الإردوغانية الاقتصادية تفقد بعض أوراقها الرابحة... وتتعثر

المستثمرون خائفون والأزمة المصرفية قادمة لا محالة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (رويترز)
TT

الإردوغانية الاقتصادية تفقد بعض أوراقها الرابحة... وتتعثر

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (رويترز)

لم تقتنع الأسواق كفاية بما قاله وزير المالية التركي الخميس الماضي عن الأزمة الاقتصادية وحلولها. بدأ المؤتمر الصحافي جيداً نسبياً فتحسن سعر صرف الليرة قليلاً، لكن مع نهاية ذلك المؤتمر تراجعت العملة وهبطت أسعار أسهم المصارف في البورصة. تحدث الوزير تحت عناوين عدة، أبرزها: إعادة التوازن، التنظيم والتطوير. كان واقعياً إلى حد كبير في ذكر الأرقام، ولا سيما التضخم المتوقع في 2018 بنسبة 20.8 في المائة، وهو الأعلى منذ وصول رجب طيب إردوغان إلى السلطة في 2003، وذكر أن النمو هذه السنة قد يبلغ 3.8 في المائة وبحلول 2019 يصل لنحو 2.3 في المائة، علماً بأن التوقعات السابقة كانت 5.5 في المائة للسنتين المذكورتين.
رغم إعلان هذه الأرقام الأقرب إلى الواقعية، بقي المستثمرون متشككين لأن الوزير لم يتحدث عن الأزمة المصرفية التي طلت برأسها، بقوة مع توقع موجة تعثر في هذا القطاع. فالمقترض بالدولار أو باليورو سيواجه صعوبة بالغة في السداد بعدما هبطت الليرة أكثر من 60 في المائة هذه السنة، كما لم يقتنع المستثمرون بما قاله الوزير عن إجراءات خفض عجز الموازنة، وقال أحدهم «لم نسمع تفاصيل تطمئننا ولم نلمس أن هناك إجراءات للمدى الطويل تصلِح الاختلالات الهيكلية... وما أكثرها!».

- الاختلالات الهيكلية
ماذا عن تلك الاختلالات، وما أسباب الأزمة الاقتصادية والمالية التي تمر بها تركيا منذ سنتين على الأقل؟
تُجمع المصادر المطلعة على أن الإردوغانية الاقتصادية فقدت الكثير من أوراقها الرابحة، ووصلت إلى ما يشبه الطريق المسدودة نسبياً مع بعض المخارج الصعبة، لكن غير المستحيلة، إذا طبقت إصلاحات جذرية تصحح المسار المأزوم حالياً. ولا تتواني المصادر عينها عن ربط عرى الاقتصاد بالسياسة، مشيرة إلى أن النجاحات التي حققها إردوغان في مدى أكثر من 10 سنوات حتى عام 2016 كانت قائمة على الانفتاح الاقتصادي والبراغماتية السياسية. إلا أن شيئاً ما حصل في شخصيته دفعه إلى خيارات مختلفة. وتفاقم ذلك منذ الانقلاب الفاشل الذي تعرض له في يوليو (تموز) 2016. ولا سر في القول، بالنسبة لعدد من المراقبين، أنه فقد بعض رباطة جأشه، وجنح نحو سلطوية أكبر في اتخاذ القرارات، فإذا بالاقتصاد يتأثر ويُظهر علامات ضعف كان يمكن معالجتها بشكل أفضل، خصوصاً أن انخفاض الليرة كان بدأ منذ ذلك الحين، وبلغ هبوط الليرة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 حتى سبتمبر 2018 نحو 106 في المائة، وكان يجب التصدي لذلك منذ غداة الانقلاب، لكن الحبل ترك على غاربه حتى تفاقمت أزمة العملة الوطنية لتورث أزمات أخرى.
وخاف مستثمرون من زيادة قبضته على الإعلام بعد الانقلاب الفاشل، وفرض هيمنته على شركات ومؤسسات قيل إنها تعود لمتواطئين ضده أو ضد سياساته. إلى ذلك، عانى الاقتصاد من عوامل أخرى، مثل عودة الفاتورة النفطية إلى الصعود وارتفاع كلفة الاستيراد مع ارتفاع الدولار.

- أزمة رغم النمو المرتفع
وتشير المصادر التركية وغير التركية إلى أن الضعف المالي كان بدأ يظهر منذ 2017 على الرغم من تحقيق نمو بلغت نسبته 7.4 في المائة. بيد أن ذلك النمو كان هشاً لأنه بني على توسع هائل في الإنفاق العام وعلى اقتراض واسع النطاق، ولا سيما من قبل القطاع الخاص، فأدى ذلك إلى تضخم من خانتين (فوق 10 في المائة) في بداية 2018 حتى وصل مؤخراً إلى 18 في المائة. وكان إردوغان قرأ ما ورد في تقرير لوكالة التصنيف الائتماني (ستاندرد آند بورز) بداية العام الحالي؛ إذ خفضت الوكالة درجة تصنيف جودة الدين العام، وتوقعت أزمة مقبلة وهبوطاً إضافياً لليرة وارتفاعاً أكبر في التضخم. وشعر إردوغان بالخطر عندما بدأت الطبقات الشعبية تتذمر بسبب تآكل القدرة الشرائية وتراجع المداخيل الحقيقية بفعل التضخم المستفحل، وساد آنذاك تهافت على الدولار حتى وصلت نسبة ادخار الأفراد والأسر بالعملة الأميركية إلى 45 في المائة حالياً؛ ما دفع البنك المركزي لرفع الفائدة في أبريل (نيسان) الماضي بشكل خجول وبواقع 75 نقطة أساس لم تغير شيئاً في المعادلة.

- استباق تراجع الشعبية
ويعتمد إردوغان أساساً على الطبقات الشعبية في انتخاباته، وأظهرت استطلاعات الرأي أن شعبيته لا تتقدم كما في السابق؛ إذ وصلت إلى سقف ما يصعب تجاوزه؛ لذا لجأ إلى لعب ورقة الانتخابات التشريعية والرئاسية المبكرة التي أجريت في يونيو (حزيران) الماضي أي قبل موعدها بـ18 شهراً، والتي خاضها إردوغان ليعزز سلطته وصلاحياته أكثر باتجاه السلطات اللامحدودة أحياناً، وخاض الانتخابات ليفوز بها قبل «أن تقع الواقعة»، على حد تعبير مصرفي عربي مخضرم تحدثت إليه الشرق الأوسط، أمس، لتستطلع رأيه، وعشية تلك الانتخابات كان إردوغان يوعز بزيادة الإنفاق الجاري، ولا سيما عندما منح المتقاعدين علاوات سخية ووعد مزارعي الشاي وغيرهم بالدعم، وخفض بعض الضرائب أملاً في إرضاء الناخبين. أما الواقعة فتمثلت في هبوط كبير إضافي لسعر صرف الليرة في الفترة التي تلت الانتخابات، وبخروج ملموس للمستثمرين الأجانب الخائفين من «المعالجات العشوائية للأزمة» بحسب مصرفي فرنسي.

- ما التشخيص؟
وبالعودة إلى التشخيص المالي والاقتصادي يجدر التذكير بأن البنوك المركزية العالمية، وفي مقدمها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بدأت في تشديد السياسات النقدية، ولا سيما هذه السنة والسنة الماضية، وبدأت فوائد الدولار في الارتفاع، وتعزز سعر صرف العملة الأميركية. هذا المستجد دفع بأموال كانت موظفة في الأسواق الناشئة، ومنها تركيا، إلى العودة إلى الولايات المتحدة المزدهرة باقتصادها وأسواقها، وبخاصة بعد انتخاب ترمب رئيساً. وفي الحالة التركية، كان القطاع الخاص قد توسع كثيراً في الاقتراض بالدولار واليورو لتستفيد الشركات التركية من انخفاض الفوائد إلى أدنى مستوياتها التاريخية في مرحلة ما بعد الأزمة المالية التي اندلعت في 2008. فارتفعت تلك الديون إلى 200 مليار دولار لتشكل أكثر من 65 في المائة من الناتج.
ومع هبوط الليرة وارتفاع الدولار واجهت تلك الشركات صعوبة في سداد الديون التي كان معظمها قصير الأجل، كما واجهت ارتفاعاً في تكلفة الإنتاج للأسباب نفسها. ويذكر في هذا المجال أيضاً أن الحساب التركي الجاري تفاقم عجزه ليبلغ 6.5 في المائة من الناتج مع الهبوط التدريجي لسعر صرف العملة المحلية، ولا سيما منذ الانقلاب الفاشل، وكان ذلك العجز يمول تاريخياً من تلك الديون الخارجية.
أما عجز الموازنة فقد تفاقم هو الآخر متأثراً بالتوسع الهائل في الإنفاق العام، ولا سيما الإنفاق على المشروعات العملاقة التي أرادها إردوغان تحت شعار «تركيا العظيمة»، ومن تلك المشروعات أنفاق وجسور ومطارات بكلفة عالية جداً مقابل عوائد قليلة منها. وذلك الإنفاق أعطى منشطات للنمو الذي ارتفع بشكل جيد في 2017 بعد تأثره سلباً بتداعيات الانقلاب الفاشل في 2016، لكنه كان نمواً هشاً في مكوناته؛ لأن القطاع الخاص استمر في التركيز على العقارات التي شهد قطاعها عرضاً أكبر من الطلب، وركز على مشروعات تجارية وسياحية تأثرت بموجة الاعتداءات والتفجيرات الإرهابية التي تعرضت لها تركيا بفعل وصول بعض ألسنة لهب الحرب السورية إليها، كما بسبب احتدام النزاع التركي - الكردي، ثم وقعت أزمة مع روسيا بعد إسقاط طائرة حربية، وأتت النزاعات التجارية الدولية لتتوج كل ذلك بتأثيرات سلبية إضافية.

- كره الفائدة
ولمواجهة التضخم الراكب صهوة جواد جامح كان لا بد من رفع أسعار الفوائد بحسب المصرفيين الدوليين؛ فهذا هو العلاج الضروري في حالة كهذه. وهنا أيضاً اصطدم المستثمرون والمصرفيون برأي مخالف للرئيس إردوغان الكاره لرفع الفائدة، معتبراً إياها «أم المشكلات» من وجهة نظر دينية، كما قال مستشاروه. وظهرت مشكلة عدم استقلالية البنك المركزي الراغب في رفع الفائدة، لكنه خائف من إردوغان.
والأنكى، برأي المصادر المالية الدولية، أن الرئيس التركي لم يترك مناسبة إلا واستغلها لفرض وجهة نظره الأحادية في هذا المجال. وذهب به الأمر في مايو (أيار) الماضي وخلال اجتماع في لندن مع مصرفيين ورؤساء صناديق استثمارية إلى القول «أنا السياسة النقدية، والسياسة النقدية أنا!»، ما زاد خوف هؤلاء على استقلالية البنك المركزي التركي ومصداقيته. وفي كل مرة كان «المركزي» يرفع الفائدة، ولا سيما خلال شهر سبتمبر الحالي، كان الرفع يأتي متأخراً أشهراً عدة عن موعده المطلوب.
وما زاد الطين بلة، برأي المصرفيين، تلك القرارات التي تصدر بمراسيم هي أقرب إلى «الفرمانات» مثل تقييد التعامل بالدولار وتغيير حدود الاقتراض وفرض ضرائب على ودائع العملات الأجنبية مقابل إلغائها على العملة الوطنية... ما أعطى انطباعاً بالتخبط أحياناً في ظل غياب الحزمة الإصلاحية المتكاملة القائمة ليس فقط على السياسات النقدية، بل المالية أيضاً لجهة خفض الإنفاق ومعالجة عجز الموازنة. ويقول أحد المصرفيين «تلك القرارات المتسرعة حيناً تعبر عن حالة هلع ما في مكان ما».

- التعنت في السياسات
وتضيف المصادر المالية الدولية المطلعة، أن سياسة إردوغان انشغلت كثيراً بتنشيط النمو بأي ثمن حتى لو تطلب الأمر هيمنة إضافية من قبله على مرافق معينة مثل الصندوق السيادي الذي تأسس في 2016، ثم عيّن نفسه رئيساً له مؤخراً وعين صهره وزير المالية نائباً للرئيس.
وأراد أن ينقل إلى هذا الصندوق أصولاً حكومية مثل مساهمات في بنوك وشركات اتصالات ومواصلات وتوزيع غاز، على أن يسمح للصندوق بالاقتراض بهدف الاستمرار في تمويل المشروعات العملاقة التي وصفها غربيون بالمشروعات «المجنونة» أو المفعمة «بإحساس العظمة»، بدليل أن تسويقها إعلامياً أتى تحت شعار «افتخري بعظمتك يا تركيا!». فإردوغان يعلم أن هذا النوع من المشروعات كان تاريخياً يزيده شعبية، ويريد الاستمرار على هذا المنوال رغم انتقادات لعمل الصندوق؛ لأن بعض تعاملاته غير شفافة من وجهة نظر المنتقدين، وأنه يعتمد في تمويل المشروعات على شراكات مع القطاع الخاص الذي يحظى بضمانات نسبتها 80 في المائة من التمويل مقابل عوائد ليست على المستوى الحقيقي للجدوى الاقتصادية المتوقعة من تلك المشروعات والمرافق. وعندما تعلو بعض الأصوات المحذرة من التوسع في الإنفاق المؤدي إلى نمو غير صحي مصحوب بالتضخم، يرد إردوغان إما بعنف أو استهزاء، كما قال مرة لمنتقدي سياسية تحفيز النمو بأي ثمن «إنكم تغارون فقط!»، وعندما كانت الآراء تحتدم مطالبة برفع الفائدة كان يعترض بشدة حتى قال في 31 مارس (آذار) الماضي «إن خفض التضخم ليس برفع الفائدة، بل بخفضها، ومن يدعي خلاف ذلك فحسابه معي». وبالإشارة إلى تعنته أيضاً، برأي بعض المستثمرين، يقول عضو في اتحاد أرباب العمل التركي «طالبناه بتطبيع الأوضاع وإلغاء حالة الطوارئ الممدة 8 مرات، فإذا به يتهمنا غاضباً بأن ذلك ضد مصلحة البلد، ومؤكداً أن حالة الطوارئ مستمرة وستمدد». ويضيف ذلك العضو «هناك اعتقاد بنظرية المؤامرة المستمرة؛ ما يدفع الرئيس للتحدث والتصريح بشكل شبه يومي. وهذا لا يطمئن المستثمرين كثيراً، بل يجعلهم حذرين أكثر». كما أنه يرفض أي تدخل من صندوق النقد الدولي كما فعلت مصر والأرجنتين ودول أخرى كثيرة، متمسكاً بنظرية «السيادة الاقتصادية»، وتراوده أحلام أخرى بين الحين والآخر مثل وقف التعامل بالدولار ومفاوضة الصين وروسيا ودول أخرى للتعامل بالعملات الوطنية في الاستيراد والتصدير، لكن الأسواق لا ترضخ لهكذا محاولات بالنظر إلى خطورة ذلك من جهة وعدم واقعيته من جهة أخرى.
وتختم المصادر بالقول «تركيا بلد كبير ومحوري جيوسياسي في المنطقة والعالم، وفيه قطاعات صناعية وزراعية وخدماتية وسياحية وإنتاجية واعدة، وموارد بشرية جيدة نسبياً، ويتمتع بموقع جغرافي تحلم به أي دولة تريد حجز مكان مرموق على الخريطة الاقتصادية الدولية؛ لذا فلا خوف كبيراً على البلاد من انهيار اقتصادي شامل، لكن كل الخوف يأتي من بعض التعنت في السياسات التي ظهر أنها خاطئة أحياناً وتحتاج إلى تصويب اليوم قبل الغد، وهذه الكرة في ملعب إردوغان وحده دون سواه».



«المركزي السويسري» يواجه «رسوم ترمب» بتدخلات قياسية في سوق الصرف

يظهر شعار البنك الوطني السويسري على مبناه في برن (رويترز)
يظهر شعار البنك الوطني السويسري على مبناه في برن (رويترز)
TT

«المركزي السويسري» يواجه «رسوم ترمب» بتدخلات قياسية في سوق الصرف

يظهر شعار البنك الوطني السويسري على مبناه في برن (رويترز)
يظهر شعار البنك الوطني السويسري على مبناه في برن (رويترز)

ضاعف البنك الوطني السويسري مشترياته من العملات الأجنبية بأكثر من أربعة أضعاف خلال العام الماضي، في مسعى لكبح ارتفاع الفرنك السويسري، وذلك عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض تعريفات جمركية مرتفعة على الشركاء التجاريين في أبريل (نيسان).

ووفقاً للتقرير السنوي الصادر يوم الثلاثاء، بلغ إجمالي مشتريات البنك من العملات الأجنبية نحو 5.2 مليار فرنك سويسري (6.6 مليار دولار)، مقارنة بـ1.2 مليار فرنك في عام 2024، وفق «رويترز».

وشهد الفرنك -الذي يُعد من أبرز عملات الملاذ الآمن- ارتفاعاً بنسبة 14 في المائة مقابل الدولار خلال العام الماضي، وبنسبة 0.9 في المائة أمام اليورو، مما أدى إلى زيادة تكلفة الصادرات السويسرية في الأسواق الخارجية.

ويرجّح اقتصاديون أن يواصل البنك تدخله في سوق الصرف خلال العام الحالي، في ظل الضغوط التصاعدية على الفرنك الناتجة عن التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب على إيران، إلى جانب تردد البنك في خفض أسعار الفائدة إلى ما دون الصفر، حيث يستقر المعدل حالياً عند صفر في المائة.

وفي إشارة نادرة هذا الشهر، أكد البنك الوطني السويسري استعداده للتدخل في أسواق العملات، بعدما دفعت تداعيات الصراع الفرنك إلى أعلى مستوياته مقابل اليورو منذ أكثر من عقد.

وقال الخبير الاقتصادي لدى بنك «إي إف جي»، جيان لويجي ماندروزاتو: «نتوقع أن يصبح البنك الوطني السويسري أكثر نشاطاً في سوق الصرف خلال عام 2026»، مشيراً إلى أن مسار التدخل سيعتمد بدرجة كبيرة على مدة الصراع في المنطقة.

وأضاف: «في ظل بقاء أسعار الفائدة عند الصفر، تظل التدخلات في سوق العملات الأداة الأنسب، للحد من مخاطر الارتفاع المفرط والسريع في قيمة الفرنك».

ومن المقرر أن يعلن البنك الوطني السويسري قراره المقبل بشأن السياسة النقدية يوم الخميس.


تصاعد رهانات التحوط ضد الروبية الهندية مع تفاقم التوترات مع إيران

رجل يتحدث على هاتفه بجانب شعار الروبية وعملات هندية أمام مقر البنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)
رجل يتحدث على هاتفه بجانب شعار الروبية وعملات هندية أمام مقر البنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)
TT

تصاعد رهانات التحوط ضد الروبية الهندية مع تفاقم التوترات مع إيران

رجل يتحدث على هاتفه بجانب شعار الروبية وعملات هندية أمام مقر البنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)
رجل يتحدث على هاتفه بجانب شعار الروبية وعملات هندية أمام مقر البنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)

شهدت تداولات خيارات الروبية الهندية ارتفاعاً ملحوظاً منذ اندلاع الحرب على إيران، في انعكاس واضح لازدياد أنشطة المضاربة والتحوط، مع توجه غالبية التدفقات نحو رهانات قصيرة الأجل على ضعف العملة، مما يشير إلى استمرار الضغوط على الروبية.

ويعكس هذا النشاط المكثف، إلى جانب الميل نحو المراكز الهبوطية قصيرة الأجل، التأثير العميق لارتفاع أسعار النفط -الناتج عن الحرب- على الأسواق المالية، وإعادة تشكيل مراكز المستثمرين في سوق العملات، وفق «رويترز».

وحسب بيانات مجموعة بورصة لندن، بلغت القيمة الاسمية لخيارات الدولار مقابل الروبية المتداولة في الولايات المتحدة نحو 18.5 مليار دولار خلال الأسبوعين الأولين من مارس (آذار)، مقتربة من المستويات الشهرية التي تراوحت بين 24 و25 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة السابقة. وبعد تعديل الأرقام وفق قصر الفترة، يتضح أن الأحجام تضاعفت تقريباً، مما يعكس قفزة حادة في الطلب منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وتُعد الهند من أكثر الاقتصادات تأثراً بتقلبات أسعار النفط، نظراً إلى اعتمادها على استيراد أكثر من 80 في المائة من احتياجاتها من الطاقة، في وقت يهدد فيه التصعيد في الشرق الأوسط أيضاً بتقليص التحويلات المالية والإضرار بالصادرات.

