كابل: أكبر عدد للصحافيين القتلى في عام واحد

أنباء عن فرار البغدادي عبر الأراضي الإيرانية إلىأفغانستان... وتخوف روسي من نشاط متزايد لتنظيم «داعش خراسان»

كابل: أكبر عدد للصحافيين القتلى في عام واحد
TT

كابل: أكبر عدد للصحافيين القتلى في عام واحد

كابل: أكبر عدد للصحافيين القتلى في عام واحد

أبدت الحكومة الروسية تخوفها من وجود تنظيم «داعش خراسان» في الأراضي الأفغانية، وإمكانية تأثيره على دول وسط آسيا التي تعتبرها موسكو الحديقة الخلفية للكرملين. وأشارت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، في مؤتمرها الصحافي الأسبوعي، إلى ظهور بؤر توتر في مختلف أنحاء الأراضي الأفغانية نتيجة لتفعيل أنشطة «داعش» داخل الأراضي الأفغانية، مؤكدة أن موسكو تعمل على استخدام الآليات الخاصة بفرض العقوبات ومكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن الدولي في سبيل التصدي لزيادة نفوذ تنظيم داعش في أفغانستان، وذلك من خلال جمع موسكو قاعدة أدلة لتسليمها إلى لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي بطلب ملاحقة شخصيات منتمية إلى التنظيم في أفغانستان أو مرتبطة به. ودعت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، إلى الانضمام إلى هذه الجهود وتقديم الطلبات أيضاً إلى اللجنة المختصة، موضحة أن ذلك سيتيح لهذه الدول فرض عقوبات أحادية الجانب على المتواطئين مع التنظيم، بما في ذلك تجميد أرصدتهم المصرفية وفرض حظر على سفرهم.
وكان أناتولي سيدوروف، رئيس الأركان الموحدة لدول منظمة «معاهدة الأمن الجماعي» (روسيا ودول وسط آسيا)، أكد في وقت سابق أن أكثر من ألفين وخمسمائة من تنظيم داعش انتقلوا من سوريا إلى أفغانستان والمناطق الحدودية مع باكستان خلال عام، محذراً من أن التنظيم يعتبر أفغانستان قاعدة خلفية له.
وأفاد مصدر أمني باكستاني ومصادر من الجماعات الدينية الباكستانية بدخول عدة مئات من تنظيم داعش الأراضي الأفغانية خلال الشهور الستة الماضية عبر الأراضي الإيرانية، وقال زعيم إحدى الجماعات الدينية الباكستانية إن «غالبية القادمين من تنظيم داعش يوجدون حالياً في إقليم ننجرهار شرق أفغانستان، وأن زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي قد انتقل فعلياً إلى أفغانستان»، حسب قوله، ومر عبر الأراضي الإيرانية. وأضاف مسؤول الجماعة الدينية الباكستانية، الذي طلب عدم الإفصاح عن اسمه، أن الاستخبارات الباكستانية (آي إس آي) رصدت تحركات كثيفة لأعضاء التنظيم، ومحاولتهم الولوج إلى مناطق القبائل الباكستانية، وأن من بين القادمين مئات من العرب، إضافة إلى مئات من غير العرب، قدموا كلهم من الأراضي السورية بعد انتهاء وجودهم هناك العام الماضي، وأن المهمة القادمة لأعضاء التنظيم هي عرقلة «طالبان» في الوصول إلى الحكم في أفغانستان، وإثارة الخلاف بين كل من باكستان وأفغانستان من خلال عمليات يقوم بها التنظيم في الأراضي الأفغانية والباكستانية.
وكان تنظيم داعش شن عدة هجمات انتحارية مؤخراً في مدينة جلال آباد مركز ولاية ننجرهار على منشآت مدنية، منها مركز تمريض وآخر للجنة المهاجرين في مدينة جلال آباد، إضافة لاستهدافه اعتصاماً قامت به قبيلة شنواري في مدينة جلال آباد شرق أفغانستان.
وقد تسببت الحرب في أفغانستان بمعاناة وضحايا في صفوف الصحافيين الأفغان، حيث كانوا عرضة للاستهداف من قبل تنظيم داعش، كما حدث أوائل الشهر الحالي حين فجر انتحاري نفسه في نادٍ للمصارعة في منطقة تقطنها الأقلية الشيعية في أفغانستان. وحين تجمع الصحافيون والسكان المحليون لمعاينة ما حدث قام التنظيم بتفجير سيارة مفخخة كانوا أوقفوها قرب مكان الحادث، ما أدى إلى مقتل العديد من الصحافيين الأفغان، حيث كان من بينهم الصحافي الأفغاني صميم فار أمروز، إضافة إلى صحافي آخر يدعى رامز أحمدي.
وقد أثار مقتل صحافيين أفغان غضباً شديداً لدى زملائهم الذين حبسوا دموعهم أثناء بث خبر وفاتهم على الهواء مباشرة.
وارتفع عدد القتلى من الصحافيين وأفراد طواقم الإعلام إلى 14 صحافياً هذا العام، وهو ما يجعل من أفغانستان أكثر بؤرة خطرة على عمل الصحافيين، حيث يشكل هذا العدد أكبر خسارة للصحافة الأفغانية.
وحسب قول الصحافي الأفغاني حميد حيدري، الذي يعمل في محطة «ون تي في»: «عندما نغادر منازلنا لا نعرف إن كنا سنرجع أحياء لعائلاتنا أم سنقضى أثناء عملنا». وأضاف: «كنت من المحظوظين الذين عادوا من مكان التفجير قبل انفجار السيارة المفخخة بدقائق»، فيما قال لطف الله نجفي زادة، مدير قناة «طلوع» الأفغانية، «الوضع يرهقنا أساساً»، مضيفاً: «الخطر لا يتعلق فقط بموقع الانفجار، بل يتعداه إلى الولاية وصولاً إلى المكتب أو الوجود في المكتب، فجميعها تواجه مخاطر، ومن الصعب أحياناً تقليص هذه المخاطر إلى الصفر».
وكانت أفغانستان شهدت مقتل أكثر من 60 صحافياً وأفراداً من طواقم الإعلام منذ الغزو الأميركي لها عام 2001، أي بمعدل يزيد عن 3 صحافيين كل عام، حسب إحصاءات منظمة «صحافيون بلا حدود»، فيما تقول منظمة أفغانية لحماية الصحافيين «ناي» إن العدد يصل إلى 95 صحافياً.
وأدى انسحاب قوات «الناتو» من مهمة مطاردة «طالبان»، والقيام بعمليات هجومية نهاية عام 2014، إلى زيادة عمليات استهداف الصحافيين في أفغانستان، إذ زاد عدد الصحافيين إلى 39 صحافياً منذ 2014، وأدى ذلك إلى تقليص وسائل الإعلام الأفغانية لتغطياتها للأحداث، حيث اقتصرت على تغطية العمليات الانتحارية من غرف التحرير، وليس من الميدان مباشرة. إلا أن هذا تغير في أبريل (نيسان) الماضي، إذ قتل تسعة من الصحافيين، بينهم كبير مصوري مكتب وكالة الصحافة الفرنسية شاه ميراي، في تفجير مزدوج كان هو الأعنف منذ سقوط حكومة «طالبان».
وحمَّلت منظمات الصحافيين الأفغان، الحكومة الأفغانية والقوات الأمنية، معظم مسؤولية مقتل صحافيين لعدم قيامهم بحمايتهم. لكن وسائل الإعلام أيضاً واجهت انتقادات لتعريضها بشكل متكرر موظفيها للخطر.
وقال سيد إكرام أفضلي، المدير التنفيذي لمجموعة «إنتغريتي ووتش» الأفغانية المدافعة إن «خسارة صحافيين في أحداث مشابهة، الواحد تلو الآخر، وعدم التعلم من الأخطاء، ينم عن سوء إدارة من جانب كل من المؤسسات الإعلامية والحكومية». ويحتل المتمردون العناوين الرئيسية لقتلهم مدنيين وقوات أمن ومسعفين وصحافيين.

