروب على المضيق. وما تريده الدول المشاركة، بداية، تشكيل مجموعة ذات وزن مؤثر للدفع باتجاه رفع الحصار المزدوج عن «هرمز»، وثانياً رفض زرعه بالألغام البحرية والتمسك بعودته إلى ما كان عليه قبل اندلاع الحرب الأخيرة، أي كونه ممراً حراً ومن غير رسوم تُفرَض على السفن والناقلات التي تمر عبره، وخاضعاً تماماً لأحكام القانون الدولي والقوانين البحرية.

أما من الناحية العملانية، فإن الغرض توفير قوة دولية متعددة الجنسيات تتولى أمن المضيق وتواكب السفن التي تمر فيه بعد أن تتوفر الظروف الضرورية لذلك، أي بعد نهاية الحرب.

تحرك «دفاعي»

ثمة مجموعة من العناصر تركز عليها باريس ولندن وهما الجهتان الداعيتان للمؤتمر، اللتان ستديران أعماله. والمؤتمر، راهناً، ما زال يركز على عملية التخطيط والنظر فيما يستطيع كل طرف أن يقدمه لهذه العملية محض الدفاعية، التي يتعين أن تتم بالتفاهم مع الولايات المتحدة الأميركية ومع إيران.

مروحية بحث وإنقاذ تابعة لمهمة «أسبيدس» لحماية السفن التجارية في البحر الأحمر (أسبيدس)

ولمزيد من الإيضاح، فإن باريس تشدد على طابع العملية السلمي. وإذا كانت تربط انطلاقتها، مع الآخرين، بالشروط المشار إليها سابقاً، فإن الغموض الكبير يسيطر على لحظة انطلاقها، وعلى المدة الزمنية التي ستبقى خلالها فاعلة.

وإذا كانت باريس تقارن بين هذه العملية وعملية «أسبيدس» الأوروبية في باب المندب التي أُطلقت في عام 2023، فإن الفروق بينها كبيرة لجهة الحجم والتحديات، كونها تواكب حرباً تتخطى بكثير ما عرفه باب المندب في السنوات الثلاث الأخيرة، كما أنه يتعين عليها أن تواجه مهمة تنظيف مضيق هرمز من الألغام؛ وهو ما لم يكن مطروحاً بالنسبة لمهمة باب المندب.

وفي أي حال، فإن انطلاقتها ستكون مرهونة بتطور الأحداث في المنطقة وبداية بزوال «الحصارين» على المضيق؛ إذ إنه يصعب تصور انتشارها، بينما البحرية الأميركية ما زالت موجودة هناك، أو إن إيران تتحكم بالدخول والخروج من هرمز.

رهان على بكين ونيودلهي

تراهن لندن وباريس على مشاركة الدول الآسيوية الكبرى المعنية بشكل خاص بما يجري في المنطقة، وعلى رأسها الصين والهند. وإذ تأكدت مشاركة الصين، فإن مستوى المشاركة لم يُكشَف بعد. وتحرص باريس على الإشارة إلى أن المؤتمر مفتوح أمام جميع الراغبين في المساهمة في مهمة استراتيجية وسلمية من هذا النوع، ولدول لم تشارك في الحرب.

جانب من لقاء الرئيس الصيني شي جينبينغ مع وفد روسي يرأسه وزير الخارجية سيرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (رويترز)

بيد أن الغائب الأكبر عن المؤتمر سيكون الولايات المتحدة. لكن المصادر الفرنسية تؤكد أن تواصلاً دائماً قائم مع واشنطن، التي «لم تُبد اعتراضاً» على انعقاد المؤتمر، وأن باريس «تعمل مع العاصمة الأميركية بكل شفافية»، رغم الانتقادات المتكررة التي وجهها الرئيس ترمب للقادة الأوروبيين والأطلسيين الذين رفضوا مساعدته من أجل فتح مضيق هرمز.

وترى باريس في مجيء فريدريتش ميرتس وجيورجينا ميلوني وكير ستارمر للمشاركة في المؤتمر حضورياً علامة مشجعة على جدية التضامن الأوروبي وأهمية العمل الجماعي.

يبقى أن المصادر الرئاسية الفرنسية تشدد على أمر بالغ الأهمية، وهو حاجتها لضمانات من الجانبين، الإيراني والأميركي، لإطلاق «المهمة» الموعودة؛ أن تقدم إيران وعداً بأنها لن تستهدف السفن التجارية والمواكبة لدى مرورها في مضيق هرمز، وأن تقدم واشنطن تعهداً بألا تمنع دخول أو خروج أي ناقلة أو سفينة من وإلى الموانئ الإيرانية. وبكلام آخر أن تكون الأمور قد عادت إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

المستشار الألماني فريدريتش ميرتس خلال مؤتمر صحافي في برلين، يوم 16 أبريل (د.ب.آ)

من جانبه، استبق ميرتس التئام المؤتمر ليطرح شروطه للمشاركة في «المهمة»، أولها بطبيعة الحال وقف إطلاق النار وتوفير الضمانات القانونية لها، وأن تأتي عبر قرار من مجلس الأمن الدولي. أما ثالث الشروط فعنوانه «إعداد خطة عسكرية محكمة». وهذه الشروط الثلاثة تتلاءم تماماً مع الطروحات الفرنسية - البريطانية. بيد أن ميرتس يريد أيضاً توافر دعم كبير لـ«المهمة» من قبل القوات الأميركية؛ الأمر الذي من شأنه أن يثير مشكلة كبرى باعتبار أن فلسفة المهمة الجديدة تقوم على استقلاليتها عن الحضور العسكري الأميركي في المنطقة.


شكوك إيرانية تعترض الجولة الثانية من المفاوضات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
TT

شكوك إيرانية تعترض الجولة الثانية من المفاوضات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

تواجه الجولة الثانية من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة تهديدات واعتراضات متزايدة في ظل شكوك إيرانية بجدية واشنطن، رغم استمرار المشاورات المكثفة التي أجراها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران أمس.

والتقى منير رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وقائد «عمليات هيئة الأركان المشتركة» علي عبد اللهي، حيث عرض تقريراً عن جهود الوساطة، فيما شدد عبد اللهي على جاهزية القوات المسلحة لـ«الدفاع الشامل». وأفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» بأن طهران تشكك في «حسن نيات» واشنطن وترى أن أي جولة جديدة لن تكون مجدية من دون التزام واضح.

ونقلت وكالة «رويترز» عن مصادر إيرانية أن الجانبين يتجهان إلى مذكرة تفاهم مؤقتة مع تحقيق تقدم في «قضايا شائكة»، مقابل استمرار الخلاف حول اليورانيوم عالي التخصيب ومدة القيود النووية. وأشارت المصادر إلى احتمال التوصل إلى مهلة 60 يوماً لاتفاق نهائي.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن بلاده تحرز «تقدماً كبيراً» في المفاوضات، مُرجّحاً التوصل إلى اتفاق قريب، ومشيراً إلى استعداد طهران لاتخاذ خطوات كانت ترفضها سابقاً، بينها تسليم مخزون اليورانيوم المخصب وإعادة المواد النووية، مع التحذير من استئناف القتال إذا فشلت المحادثات.

وأكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أن الحصار البحري سيستمر «طالما لزم الأمر»، محذراً من ضرب البنية التحتية للطاقة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، بينما شدد رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين على أن القوات الأميركية «مستعدة لاستئناف العمليات القتالية فوراً»، مع ملاحقة أي سفن تقدم دعماً لإيران.


ترحيب عربي ودولي باتفاق وقف النار بين لبنان وإسرائيل

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تلقي بياناً في بروكسل يوم 15 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تلقي بياناً في بروكسل يوم 15 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترحيب عربي ودولي باتفاق وقف النار بين لبنان وإسرائيل

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تلقي بياناً في بروكسل يوم 15 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تلقي بياناً في بروكسل يوم 15 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

لقي الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام بين لبنان وإسرائيل، الخميس، ترحيباً محلياً ودولياً.

لبنان

لبنانياً، رحّب رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدنة لعشرة أيّام بين إسرائيل ولبنان بعد أكثر من شهر على اندلاع المواجهة بين الدولة العبرية و«حزب الله»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال سلام: «أرحّب بإعلان وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس ترمب، وهو مطلب لبناني محوري سعينا إليه منذ اليوم الأول للحرب، وكان هدفنا الأول في لقاء واشنطن يوم الثلاثاء»، مضيفاً: «لا يسعني أيضاً إلا أن أشكر كل الجهود الإقليمية والدولية التي بُذلت للوصول إلى هذه النتيجة».

«حزب الله»

من جهته، أعلن «حزب الله» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عن طريق نائبه في البرلمان إبراهيم الموسوي، أن الحزب سيلتزم بوقف إطلاق النار، شرط أن يكون شاملاً، ويتضمن وقفاً للأعمال العدائية الإسرائيلية والاغتيالات ضد الحزب.

وقال الموسوي: «نحن في (حزب الله) سنلتزم بطريقة حذرة، شريطة أن يكون وقفاً شاملاً للأعمال العدائية ضدنا، وألا تستغله إسرائيل لتنفيذ أي اغتيالات، وأن يتضمن تقييداً لحركة إسرائيل في المناطق الحدودية، وأن يشمل وقف الاعتداءات هذا كل الحدود الجنوبية».

السعودية ترحّب بإعلان ترمب وقف إطلاق النار في لبنان

السعودية

رحّبت وزارة الخارجية السعودية بالإعلان عن وقف لإطلاق النار في لبنان، مشيدة بـ«الدور الإيجابي الكبير» للرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، في التوصل إلى ذلك.

وجاء في بيان «الخارجية»: «تجدّد المملكة التأكيد على وقوفها إلى جانب الدولة اللبنانية في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه».

الاتحاد الأوروبي

دولياً، رحّبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الخميس، بوقف إطلاق النار لمدة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان، وأكدت مجدداً أن أوروبا ستواصل المطالبة باحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه.

وكتبت فون دير لاين، في بيان: «أرحب بوقف إطلاق النار المعلن لمدة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان، الذي توسط فيه الرئيس ترمب. إنه لأمر يبعث على الارتياح؛ إذ إن هذا الصراع حصد بالفعل أرواحاً كثيرة للغاية»، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت: «ستواصل أوروبا المطالبة بالاحترام الكامل لسيادة لبنان ووحدة أراضيه. وسنواصل دعم الشعب اللبناني من خلال تقديم مساعدات إنسانية كبيرة».

المجلس الأوروبي

من جانبه، وصف رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان بأنه «خبر رائع».

وأكد أن الاتحاد الأوروبي سيواصل دعم لبنان. وشدد على وجوب تنفيذ وقف إطلاق النار، والتحقق من تنفيذه على أرض الواقع.

فرنسا

بدورها، رحّبت الرئاسة الفرنسية، الخميس، بإعلان وقف إطلاق نار لمدة 10 أيام في لبنان، مؤكدة ضرورة التحقّق من تنفيذه على الأرض.

وقال مستشار للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: «إنها أنباء ممتازة، لكنها ستحتاج إلى التحقّق (منها) على الأرض».

ورداً على تصريحات السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، الذي قال إن باريس لا دور لها في المفاوضات بين إسرائيل ولبنان، أضاف المستشار أن فرنسا تريد «القيام بدور مفيد».

وتابع: «عندما يحين وقت دعم السلطات اللبنانية لاستعادة الأمن وسيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، أعتقد أن كثيرين سيكونون سعداء بالاعتماد على فرنسا، بمن فيهم الإسرائيليون».

إيطاليا

أشادت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الخميس، بوقف لإطلاق النار لـ10 أيام بين إسرائيل ولبنان، مشدّدة على ضرورة احترامه. وقالت، في بيان، إن وقف إطلاق النار «نبأ ممتاز. وأهنّئ الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية بالتوصل إلى هذه الخطوة المهمة بفضل الوساطة الأميركية». وأضافت: «من المهم للغاية الآن أن يتم احترام وقف إطلاق النار بشكل كامل»، معربة عن أملها في أن يقود إلى «سلام كامل ودائم». وأكدت أن إيطاليا «ستواصل أداء دورها عبر المساهمة في حفظ السلام» من خلال قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (يونيفيل)، و«عبر دعم السيادة اللبنانية، بما في ذلك من خلال تعزيز الجيش اللبناني». وتعمل قوة «اليونيفيل» التي تنتشر منذ عام 1978 في الجنوب، كقوة فصل بين لبنان وإسرائيل. وتضم «اليونيفيل» حالياً 754 جندياً من إيطاليا، التي تعد ثاني أكبر دولة مساهمة بعد إندونيسيا التي يبلغ عدد كتيبتها 755 جندياً، وفقاً لأرقام الأمم المتحدة الصادرة في 30 مارس (آذار). واتّهمت روما القوات الإسرائيلية في وقت سابق هذا الأسبوع بإطلاق نيران تحذيرية على قافلة لجنود إيطاليين ضمن قوة «اليونيفيل»، ما ألحق أضراراً بآلية واحدة على الأقل من دون وقوع إصابات.

إيران

قال المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي إن «وقف الحرب في لبنان كان جزءاً من تفاهم وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة بوساطة باكستان»، مشيراً إلى أن إيران شدّدت «منذ البداية، خلال محادثاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية (...) على ضرورة إرساء وقفٍ متزامن لإطلاق النار في كامل المنطقة، بما في ذلك لبنان».

ألمانيا

قال وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، إن بلاده تأمل بـ«مستقبل بين جارين طيبين». وأشار الوزير، في بيان، إلى أن الهدنة «من شأنها أن توفر متنفّساً للسكان على جانبي الحدود».

مجموعة السبع

أكّد وزراء مالية ومحافظو البنوك المركزية لدول مجموعة السبع على ضرورة الحدّ من تكلفة نزاع طويل الأمد في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي، داعين إلى العمل لإحراز تقدم نحو سلام دائم في المنطقة.

المنظمة الدولية للهجرة

رحّبت المنظمة الدولية للهجرة بالتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان، ودعت جميع الأطراف إلى الالتزام به، مؤكدة أن حماية أرواح المدنيين يجب أن تبقى على رأس الأولويات. وقالت المنظمة، في بيان لها، الخميس، إن النزوح الذي شهده لبنان بلغ مستويات مذهلة؛ فقد انتزع الصراع أكثر من مليون شخص من ديارهم، ويوجد حالياً أكثر من 141 ألفاً في أكثر من 700 مركز إيواء جماعي في مختلف أنحاء البلاد.

وأضافت أن كثيراً من هذه المراكز هي عبارة عن مدارس ومبانٍ حكومية مكتظة، تقطنها عائلات تقيم في غرفة دراسية واحدة، بلا خصوصية كافية أو تدفئة حتى أبسط الاحتياجات الأساسية. وأما الآلاف غيرهم فلا مأوى لهم سوى بيوت العائلات التي تستضيفهم أو سياراتهم، حتى الأرصفة والشوارع. وقالت المنظمة إن الخسائر البشرية فادحة؛ إذ تجاوز عدد القتلى ألفَي شخص، وتعرضت مرافق صحية وعاملون فيها للهجوم، كما تعرضت البنى التحتية الحيوية كالطرق والجسور والمنازل للدمار الشديد. وأوضحت المنظمة، في بيانها، أنه رغم أهمية وقف إطلاق النار، فإنه لا يعني انتهاء الأزمة؛ لأن الدمار ما زال قائماً، والعائلات لا تستطيع العودة إلى بيوت لم يعد لها وجود أصلاً.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إسرائيل ولبنان اتفقا على وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام، يبدأ الساعة 5 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، الخميس، حسبما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

وكتب ترمب، عبر حسابه على منصة «تروث سوشيال»، أن اتفاق وقف إطلاق النار جاء عقب محادثات «ممتازة» مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.