ومن شأن استمرار ارتفاع أسعار النفط أن يُفاقم الضغوط على ثالث أكبر اقتصاد في آسيا، عبر توسيع عجز الحساب الجاري وزيادة معدلات التضخم، مما يجعل الروبية أكثر عرضة للتقلبات مقارنة بنظيراتها.

وقد ارتفع خام برنت بأكثر من 40 في المائة منذ بداية الحرب، في حين تراجعت الروبية بنسبة 1.6 في المائة، لتستقر قرب أدنى مستوياتها التاريخية عند 92.4550 مقابل الدولار، مع ترجيحات بأن تكون الخسائر أكبر لولا تدخل البنك المركزي لدعم العملة.

وتوفر بيانات المشتقات المالية خارج البورصة في الولايات المتحدة -التي تُبلّغ إلى مستودعات بيانات المقايضات- رؤية أوضح حول اتجاهات السوق وتدفقات الأموال؛ إذ تشير إلى تفوق أحجام عقود شراء الدولار/الروبية مقابل عقود البيع، ما يعكس استعداد الأسواق لمزيد من ضعف العملة الهندية.

كما تتركز أسعار تنفيذ هذه العقود حول المستويات الحالية للسوق أو أعلى منها بقليل، في إشارة إلى توقعات بارتفاع تدريجي في سعر الصرف، بدلاً من تحركات حادة ومفاجئة.

وتُظهر البيانات أن معظم النشاط يتركز في آجال استحقاق قصيرة، ما يعزّز فرضية سعي المستثمرين للاستفادة من التقلبات قصيرة الأجل المرتبطة بتطورات الحرب.

وقال مدير محافظ في صندوق تحوط مقره سنغافورة -طالباً عدم الكشف عن هويته- إن «الأسبوع الماضي تمحور حول الاستعداد لتصعيد الصراع، وهو ما ضغط على عملات الدول المستوردة للنفط، ويبدو أن هذا الاتجاه مستمر هذا الأسبوع أيضاً»، في إشارة إلى استمرار إعادة تموضع المستثمرين بين الأصول الرابحة والخاسرة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة.


«مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)
سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)
TT

«مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)
سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)

تمضي العاصمة الرياض بخطى واثقة نحو تحديث بنيتها التحتية من خلال مشروع «مواقف الرياض». فهذا المشروع ليس مجرد تنظيم لحركة المركبات، بل هو استراتيجية متكاملة لتحويل المساحات العامة إلى أصول حضرية ذات قيمة اقتصادية تهدف إلى تحسين جودة الحياة، وتقليل الازدحام، ودعم الحراك الاقتصادي في الشوارع التجارية، والأحياء الحيوية.

يأتي تسليط الضوء على منظومة «مواقف الرياض» في هذا التوقيت بالتزامن مع الحراك الشامل الذي تشهده العاصمة لتحويلها إلى واحدة من أفضل 10 مدن في العالم من حيث جودة الحياة، والقدرة التنافسية. ومع اكتمال مراحل التشغيل الفعلي لشبكة قطار الرياض، تشكل المواقف المنظمة حلقة مهمة لضمان انسيابية الوصول للمحطات، والمراكز التجارية الكبرى.

وكان مشروع «مواقف الرياض»، التابع لأمانة منطقة الرياض، انطلق فعلياً في مرحلته الأولى في 25 أغسطس (آب) من العام 2024، مستهدفاً تنظيم الحركة المرورية في 12 منطقة حيوية بالعاصمة، ومستخدماً أنظمة دفع إلكترونية، وتطبيقاً ذكياً لإدارة المواقف، وتحسين تجربة المستخدمين. وتتوزع خريطة المشروع بين إدارة 24 ألف موقف مدفوع في الشوارع التجارية النابضة بالحركة، وتخصيص أكثر من 140 ألف موقف مجاني لسكان الأحياء السكنية؛ في خطوة تهدف أساساً إلى حماية حقوق السكان في مواقف ميسرة، والحد من ظاهرة الوقوف العشوائي التي تؤرق المجمعات السكنية والتجارية على حد سواء.