لكن منعاً تاماً لتغطية الهجمات الانتحارية «سينم عن عدم احترام للقتلى» بحسب مدير مكتب «بي.بي.سي» شعيب شريفي. وتبذل الشبكة البريطانية جهداً كبيراً لتقليص المخاطر. ويضيف شريفي: «نقوم فعلياً بتقييم ومراقبة كل خطوة خارج المكتب». وحتى الآن تستمر شبكة «ون تي في» الأفغانية التي تكبدت العديد من القتلى والجرحى في تفجيرات هذا العام، في التوجه إلى موقع التفجيرات الانتحارية، بحسب مدير الأخبار والشؤون الحالية عبد الله خنجاني. وأضاف: «أعتقد أنه يحق للناس معرفة ما يحدث في بلدهم». لكنهم ما عادوا يهرعون ليكونوا أول الواصلين إلى الموقع، وبات ارتداء السترات الواقية والخوذ إلزامياً.
إلى ذلك فقد نقلت وكالة «خاما بريس» عن وزارة الدفاع الأفغانية القول إن البنتاغون قرر تزويد القوات الأفغانية برشاشات «إيم 4» بقيمة تصل تقريباً لـ58 مليون دولار، وهي رشاشات حديثة تم تزويد القوات الأردنية والمغربية والباكستانية والسنغالية والتونسية بها من قبل الولايات المتحدة، على أن تنتهي عملية تسليم هذه الرشاشات للقوات الأفغانية بعد عام تقريباً، وذلك في محاولة من القوات الأميركية والدولية لزيادة قدرات القوات الأفغانية على مواجهة مسلحي «طالبان».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended