اللعب على مفاصل التاريخ والأسطورة

رؤوف مسعد... في «زهرة الصمت»

رؤوف مسعد
رؤوف مسعد
TT

اللعب على مفاصل التاريخ والأسطورة

رؤوف مسعد
رؤوف مسعد

هل قصد رؤوف مسعد في روايته هذه «زهرة الصمت» الصادرة حديثاً عن دار العين، البحث عن المهمش والمسكوت عنه في الشخصية المصرية بكل تعرجاتها وامتدادها في الزمان والمكان؟ هل أراد من خلال اللعب على حافة التاريخ والأسطورة، أن يربط بين الماضي والحاضر، كأنهما ظلال لأشياء انقضت، أشياء تأتي، أو كأن الأسطورة والتاريخ هنا حريتان تتصارعان من أجل حرية واحدة، هي في النهاية حرية الوطن والإنسان معاً؟
يبدو لي أن رؤوف مسعد قصد كل هذا، بل زاد عليه فكرة البناء بالأسطورة، وجعلها في حالة من الموازاة والتقاطع مع الواقع، في أبعاده الماضوية والراهنة واستشرافه للغد أيضاً. فنحن أمام نص مفتوح بحيوية على تخوم البدايات والنهايات، لا يركن إلى البنى الروائية التقليدية، إنما يترك الوقائع والأحداث والشخوص تتشكل بتلقائية في إطار رؤية، هي بمثابة غلالة شفيفة للحظات مدها وجذرها.
ينفتح النص بإهدائية العام والخاص، على روح شهداء الوطن حسبما يقول: «إلى الشهداء من جيش مصر الحديث في حروبه المتعددة، وإلى شهداء الشرطة والجيش بمواجهة الإرهاب الحالي، وإلى شهداء التمييز الديني في مصر... والدول العربية».
تتسع دائرة الإهداء لتشمل «الأسلاف في رحلة بقائهم، الذين حملوا هوياتهم فوق رقابهم وصمدوا... إلى كابحي الجامحين في الكون، وإلى عاشقي المحروسة ومدّاحيها... إلخ».
تطل من ثنايا هذه الاستهلال فكرة تمدُّد الأسطورة كنواة أساسية لفعل القص، ويوظفها الكاتب باقتدار لتصنع حالة متجددة من الموازاة، مع الأزمنة اللاحقة عليها، حتى تصل إلى الراهن المصري المعيش.
في سياق الموازاة هذه تبرز أسطورة إيزيس وأوزوريس، مشكّلة النواة ومركز الثقل في الرواية، ومحور إيقاعها في الوقت نفسه... وكما هو معروف في الميثولوجيا الفرعونية؛ فإن «ست» الشرير قتل أخاه أوزوريس، وقام بتمزيق جسده، ووزّعه في الجبال والوديان والبحر، حتى لا يعود إلى الحياة مرة أخرى، لكن إيزيس زوجته استطاعت أن تجمع أجزاء جسده، وعاشرته، وأنجبت حورس الذي انتقم من عمه وأخذ بثأر أبيه، وأصبح رمزاً للخير والعدل، بينما صار أبوه إله البعث والحساب عند المصريين القدماء. وتذْكر الأدبيات الفرعونية أن عملية تجميع جسد أوزوريس شهدت أول عملية تحنيط للموتى، وفقد حورس عينه اليسرى في معركته مع «ست»، وتولى عرش مصر.
تنبث أسطورة «الرّبّة إيزيس» كرمز للبعث والخلود في كل أجواء الرواية، وتتوحد بها كاهنة المعبد، وربيبتها الشابة، وتستمدان منها القوة في رحلتيهما للهرب من بطش الجنود الرومان، بل تذوبان فيها إلى حد الفناء، فهي القوة التي ستبعث الروح من جديد في الجسد.
ينعكس كل هذا على هوية البناء في الرواية، فنحن أمام بنية سردية، أشبه باللوحة النزقة المغامرة بأقصى طاقات التجريد والتجسيد، ترفض أن يسيّجها إطارٌ أو برواز، بل تكسر خط الأفق، ونمطية الأعلى والأسفل، ممتلكة حيويتها السردية الخاصة. قادرة على تجميع نفسها، من شتى الشظايا، في كتل، وفواصل ونقط وهوامش ودوائر وخطوط وفراغات لا مترامية الأبعاد.
يرفد هذا التوازي مع الأسطورة فكرة أخرى تكمن في قوة الظلال. تستبطن الرواية هذه الفكرة مشرّبة بمسحة من التأمل ذي طابع فلسفي، وتلعب على حدسها في لحظات خاصة بطبيعة الصراع، لافتة إلا أنه لن يتم إدراك الشيء أو معرفته الحقة بعيداً عن ظلاله، فالشيء صنوُ ظله، بل لا وجود له دونه، ولا يعنى ذلك أن الظل ينحسر في صورة الشيء المنعكسة على الأرض فحسب، بل تمتد صورته إلى الأبعد والأشمل، كأنه علاقة بأثر عتيق لم يبقَ منه سوى ظله شاهداً عليه.
فهكذا على مدار الرواية، تظل العلاقة بين الأسطورة وظلالها، محركاً أساسياً لمجريات الصراع، تصعد وتهبط، وتتناثر في الأزمنة والأمكنة، كأنها أنشودة للخلاص بالأسطورة من سطوة تاريخ دموي، تقلّب فيه الغزاة على مصر، من الهكسوس والفرس والرومان، وكلهم سعوا إلى التنكيل بها، وقتل الروح القومية في وجدانها وذاكرتها.
يخص المؤلف في روايته الظلال بفصل مهم يبدأ من صفحة (178) بعنوان «باب الظلال»، استهله بعنوان فرعي سمّاه «حين تختفي الظلال متنكرة». تطالعنا في هذا الفصل حالة من الجدل الشيق بين بعض الشخوص أبطال الرواية الرئيسيين: «النقادي»، المغرم بجمع البرديات القديمة وريث حضارة نقادة الأولي والثانية، والتي تعد أحد المراكز الفرعونية المهمة اقتصادياً في العصر الفرعوني بمحافظة قنا، والضابط «لويس»، ابن «سارة» المسلمة التي تنصّرت وهجرت قبيلتها وتزوجت من أبيه الضابط القبطي.
يتعلم لويس أسرار الظلال على يد الخال «النقادي»... تشفّ هذه الأسرار في الكثير من اللطشات الحوارية بينهما، مسكونة بروح الأسطورة، وعين مفتوحة على السراب وفراغ الصحراء الشاسع، والذي يبدو كانعكاس حي لما يحدث على أرض الواقع في تلك اللحظة من تقلبات واضطرابات سياسية، خصوصاً مع قدوم الغزو العربي، أو الفتح الإسلامي المربك لمصر. فعلى هذا النحو تدور هذه اللطشة الحوارية:
«قال له حينما يشتد الضياء تختفي الظلال... أشار له أنك إذا وقفت تحت ضوء الشمس العمودية في أقوى ساعات الضوء في الظهيرة، فإنك سوف تقف على ظلك، ويكون ظلك صغيراً جداً... وقد لا تراه بعينيك... وحينما تشتد الظلمة أيضاً سوف يختفي ظلك ولا تراه بعينيك.
سأله لويس: وأين يذهب الظل؟
ضحك وقال بجدية: الظل مثل روحك، معك لكن لا تراها، ولا تحس بها، إلا إذا ضاقت بك وضقت بها.
وحين رأى لويس السراب بهر به... تساءل: من أين يأتي هذا الخداع؟ قال له الخال من الظلال... ولم يرد!».
يضع الكاتب في ختام هذه اللطشة علامة تعجب، إمعاناً في الدهشة وإثارة الأسئلة في الداخل والخارج، ما يمكن أن نفهم منه ضمنياً أن لعبة الظلال لا تدور على نفسها فحسب، وإنما تشكّل رسائل وهويات، حول علاقة الكائن بذاته، وعلاقة المجتمع بأنظمته الحاكمة، فثمة حكومات ظل، وثمة معارضة أيضاً، وهناك ظلال ساكنة، لكنها حين تتحرك تصبح كالموج الهادر.
على ضوء هذا، تشكل الرواية مجموعة من الرسائل المهمة، محاولةً من خلالها أن تصحح بشكل أساسي اللغط حول انتشار المسيحية في مصر، خصوصاً في ظل الاضطهاد الروماني للأقباط المصريين، وما أعقبه من تمييز ضدهم لا يزال ينشب مخالبه في جسد مصر حتى الآن. من أبرز هذه الرسائل ما تكشف عنه الرواية، ويمكن وصفه بالعلاقة الحميمة بين الأقباط والحضارة الفرعونية، فهي الألصق بجلدتهم، بل كثيراً ما يرون أنفسهم امتداداً عضوياً لها، على عكس النفور والتملص والهروب من الانضواء تحت العباءة الإسلامية بعد فتح العرب لمصر.
فهكذا، في تدرج الظلال، تشكل الأسطورة الإيزورية، مشهد الختام في الرواية، وهو مشهد مفعم بالتراجيديا، وروح الشعر، تنسجه أسطورة الماضي العريق بدفقها الفرعوني، على جدران لحظة مصيرية من تاريخ مصر، حيث اشتعال ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وواقعة ماسبيرو الشهيرة، وما تعرض له المتظاهرون من محاولات دهس بمركبة للجيش أمام مبنى التلفزيون.
تبلغ الرواية هنا ذروتها الدرامية، فالنص يصبح ضمير ذاته، هو الماضي والحاضر معاً، هو المتكلم والغائب، هو المفرد والجمع. بينما يلمح جندي الحراسة على باب المبنى في الليل زهرة تشق أرض الشارع المنداح أمامه، تتفتح، وتظل مضيئة لمدة عشر دقائق، نصفها قبل منتصف الليل، ونصفها بعده، ثم تختفي، حتى حين داستها عربة تبديل الحراسة الطائشة، تنهض وتتفتح من جديد كأنها في نوبة حراسة أخرى مقدسة، تسلم خلالها الليل للنهار، ليولدا كل يوم من رحم أسطورة الشهيد، الذي رحل عن الحياة بالجسد فقط، بينما روحه لا تزال كامنة في مسامها. تماماً مثل أسطورة إيزيس. نعم «زهرة الصمت» رواية متاهة، لكنها متاهة مغوية ومضيئة، متاهة مصرية بشطحها ونزقها، ولغتها بفصحاها وعاميتها ونبرتها الكلاسيكية أحياناً... إنها رواية مصرية حتى النخاع.


مقالات ذات صلة

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ثقافة وفنون أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أدريانا كاريمبو (غيتي)

أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

وصلت إلى عاصمة النور وكادت تفقد أحلامها، فقد أسكنوها في شقة مع عدد من العارضات المبتدئات وبقيت 5 أيام من دون طعام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
ثقافة وفنون أنتونيس في مكتبه

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات.

آدم نوسيتر
ثقافة وفنون يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».