ويجري تنفيذ المشروع عبر شراكة بين «ريمات الرياض للتنمية»، الذراع التنموية لأمانة منطقة الرياض، وشركة «سلوشنز» -الذراع التقنية لمجموعة «إس تي سي»، والمتخصصة في خدمات إدارة تكنولوجيا المعلومات، والخدمات الرقمية- وذلك لإنشاء وإدارة وتشغيل وصيانة المواقف العامة الذكية في مدينة الرياض ضمن عقد يمتد لعشر سنوات، في إطار نموذج الشراكة بين القطاعين العام، والخاص.

ويعتمد نظام إدارة المواقف على استخدام التقنيات الحديثة، مثل أجهزة الاستشعار الذكية، وتطبيقات الهاتف الجوال، وتحليل أنماط الاستخدام، ومعدلات الإشغال، بما يساعد على تحسين إدارة المواقف، وتخطيط البنية التحتية المستقبلية، إضافة إلى تقليل زمن البحث عن موقف شاغر، وتحسين انسيابية الحركة المرورية.

فرص استثمارية

وفي هذا السياق، تعمل شركة «ريمات الرياض» على توسيع تطوير منظومة المواقف خارج الشارع، حيث طرحت أكثر من 50 فرصة استثمارية بمساحة تقارب 200 ألف متر مربع، بالشراكة مع القطاع الخاص، في مواقع استراتيجية تشهد كثافة مرورية، مثل المناطق المجاورة للمستشفيات، ومحطات قطار الرياض، والمراكز التجارية.

كما وقّعت الشركة عقدين مع شركة «أرسان» لتطوير وتشغيل 11 موقعاً جديداً للمواقف السطحية في عدد من الأحياء الحيوية بمدينة الرياض، في خطوة تهدف إلى زيادة المعروض من المواقف، وتنظيم استخدامها، والحد من الوقوف العشوائي.

وتشمل المشاريع الجديدة أعمال الإنشاء، والإدارة، والتشغيل، والصيانة في مواقع داخل أحياء مرتفعة الكثافة، مثل المربع، والملقا، والياسمين، والمروج، بمساحة إجمالية تبلغ نحو 20500 متر مربع، وذلك ضمن جهود رفع كفاءة التنقل، وتحسين المشهد الحضري في العاصمة.

الأثر الاقتصادي

يرى المطور العقاري والرئيس التنفيذي لشركة «منصات العقارية» خالد المبيض، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تنظيم المواقف في الشوارع التجارية يسهم في رفع كفاءة استخدام المساحات العامة، ويعزز سهولة الوصول إلى الأنشطة التجارية، مشيراً إلى أن توفر المواقف المنظمة يعد عاملاً مهماً في تحسين جاذبية المواقع التجارية، وزيادة قدرتها على استقطاب الزوار.

وأوضح أن التنظيم الجيد للمواقف لا يقتصر تأثيره على حركة المرور فحسب، بل يمتد إلى الجانب الاقتصادي، إذ تصبح المواقع التي تتوفر فيها مواقف منظمة وسهلة الدفع أكثر جاذبية للمستأجرين، والمستثمرين، الأمر الذي قد ينعكس على تحسن مستويات الإيجارات، واستقرارها مقارنة بالمناطق التي تعاني من فوضى المواقف، أو صعوبة الوصول.

وأضاف أن مشروع «مواقف الرياض» يمكن أن يسهم في إعادة توزيع الحركة التجارية داخل الشوارع الحيوية، حيث يؤدي توفر المواقف المنظمة إلى رفع معدل دوران المواقف، ما يسمح بزيادة عدد الزوار القادرين على الوصول إلى المحلات التجارية.

وبيّن أن ذلك قد يعزز معدلات الإشغال في المتاجر، ويزيد من النشاط الاقتصادي في بعض الشوارع، خصوصاً تلك التي كانت تعاني سابقاً من احتكار المواقف لفترات طويلة.

وأشار المبيض إلى أن مثل هذه المشاريع قد تدفع المطورين العقاريين مستقبلاً إلى إعادة النظر في تصميم المشاريع التجارية، ومتعددة الاستخدامات، بحيث تصبح إدارة المواقف وكفاءة الوصول جزءاً أساسياً من دراسات الجدوى، والتخطيط العمراني.

ولفت إلى أن المواقف في المدن الحديثة لم تعد مجرد عنصر خدمي، بل تحولت إلى عامل اقتصادي مؤثر في تجربة الزائر، وحجم الإقبال على المواقع التجارية، بل وحتى في تقييم الأصول العقارية على المدى الطويل.